حميد سعيد: الشعر الحقيقي هو الذي يبدع قراءه

الشاعر العراقي يتحدث عن بدايات القصيدة عنده و«الوعي بها» ونقدها

حميد سعيد
حميد سعيد
TT

حميد سعيد: الشعر الحقيقي هو الذي يبدع قراءه

حميد سعيد
حميد سعيد

أردنا لهذا الحوار مع الشاعر العراقي حميد سعيد أن يكون حول القصيدة، وبداياتها، وزمانها، والوعي بها، ونقدها. وليس سهلا أن تحاور شاعرا يدرك شأن القصيدة، يدركها بحواسه وافتتانه بها مبنى ومعنى، وبهيامه بها باعتبارها قصيدة حالمة، فاتنة، وهاربة دائما. هي الخلاصة التي خرجت بها من محاورة شاعر مثل حميد سعيد، فإجاباته تفتح شهية تعدد الأسئلة وتفرعها وانشطارها إلى قضايا متنوعة تصب في منابع الشعر وتستمد قدرتها الخلاقة من جذوره.

* تظل بداية القصيدة هي المرحلة الأصعب عندك..
- ألا تُشاركني الظن بأن جميع البدايات، على صعيد ما هو إبداعي، تتّسم بالصعوبة؟ وهل تشاركني الرأي في أن معظم القصائد المهمة تتوفر على بدايات متميزة، جماليا وفكريا، حيث تتشكّل المقومات الإبداعية، في بداية إبداعية، هي أشبه ببراعم الشجرة التي تفتح الباب للربيع، أو كما هي بدايات المطر. من المعروف أن الصيادين في البر والبحر تكون أحوالهم وهم في انتظار الصيد، ومن ثَمَّ في أوقات التماس مع ما يصطادون، أحوالا تتسم بالقلق ونشاط الفكر والمخيّلة، مهما كانت خبراتهم واستعداداتهم وتجاربهم، فإذا اطمأنوا إلى دخولها في حبائلهم تراجع القلق وفتر نشاط الفكر والمخيّلة، وكان الحضور للخبرة. كذلك هو العمل الإبداعي وكذلك هي علاقة المبدع به.
تحدّثت سابقا عن تشكّل القصيدة في ما أطلقت عليه «المدى الوهمي» الممتد بين الذهن والمخيّلة، حيث تأتي الكتابة لاحقا، في لحظة يتوحد فيها إيقاعان، داخلي وخارجي، حيث تكون البداية تماثل ما هو على الورقة، مع ما قد تشكل قبلها، وهذا ما يجعل من مرحلة بداية القصيدة هي المرحلة الأصعب. إن البداية هي مرحلة التماس، في حالة الصيد، وإذ تتجلى لي البداية عبر كينونتها على الورقة، أكون قادرا على كتابة القصيدة كما أراها وكما أريدها. قد تتمرد البدايات وتعاند، ولا تدخل في مدى الكتابة، لكن الشاعر بخبرته يعرف كيف يُروِّضها، ويقودها إلى حيث يشاء.
* ليس للقصيدة زمن محدد، على حد تعبيرك، لكن حين تنساب في مجرى النص، هل تمتلك زمنها وتفصح عن مكون التحقيب، أم أنها تنتمي إلى الفضاء اللامتناهي؟
- يمكننا القول إنه ليس من تناقض بين التحقيب وفضاء الزمن اللامتناهي، كما جاء وصفه في السؤال، وإن كان التحقيب حيث يعبر النص الإبداعي عن عصره، فكريا وجماليا، هو ما يمنح الإبداع الكثير من خصوصيته ويمنحه العمق أيضا.
إن ملحمة جلجامش، مثلا، بقدر ما عبّرت عن إشكالية وجودية تتعلق بزمنها، فإنها تواصل حضورها في الزمن بكل متغيراته، وكذلك هي الإلياذة، ومثلهما ما كتبه المعري والخيام وشكسبير. إن القول بأنه ليس للقصيدة زمن محدد لا يعني كونها مقطوعة الجذور عن زمنها ولا تنتسب إليه ولا تعبر عن قضاياه، وإنما هي التي تتواصل مع المستقبل، والتي تمثلّت الماضي وتواصلت معه. فما زلنا إلى اليوم نقرأ امرأ القيس ولبيد وطرفة بن العبد وسحيم عبد بني الحسحاس، وما زالت نصوص الشعراء العذريين ونصوص شعراء المدن، يمثلهم أبو نواس، تشاركنا قراءاتنا وخبراتنا الإبداعية.
ولو ارتضينا جدلا ثنائية التحقيب والفضاء التاريخي، فإن حقبة القصيدة تتوارى خلف الفضاء التاريخي. حتى الموقف في الإبداع، إن كان ثمة موقف في هذا العمل الإبداعي أو ذاك، يتلاشى بتأثير المتغيرات الكبرى، حتى يكاد يفقد ما كان له من أهمية وتأثير، وتبقى المقومات الجمالية في الإبداع حاضرة ومستقطبة.
* قُلت إن مرجعيات الإبداع هي مرجعيات الحياة، هل نفهم من قولك هذا إن الوعي بالشعر هو إدراك الحياة والتماس معها، حتى في تناقضاتها؟
- نعم.. إن ما ورد في السؤال بشقيه أراه صحيحا. خلال أعوام الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، كنت أسهر، كلما كنت في مدينة الحلة، مع الزجال المعروف محمد علي القصاب، وكان يتعصب لي شاعرا، رغم أنه شبه أمّي، ولا أظن أنه قرأ شيئا لي، كما لم أقرأ في كل سهراتي معه قصيدة من شعري. لكن لو ذهبنا معا إلى سوق من أسواق المدينة أو إلى أحد مقاهيها لكان في نظر المواطنين هو الشاعر، وما أنا إلاّ واحد من المعجبين بشعره، وفي تلك السهرات كانت أحاديثنا تتشعب، فأتحدث عن أشخاص وتجارب ومدن وكتب وأحداث، وكان يستمع إلى ما أتحدث عنه بشغف، وفجأة يقول: «بهذه المعرفة كانت شاعريتك».
إن هذا الزجال البسيط يدرك العلاقة بين الإبداع والتجربة الحياتية بمصادرها العديدة، ومعظم التجارب الإبداعية المتميزة تمثلّت تجارب معرفية وحياتية متميزة، منها بالتأكيد القراءة، غير أن القراءة وحدها لا تشكِّل فعلا يُعمِّق مسار التجربة الإبداعية، إنْ لم تقترن بتجربة حياتية عميقة وثرية، وبغير هذين العاملين تكون محاولات الإبداع باهتة وضعيفة، لا تترك أثرا ولا تثير أسئلة أو تفتح حوارا، وتظل مهمشة لا تدخل محيط القبول ولا محيط الرفض، لذا نجد أن النص الشعري الذي لا يتجاوز أن يكون تجريدا لغويا باردا، لا يتوفر على ما يثير التجريد من أسئلة وما يفتح من آفاق على الصعيدين الجمالي والفكري.
لذا يصح القول بأن الوعي بالشعر هو إدراك الحياة، وتجاوز التماس معها إلى الغور فيها والاشتباك معها، في صراعاتها وتناقضاتها وقضاياها، وليس من حدود لآفاق الإبداع، وجميع مفردات الحياة هي التي تشكّل المدى الذي يتحرك فيه.
* من خلال وعيك الشعري والنقدي في آن، من الأكثر تأثيرا، هل هو المبنى/ الشكل، أو المعنى/ المحتوى والمضمون، وأيهما يُدخل القصيدة إلى مملكة الشعر؟
- المبنى/ الشكل والمعنى/ المحتوى والمضمون، تقسيم افتراضي، لا يتجاوز حضورهما بعض القراءات النظرية، أما في القراءة الإبداعية، حيث يكون المتلقي شريكا في النص، فمثل هذا التلقّي بمنأى عن هذا التقسيم الافتراضي، فبوحدتهما تكون القصيدة، وبهما موحدين تدخل إلى مملكة الشعر. إن تحولات القصيدة، منذ طفولتها الأولى حتى الآن، وفي جميع الثقافات واللغات، لا ينفصل فيها المبنى عن المعنى، وفي أي تحوّل يكون الجديد واحدا وموحدا. إن الشكل سواء كان في الشعر أو في مجالات الإبداع الأخرى ليس إطارا خارجيّا، يؤطر المعنى، بل هو بعض المعنى والمعنى بعض منه، والقصيدة هي أعلى حالات التكامل بينهما.
* الشعر الحقيقي هو الذي يبدع قراءه، هذه المقولة لك.. هل للشعر في زماننا مثل هذه القدرة الخلاّقة على تفعيل هذا الإبداع؟
- التجارب الشعرية، سواء تمثّلت في تجربة شاعر أو في شعر مرحلة أو في موجة شعرية جديدة، تتجاوز السائد والشائع والمألوف، بهذا القدر أو ذاك، وتؤسس لذائقة ووعي جديدين، وهذا التجاوز يضع حدا بينها وبين المتلقي الذي ألف ما كان، وصار من غير اليسير عليه مغادرة المألوف والاستجابة لما هو جديد.
غير أن التجارب المهمة، حتى وهي تغادر الشائع والمألوف وتبتعد عنه، وتأتي بما هو جديد وخارج محيط ما هو مألوف، تواجه المتلقي بالدهشة وتثير أسئلة تفتح مجالات الحوار، وقد تأخذه إلى إلفة أخرى معها. هذا ما أقصده، في ما قلت، بأن الشعر الحقيقي هو الذي يبدع قرّاءه، وهذا يحدث الآن كما كان في الماضي وربما سيكون في المستقبل أيضا، بل هذا ما حدث في جميع المتغيرات التي عرفها الشعر.
في بدايات التحوّل الذي عرفه الشعر العربي في النصف الأول من خمسينات القرن الماضي، من خلال نصوص الشعراء الرواد، كنّا نتجاوز ما ألفنا، وفي استجاباتنا لذلك الجديد من جهة، وفي صدامنا مع أولئك الذين هم في حالة قطيعة مع الأسئلة، مع ثباتهم على ما ألفوا من قبل، من جهة ثانية، فنكون بعض هذا التحوّل، وهكذا يبدع الشعر قراءه. ولم يحدث أن كان القارئ في توجهاته الجديدة ووعيه بالمتغيرات قد سبق النص الجديد ومتغيراته، ولو راجعنا تاريخ الأدب لوجدنا هذا الحوار الخلافي قد رافق كل حركات التجديد، وجميع المتغيرات الإبداعية.
* هل ما زالت الأوراق الجميلة والأقلام الجذابة ترافقك في مواصلة الكتابة؟
- يذكرني هذا السؤال ببيت شعري شهير للشاعر عمر بن أبي ربيعة:
«وذو الشوق القديم وإنْ تأسّى.. مشوقٌ حين يلقى العاشقينا».
وأقول: أبعدتني الظروف التي أعيشها في السنين الأخيرة، منذ أن غادرت بغداد بعد احتلالها، عن بعض ما يمكن أن يعدَّ ترفا، وتنازلت عن حاجات أساسية وغير أساسية، وغيّرت بعض ما كنت قد اعتدت عليه من متطلبات الحياة، وقاطعت أخرى. حتى ما أشار إليه السؤال بشأن الأوراق الجميلة والأقلام الملونة، أكاد أكتفي بما يتوافر لي منها، لكن ما إن أمرُّ بأحد محلات القرطاسية وأراها معروضة في الواجهة أو على الرفوف، فإنها تغويني وأكون ضعيفا أمام الرغبة في اقتناء ما يلفت نظري منها، فأضيفها إلى ما عندي، وهو كثير.
في الصيف الماضي رافقت حفيدتي «فاطمة» إلى إحدى مكتبات القرطاسية في شارع الغاردنز بعمّان، وهي مغرمة بتجميع الدفاتر والأقلام، وإذ كانت تختار من معروضات تلك المكتبة منها، وجدتني أنا الآخر أقتني بعض ما تقتنيه حفيدتي. وما زال ابني د.مصعب يجمع لي ما يعجبه من الدفاتر الأنيقة والأقلام الرشيقة، ويقدمها لي كلما التقينا. وفي حواراتي مع الشاعر الفلسطيني هشام عودة التي نشرها في كتاب «الشمعة والدرويش» وردت إشارة إليها، لذا وبعد صدور الكتاب وصلتني هدايا كثيرة من الدفاتر والورق والأقلام، لذا، ما زلت أكتب قصائدي على أوراق أنيقة وأفضّلها صقيلة، ولا يتجاوز حجمها حجم الكف، وبعدد من الأقلام الملونة. حتى حين أكتب مقالة أجدني أميل إلى اختيار أوراق صغيرة الحجم نسبيا، ولا أحب الكتابة على الأوراق كبيرة الحجم.
* دفترك الأخضر الذي سرقته امرأة مجنونة، أيام كنت صبيا، هل تتذكر بعض ما كتبت على صفحاته، وهل تحنُّ إليه؟
- يا لك من منقِّبٍ ماهر ومثابر، من أين لك هذه الحكاية؟ حكاية الدفتر الأخضر صارت جدّ بعيدة، حتى حين تحدثت عنها يوما كان ذلك قبل زمن طويل، ثم طوتها الأحداث والسنين. لكن سؤالك هذا يمنحني فرصة للحديث عنه:
حين التحقت بالصف الأول الابتدائي في عام 1948، كانت آثار الحرب العالمية الثانية ما زالت قائمة ومؤثرة - أدركت هذا طبعا في ما بعد - ولم يكن من اليسير الحصول على دفاتر مدرسية حسنة الصنع، وأذكر أن بعض الدفاتر التي كانت توزع التلاميذ الفقراء من قبل إدارة المدرسة تتمزق أوراقها بمجرد مرور القلم عليها، ولم أكن قد رأيت دفترا أنيقا ولا أتيح لي أن أحصل على قلم صالح للكتابة بيسر، ليس لأنني غير قادر على اقتنائها، ولكن لأن ما كان متوفرا منها في الأسواق من أردأ الأنواع.
لقد كنت في الصف الثالث الابتدائي يوم حصلت على دفتر أنيق بغلاف سميك أخضر اللون، وكان من الهدايا التي تقدمها إحدى شركات الدخان المحلية. لم أعد أتذكر كيف حصلت عليه، لكنني وفي الوقت ذاته حصلت على قلم حبر، وصرت أكتب على صفحاته ما كنت أستمع إليه من أغان وأهازيج وأبيات شعر، ثم بدأت أحاول تقليدها بالقدر الذي أستطيع، لكنني لا أتذكر الآن شيئا مما كتبته على صفحات ذلك الدفتر الأخضر، الذي سرقته منّي امرأة مجنونة، لم أستطع استرداده منها، مع أنني أتذكر غلافه وصفحاته بوضوح، بل أتذكر كتاباتي الأولى بقلم الحبر، ولم يكن خطي قد استقرّ بعد، إذ صرت في مرحلة لاحقة أكتب بخط «الرقعة»، واختياري خط الرقعة كان من دون توجيه، وربما لأن والدي كان يكتب بخط الرقعة، بجمال ووضوح. لقد بقيت أعواما طويلة أنتظر عودة الدفتر الأخضر وأحلم به، وكانت مخيلتي تبالغ في أهمية ما كتبت على صفحاته. أما الآن، فما عدت أنتظر عودته ولا أحلم به، بل ما عاد يخطر ببالي، لكنك بهذا السؤال أعدتني إليه وإلى زمانه.
* وفاطمة، أما زالت تنتظرك في بغداد.. ومن هي فاطمة، هل هي امرأة، أم أنها حلم؟
- كانت طفلة في عامها الرابع أو الخامس، تشارك الأولاد السباحة بشط الحلة، وتسبقهم وهي تعوم بثوبها الطويل والسميك، وربما كان ثوبها الوحيد، ثم غابت، ولم أعرف سببا لغيابها. لكنني كنت أتخيلها كلما اقتربت من النهر مساء، وكانت تكبر معي كلما كبرت، إذ بمرور الزمن كنت أتخيل تلك التي تخرج لي في المساءات من النهر، صبيةً وشابةً وامرأة. وكانت تمثل لي من ينتظرني وليس من أنتظره، ثم صارت رمزا لكل ما كان غائبا، وأبحث عنه. يا الله.. كم تمنيت أن تكون الآن في انتظاري ببغداد، لكنني أكاد أشكّ بأن مثل هذا اللقاء سيكون.
* الكاتب العراقي الراحل عبد الحميد العلوجي قال يوما: إن حميد سعيد يتغزّل بامرأة جميلة، ويوهمنا بأنه يكتب عن تأميم النفط!
- كان الراحل عبد الحميد العلوجي مثقفا موسوعيا وإنسانا جليلا، ساخرا ومحبّا ومتواضعا، وكنت أناكده باحترام ومحبة، إذ كلما سافرت وبخاصة إلى مصر وأقطار المغرب العربي، ووجدت كتابا من كتب الجنس ذات الطابع الشعبي، كنت أرسله إلى عنوانه في وزارة الثقافة والإعلام من دون أن أفصح عن مرسله، لكن حين نلتقي بعد ذلك يتجاهل أنني من أرسل له ذلك الكتاب، لكنه يحدثني عنه، عن تاريخه ومؤلفه وطبعاته وأخطاء النشر وما إلى ذلك مما يتعلق بذلك الكتاب. أما قوله الذي يشير إليه السؤال، فقد كان بشأن قصيدة «عن القصيدة» التي كتبتها بعد معاناة، عن انتصار العراق على الشركات الاحتكارية النفطية، في معركة تأميم النفط العراقي في نهاية ربيع 1972 وبداية صيفه، إذ ما اعتدت أن أكتب قصيدة في مناسبة وما كان مناسبا ألا أكتب قصيدة في انتصار وطني كهذا.
وقد كتبت عن هذه التجربة، في كتابي «الكشف عن أسرار القصيدة» بكثير من التفاصيل، لا أريد تكرارها، إذ بالإمكان العودة إليها في كتابي المذكور. نعم.. لقد كانت قصيدة مختلفة، غير مباشرة، وكانت استثنائية بين ما كتب من شعر عن ذلك الانتصار التاريخي، بل هي استثنائية في ما يكتب من شعر في المناسبات والمعارك الوطنية، وكان العلوجي، في ما قاله أيامذاك، يفصح عن طرافته وسخريته الراقية، من جهة، وعن وعيه، بل عن وعي المرحلة التي ينتسب إليها بشأن شعر المناسبات بعامة، والشعر الوطني بخاصة، فهو مثل كل أبناء تلك المرحلة، يصعب عليهم قبول كتابة قصيدة غير مباشرة في مناسبة من نوع الانتصار في معركة تأميم النفط العراقي على الشركات الاحتكارية التي تحكم العالم وتتحكم في مصائر الدول والشعوب.



زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.