حميد سعيد: الشعر الحقيقي هو الذي يبدع قراءه

الشاعر العراقي يتحدث عن بدايات القصيدة عنده و«الوعي بها» ونقدها

حميد سعيد
حميد سعيد
TT

حميد سعيد: الشعر الحقيقي هو الذي يبدع قراءه

حميد سعيد
حميد سعيد

أردنا لهذا الحوار مع الشاعر العراقي حميد سعيد أن يكون حول القصيدة، وبداياتها، وزمانها، والوعي بها، ونقدها. وليس سهلا أن تحاور شاعرا يدرك شأن القصيدة، يدركها بحواسه وافتتانه بها مبنى ومعنى، وبهيامه بها باعتبارها قصيدة حالمة، فاتنة، وهاربة دائما. هي الخلاصة التي خرجت بها من محاورة شاعر مثل حميد سعيد، فإجاباته تفتح شهية تعدد الأسئلة وتفرعها وانشطارها إلى قضايا متنوعة تصب في منابع الشعر وتستمد قدرتها الخلاقة من جذوره.

* تظل بداية القصيدة هي المرحلة الأصعب عندك..
- ألا تُشاركني الظن بأن جميع البدايات، على صعيد ما هو إبداعي، تتّسم بالصعوبة؟ وهل تشاركني الرأي في أن معظم القصائد المهمة تتوفر على بدايات متميزة، جماليا وفكريا، حيث تتشكّل المقومات الإبداعية، في بداية إبداعية، هي أشبه ببراعم الشجرة التي تفتح الباب للربيع، أو كما هي بدايات المطر. من المعروف أن الصيادين في البر والبحر تكون أحوالهم وهم في انتظار الصيد، ومن ثَمَّ في أوقات التماس مع ما يصطادون، أحوالا تتسم بالقلق ونشاط الفكر والمخيّلة، مهما كانت خبراتهم واستعداداتهم وتجاربهم، فإذا اطمأنوا إلى دخولها في حبائلهم تراجع القلق وفتر نشاط الفكر والمخيّلة، وكان الحضور للخبرة. كذلك هو العمل الإبداعي وكذلك هي علاقة المبدع به.
تحدّثت سابقا عن تشكّل القصيدة في ما أطلقت عليه «المدى الوهمي» الممتد بين الذهن والمخيّلة، حيث تأتي الكتابة لاحقا، في لحظة يتوحد فيها إيقاعان، داخلي وخارجي، حيث تكون البداية تماثل ما هو على الورقة، مع ما قد تشكل قبلها، وهذا ما يجعل من مرحلة بداية القصيدة هي المرحلة الأصعب. إن البداية هي مرحلة التماس، في حالة الصيد، وإذ تتجلى لي البداية عبر كينونتها على الورقة، أكون قادرا على كتابة القصيدة كما أراها وكما أريدها. قد تتمرد البدايات وتعاند، ولا تدخل في مدى الكتابة، لكن الشاعر بخبرته يعرف كيف يُروِّضها، ويقودها إلى حيث يشاء.
* ليس للقصيدة زمن محدد، على حد تعبيرك، لكن حين تنساب في مجرى النص، هل تمتلك زمنها وتفصح عن مكون التحقيب، أم أنها تنتمي إلى الفضاء اللامتناهي؟
- يمكننا القول إنه ليس من تناقض بين التحقيب وفضاء الزمن اللامتناهي، كما جاء وصفه في السؤال، وإن كان التحقيب حيث يعبر النص الإبداعي عن عصره، فكريا وجماليا، هو ما يمنح الإبداع الكثير من خصوصيته ويمنحه العمق أيضا.
إن ملحمة جلجامش، مثلا، بقدر ما عبّرت عن إشكالية وجودية تتعلق بزمنها، فإنها تواصل حضورها في الزمن بكل متغيراته، وكذلك هي الإلياذة، ومثلهما ما كتبه المعري والخيام وشكسبير. إن القول بأنه ليس للقصيدة زمن محدد لا يعني كونها مقطوعة الجذور عن زمنها ولا تنتسب إليه ولا تعبر عن قضاياه، وإنما هي التي تتواصل مع المستقبل، والتي تمثلّت الماضي وتواصلت معه. فما زلنا إلى اليوم نقرأ امرأ القيس ولبيد وطرفة بن العبد وسحيم عبد بني الحسحاس، وما زالت نصوص الشعراء العذريين ونصوص شعراء المدن، يمثلهم أبو نواس، تشاركنا قراءاتنا وخبراتنا الإبداعية.
ولو ارتضينا جدلا ثنائية التحقيب والفضاء التاريخي، فإن حقبة القصيدة تتوارى خلف الفضاء التاريخي. حتى الموقف في الإبداع، إن كان ثمة موقف في هذا العمل الإبداعي أو ذاك، يتلاشى بتأثير المتغيرات الكبرى، حتى يكاد يفقد ما كان له من أهمية وتأثير، وتبقى المقومات الجمالية في الإبداع حاضرة ومستقطبة.
* قُلت إن مرجعيات الإبداع هي مرجعيات الحياة، هل نفهم من قولك هذا إن الوعي بالشعر هو إدراك الحياة والتماس معها، حتى في تناقضاتها؟
- نعم.. إن ما ورد في السؤال بشقيه أراه صحيحا. خلال أعوام الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، كنت أسهر، كلما كنت في مدينة الحلة، مع الزجال المعروف محمد علي القصاب، وكان يتعصب لي شاعرا، رغم أنه شبه أمّي، ولا أظن أنه قرأ شيئا لي، كما لم أقرأ في كل سهراتي معه قصيدة من شعري. لكن لو ذهبنا معا إلى سوق من أسواق المدينة أو إلى أحد مقاهيها لكان في نظر المواطنين هو الشاعر، وما أنا إلاّ واحد من المعجبين بشعره، وفي تلك السهرات كانت أحاديثنا تتشعب، فأتحدث عن أشخاص وتجارب ومدن وكتب وأحداث، وكان يستمع إلى ما أتحدث عنه بشغف، وفجأة يقول: «بهذه المعرفة كانت شاعريتك».
إن هذا الزجال البسيط يدرك العلاقة بين الإبداع والتجربة الحياتية بمصادرها العديدة، ومعظم التجارب الإبداعية المتميزة تمثلّت تجارب معرفية وحياتية متميزة، منها بالتأكيد القراءة، غير أن القراءة وحدها لا تشكِّل فعلا يُعمِّق مسار التجربة الإبداعية، إنْ لم تقترن بتجربة حياتية عميقة وثرية، وبغير هذين العاملين تكون محاولات الإبداع باهتة وضعيفة، لا تترك أثرا ولا تثير أسئلة أو تفتح حوارا، وتظل مهمشة لا تدخل محيط القبول ولا محيط الرفض، لذا نجد أن النص الشعري الذي لا يتجاوز أن يكون تجريدا لغويا باردا، لا يتوفر على ما يثير التجريد من أسئلة وما يفتح من آفاق على الصعيدين الجمالي والفكري.
لذا يصح القول بأن الوعي بالشعر هو إدراك الحياة، وتجاوز التماس معها إلى الغور فيها والاشتباك معها، في صراعاتها وتناقضاتها وقضاياها، وليس من حدود لآفاق الإبداع، وجميع مفردات الحياة هي التي تشكّل المدى الذي يتحرك فيه.
* من خلال وعيك الشعري والنقدي في آن، من الأكثر تأثيرا، هل هو المبنى/ الشكل، أو المعنى/ المحتوى والمضمون، وأيهما يُدخل القصيدة إلى مملكة الشعر؟
- المبنى/ الشكل والمعنى/ المحتوى والمضمون، تقسيم افتراضي، لا يتجاوز حضورهما بعض القراءات النظرية، أما في القراءة الإبداعية، حيث يكون المتلقي شريكا في النص، فمثل هذا التلقّي بمنأى عن هذا التقسيم الافتراضي، فبوحدتهما تكون القصيدة، وبهما موحدين تدخل إلى مملكة الشعر. إن تحولات القصيدة، منذ طفولتها الأولى حتى الآن، وفي جميع الثقافات واللغات، لا ينفصل فيها المبنى عن المعنى، وفي أي تحوّل يكون الجديد واحدا وموحدا. إن الشكل سواء كان في الشعر أو في مجالات الإبداع الأخرى ليس إطارا خارجيّا، يؤطر المعنى، بل هو بعض المعنى والمعنى بعض منه، والقصيدة هي أعلى حالات التكامل بينهما.
* الشعر الحقيقي هو الذي يبدع قراءه، هذه المقولة لك.. هل للشعر في زماننا مثل هذه القدرة الخلاّقة على تفعيل هذا الإبداع؟
- التجارب الشعرية، سواء تمثّلت في تجربة شاعر أو في شعر مرحلة أو في موجة شعرية جديدة، تتجاوز السائد والشائع والمألوف، بهذا القدر أو ذاك، وتؤسس لذائقة ووعي جديدين، وهذا التجاوز يضع حدا بينها وبين المتلقي الذي ألف ما كان، وصار من غير اليسير عليه مغادرة المألوف والاستجابة لما هو جديد.
غير أن التجارب المهمة، حتى وهي تغادر الشائع والمألوف وتبتعد عنه، وتأتي بما هو جديد وخارج محيط ما هو مألوف، تواجه المتلقي بالدهشة وتثير أسئلة تفتح مجالات الحوار، وقد تأخذه إلى إلفة أخرى معها. هذا ما أقصده، في ما قلت، بأن الشعر الحقيقي هو الذي يبدع قرّاءه، وهذا يحدث الآن كما كان في الماضي وربما سيكون في المستقبل أيضا، بل هذا ما حدث في جميع المتغيرات التي عرفها الشعر.
في بدايات التحوّل الذي عرفه الشعر العربي في النصف الأول من خمسينات القرن الماضي، من خلال نصوص الشعراء الرواد، كنّا نتجاوز ما ألفنا، وفي استجاباتنا لذلك الجديد من جهة، وفي صدامنا مع أولئك الذين هم في حالة قطيعة مع الأسئلة، مع ثباتهم على ما ألفوا من قبل، من جهة ثانية، فنكون بعض هذا التحوّل، وهكذا يبدع الشعر قراءه. ولم يحدث أن كان القارئ في توجهاته الجديدة ووعيه بالمتغيرات قد سبق النص الجديد ومتغيراته، ولو راجعنا تاريخ الأدب لوجدنا هذا الحوار الخلافي قد رافق كل حركات التجديد، وجميع المتغيرات الإبداعية.
* هل ما زالت الأوراق الجميلة والأقلام الجذابة ترافقك في مواصلة الكتابة؟
- يذكرني هذا السؤال ببيت شعري شهير للشاعر عمر بن أبي ربيعة:
«وذو الشوق القديم وإنْ تأسّى.. مشوقٌ حين يلقى العاشقينا».
وأقول: أبعدتني الظروف التي أعيشها في السنين الأخيرة، منذ أن غادرت بغداد بعد احتلالها، عن بعض ما يمكن أن يعدَّ ترفا، وتنازلت عن حاجات أساسية وغير أساسية، وغيّرت بعض ما كنت قد اعتدت عليه من متطلبات الحياة، وقاطعت أخرى. حتى ما أشار إليه السؤال بشأن الأوراق الجميلة والأقلام الملونة، أكاد أكتفي بما يتوافر لي منها، لكن ما إن أمرُّ بأحد محلات القرطاسية وأراها معروضة في الواجهة أو على الرفوف، فإنها تغويني وأكون ضعيفا أمام الرغبة في اقتناء ما يلفت نظري منها، فأضيفها إلى ما عندي، وهو كثير.
في الصيف الماضي رافقت حفيدتي «فاطمة» إلى إحدى مكتبات القرطاسية في شارع الغاردنز بعمّان، وهي مغرمة بتجميع الدفاتر والأقلام، وإذ كانت تختار من معروضات تلك المكتبة منها، وجدتني أنا الآخر أقتني بعض ما تقتنيه حفيدتي. وما زال ابني د.مصعب يجمع لي ما يعجبه من الدفاتر الأنيقة والأقلام الرشيقة، ويقدمها لي كلما التقينا. وفي حواراتي مع الشاعر الفلسطيني هشام عودة التي نشرها في كتاب «الشمعة والدرويش» وردت إشارة إليها، لذا وبعد صدور الكتاب وصلتني هدايا كثيرة من الدفاتر والورق والأقلام، لذا، ما زلت أكتب قصائدي على أوراق أنيقة وأفضّلها صقيلة، ولا يتجاوز حجمها حجم الكف، وبعدد من الأقلام الملونة. حتى حين أكتب مقالة أجدني أميل إلى اختيار أوراق صغيرة الحجم نسبيا، ولا أحب الكتابة على الأوراق كبيرة الحجم.
* دفترك الأخضر الذي سرقته امرأة مجنونة، أيام كنت صبيا، هل تتذكر بعض ما كتبت على صفحاته، وهل تحنُّ إليه؟
- يا لك من منقِّبٍ ماهر ومثابر، من أين لك هذه الحكاية؟ حكاية الدفتر الأخضر صارت جدّ بعيدة، حتى حين تحدثت عنها يوما كان ذلك قبل زمن طويل، ثم طوتها الأحداث والسنين. لكن سؤالك هذا يمنحني فرصة للحديث عنه:
حين التحقت بالصف الأول الابتدائي في عام 1948، كانت آثار الحرب العالمية الثانية ما زالت قائمة ومؤثرة - أدركت هذا طبعا في ما بعد - ولم يكن من اليسير الحصول على دفاتر مدرسية حسنة الصنع، وأذكر أن بعض الدفاتر التي كانت توزع التلاميذ الفقراء من قبل إدارة المدرسة تتمزق أوراقها بمجرد مرور القلم عليها، ولم أكن قد رأيت دفترا أنيقا ولا أتيح لي أن أحصل على قلم صالح للكتابة بيسر، ليس لأنني غير قادر على اقتنائها، ولكن لأن ما كان متوفرا منها في الأسواق من أردأ الأنواع.
لقد كنت في الصف الثالث الابتدائي يوم حصلت على دفتر أنيق بغلاف سميك أخضر اللون، وكان من الهدايا التي تقدمها إحدى شركات الدخان المحلية. لم أعد أتذكر كيف حصلت عليه، لكنني وفي الوقت ذاته حصلت على قلم حبر، وصرت أكتب على صفحاته ما كنت أستمع إليه من أغان وأهازيج وأبيات شعر، ثم بدأت أحاول تقليدها بالقدر الذي أستطيع، لكنني لا أتذكر الآن شيئا مما كتبته على صفحات ذلك الدفتر الأخضر، الذي سرقته منّي امرأة مجنونة، لم أستطع استرداده منها، مع أنني أتذكر غلافه وصفحاته بوضوح، بل أتذكر كتاباتي الأولى بقلم الحبر، ولم يكن خطي قد استقرّ بعد، إذ صرت في مرحلة لاحقة أكتب بخط «الرقعة»، واختياري خط الرقعة كان من دون توجيه، وربما لأن والدي كان يكتب بخط الرقعة، بجمال ووضوح. لقد بقيت أعواما طويلة أنتظر عودة الدفتر الأخضر وأحلم به، وكانت مخيلتي تبالغ في أهمية ما كتبت على صفحاته. أما الآن، فما عدت أنتظر عودته ولا أحلم به، بل ما عاد يخطر ببالي، لكنك بهذا السؤال أعدتني إليه وإلى زمانه.
* وفاطمة، أما زالت تنتظرك في بغداد.. ومن هي فاطمة، هل هي امرأة، أم أنها حلم؟
- كانت طفلة في عامها الرابع أو الخامس، تشارك الأولاد السباحة بشط الحلة، وتسبقهم وهي تعوم بثوبها الطويل والسميك، وربما كان ثوبها الوحيد، ثم غابت، ولم أعرف سببا لغيابها. لكنني كنت أتخيلها كلما اقتربت من النهر مساء، وكانت تكبر معي كلما كبرت، إذ بمرور الزمن كنت أتخيل تلك التي تخرج لي في المساءات من النهر، صبيةً وشابةً وامرأة. وكانت تمثل لي من ينتظرني وليس من أنتظره، ثم صارت رمزا لكل ما كان غائبا، وأبحث عنه. يا الله.. كم تمنيت أن تكون الآن في انتظاري ببغداد، لكنني أكاد أشكّ بأن مثل هذا اللقاء سيكون.
* الكاتب العراقي الراحل عبد الحميد العلوجي قال يوما: إن حميد سعيد يتغزّل بامرأة جميلة، ويوهمنا بأنه يكتب عن تأميم النفط!
- كان الراحل عبد الحميد العلوجي مثقفا موسوعيا وإنسانا جليلا، ساخرا ومحبّا ومتواضعا، وكنت أناكده باحترام ومحبة، إذ كلما سافرت وبخاصة إلى مصر وأقطار المغرب العربي، ووجدت كتابا من كتب الجنس ذات الطابع الشعبي، كنت أرسله إلى عنوانه في وزارة الثقافة والإعلام من دون أن أفصح عن مرسله، لكن حين نلتقي بعد ذلك يتجاهل أنني من أرسل له ذلك الكتاب، لكنه يحدثني عنه، عن تاريخه ومؤلفه وطبعاته وأخطاء النشر وما إلى ذلك مما يتعلق بذلك الكتاب. أما قوله الذي يشير إليه السؤال، فقد كان بشأن قصيدة «عن القصيدة» التي كتبتها بعد معاناة، عن انتصار العراق على الشركات الاحتكارية النفطية، في معركة تأميم النفط العراقي في نهاية ربيع 1972 وبداية صيفه، إذ ما اعتدت أن أكتب قصيدة في مناسبة وما كان مناسبا ألا أكتب قصيدة في انتصار وطني كهذا.
وقد كتبت عن هذه التجربة، في كتابي «الكشف عن أسرار القصيدة» بكثير من التفاصيل، لا أريد تكرارها، إذ بالإمكان العودة إليها في كتابي المذكور. نعم.. لقد كانت قصيدة مختلفة، غير مباشرة، وكانت استثنائية بين ما كتب من شعر عن ذلك الانتصار التاريخي، بل هي استثنائية في ما يكتب من شعر في المناسبات والمعارك الوطنية، وكان العلوجي، في ما قاله أيامذاك، يفصح عن طرافته وسخريته الراقية، من جهة، وعن وعيه، بل عن وعي المرحلة التي ينتسب إليها بشأن شعر المناسبات بعامة، والشعر الوطني بخاصة، فهو مثل كل أبناء تلك المرحلة، يصعب عليهم قبول كتابة قصيدة غير مباشرة في مناسبة من نوع الانتصار في معركة تأميم النفط العراقي على الشركات الاحتكارية التي تحكم العالم وتتحكم في مصائر الدول والشعوب.



من يعيد لبيوت الجنوب بريقها المدفون تحت الركام؟

الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)
الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)
TT

من يعيد لبيوت الجنوب بريقها المدفون تحت الركام؟

الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)
الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)

لم يحدث لأحد من الفلاسفة والباحثين، وربما من الشعراء، أن احتفى بالبيوت، في دلالاتها الأكثر عمقاً وقابلية للتأويل، كما فعل غاستون باشلار. ذلك أن الفيلسوف الفرنسي الظاهراتي لم ير إلى البيوت بوصفها هندسة جمالية «موضوعية»، أو وجوداً مادياً لامبالياً بسكانه، بل اعتبرها حاضنة الحياة الأمومية، والحارس الأوفى لخزائن الذكريات، والينبوع المتجدد للألفة الدافئة.

على أن أهل الجنوب اللبناني، الذين اضطرتهم الحروب المتلاحقة والعنف الدموي الإسرائيلي، إلى النزوح المتكرر عن بيوتهم وأماكن سكناهم بحثاً عن ملاذ آمن، لم يكن عليهم قراءة باشلار، لكي يدركوا أهمية تلك الأماكن، التي تركوا في عهدتها مهج قلوبهم، وضوء عيونهم، وأعذب ما ادّخروه لشتاء أعمارهم من الذكريات. ولعل هذا التشبث المرَضي بالبيوت قد وجد ترجمته في إصرار الكثيرين منهم على ملازمة قراهم في أشد الظروف حلكةً، سواء تعلق الأمر بخراب الزراعة وكساد مصادر الرزق، أو بتعاقب الاجتياحات وأهوال الحروب.

اللافت أن أولئك الذين اضطروا لمغادرة بلداتهم باتجاه بيروت والمهاجر البعيدة، بحثاً عن فرص أفضل للعيش، كانوا يضعون في رأس أولوياتهم بناء بيوت لائقة بما كابدوه من مشقات، يحولونها عندما يعودون إلى فسحة هانئة لضغضغة الأيام واستقبال الزائرين، وتزجية المساحة الفاصلة بين الشيخوخة والموت. وإذا كان الشريط الطويل من الفيلات والدور الباذخة، الذي يمتد من الناقورة إلى العرقوب، قد بدا من بعض نواحيه ثمرة اليسر المادي لمغتربي المناطق الحدودية، فإن مبالغة «جنوبيي الجنوب» في الاعتناء المفرط بالبيوت، التي أحاطوها بالحدائق والأسوار، لم يكن سببها التنافس فيما بينهم فحسب، بل لأنهم رأوا فيها المجسمات الرمزية لتشبثهم بالبقاء، وعلامات التحدي المرفوعة بثقة بالغة في وجه الاحتلال.

إلا أن كل ما تحمله الجنوبيون من متاعب، وكل ما فعلوه لتضليل اليأس، وكل احتفائهم الكرنفالي بالنجاة، سرعان ما حولته أسلحة الفتك الإسرائيلي إلى ركام. وحيث حسبوا واهمين أن ما عبر ستة عقود متعاقبة من فظاعات وأهوال كان كافياً لتسديد ما توجب عليهم دفعه من أثمان، فقد بدت الحروب المتعاقبة التي كُتبت عليهم مواجهتها من قبل، مجرد «بروفات» تمهيدية مصغرة للحرب الأخيرة، التي تكفلت خلالها الآلة العسكرية الزاحفة للعدو، بمحو القرى من جذورها، والإجهاز على ما يفصح عنه رمادها المتبقي من مظاهر الحياة.

أما شعار «حرب الحضارة على البربرية»، الذي رُفع قبل سنوات لتسويغ ما لحق بغزة وفلسطين من دمار كارثي، فقد تم رفعه على نحو معدّل، لا بهدف إلحاق الأذى المماثل ببيوت البشر الآمنين ومحاصيلهم ومصادر عيشهم فحسب، بل لكي تسوّى بالأرض، شواهد شديدة التنوع والثراء من تاريخهم القريب والبعيد. والأدلّ على ذلك هو تركيز قادة الاحتلال على أن تحظى المدن والبلدات الأكثر ازدحاماً بالرموز الأثرية، وبيوتات العلم والأدب، كالخيام والنبطية وبنت جبيل وعيترون وصور وعيناثا وغيرها، بالنصيب الأوفر من الاستهداف والقصف التدميري.

وإذا كان التصميم الملح على إسقاط قلعة الشقيف، التي تشرف من مكانها الشاهق على مساحات واسعة من لبنان وسوريا وفلسطين، يمكن أن يجد له مسوغات أمنية وعسكرية، فأي حجة مقنعة يمكن لها تبرير ذلك القدر من العنف الهمجي، الذي يراد منه اقتلاع شعب بأسره من جذوره، وتسليمه للعراء الكوني.

ففي مدينة الخيام، التي يربو عدد سكانها على ثلاثين ألفاً، لم تكن البيوت المغضية بخوف على حيوات سكانها، هي التي تعرضت للقصف، بل إن الوابل المتلاحق لنيران الاحتلال راح يطول في الآن ذاته معتقل المدينة الشهير، ومؤسساتها التعليمية، ودور عبادتها، ومراكزها الفكرية التنويرية، إضافة إلى ما خلّفه أهلها من الذكريات، ورساموها من الألوان، وشعراؤها من نثار الاستعارات ومسوّدات القصائد.

أما مدينتا النبطية وبنت جبيل، وهما الحاضنتان الأكثر عراقة لتاريخ جبل عامل وثقافته وذاكرة بنيه، فقد تعرضتا بدورهما لقدر غير مسبوق من التدمير الاستئصالي، حيث لم تكتف القوات الزاحفة شمالاً، بتحويل الأسواق الشعبية القديمة في كلتا المدينتين إلى ركام، بل راحت تستهدف في الوقت نفسه المراكز الثقافية والمؤسسات الصحية، والأبنية التراثية ذات التصاميم الجمالية اللافتة، التي حوّلها أصحابها إلى مزارات.

ولم يكن حظ مدينة صور الساحلية من القصف والتدمير أفضل من حظ شقيقاتها الأخريات. وحيث لم يشفع لها أن يكون ملكها الفينيقي حيرام، قد أسهم قبل ثلاثة آلاف عام في بناء هيكل سليمان، ولا شفع لها وضعها من قبل اليونيسكو على لائحة الأماكن التراثية والثقافية العالمية، فإن من نصّبوا أنفسهم حماةً للحضارة، لم يجدوا أي حرج يُذكر في قصف أحيائها ومدارسها، وأبنيتها المملوكية، وصولاً إلى آثارها العريقة التي يعود تاريخها إلى العصرين الفينيقي والروماني.

كما أن حرص الإسرائيليين على هدم الفواصل الطبقية والاجتماعية بين ضحاياهم، هو الذي دفعهم على الأرجح إلى جعل الجميع سواسية، في الميزان العادل لحديد المجنزرات وقنابل الطائرات المغيرة، حيث لا فرق في منسوب التدمير ومعدلاته، بين غني وفقير، «متورط» وبريء، مغترب ومقيم، مثقف وأمي. لا بل إن اللافتات المختلفة التي خيضت باسمها الحرب، عادت لتجد في استهداف بيوت المثقفين الجنوبيين ومكتباتهم ومساقط إبداعهم براهينها المثلى ودلالاتها الساطعة.

وإذا كان المجال لا يتسع لتعداد ضحايا الشغف الإسرائيلي بالثقافة وأهلها، من المبدعين الجنوبيين، فيكفي أن أذكر في هذه العجالة المنزل المتميز في هندسته وجماله المعماري لسعد الزين، والمنازل المشابهة لآل الزين في النبطية، التي أزالها المحتلون مع مقتنياتها الثمينة من الوجود. وأن أذكر الدارة الأنيقة التي بناها الفنان عبد الحميد بعلبكي في بلدة عديسة الحدودية، وأرادها أن تكون منزلاً لسكناه ومتحفاً للوحاته، قبل أن تحولها الطائرات إلى كومة من الأنقاض. وأن أذكر كتّاباً ومفكرين كثيرين، خسروا منازلهم ومكتبات بيوتهم على نحو مشابه، كما حدث لعبد الكريم قبلان في عيترون، ولعون جابر وأحمد بيضون ومنذر جابر في بنت جبيل.

ومع أن الوقت لا يزال مبكراً قليلاً على تتبُّع انعكاس ذلك الهول الأبوكاليبسي، في لوحات الرسامين وأعمال الروائيين وقصائد الشعراء الجنوبيين، فإن وسط سيل الكتابات التي تم ارتجالها على عجل، ثمة نصوصاً ولقىً وشذرات، استطاعت أن تعكس بما تختزنه من قوة العصب وسداد الرؤية، الكثير من الملامح التراجيدية الملحمية لواقع الجنوب الراهن، وبينها قصيدة «البيوت»، التي أهداها عباس بيضون إلى صديقه المؤرخ منذر جابر، وجاء فيها:

البيوت لا تموت مرة واحدة

إنها تعيش بالساعة

ذاكرة هائلة لكنْ أيضاً عجلةٌ للنسيان

تحفظ بالدقائق وتنسى بالأيام

نصل إليها أرواحاً

وسرعان ما نذوب في الهواء

ولعل أفضل ما أختم به هذه المقالة هو مقطع معبّر من قصيدة «بيت الريح» للشاعر الفرنسي لوي غوليم، الذي بدا لقوة بصيرته، ورهافة إصغائه إلى المستقبل، وكأنه يحدس بالمآلات المأساوية لبيوت أهل الجنوب، التي حوّلها فولاذ الضغائن الوحشي إلى أثر بعد عين، فهتف بلسان كل واحد من أهلها النازحين:

«طويلاً بنيتك أيها البيت. مع كل ذكرى أحمل الحجارة من الأرض، حتى أعالي جدرانك. لقد رأيت سطحك يصقله الزمن، متغيراً كالبحر، يرقص على خلفية من الغيوم. يا بيت الريح، أيها المأوى الذي أزالته نفخة واحدة»!


جدارية الوجوه الثلاثة في قصير عمرة

جدارية من قصير عمرة في بادية الأردن
جدارية من قصير عمرة في بادية الأردن
TT

جدارية الوجوه الثلاثة في قصير عمرة

جدارية من قصير عمرة في بادية الأردن
جدارية من قصير عمرة في بادية الأردن

يحتلّ قصير عمرة موقعاً استثنائياً في خريطة القصور التي شيّدها خلفاء بني أميّة في صحاري بلاد الشام، وتتمثّل أهميّته بالدرجة الأولى في لوحاته الجدارية التي تمتدّ على جدرانه وسقوفه، وتشكّل أكبر برنامج تصويري معروف في العالم المتوسّطي القديم. يجمع هذا القصير بين مجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، وحمّام تقليدي كبير مؤلَّف من ثلاث غرف، تمثل تباعاً قاعة المدخل، والقاعة الرطبة، والقاعة الحارة. تزيّن سقف القاعة الأولى جدارية تأخذ شكل شبكة تشكيلية عريضة تحتلّ وسطها ثلاثة وجوه آدمية تظهر في وضعيّة المواجهة، كأنّها تحدّق بعيونها الشاخصة في الناظر إليها.

تجمع هذه الشبكة بين الإطار الهندسي والعناصر التصويرية المتعدّدة، وتمتد على مساحة السقف المقبّب، بحيث تشكّل مساحتين مقوّستين.

يعتمد هذا التأليف وحدة هندسية ثابتة تُعرف في قاموس الهندسة الرياضية باسم «مُعَيَّن»، وهي وحدة بسيطة لها أربعة أضلاع متساوية الطول، قطراها متعامدان ومتناصفان. تحضر في وسط هذا الشبكة ثلاث قامات نصفية، تحتل كلّ منها خانة مستقلة. تحلّ هذه الوجوه في ترتيب عمودي متين، ويظهر في الأسفل وجه شيخ بلحية بيضاء، يعلوه وجه امرأة نضرة، ثمّ وجه شاب أمرد. حافظت هذه القامات على ملامحها بشكل شبه كامل، واستعادت بريقها الأول إثر عملية التنقية والترميم التي قام بها فريق إيطالي في الموقع خلال عام 2010.

يغلب على هذه الوجوه الطابع الكلاسيكي، كما يشهد أسلوبها الذي يحاكي المثال الحي، ويجمع بين التجسيم والتظليل في تحديد ملامح كل منها. يظهر الشيخ الجليل بلحية بيضاء طويلة تبلغ أسفل الرقبة. وتبدو جبهته عريضة، وأعلى رأسه أصلع، مع كتلة صغيرة من الشعر، تحيط بها خصل عريضة تلتف حول الوجه. العينان واسعتان، ويعلوهما حاجبان عريضان مقوّسان، صيغتا باللون الأسود. بؤبؤ العين محدد بدقة، كذلك الحدقة والجفن والأهداب. الأنف هرمي، وعناصر تكوينه محدّدة بدقة بالغة. الأذنان ظاهرتان، ومكوّناتهما واضحة كذلك. صدرُ هذا الشيخ عارٍ جزئياً، ويعلوه معطف ينسدل على الكتف اليسرى. الجزء الأسفل ممحوّ، ويوحي ما تبقّى منه بحضور يد تقبض على رمح طويل، ظهر طرفه الأعلى كاملاً في الجانب الأيسر من الصورة. تحتل هذه القامة خانة بيضاء مجرّدة، يزيّنها غصنان مورقان متواجهان يحيطان بذراعَي الشيخ.

تحضر فوق قامة هذا الشيخ قامة أنثوية تقف في وضعيّة مشابهة. الأسلوب واحد في تجسيم الملامح، مع بقعتين باللون الأحمر الخمري تستقران على الوجنتين المكتنزتين. تكلّل الرأس كتلة من الشعر الكثيف تنسدل خصله على الكتفين، مع فارق نصفي في الوسط. ترتدي هذه المرأة ثوباً عسلياً تعلوه بطانة حمراء عريضة تنعقد حول الكتفين، وتزيّن هذه البطانة شبكة زخرفية، تجمع بين أزهار محوّرة تتألف كل منها من أربع بتلات متساوية. تظهر اليد اليمنى في أسفل الخانة، وتقبض شتلة تعلوها كوكبة من البراعم البيضاء. تزيّن هذه الخانة كرمة تتألف من غصنين مورقين يستقران فوق هامة هذه القامة الأنثوية، ويتدلّى من كلٍّ من هذين الغصنين عنقود من العنب الأحمر حُدّدت حبّاته المرصوفة بدقّة.

تعلو هاتين القامتين قامةٌ ثالثة تمثّل شاباً في مقتبل العمر، تُكلّل وجهه خصل من الشعر تنسدل على طرفي الخدين. يرتدي هذا الفتى الأمرد لباساً أرجوانياً تعلوه بطانة على شكل مربّع تحيط بصدره، ويرفع بيده اليمنى عصا نحيلة طويلة تمتدّ في الأفق. يُزيّن هذه الخانة غصنان متقابلان ومتواجهان، كما نرى في خانة الشيخ الجليل. تحتلّ هذه الوجوه الثلاثة وسط السقف المقبّب، وتحدّ خاناتها الثلاث سلسلة من الخانات المتشابكة، تزيّنها عناصر تصويرية متعدّدة الأشكال، تحضر وسط أغصان مورقة تلتف في الأفق المجرّد.

يظهر من جهة غزالان، كل منهما في خانة مستقلّة، ويظهر في الجهة المقابلة كذلك غزالان، يتبعان تقسيماً تعادلياً مشابهاً. لا تتماثل هذه الغزلان إطلاقاً، إذ يحضر كل منها في وضعية خاصة به. يظهر من جهةٍ غزال في وضعية جانبية، يحني رأسه في مواجهة غزالٍ يدير برأسه نحو الخلف. في الطرف المعاكس، يظهر غزال يحني رأسه نحو الأرض كأنه يقتات من العشب، ويقابله غزال يعلو رأسه قرنان طويلان، يحدّق في وضعيّة المواجهة.

تتشابك هذه الخانات الأربع بست خانات تحوي صوراً مغايرة. يَظهر من جهةٍ دبٌّ على طاولة صغيرة، حاضناً عوداً يعزف عليه بأنامل قائمتيه الأماميتين. في مواجهة هذا العازف، يَظهر قردٌ منتصباً، رافعاً قائمتيه الأماميتين نحو الأعلى، كأنه يُصغي إلى عزفه. من خلف هذا القرد، يقف فتى يرفع يده اليمنى نحو رأسه، ويده اليسرى نحو صدره، كأنه يشارك في هذه الوصلة. في الجهة المعاكسة، تحضر ثلاث خانات تختزل كما يبدو وصلة عزف أخرى، وفيها يحضر فتى يقف منتصباً وهو يعزف بمزمار يحمله بين يديه المرفوعتين، وتحضر في مواجهته صبية تتمايل في وضعية راقصة، ويحضر في الخانة الأخيرة فتى يرافقها في هذه الوصلة.

تكتمل هذه الشبكة مع أربع خانات تسكن كلا منها بهيمة حيّة. يظهر من جهة ابن آوى يحدّق في اتجاه غزال يحني رأسه أرضاً، ويظهر في الطرف المعاكس غزال ينظر إلى الخلف، وغزال يقفز نحو الأمام. تحد هذه الشبكة الكبيرة سلسلة من المثلثات، تسكنها طائفة من الطيور والحيوانات المتنوّعة، ضاع أثر بعض منها. يظهر في الطرف العمودي نمس وأفعى وسنجاب، وتقابلها في الطرف المعاكس ثلاثة كائنات انمحت أشكالها كلّياً. في الطرف الأفقي، تظهر أربعة طيور مائية، منها البجع والإوز، وتقابها في الطرف المقابل مجموعة مشابهة من الطيور.

تجمع هذه الشبكة الأموية بين عناصر متعدّدة مستمدّة من قاموس الفن المتوسّطي، وتشكّل في هذا السياق امتداداً حيّاً لهذا الفن الذي ازدهر في بلاد الشام خلال القرون الميلادية الأولى. ورث الفن الأموي المدني تقاليد هذا القاموس الراسخة، وأعاد قولبتها في مكوّنات مبتكرة، تشهد لاستمراريتها طوال القرن الثامن. تتجلّى هذه الاستمرارية في جداريات قصير عمرة، كما تتجلّى في أعمال فنية أخرى خرجت من قصور أموية أخرى، كشفت عنها حملات التنقيب في صحاري بلاد الشام الواسعة خلال العقود التي تلت اكتشاف القصير الأردني.


«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز

«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز
TT

«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز

«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز

ينتقل الكاتب والمؤلف المسرحي ماجد الخطيب، في عمله المسرحي الجديد «الطرف الثالث - في قطار الشرق السريع» (دار السرد)، هو الثاني عشر له، من نمطه المفضل في الكوميديا السوداء إلى كوميديا التقليد الساخر (Parody). وهو يستقطب انتباهنا عن طريق المفردات والتعابير ثنائية المعاني، وأحياناً المتعددة، على صعيد العنوان والشخصيات والأحداث.

العنوان الرئيسي «الطرف الثالث» له دلالته ومغزاه في المخزون الثقافي العراقي، حين ألقت السلطات العراقية مسؤولية قتل مئات المتظاهرين، وجرح الآلاف في انتفاضة تشرين 2019، على «طرف ثالث».

أما العنوان الفرعي، فهو يشير إلى رواية «جريمة في قطار الشرق السريع» لأغاثا كريستي، التي استوحى منها الخطيب مسرحيته الجديدة، كما هو مثبت على الغلاف الداخلي: هي «مسرحية بوليسية ساخرة من وحي أغاثا كريستي». كأن المؤلف يخاطب من جديد مخزوننا الثقافي «البوليسي» القديم تاركاً لمخيلتنا حرية التفاعل المتبادل بين جريمتي القطارين.

يحافظ الخطيب على هذه الثنائية طوال أحداث وسطور نصه الدرامي في اختياره لإطار العمل وطبيعة شخصيات المسرحية، حيث يبقي على الأحداث جغرافياً في قطار الغرب، وتجري وتتنقل الأحداث، كما في عمل أغاثا كريستي، بين مختلف غرف وقاعات القطار.

كما أنه، رغم المحتوى الضاحك، يستخدم التصاعد التدريجي للحدث وتراكم الإشارات والمعلومات إلى لحظة الكشف النهائية عن ملابسات الجريمة، كما هي الحال في أعمال كريستي البوليسية. وإلى أن يبلغ الكاتب هذه الذروة يفاجئ القارئ والشخصيات على حد سواء بنتائج التحقيق.

أما الجانب الآخر للثنائية في العمل، فنجده في اختياره للشخصيات. فهو يستعير من كوميديا بلاك إدواردز وبيتر سيلرز في سلسلة أفلام «النمر الوردي» شخصية «المفتش كلوزو»، كما جسدها سيلرز. ونجدها ثانية في طريقة كتابته للمشاهد مستخدماً «كوميديا الموقف» ومضيفاً لها، على طريقة «سيلرز»، الهفوات أو «الإفيه»، كما تسمى في المسرح المصري.

تدور أحداث مسرحية «الطرف الثالث» حول رئيس الوزراء «لوستيت»، وبعض وزرائه، وهم يرافقون المدعو «رايتهاند»، المتهم بالإرهاب، إلى محكمة لاهاي الدولية في هولندا. وتجري هذه الأحداث في عربة الدرجة الأولى في قطار الغرب السريع (يوروستار) الذي يربط بين لندن وباريس في نفق يمر تحت بحر المانش. يتعرض رايتهاند للقتل في عربة الدرجة الأولى والقطار تحت المياه الإقليمية الفرنسية. يؤكد الوزراء براءتهم من الجريمة ويدّعون بوجود «طرف ثالث» نفذ الجريمة. لكن المفتش الشهير «كلوزو»، الذي يستدعى للتحقيق في الجريمة، يثبت خطل نظرية «الطرف الثالث».

لم يركز الخطيب هنا على تطوير شخصيات العمل درامياً إلا بما يسمح بتطوير الأحداث رغم اهتمامه بتوصيفاتهم و«وظائفهم» الدرامية من خلال تحديد مواقعهم الشخصية. واختار البناء الدرامي الكلاسيكي الذي يعنى بالحبكة وتفاعلها بشكل تصاعدي، بحيث تتراكم الأحداث بتتابع يؤدي إلى نقطة الذروة وانكشاف الحدث النهائي. ويطرح حل لغز الجريمة - في إطار معروف ومتداول في روايات وقصص الجريمة والغموض «البوليسية» مثل أعمال أغاثا كريستي والأعمال الدرامية أو أفلام أو مسلسلات الجريمة والغموض مثل أعمال بلاك إدواردز الكوميدية أو سدني لوميت الجادة وغيرهما.

صدرت المسرحية عن دار «السرد»، قطع متوسط، في 87 صفحة. وكانت لوحة الغلاف للفنان العراقي طه سبع.