منحى تصاعدي لنفوذ إيران في العراق

يشمل المجالات العسكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية... والعبادي في «موقف صعب» بين طهران وواشنطن

عناصر من «الحشد الشعبي» في موقع على الحدود العراقية - السورية (نيويورك تايمز)
عناصر من «الحشد الشعبي» في موقع على الحدود العراقية - السورية (نيويورك تايمز)
TT

منحى تصاعدي لنفوذ إيران في العراق

عناصر من «الحشد الشعبي» في موقع على الحدود العراقية - السورية (نيويورك تايمز)
عناصر من «الحشد الشعبي» في موقع على الحدود العراقية - السورية (نيويورك تايمز)

إذا سرت في أي من أسواق العراق، ستجد الأرفف متخمة بسلع إيرانية. وإذا شاهدت التلفزيون، ستجد قناة تلو الأخرى تبث برامج متعاطفة مع إيران. وإذا ما شاهدت أعمال تشييد لبناية جديدة، فإن الاحتمال الأكبر أن يكون الإسمنت والطوب من إيران. وعندما يشعرون بالملل، يلجأ بعض الشباب العراقي للمخدرات المحتمل أن يكون قد جرى تهريبها عبر الحدود الإيرانية التي تتسم بضعف الرقابة عليها.
إضافة إلى ذلك، تعكف ميليشيات تحظى برعاية طهران على بناء ممر لنقل رجال وعتاد إلى قوات تعمل بالوكالة داخل سوريا ولبنان. وداخل أروقة السلطة في بغداد، يحظى حتى كبار مسؤولي الحكومة العراقية ووزرائها بمباركة القيادة الإيرانية.
عندما غزت الولايات المتحدة العراق قبل 14 عاماً لإسقاط صدام حسين، نظرت إلى البلاد باعتبارها حجر زاوية محتملاً لشرق أوسط ديمقراطي صديق للغرب. وبالفعل، جرت التضحية بكثير من الدماء وأموال هائلة (قُتل نحو 4500 أميركي، وأنفق أكثر من تريليون دولار) من أجل هذا الهدف.
منذ اليوم الأول، رأت إيران الصورة على نحو مختلف: فرصة لتحويل العراق إلى دولة تابعة. ويأتي ذلك رغم أن العراق يشكل عدواً عتيداً سابقاً، خاضت إيران ضده حرباً في ثمانينات القرن الماضي بلغت درجة من الوحشية دفعت مؤرخين لعقد مقارنات بينها وبين الحرب العالمية الأولى. ولكن إيران رأت أنها إذا ما نجحت في مسعاها، فإن العراق لن يشكل مجدداً أبداً مصدر تهديد لها، بل وقد يمثّل نقطة انطلاق لنشر النفوذ الإيراني بمختلف أرجاء المنطقة.
في هذا الإطار، كان الفوز من نصيب إيران، بينما منيت الولايات المتحدة بالهزيمة. الملاحظ أنه على امتداد الأعوام الثلاثة الماضية، ركّزت واشنطن اهتمامها على المعارك الدائرة ضد تنظيم داعش داخل العراق، وأعادت أكثر من 5 آلاف جندي إلى البلاد، وعاونت في طرد المسلحين من ثاني أكبر مدن العراق: الموصل.
أما إيران، فإن أعينها لم تتحول بعيداً عن هدفها المنشود قط: الهيمنة على جارتها على نحو شامل يجعل من المستحيل تحوّل العراق مجدداً ذات يوم إلى مصدر تهديد عسكري لها، واستغلال البلاد بفاعلية كممر لوصول طهران إلى البحر المتوسط.
من جانبه، قال هوشيار زيباري، الذي أطيح به العام الماضي من منصب وزير المال: «تتمتع إيران بنفوذ مهيمن، فهي تتسيد الساحة». يذكر أن زيباري ادّعى أن السبب وراء الإطاحة به من منصبه تشكك طهران في صلاته بالولايات المتحدة.
وجراء الهيمنة الإيرانية على العراق، تفاقمت التوترات الطائفية بمختلف أرجاء المنطقة. ومع ذلك، يبقى العراق مجرد جزء من المشروع الإيراني التوسعي، ذلك أن طهران عمدت في الوقت ذاته إلى استغلال أدوات قوتها الناعمة والخشنة لبسط نفوذها داخل لبنان وسوريا واليمن وأفغانستان، وفي مختلف أرجاء المنطقة. ومعروف أن إيران دولة شيعية، كما يغلب الشيعة على سكان العراق الذي خضع لحكم نخبة تنتمي إلى الطائفة السنية قبل الغزو الأميركي.
ونفوذ إيران في العراق لا يسير فقط في منحى تصاعدي اليوم، بل هو متنوع يشمل قطاعات مختلفة، عسكرية وسياسية واقتصادية وثقافية. وعند بعض النقاط الحدودية الواقعة إلى الجنوب، السيادة العراقية غير مطبقة عملياً؛ تتنقل حافلات مليئة بمجندين شباب في صفوف ميليشيات عبر الحدود العراقية دون فحص يذكر، ويتلقى هؤلاء المجندون التدريب، ثم يجري نقلهم إلى سوريا، حيث يقاتلون تحت قيادة ضباط إيرانيين دفاعاً عن الرئيس السوري بشار الأسد.
وعبر الحدود كذلك، تنتقل شاحنات محملة بمختلف السلع الإيرانية، من أغذية وأجهزة منزلية بل ومخدرات، إلى داخل السوق العراقية التي اكتسبت أهمية حيوية بالنسبة إلى طهران.
والملاحظ أنه في المجالات التجارية كافة، تعمل إيران على دفع كفّة الميزان للميل إلى صالحها، بل ووصل الأمر حد اقتحامها مجال النظافة وجمع القمامة من شوارع النجف، بعدما منح المجلس البلدي شركة إيرانية خاصة عقداً يخول لها ذلك.
وسياسياً، تحظى إيران بعدد كبير من الحلفاء داخل البرلمان العراقي بمقدورهم معاونتها على ضمان الوصول إلى أهدافها. ونظراً لما تتمتع به من نفوذ بالنسبة إلى اختيار وزير الداخلية، من خلال ميليشيا وجماعة سياسية أسسها الإيرانيون في ثمانينات القرن الماضي لمعارضة صدام حسين، باتت لإيران سيطرة كبيرة على الوزارة وقوات الشرطة الاتحادية (الفيدرالية) في البلاد.
إضافة إلى ذلك، مرر البرلمان العام الماضي قانوناً جعل من مجموعة من الميليشيات الشيعية عنصراً ثابتاً في قوات الأمن العراقية؛ ويضمن ذلك تلقي هذه الميليشيات تمويلاً من الحكومة العراقية، في الوقت الذي تبقى فيه لإيران سيطرة فاعلة على بعض أقوى وحداتها.
اليوم، ومع اقتراب انطلاق الانتخابات البرلمانية في البلاد، شرعت الميليشيات الشيعية في تنظيم نفسها سياسياً سعياً وراء فوز في البرلمان يضمن لإيران هيمنة أكبر على المشهد السياسي العراقي.
ولم يكن الأثير باستثناء على هذا الصعيد، فقد جرى إنشاء قنوات تلفزيونية جديدة بأموال إيرانية وعلى صلة بميليشيات شيعية لتقديم تغطية إخبارية تصوّر إيران باعتبارها حامية العراق، بينما تبدو الولايات المتحدة المتطفل الشرير.
في المقابل، وفي محاولة لاحتواء طهران، ألمحت واشنطن إلى عزمها على الإبقاء على قوات لها داخل العراق في أعقاب المعارك الدائرة ضد «داعش». ومن ناحيتهم، عمل دبلوماسيون أميركيون على تأكيد دور قوات الأمن الحكومية في القتال، وتعزيز موقف رئيس الوزراء حيدر العبادي الذي بدا أكثر انفتاحاً تجاه الولايات المتحدة من إيران.
ومع ذلك، فإنه في أعقاب الانسحاب المفاجئ للقوات الأميركية عام 2011، تبقى ثمة شكوك حول مدى اتساق السياسة الأميركية، مما يعد بمثابة فشل ذريع للسياسة الخارجية الأميركية، تتشارك في المسؤولية عنها 3 إدارات.
أما إيران، فإنها عمدت إلى ممارسة لعبة أعمق، مع تعمدها استثمار علاقاتها مع الغالبية الشيعية في العراق وشبكة أوسع بكثير من الحلفاء المحليين، في خضم سعيها إلى طرح نفسها باعتبارها الحامي الحقيقي الوحيد للعراق.

الطريق إلى البحر
ربما لا يلفت مشروع طهران الكبير في شرق العراق اهتمام الكثيرين، فهو عبارة عن طريق رملي يمتد لمسافة 15 ميلاً، ويغطيه الحصى في الجزء الأكبر منه. ويشق الطريق الصحراء قرب الحدود داخل محافظة ديالى.
إلا أنه في حقيقته يشكّل هذا الطريق ممراً جديداً مهماً لطهران داخل العراق للوصول إلى سوريا، ينقل رجال الميليشيات الشيعية والوفود الإيرانية والسلع التجارية والإمدادات العسكرية.
ويشكل هذا الطريق جزءاً من طموح إيران الأكبر: استغلال الفوضى التي تضرب المنطقة لنشر نفوذها عبر العراق وما وراءه. ويرى محللون أن طهران بمقدورها في نهاية الأمر استغلال هذا الممر لنقل أسلحة وإمدادات لعملائها في سوريا، حيث تعد إيران من الجهات الداعمة المهمة للأسد، وإلى لبنان وحليفها هناك، «حزب الله».
من ناحية أخرى، فإنه على الحدود الواقعة إلى الشرق، ثمة نقطة عبور جديدة يجري بناؤها وتأمينها من جانب طهران. وتتضمن حركة المرور اليومية عبر نقطة التفتيش تلك ما يصل إلى 200 شاحنة إيرانية محملة بالفواكه ولبن الزبادي والإسمنت والطوب، متجهة إلى داخل العراق. وداخل مكاتب ضباط حرس الحدود العراقيين، تنتمي المشروبات والحلوى التي يجري تقديمها للضيوف إلى إيران. في المقابل، لا تتحرك شاحنات محملة بسلع في الاتجاه المعاكس.
وخلال مقابلة أجريت معه داخل مكتبه، قال وحيد غاتشي، المسؤول الإيراني عن نقطة العبور: «لا يملك العراق أي شيء لتقديمه إلى إيران، عدا النفط. يعتمد العراق على إيران في كل شيء».
أيضاً، تعتبر تلك نقطة عبور بالغة الأهمية لقياديين عسكريين إيرانيين يرسلون من خلالها أسلحة وإمدادات أخرى لجماعات تقاتل بالوكالة ضد «داعش» في العراق. ويذكر أنه في أعقاب اكتساح «داعش» مناطق عبر ديالى ومناطق مجاورة عام 2014، جعلت طهران من مسألة تطهير المحافظة، التي يشكل سكانها مزيجاً من السنة والشيعة، أولوية بالنسبة لها. وبالفعل، جهّزت إيران قوة ضخمة من ميليشيات شيعية، تلقى كثيرون من أفرادها تدريبهم داخل إيران، ويتولى ضباط إيرانيون تقديم المشورة لهم على الأرض. وبعد إحراز نصر سريع، شرع الإيرانيون والميليشيات الحليفة لهم في العمل على تحقيق هدفهم التالي في المنطقة: تهميش الأقلية السنية هناك، وتأمين ممر إلى سوريا. والملاحظ أن طهران حاربت بقوة للإبقاء على حليفها الأسد في السلطة، من أجل الاحتفاظ بممر بري واصل بينها وبين أهم الجماعات التابعة لها في المنطقة، أي «حزب الله»، وهو قوة عسكرية وسياسية تهيمن على لبنان، وتشكل تهديداً لإسرائيل.
وبمجرد كلمة صدرت عن الجنرال قاسم سليماني، قائد «فيلق القدس» صاحب النفوذ القوي، تدفق جيش من المقاولين العراقيين، واصطفت الشاحنات للمعاونة في بناء الطريق دونما مقابل. وجرى تكليف ميليشيات موالية لإيران بتأمين الموقع.
جدير بالذكر أن عدي الخدران، العمدة الشيعي لضاحية خالص في ديالى، عضو بمنظمة بدر، وهي حزب سياسي وميليشيا عراقية أسستها طهران في ثمانينات القرن الماضي لمحاربة صدام حسين في أثناء الحرب الإيرانية - العراقية.
وفي ظهيرة أحد الأيام في مطلع العام، نشر الخدران على مكتبه خريطة كبيرة، وتحدث بزهو حول كيف أنه عاون في بناء الطريق الذي قال إن أمر بنائه صدر من جانب الجنرال سليماني. يذكر أن «فيلق القدس»، الذي يرأسه سليماني، يعتبر الذراع المسؤولة عن العمليات الأجنبية داخل الحرس الثوري الإسلامي الإيراني. وقد تولى سليماني سراً توجيه السياسة الإيرانية داخل العراق بعد الغزو الأميركي عام 2003، ويعد مسؤولاً عن مقتل مئات الجنود الأميركيين، في هجمات شنتها ميليشيات تحت سيطرته.
من جانبه، قال الخدران: «أحب قاسم سليماني أكثر من حبي لأبنائي»، وأشار إلى أن الطريق الجديد سيشكل في نهاية الأمر طريقاً مختصراً للزوّار القادمين من إيران في اتجاه سامراء العراقية، التي تضم ضريحاً مقدساً عند الشيعة.
إلا أنه أقر كذلك بأن ثمة أهمية استراتيجية أكبر للطريق الجديد، باعتباره جزءاً من ممر تسيطر عليه جماعات موالية لإيران، ويمر عبر وسط العراق وشماله. من جانبه، قال علي الديني، الرئيس السني للمجلس المحلي في ديالى: «تعتبر ديالى الممر إلى سوريا ولبنان، مما يحمل أهمية كبيرة لإيران».
وعلى مسافة أقرب من سوريا، تحركت ميليشيات موالية لإيران إلى غرب الموصل، مع استمرار المعارك ضد «داعش» هناك على امتداد الشهور الأخيرة. وتمكنت هذه الميليشيات من السيطرة على مدينة البعاج، ثم تحركت باتجاه الحدود السورية، مما يضع إيران على مقربة من إنجاز ممرها المنشود.
إلى الشرق، في ديالى، اشتكى الديني من أنه وقف بلا حول ولا قوة في مواجهة ما وصفه بالهيمنة الإيرانية على المحافظة، وقال إنه في طريقه إلى مكتبه يضطر إلى المرور عبر عدد من الملصقات التي تحمل صورة آية الله الخميني، خارج مبنى المجلس المحلي.
من ناحية أخرى، تعرضت الميليشيات الإيرانية داخل المحافظة لاتهامات بالتورط في أعمال تطهير طائفي واسعة النطاق، مما دفع السنة للفرار من ديارهم، وذلك بهدف ترسيخ الهيمنة الشيعية على المحافظة، وبناء منطقة عازلة على الحدود.
يذكر أن «داعش» تعرض للهزيمة داخل ديالى قبل أكثر من عامين. ومع هذا، لا تزال آلاف الأسر السنية تعيش في مخيمات رديئة لعجزها عن العودة إلى منازلها.
وقد تحوّلت ديالى اليوم إلى نموذج يكشف نظرة إيران إلى الصعود الشيعي باعتباره عنصراً محورياً للوصول إلى أهدافها الجيوسياسية. وفي هذا الصدد، أعربت نجاة الطائي، وهي عضو في المجلس المحلي ومن الأصوات السنيّة الناقدة لإيران، عن اعتقادها أن «إيران أذكى من أميركا، فقد تمكنت من تحقيق أهدافها على الأرض. أما أميركا، ففشلت في حماية العراق، واكتفت بإسقاط النظام وتسليم البلاد إلى إيران». واتهمت الطائي طهران بكونها الجهة المحرّضة وراء كثير من محاولات الاغتيال التي تعرضت لها.

«بيزنس» النفوذ
الواضح أن حياة الجنرال سليماني، وعدد من القيادات الرفيعة الأخرى داخل إيران، تشكلت بناءً على الحرب الطويلة ضد العراق التي اشتعلت في ثمانينات القرن الـ20. وقد خلّفت هذه الحرب وراءها مئات الآلاف من القتلى في الجانبين، وقضى الجنرال سليماني فترة طويلة من الحرب على الجبهة، وترقى بسرعة مع سقوط كثير من الضباط قتلى.
وفي هذا الصدد، قال علي فائز، المحلل المعني بإيران لدى «مجموعة الأزمات الدولية» المعنية بتسوية الصراعات: «كانت الحرب الإيرانية - العراقية التجربة التي شكّلت مسيرة جميع القيادات الإيرانية الحالية، بدءاً بسليماني مروراً بجميع من هم أقل منه رتبة؛ كانت هذه الحرب لحظة مفترق الطرق في حياتهم».
يُذكر أن النزاع الحدودي حول ممر شط العرب المائي، الذي كان أحد الأسباب وراء اندلاع الحرب، لم يحسم بعد. والملاحظ أن إرث وحشية هذه الحرب ترك بصمته على الحكومة الإيرانية منذ ذلك الحين، بدءاً من السعي وراء امتلاك أسلحة نووية، وصولاً إلى السياسة الإيرانية في العراق.
ومن ناحيته، قال موفق الربيعي، المشرّع ومستشار الأمن الوطني السابق في العراق: «تعد تلك بمثابة ندبة أزلية في عقولهم، فهم مصابون دوماً بوسواس البعثية وصدام والحرب الإيرانية - العراقية».
ويرى محللون أن الندبات التي خلّفتها الحرب تشكّل الدافع الأكبر وراء الطموحات الإيرانية للهيمنة على العراق. وداخل جنوب العراق على وجه الخصوص، الذي ينتمي غالبية سكانه إلى الشيعة، تنتشر مظاهر النفوذ الإيراني بكل مكان، وتتولى ميليشيات مدعومة من طهران الدفاع عن الأضرحة الشيعية داخل النجف وكربلاء، التي تعد محركاً رئيسياً وراء حركة التجارة والسياحة. وداخل المجالس المحلية، تملك أحزاب سياسية تدعمها طهران غالبية قوية، ودائماً ما تعمد المواد الدعائية خلال الانتخابات إلى التأكيد على الصلات بالأئمة الشيعة ورجال الدين الإيرانيين.
من جهته، قال مصدق العبادي، وهو رجل أعمال من ضواحي النجف، إنه لو كانت الحكومة العراقية أقوى «لتمكنا من فتح مصانعنا، بدل الذهاب إلى إيران»، وأضاف أن مخزنه مكدّس بسلع مستوردة من إيران لأن حكومته لم تفعل شيئاً لتشجيع القطاع الخاص، أو فرض السيطرة على الحدود، أو تحصيل الرسوم الجمركية.
ومعروف أن النجف تجتذب ملايين الزوار الشيعة الإيرانيين سنوياً، الذين يحرصون على زيارة مقامات دينية في المدينة. كما تدفق عليها عمال بناء إيرانيون (ينظر مسؤولون عراقيون إلى كثيرين منهم باعتبارهم جواسيس) للمشاركة في ترميم أضرحة وبناء فنادق.
وأفاد مسؤولون محليون بأنه في محافظة بابل، تولى قادة ميليشيات الإشراف على مشروع حكومي لوضع كاميرات أمنية على امتداد الطرق الاستراتيجية. كان المشروع قد مُنح إلى شركة صينية قبل تدخّل الميليشيات. والآن، جرى تحييد الجيش والشرطة المحلية بعيداً عنه، بحسب ما ذكره مقداد عمران، وهو ضابط في الجيش العراقي في المنطقة.
والملاحظ أن صعود نفوذ إيران في الجنوب العراقي أثار سخط بعضهم، فرغم أن شيعة العراق يشتركون مع إيران في المذهب الديني، فإنهم يتمسكون بهويتهم العراقية والعربية. وعلى سبيل المثال، أكد فاضل البدايري، رجل الدين في إحدى المدارس الدينية في النجف، أن «العراق ينتمي إلى جامعة الدول العربية، وليس إيران. والشيعة غالبية داخل العراق، لكنهم أقلية على مستوى العالم. وما دامت الحكومة الإيرانية مسيطرة على نظيرتها العراقية، فليس أمامنا أمل».
وأوضح مسؤولون عراقيون أنه داخل هذه المنطقة، التي لم تكتوِ قط بالتهديد العسكري لـ«داعش»، يجري التعامل مع المصالح الأمنية الإيرانية في الجزء الأكبر منها من خلال المناورات الاقتصادية، ذلك أن التجارة في الجنوب غالباً ما تتولى إيران تمويلها عبر الائتمانات، وتعرض في الوقت ذاته حوافز على التجار العراقيين لإبقاء أموالهم في بنوك إيرانية.
وتضطلع بنوك بغداد بدور هي الأخرى، باعتبارها الداعم المالي لشركات الواجهة الإيرانية التي تستغلها طهران للحصول على الدولارات التي يمكنها استغلالها فيما بعد للوصول إلى أهدافها الجيوسياسية الأكبر، بحسب ما شرحه انتفاض قنبر، المساعد السابق للسياسي العراقي أحمد الجلبي المتوفى عام 2015، الذي أضاف أن الإيرانيين يأملون بـ«الإبقاء على الفساد داخل العراق».

الذراع الطويلة للميليشيات
على امتداد عقود، عمدت إيران إلى تهريب أسلحة ومواد تدخل في صناعة القنابل عبر الأهوار (المستنقعات الواسعة) الواقعة جنوب العراق. كما تنقل الرجال الشباب ذهاباً وإياباً عبر الحدود، من منزل آمن إلى آخر، مع توجه المجندين إلى إيران للتدريب، ثم عودتهم إلى العراق للقتال. في البداية، كان العدو صدام حسين، ثم أصبح الأميركيين.
اليوم، يعمد عملاء الحرس الثوري الإيراني علانية إلى تجنيد مقاتلين داخل المدن ذات الغالبية الشيعية في جنوب العراق. وبإمكان الحافلات المكدسة بمجندين المرور بسهولة عبر النقاط الحدودية التي يقول مسؤولون إنها تخضع بصورة أساسية لسيطرة طهران، من خلال عملائها على الجانب العراقي، وحرس الحدود الإيرانيين أنفسهم على الجانب الآخر.
وفي حين حشدت إيران ميليشيات للقتال ضد «داعش» في العراق، فإنها أيضاً حشدت شباباً من الشيعة العراقيين للقتال نيابة عنها داخل سوريا.
من ناحية أخرى، فإن إصرار إيران على الدفاع عن المذهب الشيعي دفع البعض للاعتقاد بأن هدفها الأكبر بناء نظام حاكم ديني داخل العراق، على غرار النظام الإيراني ذاته. بيد أن ثمة شعوراً قوياً بأن هذا الأمر لن يفلح داخل العراق لما يضمه هذا البلد من مواطنين سنّة أكثر عدداً بكثير مما عليه الحال في إيران، علاوة على معارضة قيادات دينية في النجف، بينها آية الله علي السيستاني، للنظام الإيراني.
ومع هذا، تعمد إيران إلى اتخاذ خطوات لترجمة القوة العسكرية إلى قوة سياسية، على غرار ما فعلته مع «حزب الله» في لبنان. وقد شرع قادة ميليشيات بالفعل في تنظيم أنفسهم قبل الانتخابات البرلمانية المقرر عقدها العام المقبل.

الصعود السياسي
عندما تعرّضت مجموعة من القطريين كانوا يصطادون الصقور، بينهم أفراد من الأسرة الحاكمة، للاختطاف عام 2015، أثناء قيامهم برحلة سفاري في صحارى جنوب العراق، لجأت قطر إلى إيران والميليشيات المتحالفة معها، وليس إلى الحكومة المركزية في بغداد. وبالنسبة إلى العبادي، فإن هذا الموقف أظهر على نحو مثير للحرج ضعف حكومته أمام إيران، التي من المعتقد أن ميليشيا «كتائب حزب الله» الموالية لها هي المتورط في الاختطاف.
وفي ظهيرة أحد أيام أبريل (نيسان)، هبطت طائرة تتبع الحكومة القطرية في بغداد، حاملة وفداً من الدبلوماسيين و500 مليون يورو مكدّسة داخل 23 صندوقاً أسود. وسرعان ما أفرج عن الصيادين، وغادروا إلى ديارهم، لكن أموال الفدية لم تذهب إلى رجال الميليشيات المدعومين من طهران الذين اختطفوا القطريين، وإنما انتهى بها الحال داخل خزنة في البنك المركزي في بغداد.
كان العبادي قد أصدر أوامره بمصادرة المال، بعدما انتابه غضب عارم حيال حصول الميليشيات، ومَن خلفهم من مسؤولين إيرانيين وبجماعة «حزب الله»، على مثل هذه الكمية الضخمة من الأموال تحت سمع الحكومة العراقية وبصرها.
داخل العراق، جرى النظر إلى حادث الخطف باعتباره انتهاكاً لسيادة البلاد، ومؤشراً على السيطرة الخانقة التي تفرضها طهران على الدولة العراقية.
اليوم، يجد العبادي نفسه في موقف صعب، فإذا ما اتخذ أي خطوة يمكن النظر إليها باعتبارها تشكل بداية مواجهة مع إيران، أو باعتبارها تقرباً إلى الولايات المتحدة، فإن ذلك قد يلقي بظلال قاتمة على مستقبله السياسي.
وفي هذا الصدد، أعرب عزت الشهبندر، الزعيم العراقي الشيعي البارز الذي عاش في المنفى في إيران خلال فترة حكم صدام حسين، عن اعتقاده أن العبادي «كان أمام خيارين: أن يكون مع الأميركيين أو الإيرانيين. وقد اختار أن يكون مع الأميركيين».
*خدمة «نيويورك تايمز»



الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».


الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)

كشف تقرير دولي حديث عن تصاعد مقلق في وتيرة النزاعات المحلية داخل محافظة إب اليمنية، مرجعاً ذلك إلى سياسة ممنهجة تتبعها الجماعة الحوثية تقوم على تغذية الصراعات القبلية والتدخل المباشر فيها، بهدف إحكام السيطرة على المحافظة ومنع تحولها إلى بؤرة مقاومة مجتمعية.

وحسب التقرير الصادر عن مشروع بيانات مواقع النزاعات المسلحة، فإن الجماعة تعتمد استراتيجية «إدارة الفوضى» أداةً للضبط الأمني والسياسي، عبر تأجيج النزاعات المحلية بدلاً من احتوائها، وهو ما أدى إلى تحويل إب، الواقعة على بُعد نحو 192 كيلومتراً جنوب صنعاء، إلى واحدة من أكثر المحافظات اضطراباً في مناطق سيطرتها.

وأشار التقرير إلى أن محافظة إب تصدرت قائمة مناطق الاقتتال الداخلي، إذ سجلت نحو 40 في المائة من إجمالي النزاعات المحلية في مناطق سيطرة الحوثيين خلال الفترة بين 2022 و2025، في مؤشر يعكس حجم الاستهداف الذي تتعرض له المحافظة ذات الكثافة السكانية العالية والثقل القبلي المؤثر.

ويوثق التقرير انخراط قيادات ومشرفين حوثيين بشكل مباشر في تأجيج النزاعات القبلية، من خلال دعم أطراف معينة بالسلاح والمال، أو عرقلة مسارات الحلول القضائية والقبلية التي لطالما شكلت آلية تقليدية لاحتواء الخلافات في المجتمع اليمني.

عناصر حوثيون خلال تجمع في صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

ويرى معدّو التقرير أن هذه السياسة تهدف إلى تحقيق جملة من الأهداف، أبرزها إضعاف البنية القبلية وتفكيك تماسكها، وتحويل طاقاتها نحو صراعات داخلية تستنزف قدراتها البشرية والمادية. كما تسعى الجماعة، وفق التقرير، إلى إبقاء المجتمع في حالة انشغال دائم بالنزاعات، بما يحد من قدرته على تنظيم أي حراك موحد ضد سلطتها.

ولا تقتصر هذه الاستراتيجية على إشعال الصراعات، بل تمتد إلى التدخل لاحقاً كـ«وسيط»، مما يمنح الحوثيين فرصة فرض شروطهم وإخضاع شيوخ القبائل والوجاهات الاجتماعية لسلطتهم مقابل ترتيبات صلح توصف بأنها شكلية، تعزز نفوذ الجماعة أكثر مما تُنهي النزاع.

مركز ثقل مقاوم

وتكتسب محافظة إب أهمية خاصة في الحسابات الحوثية، كونها تمثل مركز ثقل سكاني ومدني، فضلاً عن موقعها الجغرافي الذي يربط بين عدة محافظات استراتيجية. ويشير مراقبون إلى أن هذه العوامل تجعل من إب نقطة حساسة قد تتحول إلى جبهة مقاومة مؤثرة في حال توحدت القوى المجتمعية داخلها.

ويؤكد التقرير أن الجماعة كثفت من سياساتها في المحافظة خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع تنامي المعارضة الشعبية لمشروعها، ورفض محاولات التغيير المذهبي. كما أن أي اختراق عسكري أو شعبي في إب قد ينعكس على محافظات مجاورة مثل تعز والضالع والبيضاء، ويمتد تأثيره إلى ذمار، التي تعد البوابة الجنوبية للعاصمة صنعاء.

خلال السنوات الأخيرة تحولت إب إلى معقل للمعارضة المناهضة للحوثيين (رويترز)

ويرى محللون أن إب تمثل «خاصرة رخوة» نسبياً في خريطة سيطرة الحوثيين، وهو ما يفسر الحرص على إبقائها في حالة اضطراب دائم، بما يمنع تبلور أي حراك منظم قد يهدد نفوذ الجماعة في المنطقة.

وعلى الرغم من الضغوط الأمنية وتغذية الصراعات، يؤكد ناشطون أن المجتمع في إب لا يزال يبدي أشكالاً من المقاومة السلمية، من خلال رفضه السياسات المفروضة عليه، ومحاولاته الحفاظ على تماسكه الاجتماعي.

ويشير التقرير إلى أن استمرار هذه الروح الرافضة يمثل تحدياً حقيقياً للجماعة، التي تسعى بكل الوسائل إلى تفكيك أي بنية مجتمعية قد تشكل نواة لمعارضة منظمة. ومع ذلك، فإن تراكم المظالم والانتهاكات قد يدفع باتجاه انفجار اجتماعي في حال توفرت الظروف المناسبة لذلك.

تصاعد الانتهاكات

بالتوازي مع تغذية النزاعات، يشير التقرير ومصادر محلية إلى تصاعد ملحوظ في الانتهاكات الأمنية، بما في ذلك حملات الاعتقال الواسعة التي استهدفت شرائح مختلفة من المجتمع، من بينهم سياسيون وأكاديميون ونشطاء وأطباء.

ويؤكد مراقبون أن تعيين شخصيات أمنية مرتبطة بقيادة الجماعة في مواقع حساسة داخل المحافظة ترافق مع ارتفاع غير مسبوق في معدلات العنف والاقتتال الداخلي، مما جعل إب في صدارة المحافظات من حيث مستوى الانفلات الأمني.

في سياق متصل، أثارت حادثة وفاة أحد السجناء، ويدعى حسن اليافعي، جدلاً واسعاً في الأوساط المحلية، بعد العثور عليه مشنوقاً داخل زنزانته في ظروف غامضة، رغم انتهاء مدة محكوميته.

ألف سجين غادروا سجون الحوثيين في إب خلال شهر واحد (أ.ف.ب)

وتشير مصادر إلى أن إدارة السجن الحوثية أبقته محتجزاً لفترة إضافية بسبب عجزه عن دفع غرامة مالية، رغم معاناته من اضطرابات نفسية.

ودعا ناشطون إلى فتح تحقيق مستقل في ملابسات الحادثة، في ظل تكرار حالات وفاة مشابهة داخل السجون، غالباً ما يتم تسجيلها كحالات انتحار، وسط اتهامات بإهمال طبي متعمد أو سوء معاملة قد ترقى إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

ويرى حقوقيون أن هذه الحوادث تعكس نمطاً أوسع من الانتهاكات داخل مراكز الاحتجاز الحوثية، حيث يواجه السجناء ظروفاً قاسية تشمل الحرمان من الرعاية الصحية والتغذية الكافية، مما يزيد من المخاوف بشأن أوضاع حقوق الإنسان في مناطق سيطرة الجماعة.


العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
TT

العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

على وقع الحصار الذي أمر به الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الموانئ الإيرانية ابتداءً من الاثنين، هددت الجماعة الحوثية في اليمن بالعودة إلى مساندة طهران عسكرياً إذا ما تجددت الحرب، في حين طالب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي بردع حازم لإنهاء خطر الجماعة والنظام الإيراني.

وخلال استقباله سفير الولايات المتحدة، ستيفن فاجن، شدد العليمي على أن التهدئة الراهنة التي أعقبت الضغوط على إيران قد تتحول فرصةً لإعادة تموضع الميليشيات الحوثية، بما يسمح لها باستعادة قدراتها واستغلال المرحلة أداةَ ابتزازٍ سياسي وعسكري لتحسين شروطها التفاوضية.

وأكد العليمي أن الخطر لا يكمن فقط في استمرار الدعم الإيراني، بل في قدرة هذه الجماعات على إعادة صياغة هزائمها بوصفها انتصارات، مستفيدة من الخطاب الآيديولوجي المرتبط بالعقيدة الإيرانية؛ وهو ما يتطلب – حسب تعبيره – تفكيك هذه السرديات وفضح أهدافها الحقيقية.

وركز رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني في تصريحاته التي نقلها الإعلام الرسمي، على البعد الاستراتيجي لدور الحوثيين، عادَّاً أنهم جزء من منظومة إيرانية أوسع تسعى لزعزعة استقرار المنطقة وتهديد المصالح الدولية، وفي مقدمتها أمن الملاحة البحرية.

العليمي استقبل في مقر إقامته بالرياض السفير الأميركي لدى اليمن (سبأ)

وأشار إلى أن استمرار التعامل مع هذه الجماعات دون حزم سيؤدي إلى تكريس نمط من السلوك القائم على استغلال فترات التهدئة لإعادة التموضع، وليس لتغيير النهج العدائي؛ ما يعزز الحاجة إلى موقف دولي أكثر صرامة.

كما أشاد العليمي بالدعم الأميركي، خصوصاً قرار تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، والإجراءات اللاحقة التي استهدفت شبكات التمويل والتهريب، عادَّاً ذلك خطوة مهمة في مسار تقويض قدراتها.

ولم يغفل رئيس مجلس القيادة اليمني الإشارة إلى الدور المحوري للسعودية، التي وصف مواقفها بأنها داعمة بشكل حاسم للشعب اليمني وقيادته، سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الإنساني.

جاهزية عسكرية

على الصعيد الميداني، عكست تصريحات وزير الدفاع اليمني، الفريق الركن طاهر العقيلي، توجهاً واضحاً نحو رفع مستوى الجاهزية العسكرية، في ظل احتمالات التصعيد.

وخلال اجتماع موسع في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، استعرض العقيلي نتائج زياراته الميدانية، مشيراً إلى وجود انضباط عالٍ ومعنويات مرتفعة لدى القوات المسلحة، مع تأكيده على ضرورة الحفاظ على هذا المستوى من الاستعداد لمواجهة أي تحديات.

وأكد أن التنسيق بين مختلف التشكيلات العسكرية يشهد تطوراً ملحوظاً، خاصة في ظل العمل ضمن غرفة عمليات موحدة بقيادة رئيس مجلس القيادة الرئاسي؛ وهو ما يعزز فاعلية الأداء العسكري.

وزير الدفاع اليمني يرأس في عدن اجتماعاً لكبار القادة العسكريين (سبأ)

وشدد وزير الدفاع على أن الهدف الاستراتيجي المتمثل في استعادة العاصمة صنعاء وإنهاء الانقلاب الحوثي لا رجعة عنه، وعدّ أن تحقيق الأمن والاستقرار في اليمن يظل مرهوناً بالقضاء على المشروع المدعوم من إيران.

في موازاة المواقف الرسمية، برزت موجة تضامن واسعة من قِبل منظمات المجتمع المدني اليمنية مع السعودية، في مواجهة ما وصفته بالاعتداءات الإيرانية المتكررة.

فقد أدانت نحو 200 منظمة ومؤسسة مدنية هذه الهجمات، مؤكدة أنها تستهدف أمن واستقرار دول الخليج، وتمثل امتداداً مباشراً للسياسات الإيرانية في اليمن.

وعدّت هذه المنظمات أن السعودية تمثل «صمام أمان» للمنطقة، وركيزة أساسية في دعم الشعب اليمني، مشددة على أن أي محاولات لزعزعة استقرارها لن تؤدي إلا إلى تعزيز التلاحم بين الشعبين.

كما دعت المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى اتخاذ موقف حازم يستند إلى القانون الدولي الإنساني، لوضع حد لهذه الاعتداءات، خاصة تلك التي تستهدف الأعيان المدنية والمنشآت الحيوية.

تهديد حوثي

في المقابل، جاء موقف الحوثيين ليعكس تصعيداً في الخطاب، حيث زعموا أن صمود إيران على طاولة المفاوضات مع أميركا يمثل «انتصاراً» لمحور المقاومة، في إشارة إلى ما يعرف بـ«وحدة الساحات» التي تضم بقيادة إيران «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية، بالإضافة إلى الحوثيين.

وفي بيان لخارجية الجماعة الانقلابية، حذَّر من أن أي تصعيد أميركي جديد، سواء ضد إيران أو في البحر، ستكون له تداعيات واسعة على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك سلاسل التوريد وأسعار الطاقة.

زعيم الحوثيين أمر جماعته بالاحتفال مدعياً انتصار إيران في الحرب على أميركا وإسرائيل (إ.ب.أ)

والأكثر أهمية كان تهديدهم الصريح بالعودة إلى المشاركة العسكرية الفاعلة إلى جانب إيران، في حال استئناف الضربات الأميركية أو الإسرائيلية، مشيرين إلى أن ذلك سيتم ضمن مسار تصاعدي في العمليات، حسب ما جاء في بيانهم.

كما أبدى الحوثيون رفضهم لما وصفوه بمحاولات فرض شروط سياسية عبر القوة العسكرية، عادّين أن هذه الاستراتيجية فشلت في السابق ولن تحقق أهدافها مستقبلاً.

وخلال الجولة السابقة من الحرب التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الماضي بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، انتظرت الجماعة الحوثية شهراً كاملاً قبل أن تبدأ العمليات المساندة لإيران من خلال تبني خمس عمليات إطلاق للصواريخ والمسيرات باتجاه إسرائيل.