ألعاب الواقع الافتراضي... آفاق واعدة ومصاعب كثيرة

تدفع اللاعب إلى قلب الأحداث وتضفي الحيوية على المشاهد

لعبة «رينبو كرو»
لعبة «رينبو كرو»
TT

ألعاب الواقع الافتراضي... آفاق واعدة ومصاعب كثيرة

لعبة «رينبو كرو»
لعبة «رينبو كرو»

قبل نهاية هذا العام، سيصبح بإمكان الجمهور أن يلعب لعبة التحدي الشهيرة «ذا إلدر سكرولز 5: سكايرايم The Elder Scrolls V: Skyrim» بتقنية الواقع الافتراضي. كما تشمل هذه الفرصة الجديدة عدداً من الألعاب الأخرى كـ «دوم Doom»، و«فالاوت Fallout»، و«سيسترز Sisters».
حلم الواقع الافتراضي
يمرّ هذا العدد الكبير من ألعاب الفيديو بمرحلة انتقالية مهمة في عالم الواقع الافتراضي. ومع أن الضجيج الذي كان يحيط بهذه التكنولوجيا قد خفت على أرض الواقع، إلا أن الشركات العاملة في قطاع ألعاب الفيديو مستمرة في تخصيص مبالغ طائلة ومصادر كبيرة بهدف الترغيب بتقنية الواقع الافتراضي، وتدعيم تطوره وتقدمه، على الأقل في المدى القريب.
وقال ميشال غالاغر، الرئيس والرئيس التنفيذي لـ«إنترتينمنت سوفتوير أسوسيشن»، الشركة المتخصصة في صناعة ألعاب الفيديو: «إن حلم تقنية الواقع الافتراضي ولد في صناعتنا حين ابتدعنا أول العوامل الافتراضية. ومن الطبيعي أن يتولى مبدعو صناعتنا والشغوفون بها الذين يشاركوننا هذا الحلم قيادة الطريق نحو تطوير الواقع الافتراضي».
حتى اليوم، أخفقت تكنولوجيا الواقع الافتراضي في مواقع كثيرة، حيث إن مبيعات أنجح أكسسوارات الرأس المستخدمة فيها والتي تتيح للاعبين فرصة ليخوضوا أجواء اللعبة الحقيقية، أتت منخفضة إلى حدّ مخيب للآمال. ولكن كثيرا من الشركات تعمل بشكل غير جدي في عالم الواقع الافتراضي، ولا تزال مستمرة في هذا الشكل.
حتى أن مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة «فيسبوك»، الذي كان من أكبر مؤيدي تقنية الواقع الافتراضي، إلى حدّ شرائه تقنية «أوكولوس في آر» بأكثر من ملياري دولار أميركي منذ عدة سنوات، اعترف في يناير (كانون الثاني) أن تحويل هذه التكنولوجيا إلى منصة كومبيوترية جديدة أصعب مما كان يتوقع.
وقال زوكربيرغ إن هذه الأمور تنتهي بتعقيدات أكبر مما كنا نتوقع في بداية الطريق. وأضاف: «إذا كنا نريد فعلاً أن نحقق الأهداف التي حددناها سابقاً لهذه التكنولوجيا، فيجب إنفاق مبالغ أكبر من التي قدرناها في السابق». ولكن عندما يتعلق الأمر باللعب والاستهلاك، تعتبر تقنية الواقع الافتراضي صناعة مزدهرة. إذ يُتوقع أن تتجاوز عائدات سوق ألعاب الواقع المعزز والواقع الافتراضي 162 مليون دولار في 2020، بعد أن بلغت 5.2 مليون خلال 2016. مدعومة بشكل كبير من مشغلات ألعاب الفيديو وسماعات وتجارب ألعاب الواقع الافتراضي، حسبما أفادت شركة «آي دي سي» للأبحاث.
ألعاب متميزة
استحوذت شهية اللاعبين لألعاب الواقع الافتراضي على حصة كبيرة في «معرض الترفيه الإلكتروني E3»، المعرض السنوي لألعاب الفيديو في لوس أنجليس. وأعلنت الشركات الناشرة كـ«سوني» و«بيثيسدا» أن عدداً من ألعاب الفيديو الشهيرة سيكون متوفراً بتقنية الواقع الافتراضي «في آر» خلال هذا العام، ومن بينها «ذا إلدر سكرولز 5: سكايرايم»، و«دوم»، و«فالاوت».
في «معرض الترفيه الإلكتروني»، قدم بعض مطوري الألعاب المستقلين ستة عناوين من قلب صناعة الواقع الافتراضي، كـ «الواقع الافتراضي الافتراضي»، والكوميديا السوداء العبثية من استوديو «تندر كلاوز» التي تتمحور حول أفكار كالسياحة والسفر والسلطة، بالإضافة إلى «سنو في آر SnowVR»، وهي لعبة تشبه الأحلام طورها فنانان إيرانيان من طهران عجزا عن حضور المعرض بسبب القيود المفروضة على السفر.
لطالما كان الطلب على تقنية الواقع الافتراضي في اللعب، جلياً. وقال بيت هاينس، نائب رئيس العلاقات العامة والتسويق في «بيثيسدا سوفتووركز»، التي تعد من أقدم مالكي امتياز لعبتي «سكرولز» و«فالاوت»، إن ألعاب «تصويب منظور الشخص الأول» والألعاب التي تتيح للاعب التنقل حول العالم دون قيود، كانت أفضل التجارب في عالم تقنية الواقع الافتراضي؛ لأنها زودت اللاعبين بفرصة اللعب إلى حدّ الانغماس في اللعبة. وأضاف أن اللاعب لا ينظر إلى الشاشة ليرى ما هو معروض عليها؛ لأن ما يراه هو الشاشة بحد ذاتها، لأنه في قلب الحدث.
ولكن ما تغير اليوم، هو أن كثيرا من الألعاب التي انطلقت بتقنية الواقع الافتراضي تنتقل إلى مرحلة تجريبية أكثر. وقال ريتشارد ماركس، رئيس «سوني بلايستيشن ماجيك لاب» إن بعضا من أولى الألعاب التي اعتمدت هذه التقنية كانت بمثابة استعراض لتكنولوجيا الـ«في آر»، ولكن الصناعة اليوم تجاوزت هذه المرحلة.
تجارب جديدة
وأضاف أن مطوري الألعاب اليوم يجربون تكنولوجيا وطرقا جديدة لتطبيق تقنية الواقع الافتراضي، كالذكاء الاصطناعي، وتمييز الصوت، والوجود في مكانين في الوقت نفسه، التي تشترط وجود شخصين في اللعبة، مما يسمح لشخصين أو أكثر باللعب سوياً. ومن بين أحدث التجارب في هذا المجال يمكن أن نسمي لعبة «ستاربلود أرينا Starblood Arena» التي تتطلب لاعبين، من إنتاج «سوني»، والتي تجمع بين المشاركة التقليدية بين لاعبين مع ميزة الانغماس التي تضمنها تقنية الواقع الافتراضي. تمنح اللعبة اللاعبين فرصة الاجتماع عبر الإنترنت في فريق واحد، حيث يمكنهما أن ينضما إلى قوات تدافع عن هدف معين.
ولكن تقنية الـ«في آر» لا تزال تواجه العقبات، حيث إن الشركات تحاول بشكل مستمر التعامل مثلاً مع حالات الغثيان التي تصيب بعض اللاعبين عندما يضعون أكسسوارات الرأس الخاصة بالتقنية.
وكشف ماتي برايس، المدير المساعد في مهرجان «إنديكايد» العالمي، الذي يسلط الضوء على عمل مطوري ألعاب الفيديو المستقلين، أن كثيرا من المشكلات الأساسية لا تزال تفتقر إلى الحلول في تقنية الـ«في آر»، كالغثيان وشكل حركة وتفاعل الجسم خلال اللعب. واعتبر برايس أن الواقع الافتراضي يجب أن يتوصل إلى أمور أخرى تجعلها مميزة إلى جانب ميزة الانغماس.
ولكن مطورين آخرين من هذا المجال اعتبروا أن الطلب على تقنية الواقع الافتراضي من قبل المستهلكين لم يصل بعد إلى درجة تسمح لمزيد من استوديوهات ألعاب الفيديو حصر عملها بالتركيز على هذه التقنية فقط.
وقال راي دايفيس، الرئيس التنفيذي ومؤسس شركة «دريفتر إنترتينمنت» الناشئة في سياتل التي تعمل على لعبة «غانهارت» التي تشترط وجود لاعبين: «إن ما نحتاجه هو مضي أصحاب الرؤية في هذا المجال نحو تحقيق أهدافهم، واستمرار المستثمرين في دعم الموجة الأولى من المحتوى حتى يكتمل التمويل، واستمرار المنصات في إنضاج معداتها لجذب مزيد من المستخدمين». وأضاف أن كل ما يحتاج إليه القطاع اليوم هو جرعة مفيدة من الصبر.
ولكن جهود قطاع ألعاب الفيديو المستمرة في توسيع حدود تقنية العالم الافتراضي تتصدر غيرها من القطاعات، وخاصة الأجزاء الأخرى من عالم التسلية والألعاب.
وتسعى استوديوهات «باوباب» ومقرها كاليفورنيا، والمختصة في «أنيمايشن» الواقع الافتراضي إلى دمج عوامل الـ«أنيمايشن» وألعاب الفيديو لابتداع قصص تفاعلية. ويسمح المشروع المقبل للشركة «راينبو كرو»، وهو عبارة عن مسلسل من الواقع الافتراضي يتناول حياة مواطن أميركي، والمطور بالتعاون مع جون ليجند الذي يلعب دور البطل في المسلسل، للاعبين بالتفاعل مع محيط يشبه الروايات المكتوبة.
على سبيل المثال، وفي أحد المشاهد، يمكن للاعبين أن يستخدموا تقنية الـ«في آر» لتلوين البيئة المحيطة، بهدف تحويل الفصل من الخريف إلى الشتاء. عندما يحرك اللاعب يده إلى أعلى ومن ثم إلى أسفل، ستبدأ الثلوج بالتساقط.
ويقول مورين فان، المدير التنفيذي ومؤسس استوديوهات «باوباب» إن تقدّم ألعاب الفيديو تطلب سنوات كثيرة، تماماً كما تطلب التوصل إلى تطور الأفلام وطرق تصويرها عقوداً. وأضاف: «غالباً ما تدور الألعاب حول تقمص دور شخص آخر أو الهرب إلى واقع آخر، لهذا السبب، تتقاطع تقنية العالم الافتراضي بشكل مباشر مع صناعة الألعاب، ونحن لا زلنا في بداية ابتكار هذه الصناعة».
* خدمة «نيويورك تايمز»



دراسة من ستانفورد: الذكاء الاصطناعي قد يعزز التفكير الوهمي

الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)
الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)
TT

دراسة من ستانفورد: الذكاء الاصطناعي قد يعزز التفكير الوهمي

الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)
الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)

مع ازدياد استخدام روبوتات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي في المحادثة وتقديم النصائح وحتى الدعم العاطفي، بدأت أبحاث جديدة تدرس تأثير هذه الأنظمة على المستخدمين مع مرور الوقت. وتكشف دراسة حديثة لباحثين مرتبطين بجامعة ستانفورد الأميركية عن خطر أقل وضوحاً، يتمثل في ميل هذه الأنظمة إلى تعزيز بعض المعتقدات بدلاً من تحديها.

تعتمد الدراسة على تحليل واسع لتفاعلات حقيقية، بهدف فهم كيفية استجابة نماذج اللغة في المحادثات الممتدة، وما الذي قد تعنيه هذه الاستجابات على إدراك المستخدم وصحته النفسية.

تحليل واسع النطاق

استندت الدراسة إلى تحليل أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة مع روبوتات الدردشة. ويتيح هذا الحجم الكبير من البيانات رصد أنماط متكررة، بدلاً من الاكتفاء بحالات فردية. وضمن هذه البيانات، حدد الباحثون نسبة من المحادثات التي تضمنت مؤشرات على تفكير وهمي. ووفقاً للدراسة، فإن نحو 15.5في المائة من رسائل المستخدمين أظهرت هذه الخصائص، ما أتاح فرصة لفهم كيفية استجابة الأنظمة لهذه الحالات.

التحدي يكمن في تحقيق توازن بين دعم المستخدم وتعزيز التفكير النقدي دون ترسيخ معلومات مضللة (أدوبي)

أنماط تأكيد متكررة

أحد أبرز النتائج يتمثل في تكرار ميل روبوتات الدردشة إلى تأكيد ما يقوله المستخدم. فقد أظهرت البيانات أن الأنظمة غالباً ما تستجيب بطريقة داعمة أو متوافقة مع طرح المستخدم، بدلاً من التشكيك فيه. ورغم أن هذا الأسلوب قد يكون مفيداً في سياقات الدعم، فإنه يصبح إشكالياً عندما يتعلق الأمر بمعتقدات غير دقيقة أو وهمية، حيث قد يؤدي إلى تعزيز هذه الأفكار بدلاً من تصحيحها.

دوامات وهمية متصاعدة

يصف الباحثون هذه الظاهرة بمصطلح «الدوامات الوهمية»، حيث تؤدي التفاعلات المتكررة بين المستخدم والنظام إلى ترسيخ المعتقدات الخاطئة تدريجياً. ولا يحدث التأثير نتيجة استجابة واحدة، بل يتشكل مع مرور الوقت. فكلما استمر النظام في تأكيد وجهة نظر المستخدم، زادت قوة هذا الاعتقاد. وتتيح طبيعة المحادثة المستمرة لهذا النمط أن يتطور بشكل تدريجي دون انقطاع واضح.

تشير الدراسة إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يخلق هذه المعتقدات من الصفر، بل يتفاعل مع أفكار موجودة مسبقاً لدى المستخدم.

وتزداد المخاطر في المحادثات الطويلة، حيث تتراكم أنماط التأكيد عبر الزمن. وفي هذه الحالة، يتحول النظام من مجرد أداة استجابة إلى عنصر مؤثر في توجيه مسار الحوار.

نحو 15.5 % من رسائل المستخدمين أظهرت مؤشرات على تفكير وهمي أو معتقدات غير دقيقة (غيتي)

تحديات في التصميم

تعكس هذه النتائج تحدياً أساسياً في تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي. إذ يتم تطوير كثير من روبوتات الدردشة لتكون مفيدة ومهذبة وداعمة، ما يدفعها إلى تبني أسلوب قائم على التوافق مع المستخدم. لكن هذه الخصائص نفسها قد تقلل من قدرتها على تصحيح الأخطاء أو تقديم وجهات نظر نقدية. ويظل تحقيق التوازن بين الدعم والتفكير النقدي تحدياً رئيسياً.

تتجاوز دلالات هذه الدراسة الجانب التقني لتصل إلى قضايا تتعلق بالسلامة. فمع استخدام هذه الأنظمة في مجالات تتضمن تقديم نصائح أو دعم شخصي، تصبح طريقة استجابتها أكثر حساسية.

وفي بعض الحالات، قد يؤدي تعزيز المعتقدات غير الدقيقة إلى تأثيرات فعلية على قرارات المستخدم أو حالته النفسية، ما يطرح تساؤلات حول كيفية تصميم هذه الأنظمة ومراقبتها.

نحو استخدام مسؤول

تشير الدراسة إلى ضرورة تطوير آليات أفضل للتقييم والضبط. فبدلاً من التركيز فقط على دقة الإجابات، ينبغي أيضاً فهم كيفية تصرف الأنظمة في المحادثات الطويلة والمعقدة.

ويشمل ذلك تحديد متى يجب على النظام التشكيك في بعض الطروحات أو تقديم توضيحات أو تجنب تأكيد معلومات غير موثوقة. ويعد تحقيق هذا التوازن خطوة أساسية في تطور الذكاء الاصطناعي.

الحاجة لمزيد من البحث

رغم أهمية النتائج، تؤكد الدراسة الحاجة إلى مزيد من الأبحاث لفهم تأثير هذه التفاعلات على المستخدمين على المدى الطويل.

فمع تحول الذكاء الاصطناعي من أداة تقدم معلومات إلى نظام يشارك في الحوار، يصبح من الضروري ضمان أن هذه التفاعلات تدعم الفهم ولا تعزز أنماطاً ضارة. وفي هذا السياق، لم يعد التحدي مقتصراً على تطوير أنظمة أكثر ذكاءً، بل يشمل أيضاً ضمان أن تكون أكثر وعياً بتأثيرها على الإنسان.


نهج جديد يمكّن الذكاء الاصطناعي من شرح قراراته

نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)
نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)
TT

نهج جديد يمكّن الذكاء الاصطناعي من شرح قراراته

نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)
نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)

مع تزايد اندماج أنظمة الذكاء الاصطناعي في قطاعات حساسة، مثل الرعاية الصحية والأنظمة ذاتية القيادة، يبرز سؤال أساسي: هل يمكن الوثوق بقراراتها؟

فعلى الرغم من أن النماذج الحديثة تحقق دقة عالية، فإن طريقة تفكيرها تظل في كثير من الأحيان غير واضحة. هذه «الصندوق الأسود» أصبحت واحدة من أبرز التحديات في هذا المجال. يقدّم باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) نهجاً جديداً يهدف إلى معالجة هذه المشكلة، من خلال تمكين أنظمة الذكاء الاصطناعي من تفسير قراراتها بطريقة مفهومة للبشر.

ما وراء الصندوق

في التطبيقات الواقعية، لا تكفي الدقة وحدها. فعندما يحدد نظام ذكاء اصطناعي مرضاً من صورة طبية أو يتخذ قراراً مرتبطاً بالسلامة، يحتاج المستخدم إلى فهم الأسباب التي قادت إلى هذا القرار. ومن دون هذه الشفافية، قد تفشل الأنظمة الدقيقة في كسب الثقة. وقد سعت تقنيات سابقة إلى فتح هذا «الصندوق الأسود»، لكنها غالباً ما قدّمت تفسيرات معقدة أو يصعب فهمها لغير المتخصصين. وهنا يكمن التحدي في تقديم تفسيرات دقيقة وفي الوقت نفسه واضحة.

الطريقة الجديدة تحسن التفسير دون التضحية بدقة الأداء بل قد تعززها (شاترستوك)

تفكير واعد

أحد الاتجاهات الواعدة يُعرف بنماذج «عنق الزجاجة المفاهيمي». في هذا النهج، يُجبر النظام على بناء قراراته على مفاهيم يمكن للبشر فهمها. فبدلاً من الانتقال مباشرة من البيانات الخام إلى النتيجة، يمرّ النموذج بمرحلة وسيطة يحدد فيها خصائص أو مفاهيم محددة قبل الوصول إلى القرار. لكن هذا الأسلوب واجه سابقاً بعض التحديات، إذ إن تحسين قابلية التفسير كان أحياناً يأتي على حساب الدقة، أو يؤدي إلى تفسيرات غير واضحة بما يكفي.

نهج جديد

طوّر فريق «MIT» طريقة محسّنة تهدف إلى تجاوز هذه القيود. يعتمد النظام على مكونين من التعلم الآلي يعملان معاً. الأول يستخرج المعرفة من نموذج موجود، والثاني يحول هذه المعرفة إلى مفاهيم مفهومة للبشر. يتيح هذا الإطار المزدوج «ترجمة آلية» لآلية عمل النماذج المعقدة إلى صيغة قابلة للفهم. والأهم أن هذه التقنية يمكن تطبيقها على نماذج رؤية حاسوبية مدرّبة مسبقاً، ما يجعلها قابلة للتعميم على نطاق واسع.

ومن أبرز ما يميز هذا النهج أنه لا يضحي بالأداء من أجل الشفافية. بل تشير النتائج إلى أنه يمكن أن يحسن دقة التنبؤ وجودة التفسير في الوقت نفسه. وهذا يتحدى افتراضاً شائعاً في تطوير الذكاء الاصطناعي، وهو أن التفسير يأتي دائماً على حساب الأداء. يمثل الجمع بين الاثنين خطوة مهمة نحو تطبيقات عملية موثوقة.

باحثو جامعة «MIT» يطورون نهجاً جديداً يمكّن النماذج من تفسير تنبؤاتها بطريقة مفهومة (شاترستوك)

تفسيرات أوضح

يتميز النظام بجودة التفسيرات التي يقدمها. فبدلاً من مخرجات تقنية معقدة، ينتج أوصافاً مبنية على مفاهيم واضحة يمكن للمستخدم فهمها بسهولة. وتكتسب هذه الميزة أهمية خاصة في البيئات الحساسة، حيث تحتاج القرارات إلى مراجعة وتقييم. فالتفسير الواضح يتيح للمستخدم التأكد من منطق القرار.

الهدف الأوسع لهذا البحث هو تعزيز الثقة في أنظمة الذكاء الاصطناعي. فعندما يتمكن المستخدم من فهم كيفية اتخاذ القرار، يصبح أكثر قدرة على تقييم دقته واكتشاف الأخطاء المحتملة. ويبرز هذا الأمر بشكل خاص في مجالات، مثل الرعاية الصحية، حيث قد تكون لأي خطأ عواقب كبيرة. فالتفسير لا يعزز الفهم فقط، بل يدعم الاستخدام المسؤول للتقنية.

أثر عملي واسع

تمتد آثار هذا التطور إلى ما هو أبعد من تطبيق واحد. مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، تتزايد الحاجة إلى الشفافية من قبل المستخدمين والجهات التنظيمية على حد سواء. وقد تلعب هذه التقنيات دوراً محورياً في تلبية هذه المتطلبات، من خلال جعل قرارات الذكاء الاصطناعي أكثر وضوحاً وقابلية للمساءلة.

يعكس هذا النهج خطوة ضمن اتجاه أوسع في أبحاث الذكاء الاصطناعي. فلم يعد التركيز مقتصراً على بناء نماذج عالية الأداء، بل يتجه نحو تطوير أنظمة قادرة على تفسير قراراتها. هذا التحول يعكس فهماً أعمق لدور الذكاء الاصطناعي في الواقع. فالأداء وحده لم يعد كافياً، بل يجب أن تكون الأنظمة مفهومة وموثوقة ومتوافقة مع التوقعات البشرية. وفي هذا السياق، تصبح القدرة على تفسير القرارات ليست مجرد ميزة إضافية، بل شرطاً أساسياً للجيل القادم من أنظمة الذكاء الاصطناعي.


«غوغل» تعيد تعريف البحث بالذكاء الاصطناعي المخصص

تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
TT

«غوغل» تعيد تعريف البحث بالذكاء الاصطناعي المخصص

تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)

أعلنت شركة «غوغل» عن توسع جديد في قدرات الذكاء الاصطناعي لديها تحت مفهوم أطلقت عليه «الذكاء الشخصي» (Personal Intelligence) في خطوة تهدف إلى جعل أنظمة البحث والمساعدات الرقمية أكثر فهماً للسياق الفردي لكل مستخدم، بدلاً من الاكتفاء بإجابات عامة. هذا التوجه الذي جاء في مدونة رسمية عبر موقع الشركة يمثل تحولاً في طريقة عمل الذكاء الاصطناعي، من تقديم معلومات موحدة إلى تقديم استجابات مخصصة تستند إلى بيانات المستخدم ونشاطه عبر خدمات «غوغل» المختلفة.

تحول في البحث

لطالما اعتمدت محركات البحث على مطابقة الكلمات المفتاحية لتقديم نتائج ذات صلة. إلا أن «غوغل» ترى أن هذا النموذج لم يعد كافياً في ظل تنوع احتياجات المستخدمين. وبحسب ما أوضحته الشركة، فإن «الذكاء الشخصي» يهدف إلى تقديم إجابات تأخذ في الاعتبار السياق الفردي، بحيث يحصل كل مستخدم على نتائج تتناسب مع اهتماماته وتاريخه الرقمي.

يعتمد هذا النهج على ربط المعلومات بين عدد من تطبيقات «غوغل»، مثل «جيميل» و«صور غوغل» و«يوتيوب» وسجل البحث، وذلك في حال موافقة المستخدم على تفعيل هذه الميزة. ويتيح هذا التكامل لأنظمة الذكاء الاصطناعي، مثل (جيميناي) «Gemini» ووضع الذكاء الاصطناعي في البحث، الاستفادة من هذا السياق لتقديم إجابات أكثر دقة وارتباطاً باحتياجات المستخدم.

«غوغل» تطلق مفهوم «الذكاء الشخصي» لتقديم استجابات تعتمد على السياق الفردي لكل مستخدم (أ.ف.ب)

تجربة أكثر تخصيصاً

وفقاً لـ«غوغل»، يمكن للنظام الجديد «ربط النقاط» بين بيانات المستخدم المختلفة، ما يسمح بتقديم توصيات وملخصات واقتراحات أكثر تخصيصاً. فعلى سبيل المثال، بدلاً من تقديم اقتراحات عامة للسفر، يمكن للنظام الاستناد إلى اهتمامات المستخدم السابقة أو نشاطه الرقمي لتقديم خيارات أكثر ملاءمة. ويمثل ذلك انتقالاً من الذكاء الاصطناعي كأداة عامة إلى ما يشبه المساعد الشخصي الذي يتكيف مع المستخدم بمرور الوقت.

التحكم بيد المستخدم

أكدت «غوغل» أن استخدام هذه الميزة يعتمد على موافقة المستخدم، حيث يمكنه اختيار التطبيقات التي يرغب في ربطها، أو إيقاف الميزة بالكامل. وأوضحت الشركة أن البيانات الشخصية من خدمات مثل «جيميل» و«صور غوغل» لا تُستخدم لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، بل تُستعمل لتوفير سياق ضمن التفاعل مع المستخدم فقط.

توازن مع الخصوصية

يبرز هذا التوجه تحدياً معروفاً في تطوير الذكاء الاصطناعي، وهو تحقيق التوازن بين التخصيص والخصوصية. فكلما زادت قدرة النظام على الوصول إلى البيانات، زادت دقة التوصيات، لكن ذلك يثير في الوقت نفسه تساؤلات حول حدود استخدام البيانات الشخصية. وتحاول «غوغل» معالجة هذا التحدي من خلال نموذج يعتمد على الشفافية ومنح المستخدم تحكماً أكبر في بياناته.

التحدي الرئيسي يتمثل في تحقيق توازن بين التخصيص العميق وحماية الخصوصية (شاترستوك)

ما بعد الإجابات

يعكس إطلاق «الذكاء الشخصي» توجهاً أوسع في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث لم يعد الهدف مجرد الإجابة عن الأسئلة، بل فهم نية المستخدم والسياق المحيط به. ومن خلال دمج البيانات الشخصية، يمكن للأنظمة الانتقال من تقديم إجابات ثابتة إلى تفاعلات أكثر ديناميكية. من المتوقع أن ينعكس هذا التطور على الاستخدام اليومي للتكنولوجيا، حيث يمكن للأنظمة المخصصة أن تسهم في تسريع إنجاز المهام مثل التخطيط للسفر، أو العثور على معلومات سابقة، أو اتخاذ قرارات مبنية على بيانات شخصية. كما قد تقل الحاجة إلى إدخال نفس المعلومات بشكل متكرر، إذ يصبح النظام قادراً على استنتاج السياق من التفاعلات السابقة.

اتجاه مستقبلي

يمثل «الذكاء الشخصي» خطوة أولى نحو جيل جديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تجمع بين البحث والمساعدة الرقمية والتخصيص العميق. ومع ذلك، يبقى نجاح هذا النهج مرتبطاً بمدى ثقة المستخدمين، إذ ستلعب الشفافية والتحكم في البيانات دوراً حاسماً في تبني هذه التقنيات. في المحصلة، لا يتعلق هذا التوجه بجعل الذكاء الاصطناعي أكثر ذكاءً فحسب، بل بجعله أكثر ارتباطاً بالمستخدم نفسه، في تحول قد يعيد تعريف كيفية تفاعل الأفراد مع التكنولوجيا في حياتهم اليومية.