ماذا يقرأون في الصيف؟ أي كتب يحملون في حقائب السفر؟

ماذا يقرأون في الصيف؟ أي كتب يحملون في حقائب السفر؟
TT

ماذا يقرأون في الصيف؟ أي كتب يحملون في حقائب السفر؟

ماذا يقرأون في الصيف؟ أي كتب يحملون في حقائب السفر؟

في الصيف، يحمل المثقفون كتبهم في حقائب السفر، ومع اتساع دائرة التقنية الحديثة، أصبح الكتاب الإلكتروني رفيقاً دائماً لشريحة القراء، دون تمييز، في الوسائط الرقمية يتم تخزين آلاف الكتب ودواوين الشعر، لكن ثمة كتاباً يحظى بالعناية أكثر من سواه.. يمكن أن يمثل معياراً لقيمة الكتاب نفسه، أو للفعل الثقافي الذي لا يتخلى عن عادة القراءة مهما طال السفر.
* «الذرة الرفيعة الحمراء»
يقول الروائي والأديب السعودي جبير المليحان، إن أجواء الصيف (في الخليج) بذاتها أصبحت طاردة لعادة القراءة، فحين تلامس درجة الحرارة الخمسين مع ارتفاع هائل في الرطوبة، يصبح المرء «طفراناً» يفتش عن ملاذ بارد يسكن إليه.. لكني لا أترك الذهاب إلى مكان تكون شمسه ظلا؛ وهواؤه عليلاً، مصطحبا كتاباً ممتعاً ومفيدا. في السفر، غالبا أضع بجانبي مذكرة صغيرة وقلما، أدون فيها ما تنبشه القراءة من مواقف وأحداث منسية في مخازن الذاكرة. واليوم، في حقيبتي رواية رائعة، ضخمة (620 صفحة من الحجم الكبير)، اسمها: «الذرة الرفيعة الحمراء» للكاتب الصيني مو يان، (الحائز على جائزة نوبل في الأدب عام 2012)، ترجمة حسانين فهمي حسين.. إنها رواية الصين بامتياز؛ تروي ذكريات طفل عن تاريخ عائلته، يحكيها وهو كبير خلال فترة الغزو الياباني للصين في ثلاثينات القرن العشرين. الرواية تكشف عوالم وأساطير، وكيف قاوم السكان المحليون الغزاة.
* «فن الشعر»
ومن البحرين، يقول الشاعر البحريني علي خليفة: «في هذا الصيف أعيد قراءة كتاب الدكتور إحسان عباس (فن الشعر) ربما للمرة الخامسة أو السادسة. قرأت هذا الكتَاب في بداياتي الأولى وأعجبت بمادته الغزيرة وأسلوبه العلمي السلس وطرحه المنسق والموفق واستطعت من خلال ما أعطاني هذا الكتَاب من ذخيرة أن افهم بالضبط ما هو الشعر؟، وكيف، ولماذا؟، كما منحني الكتاب فهماً لأن أكوّن لي فهماً خاصاً لعوالم هذا الفن الجميل. كلما أعدت القراءة اكتشف من خلال هذا الكتاب شيئا جديدا لم أفطن إليه من قبل فتتعمق لدي المعلومة وتنفتح أمامي مغلقات كانت عصية على الفتح. فهذا كتاب رائع يشمل كل ما يريده قارئه عن فن الشعر لناقد أكاديمي عربي افتقدنا ظله.
* «نظرية البلاغة»
من العراق، يتحدث الشاعر العراقي هزبر محمود، عن قراءاته هذا الصيف، قائلاً: «قبل ذهابي للجزائر يوم 2 يوليو (تموز) الجاري انتهيت من قراءة سلسلة كتب في المسرح العالمي والعربي، وبالذات المسرح الشعري لما أعتقد في المسرح من حيوية تساعد في إدارة الحياة والنفس البشرية والتحكم باستحداث حوارات داخلية على إيقاع المشكلة والحل بما فيها حبكة القصيدة.
في الجزائر اقتنيت عدة كتب أهمها كتاب (نظرية البلاغة) للدكتور عبد الملك مرتاض الذي بدأت بقراءته من بين المجموعة، وثلاثة كتب للمفكر الجزائري المعروف مالك بن نبي والتي سأبدأ بها بعد انتهائي من كتاب مرتاض وكذلك عدة كتب في الفلسفة وعلم الاجتماع سأقرأها تباعاً». يكمل هزبر قائلاً: أعتقد أن اختيار الكتاب المناسب في الوقت المناسب يخضع لأمور مهمة أهمها معرفة الإنسان بنفسه في لحظته وكذلك خضوعه لمشاغل الحياة اليومية وكذلك الكتاب والكاتب.
* أدباء مصريون يفضلون القراءات الخفيفة ومتابعة نتاج الأصدقاء
مع حلول فصل الصيف في مصر، تقل نوعاً ما حفلات التوقيع، وتقل الإصدارات الجديدة عنها في الشتاء وموسم معارض الكتاب المحلية والعربية والعالمية، لكن كثيراً من الأدباء يفضلون الاستمتاع بقضاء فصل الصيف وتخصيص قراءات محددة بعينها تخفف لهيب الطقس وهوائه الخانق ودرجات الحرارة المرتفعة التي تقلص الإنتاج الأدبي، هنا يكشف عدد من الأدباء والشعراء عن لائحة قراءاتهم لصيف 2017:
يكشف الشاعر محمد إبراهيم أبو سنة عن قراءاته قائلاً: «لا يوجد تغيير في قراءات الصيف عن الشتاء؛ لأن القراءة لدي مرتبطة دائماً بالمزاج الأدبي والنفسي، والإحساس بالرغبة في التواصل مع كل الألوان الأدبية لشحن الوجدان. عادة قراءاتي متنوعة في مجالات كثيرة تجمع بين الشعر الحديث والقديم، والنثر والدراسات الأدبية والنقدية والقصة القصيرة والرواية، لكن لا أقرأ بهدف التسلية أو تمضية الوقت».
هناك كتب حالياً على مكتبي «الإشارات الإلهية» لأبي حيان التوحيدي، وديوان للشاعرة سلمى فايد، إلى جانب ديوان لإسماعيل صبري باشا، وهو من شعراء القرن التاسع عشر، كما أعكف على مجموعة قصص مترجمة من الأدب الصيني لأنني أقر وأعترف بأننا هجرنا أدب الدول الآسيوية في مقابل الأدب الغربي والأوروبي والأميركي. ويقول: «حاليا أعيد قراءة شعر طاغور وعدد من الدواوين الفارسية والتركية».
* عبد المجيد: مشغول بالأحداث السياسية
أما الروائي إبراهيم عبد المجيد فهو لا يحبذ الكتابة الأدبية في فصل الصيف، وحالياً تشغله متابعة الأحداث والشأن السياسي المصري عن متابعة النتاج الأدبي الجديد، لكنه يقول: «في فترة الشباب كنت كثير القراءة وأقرأ صيفا وشتاء كل ما يقع تحت يدي سواء كان أدبا عالميا أو مصريا وعربيا، لكن بشكل محدد كنت أحب قراءة روايات الأديب العظيم إحسان عبد القدوس في فصل الصيف».
* عتيبة: القراءة الجادة في الشتاء
ويقول الروائي منير عتيبة، وهو مشرف مختبر السرديات في مكتبة الإسكندرية، عادة ما يتابع كل جديد، إنه يقرأ للدكتور طه حسين كتاب بعنوان «من لغو الصيف إلى جد الشتاء» الذي يرى فيه أن «القراءة والبحث الجاد يتمان غالبا في الشتاء وليس في الصيف؛ فصل الحر الخانق والإجازات». ويضيف: «لكن بالنسبة لي لا أحدد قراءاتي بناء على فصول السنة أو المناسبات كشهر رمضان المعظم مثلا. فقد انتهيت خلال الأسابيع الماضية من قراءة عدة روايات وأعمال قصصية منها رواية الأردني جلال برجس (أفاعي النار)، ورواية (رئيس التحرير) لأحمد فضل شبلول، ورواية (المختلط) لداليا أمين أصلان. ورواية (المزين) لأحمد سمير سعد، ورواية (مدن السور) لهالة البدري، إضافة إلى مجموعتين من القصص القصيرة جدا لمحمد الحديني وطارق جابر. وأقرأ الآن كتاب حكايات كورية (ين نال ين نال) ترجمة حسن عبده، حيث أقوم بإعداد بحث للمشاركة في مؤتمر عن الأدب الكوري».
ويكشف الأديب والطبيب المصري المقيم بأميركا شريف ماهر مليكة عن قائمة قراءاته قائلاً: «في أواخر الربيع، قررت قراءة (في غرفة العنكبوت) للكاتب المصري محمد عبد النبي، الصادرة عن دار العين، لأنها كانت الرواية المصرية الوحيدة التي اشتملتها القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية لعام 2017، لكن الحقيقة، وجدتني عاجزاً عن استكمالها بعد أن خضت في جزء كبير منها. السبب من وراء ذلك كان في خوضها في مسألة المثلية الجنسية، بتفاصيل أثارت اشمئزازي، وحاولت التغاضي عنها، لكنني لم أفلح. رغم قراءاتي الأدبية الكثيرة وملاقاتي للكثير من الكتابات التي تناولت المثلية الجنسية، فإنني لم أجد تفسيراً للخوض في مثل تلك التفاصيل الحميمية الزاخرة بها تلك الرواية. تساءلت عن الفرق بينها وبين رواية أحمد ناجي (استخدام الحياة) التي انتهت به إلى غياهب السجون. ورغم أنني لم أؤيد عقاب ناجي بمثل هذه القسوة والتعنت، فإني لم أجد فروقاً شاسعة بين الروايتين».
ويقول أيضاً: «قرأت أيضاً رائعة فولتير (كانديد) ربما للمرة الرابعة أو الخامسة، لأنني أعشق العمل أولا، ولسبب كتابتي لرواية جديدة بعنوان «البحث عن كانديد» أعتزم الانتهاء منها قريباً. وأقرأ في الوقت الحالي كتاب «جهاد في الفن» للأستاذ مصطفى عبد الله، عن الروائي والقاص العملاق يحيى حقي. في الحقيقة، تعرفت بين صفحات هذا العمل الرائع عن شخصية وعقل مبدعنا الراقي، وأنا حالياً أقرأ شهادات باقة من مبدعينا الكبار عنه. وبين تلك الكتابات والروايات، لا بد لي - كعادتي - أن أتصفح بضعة فصول من كتابين هما الأثيران لديَّ، فلا يمضي صيف إلا وتصفحتهما، كليّاً أو جزئيّاً، حسب الوقت المتاح؛ وهما (ملحمة الحرافيش) لنجيب محفوظ، و(مائة عام من العزلة) - الترجمة الإنجليزية-، لجابرييل غارسيا ماركيز».
* أصلان: كتب الأصدقاء
الروائي هشام أصلان يرى أن قراءات الصيف لا تختلف كثيراً عن قراءات الشتاء، بحكم عمله في الصحافة الثقافية التي تتطلب منه متابعة دقيقة لأغلب الروايات والمجموعات القصصية والدواوين الحديثة، لكنه يقول: «في فترة الإجازة المرتبطة عادة بفصل الصيف، أحرص على قراءة بعض الكتب التي أثارت ضجة أو مميزة لسبب أو لآخر، كما أن قراءات الصيف يكون فيها الانتقاء والاختيار متاحا بعيدا عن طبيعة العمل الصحافي».
ويضيف صاحب المجموعة القصصية «شبح طائرة ورقية»: «هناك بعض الكتب التي أعود إليها بشكل دائم، والتي استمتع بقراءتها تماما مثل المرة الأولى لقراءتها، ومنها: مجلد (نظر) للكاتب الكبير محيي الدين اللباد، وهو مجلد ضخم يضم مجموعة مقالات دسمة غنية بالمعلومات إلى جانب رسوم كاريكاتورية نشرت جميعها في مجلة (صباح الخير) وقد صدر عن مكتبة الأسرة، وعودتي إليه بسبب ما يتسم به أسلوب اللباد من جاذبية تعطي مذاقا خاصا لقراءته. ومن الكتب التي أعود إليها أيضاً (الجنوبي) للكاتبة عبلة الرويني وهو سيرة ذاتية عن زوجها الراحل الشاعر الكبير أمل دنقل، تروي فيه مشوار حياته وحياتهما معا وقصة مرضه، وهو من الكتب التي في مظهرها سيرة ذاتية لكنه كتب بحس ولغة روائية عالية وهو ممتع جدا. ومن الكتب الثقيلة التي أعود إليها أيضاً كتاب (ثلاثية الرواية) لميلان كونديرا، وترجمة دكتور بدر الدين عرودكي، وهو كتاب نظري عبارة عن 3 كتب في كتاب واحد».
ويضع نجل الكاتب الراحل إبراهيم أصلان قائمة للكتب التي سوف يضعها في حقيبة السفر، قائلاً: «عادة ما أصطحب معي في إجازتي كتب وإصدارات أصدقائي لمتابعة نتاجهم، ومشاركتهم نجاحات مشروعاتهم الأدبية التي عادة ما أكون شاهدا عليها، وعلى رأس هذه القائمة: رواية (حصن التراب) للكاتب أحمد عبد اللطيف، وهي صادرة عن دار العين، وتروي قصة عائلة موريسكية تعرضت لمذابح واضطهاد، وهي رواية ممتعة وتدور في سياق تاريخي مثير، أيضاً أتطلع لقراءة رواية محمد حسن علوان (موت صغير) الفائزة بالبوكر هذا العام بمزيد من التركيز، وكتاب الشاعر المصري محب جميل عن المطربة الشعبية فتحية أحمد وسيرتها ومشوارها الموسيقي الطويل، وهو صادر عن دار الجديد اللبنانية، كما أتطلع لقراءة مجموعة قصصية وحكايات للروائي طارق إمام بعنوان (مدينة الحوائط اللانهائية) وهي مجموعة قصص نشرت متسلسلة في جريدة (الدستور) لكن أود قراءتها مجمعة في كتاب سوف يصدر عن الدار المصرية اللبنانية، وأيضاً كتاب صدر مؤخرا بعنوان (ذئاب منفردة) للكاتب حسن عبد الموجود، وهو كتاب ممتع يضم صورا قلمية لعدد من كتاب وأدباء التسعينيات اقترب منهم المؤلف ويبرز عبر بورتريهات صحافية جانبهم الإنساني».
* نهلة أبو العز: «سيدة المنام»
القاصة نهلة أبو العز، تقول: «يرتبط بالقراءة كل شيء جميل، عادة ما تستطيع الكتب أن تأخذني من عالمي الصاخب لعوالم جديدة، وكان من حسن حظي في هذا الصيف أن أتمتت قراءة بعض الكتب ومنها: كتاب (سيدة المنام) للكتابة سحر الموجي الذي تعتمد فيه على لغة شعرية مختلفة في كتابة القصص وتبتعد عن الطريقة التقليدية في الحكاية، وللمجموعة رونق رشيق يخص شاعرة محترفة. قرأت أيضاً رواية حديثة صادرة عن سلسلة كتابات جديدة وهي (الدفتر السادس) للكاتب ياسر جمعة الذي استخدم كل الوسائل الحديثة في عرض حكاية تبدو متكررة وهي الحبيب والحبيبة والدخيل، هذا المثلث الذي عرفناه في قصص الحب تم استخدامه في الدفتر السادس بحرفية عالية تجعلك تشعر بأنك تقرأ للمرة الأولى عن هذه التركيبة في العلاقات الإنسانية».
وتضيف: «كما كان في رواية (الدفتر الكبير) للكتابة أغوتا كريستوف عنصر آخر من عناصر الاستمتاع والانبهار، حيث تحدثت الرواية بسلاسة غير عادية عن الحرب من دون أن تتكلف في ذلك من خلال طفلين ذهبا لجدتهما بعد سفر الأب والأم للحرب، وقد تعايشا مع حياتهما الجديدة بشكل مذهل، اعتمدت فيه الكتابة على تغير الأحداث ورسم المشاهد بلغة بسيطة وانسيابية في العرض.
كتاب آخر جذبني ودائما يجذبني هو «رولا وخوليو» للكاتب الإسباني خوان مياس القصة التي رسمها مياس في روايته تخرج عن الإطار المألوف للحكاية، فهي تعتمد على شخص منذ بداية الرواية وهو غائب ولكنه كان محركا لكل أحداث الرواية، لتكتشف أن الأبطال كانوا يرتبطون به قبل وفاته، وهو من قام بتغيير حياتهم بالشكل الذي لم يكونوا يتوقعونه. وتتميز الرواية وأدب خوان مياس بصفة عامة ببساطة العرض واستخدام تقنيات عالية في الكتابة ولكنها ليست معقدة.
* موسى: الصيف لا يشجع على القراءة
الروائي المصري صبحي موسى، يقول: «فصل الصيف لا يحفز على الإنجاز سواء القراءة أو الكتابة، فنهاره طويل وليله قصير، وعادة ما أحب قراءة الكتب الخفيفة. حاليا أقرأ مجموعة من روايات وقصص الأصدقاء، ومنها: رواية (البيت الزرق) للشاعر والروائي اللبناني عبده وازن، وهي تعالج قصة حياة شاب مثقف لكنه يعاني من التوحد ويرفض العالم من حوله، وبها قيم عن التسامح والعلاقة مع الآخر، وتحث على البعد عن الطائفية، أيضاً أقرأ مجموعة قصصية بعنوان (طريق السيدات) للكاتب خالد ثابت، وهي تضم 10 قصص مفعمة بروح فلسفية كبيرة، ورواية للصديق حسن هند تتناول الرأسمالية بشكلها البشع حول سيطرة الشركات متعددة الجنسيات وكيف تدمر مصائر البشر».



ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
TT

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير

لا يزال بسّام كردي، صاحب دار نشر «المركز الثقافي للكتاب» تحت هول الصدمة. فقد أتى القصف الإسرائيلي على مستودع كتبه، ومقره اللبناني، في حارة حريك، في الضاحية الجنوبية لبيروت. تم تدمير المبنى المكون من 14 طابقاً، في أثناء إحدى الغارات الإسرائيلية، احترق برمته، ودفن تحت ركامه ورماده مئات العناوين، بنسخها، وفكرها، وتعب كتّابها، وكدّ ناشرها.

الناشر لا يشعر بأمل في إنقاذ أي بقايا من تعب العمر. «كنت قد زودت المستودع الموجود تحت الأرض، بخزانات ماء ونظام إنذار مضاد للحرائق. فكيف أصبحت حال الكتب وقد هوت العمارة عن بكرة أبيها، لا بد أن المياه أغرقت محتويات المستودع»، يقول كردي لـ«الشرق الأوسط».

«المركز الثقافي للكتاب» دار نشر مغربية، ارتأى صاحبها أن يكون له مستودع في بيروت لتبقى العناوين التي يطبعها، قريبة من معارض الكتب، والنقل أخفّ تكلفة. ويشرح: «كان هدفي من إنشاء الدار، تعريف المثقف العربي في المشرق بالكتاب المغربي. غالباً ما كانت كتب المشرق هي التي تصلنا، ولا يحدث العكس، فأحببت أن أقوم بهذه المهمة».

ما آل اليه مبنى من 12 طابقاً وتحته مستودعا «المركز الثقافي للكتاب» و«مؤمنون بلا حدود»

تطبع الدار في المغرب لكبار الأسماء، وتأتي بكتبهم إلى بيروت، حيث توضع في هذا المستودع الذي فقدت محتوياته. «أما الكتب ذات البعد العربي أو اللبناني فتطبع في بيروت، وتنقل منها نسخ إلى المغرب». هكذا يعمل الناشر كردي، بين بلدين محاولاً تغطية المنطقة العربية. لكن «غالبية الكتب هي التي كانت موجودة في بيروت، لأنها من هنا تشارك في المعارض المختلفة. فأنا أعتبر بيروت نقطة تلاقٍ للعالم العربي. في بيروت وضعت كل ما أملك، شقاء العمر، وخمسين سنة من الكدّ في عالم النشر. هذه المهنة التي مارستها كل حياتي ولا أجيد غيرها، وها أنا أفقد كل شيء».

كان بسّام كردي، مديراً عاماً في المغرب ولبنان لـ«المركز الثقافي العربي» طوال 38 عاماً، قبل أن يؤسس داره «المركز الثقافي للكتاب» عام 2016، التي يصفها بأنها دار مغربية، لكنها في بيروت تجد امتدادها الجغرافي.

يصعب على الناشر تصديق ما وقع له، أو أن يقدّر عدد النسخ أو العناوين التي فقدها. «لا أزال غير قادر على إجراء جردة، أو حصر الأضرار. يلزمني عدة أيام، كي أستفيق من الصدمة، وأقدّر الموجودات التي تبخرت. لكن الخسارة هي حتماً تفوق المليوني دولار». يصف ما حدث بأنه «ضربة للمغرب والثقافة المغربية، وضربة لوجودي في المعارض العربية، وضربة لي شخصياً، وللبنان طبعاً».

قضى بسّام كردي عمره كله ناشراً يقوم بالمهمات كلها، «أتسلم المخطوطة، أقرأها، أتناقش مع الكاتب، نجري التعديلات، أدفع بها إلى الطبع، وأصححها، حتى تخرج بحلتها النهائية».

بسّام كردي يقيم في المغرب، وعرف بالخبر الأليم عن بعد «ولم أتمكن حتى الآن من إرسال أحدٍ لتفقد الوضع. كل ما أعرفه هو ما يخبرني به الأصدقاء هناك والصور التي أتسلمها. ولم يتمكن أحد من من المخاطرة والوصول إلى المبنى المنهار».

في الضاحية الجنوبية التي تتعرض لقصف كثيف بشكل شبه يومي، العديد من المكتبات احترقت واختفت بسبب الحرب، وتضررت دور نشر منها «مؤمنون بلا حدود» الموجودة في المبنى نفسه، ملاصقة لـ«المركز الثقافي للكتاب» ودفنت كتبها أيضاً تحت الركام.

كان بسّام كردي على علم منذ مدة أن ثمة خطر حرب يلوح في الأفق. «ذهبت وحاولت نقل محتويات المستودع. جاء جيراني في المنطقة، ولاموني. أقنعوني أن أبقى وأن لا شيء يستحق عناء الانتقال. ملت إلى هذا الحلّ، لأن الإيجارات في الضاحية لا تقارن بخارجها. فإذا كنت أدفع ألف دولار فسأضطر لأن أضرب المبلغ بثلاثة أضعاف في حال قررت الذهاب إلى مكان آخر. لهذا أبقيت المستودع حيث هو وعدت أدراجي إلى المغرب، وكانت النتيجة ما وصلنا إليه».

نعم، دور كثيرة تأثرت بهذه الكوارث التدميرية، يقول كردي، «لكن أغلبهم عندهم أكثر من مستودع، يفقدون أحدها فيبقى لهم مستودع أو اثنان. أما أنا فقد وضعت كل ما عندي في مكان واحد، ومن هنا حجم الكارثة التي تعرضت لها».

وإذا ما أضفنا إلى الخسارة التي وقعت على الدار، أن حال النشر متراجعة جداً، والسوق ليست على ما كانت عليها، كما يؤكد لنا كردي الذي يشارك في غالبية المعارض العربية، نفهم الصعوبات الجمّة التي على ناشر أن يذللها.

يطبع «المركز الثقافي للكتاب» لكبار كتّاب المغرب، لديه الأعمال الكاملة لمحمد عابد الجابري، وكتب سعيد بنكراد، حسن أوريد، الغالي أحرشاو، وأحمد المديني وغيرهم. وكان المديني من أوائل من نشروا خبر ضياع مركز الدار في بيروت تحت عنوان «شخصيات روايتي شهيدة القصف الإسرائيلي» وطالب بالتنديد بهذا العمل الهمجي وبالتضامن مع ناشره. وعدّ المديني على صفحته «فيسبوك» أن ما خسرناه هو «رصيد كبير وفخم» لخيرة الكتاب العرب مغاربة ومشارقة، مبدعين وباحثين. وقال عن الكتب وشخصياتها التي عدّها «شهيدة الأدب»: «أسمعها تصرخ قتيلة الكلمات، تبعثرت أشلاءً، والصور رفاتاً ووجوهها دماءً. إنما يقيناً سوف يبعثون بإرادة كاتبها وعزم وتصميم ناشرها، وبتضامن القراء والكتاب والناشرين العرب أجمعين والجهات الثقافية العربية الرسمية والمدنية». وختم: «لا يجوز السكوت على هذه الجريمة الشنعاء وأدعوهم لشجبها ودعم المركز الثقافي للكتاب بكل الوسائل الممكنة».

يصف صاحب «المركز الثقافي للكتاب» ما حدث بأنه «ضربة للمغرب والثقافة المغربية... وللبنان»

الناشر كان قد اتخذ كل الاحتياطات اللازمة، فعدا نظام مكافحة الحريق، لديه عقد تأمين «لكن الشركات لا تعوض عن دمار الحروب. هذا موجود كأول بند. هم يعوضون عن الغريق والحريق والكوارث الطبيعية، لكن الحروب ليست مشمولة. لماذا إذن نتكلف عناء التأمين، لست أدري؟». هكذا يتساءل كردي، الذي لا يتوقف هاتفه عن الرنين منذ انتشر الخبر. كتّاب، ناشرون، قرّاء، أصدقاء، الجميع يحاول أن يخفف عنه وقع الخسارة. فعلاقته مع كتّابه وثيقة، ويعتقد أنه لا بد لما تلف أن يتم تعويضه «فمن ألّف الكتاب الأول والثاني، بمقدوره أن يكتب الثالث. لكن في النهاية، التضامن معي والذي أقدره كثيراً هو عاطفي. أنا لا أتوقع، كما أنني لا أطلب، ولن أقبل بمساعدة مادية من أحد، إلا إذا كانت مؤسسة كبيرة، تعرض الدخول في مشروع معي».

ليس واضحاً بعد عند ناشر «المركز الثقافي للكتاب» ما يمكن أن يفعله للخروج من هذه المحنة. فبعض الكتب ضاع، وبعضها الآخر، بقي بنسخ محدودة. «سأعيد طباعة الكتب الموجودة، بكميات قليلة، أسميها (طبعة حرب) أو (طبعة استثنائية)، وربما (طبعة قصف)، لست أدري؟ كتبي لها طبيعة استثنائية، هي كتب حداثية، لا تتوجه للجمهور العريض، جامعية، تخصصية أو فلسفية، وكتّابي هم أصدقاء يتفهمون ما وقع ويتضامنون ويشجعون».

إعادة بناء مؤسسة من الصفر أو ما أشبه لرجل ضيّع خميرة خمسين سنة، أمر يصفه بأنه «صعب ومكلف جداً»، ولا بد أنه يحتاج إلى شجاعة استثنائية. بسّام كردي رغم بحّة الحزن في صوته، يحتفظ بالأمل والعزيمة، ويقول إنه يبحث عن موقع جديد في لبنان، بعيد عن المناطق الأكثر خطراً، شرط أن يكون السعر مقبولاً.

وعندما نسأله إن كان قد قرر تغيير البلد كلياً يقول: «أنا باقٍ في لبنان، ليس هذا ما أناقشه. الأمر محسوم بالنسبة لي، ولا بديل. إنما أبحث عن مستودع جديد يكون في مكانٍ أكثر أمناً، وأعيد التأسيس رويداً رويداً، كي أسترجع ما خسرته». يضيف: «أسست عبر سنوات طويلة، علاقات، أصدقاء، مؤلفين. هذا لا يلغي أنني في صدمة، وقد أصبح مخزوني صفراً بعد نصف سنة من العمل. سأبدأ من جديد، لأنه ليس أمامي من خيار آخر».

يصف ما حدث بأنه «عملية محو لذاكرة مغربية» في هذا الجزء من العالم العربي، ولا بد من استعادتها. «أعتقد رغم كبر مصيبتي، أنها أسهل من حال من فقد بيته، أو ابنه أو عائلته بأكملها. أنا عائلتي بخير، ورصيدي محبة الناس لي، وتقديرهم، وهذا هو رأس مالي الأكبر».


لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة
TT

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

ضمن سلسلة «الدراسات الشعبية» الصادرة عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة صدر كتاب «سيوة... واحة الأحلام والأساطير- دراسة إثنوغرافية» للباحث محمد أمين عبد الصمد. والكتاب، كما هو واضح من العنوان، يشير إلى تلك الواحة الشهيرة التي تقع في شمالي غرب مصر على بعد نحو 340 كم من ساحل البحر المتوسط وعلى بعد 450 كم من وادي النيل وتقترب بشدة من الحدود السياسية لليبيا، ويتحدث سكانها اللغة الأمازيغية «باللهجة الشاوية» بجانب اللغة العربية المتداولة رسمياً.

يعتمد أهل سيوة في حياتهم الاقتصادية على الزراعة ويشتهرون بإنتاج أنواع متعددة من البلح، وذلك لانتشار النخيل وزراعته في الواحة بأنواعه المتعددة، حيث كان تعداد النخيل في سيوة عام 1960 نحو 100 ألف نخلة، فضلاً عن 30 ألف شجرة زيتون تعطي بعد عصرها 200 طن من زيت الزيتون.

ويبدي المؤلف اهتماماً خاصاً، بواحدة من أشهر الأحداث التاريخية التي ارتبطت بسيوة، وهي زيارة الإسكندر الأكبر للواحة، في واقعة نادرة اكتنفها الكثير من الغموض، بهدف أن يستقي الكثير من معارفه منها ومن كهنتها ومعبودها «آمون»، كما قوي حضوره وذاع صيته بعد إعلانه من جانب الكهنة ابناً لهذا الإله الشهير بين آلهة مصر القديمة.

اتجه الإسكندر الأكبر إلى واحة سيوة في شتاء عام 331، قبل الميلاد، وذلك بعد أن وضع تخطيطاً لمدينة تحمل اسمه وهي الإسكندرية، فوصل أولاً إلى مدينة «باراتونيوم» وهي مكان مدينة «مرسى مطروح» حالياً وتلقى هدايا رسل ملوك المدن الليبية وإعلان طاعتهم له، ثم انطلق بعدها جنوباً قاصداً الواحة.

ويذكر مؤرخ بلاط الإسكندر الذي رافقه في هذه الرحلة أنهم تعرضوا للهلاك عطشاً أثناء الرحلة بعد نفاد الماء منهم، ولم ينقذهم سوى سقوط أمطار بشكل مفاجئ فارتووا منها وخزنوا بعضها لبقية الطريق، كما تعرضوا للهلاك مرة ثانية بعد أن ضلوا الطريق ولم ينقذهم سوى ظهور غراب في السماء فأمرهم الإسكندر بتتبعه والاتجاه معه فوصلوا الواحة بعد سبعة أيام واعتبرت حاشية الإسكندر أن نجاة الإسكندر ونجاة من معه من معجزات الإله آمون.

وصل الإسكندر بركبه إلى «معبد النبوءات» فاستقبله كهنة آمون واحتفوا به وبمن معه وتلقى الكهنة تساؤلات مرافقي الإسكندر الأكبر وأجابوهم عنها في بهو المعبد الشهير، أما الإسكندر الأكبر فقد طلب من الكهنة أن يسأل الإله آمون في خلوة فاصطحبه رئيس الكهنة إلى الهيكل ولم يرافقه أحد من حاشيته وسأل ما شاء من أسئلة وعندما خرج من الهيكل إلى رفاقه لم يخبرهم بأي شيء مما دار معه في الداخل واكتفى فقط بقوله: «سمعت من الإله آمون ما طابت له نفسي».

ولم يذكر التاريخ أو يسجِّل لنا أي شيء عما دار داخل الهيكل أو غرفة النبوءات تصريحاً أو تلميحاً وكل ما سجله التاريخ هو ما كتبه الإسكندر الأكبر في رسالته إلى والدته «أوليمبياس» عن تلك الزيارة فقال: «إنه سمع من الإله أشياء مهمة جداً لا يستطيع أن يذكرها في خطابه وسيرويها لها عندما يراها» ولكن هذا اللقاء لم يتم، فقد مات الإسكندر الأكبر وأخذ معه سره وسر ما قيل له في غرفة النبوءات.

يذكر المؤرخون حرص الإسكندر الأكبر فيما بعد على زيارة سيوة وإرسال رسله ليسأل كهنة آمون كلما كان مقدماً على أمر مهم، وهو ما يدل على الأثر الكبير الذي تركه آمون وكهنته في نفسه، حتى إنه عندما كان يعاني من سكرات الموت في مرضه الأخير في مدينة بابل تقدم إليه صديقه المقرب أريدوس وسأله: هل يوصي بشيء بخصوص ابنه وزوجته؟ فأعرض عنه الإسكندر الأكبر، فجاءه أريدوس مرة أخرى وسأله عمن يخلفه في القيادة بعد موته فأجابه بأن القيادة للأقوى منهم.

سأله «أريدوس» إن كان له طلب خاص ففتح الإسكندر الأكبر عينيه وقال إنه «يوصي بأن يدفنوه إلى جوار أبيه آمون في واحة سيوة». تم وضع الجثمان في تابوت ذهبي وسار وراءه الجيش كله منكس الرأس والسلاح والأعلام من مدينة بالمي في العراق حتى وصل إلى مدينة منف في مصر وكانت كل مدينة يمر عليها موكب الجنازة تخرج لتحييه وتبجل رحيله.

وعندما أراد اليونانيون استكمال مسيرتهم إلى واحة سيوة، أقنعهم بطليموس الذي كان يحكم مصر باسم الإسكندر الأكبر بأن يدفنوه في مدينة الإسكندرية التي دشن بناءها الإسكندر نفسه فاقتنع قادة الجيش اليوناني ووافقوا على دفن الإسكندر الأكبر في الإسكندرية.


«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»