مراجعة منظومة التعليم العالي في تونس تكشف تبايناً بين التكوين والتشغيل

مراجعة منظومة التعليم العالي في تونس تكشف تبايناً بين التكوين والتشغيل

نحو 240 ألف خريج جامعي عاطل عن العمل
الاثنين - 23 شوال 1438 هـ - 17 يوليو 2017 مـ رقم العدد [14111]
84 إعجاب - 54 تعليق
تونس:المنجي السعيداني
تنكب لجنة مهتمة بإصلاح التعليم الجامعي في تونس على البحث عن طريقة تحسين وتغيير منظومة «إمد» المعتمدة في الجامعات التونسية بعد إقرار بفشلها في ضمان التلاؤم الضروري بين التكوين والتشغيل. ومن المنتظر أن تصدر تقريرا مفصلا يتضمن الإصلاحات الجوهرية كافة لهذه المنظومة التي من المنتظر تطبيقها خلال السنة الجامعية 2018 - 2019.

وتسعى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في تونس إلى البدء في مراجعة منظومة التعليم العالي خلال السنة الجامعية المقبلة 2017 - 2018، وذلك بإقرار إصلاح عاجل أساسه تغيير طريقة الامتحانات في اتجاه تسهيلها من خلال عدم تقييم المواد النظرية والتطبيقية بالطريقة المعتمدة نفسها حاليا ومزيد من تطوير منظومة «إمد» المعتمدة حاليا في مؤسسات التعليم الجامعي في تونس.

وأقر سليم خلبوس وزير التعليم العالي التونسي بمناسبة الإعلان عن نتائج امتحانات الباكالوريا (الثانوية العامة) بفشل منظومة التعليم العالي المعروفة في تونس تحت اسم «إمد» أي إجازة -ماجستير - دكتوراه في توفير يد عاملة وكفاءات تتلاءم مع متطلبات سوق العمل التونسية. وأكد على نجاح هذه المنظومة في عدة بلدان أجنبية ولكنها لم تعرف نسبة النجاح نفسها في تونس ولم تطبق وفق المعايير والمواصفات الدولية المعتمدة.

وأرجع خلبوس الفشل النسبي لمنظومة «إمد» إلى صعوبات عرفتها المنظومة بأكملها على مستوى فترة التدريب للحياة المهنية والتنقل بين المؤسسات، وإلغاء المواد الاختيارية خلال مدة التعليم الجامعي.

وقال: لا يوجد إشكال في منظومة «إمد» في حد ذاتها بل في تطبيق هذه المنظومة الذي كان «خاطئا» على عدة مستويات وفق قوله.

وأكد خلبوس في أحد التصريحات الإذاعية أن منظومة «إمد» تمثل «بدعة تونسية لا نقوم باعتمادها في تونس» على حد تعبيره، وأشار إلى أن منظومة «إمد» يشترط فيها الاعتماد على مواد اختيارية فيما لا يتم الاعتماد على ذلك في الجامعات التونسية كما يشترط إجراء تربص في كل سنة وهذا أيضا لا يتم اعتماده.

وعلى الرغم من الإقرار بما حققته منظومة التعليم العالي والبحث العلمي خلال العشريتين الماضيتين من أهداف كمية ونوعية من أهمها تكوين الآلاف من الكفاءات العليا والوسطى وانتشار المؤسسات الجامعية في مختلف جهات تونس، فقد طرح ذلك تحديات جديدة تتعلق أساسا بمدى تأقلم المتخرّجين مع سوق العمل سواء من حيث نوعية التكوين أو كذلك من ناحية جودته.

أقرت الحكومة التونسية منذ سنة 2010 بوجود سلبيات من خلال تطبيق منظومة «إمد» الوافدة على تونس، ودعت مجموعة من الخبراء والمختصين في ميداني التكوين والتشغيل إلى اتخاذ إجراءات عاجلة تهدف إلى ضمان تشغيلية أصحاب الشهادات العليا وخريجي الجامعات التونسية وملاءمة تكوينهم مع حاجيات السوق.

واشتكى أصحاب المؤسسات الاقتصادية في أكثر من مناسبة، من تراجع مستوى حاملي شهادات التعليم العالي في اللغات الأساسية (العربية والفرنسية والإنجليزية) وهو ما يقلّص قابلية التشغيل لدى خريجي الجامعات.

وشرعت وزارة التعليم العالي في تنفيذ خطة لتدارك النقائص المسجلة من خلال تصحيح تدريس اللغتين الفرنسية والإنجليزية في جل الشعب الجامعية وتغيير الطرق البيداغوجية وتشجيع التعبير الشفوي والمرافقة البيداغوجية والتعلم عن طريق الجامعة الافتراضية.

واعتمدت وزارة التعليم العالي مبدأ تلافي التخصصات الدقيقة تمكن المؤسسة التعليمية من تعديل المسارات وطاقات الاستيعاب حسب تطورات ومستجدات سوق العمل والأخذ بعين الاعتبار ما يمكن أن يبرز من اختصاصات دقيقة جديدة أو من تقلص مجال تشغيل بعضها خلال المسار التكويني للطالب، إلا أن تلك الإصلاحات أظهرت محدودية نتائجها بسبب تدفق الآلاف من المتخرجين سنويا من الجامعات التونسية وبقاء أغلبهم دون عمل.

وعانت تونس منذ عقود من ظاهرة البطالة المتزايدة في صفوف أصحاب الشهادات وعملت دون جدوى على ملاءمة البرامج التعليمية والتكوينية المختلفة لحاجيات وانتظار سوق العمل المحلية.

وإلى وقت قريب يذهب الاعتقاد لدى مختلف الأوساط والشرائح إلى أن كثرة المتخرجين من التعليم العالي والذين بلغ عددهم لحساب السنة الجامعية المنقضية 2009 - 2010 ما يزيد على 65 ألف وافد جديد على سوق العمل، وأن تلك الكثرة هي سبب البطالة المتزايدة لأصحاب الشهادات الجامعية.

وأظهرت الدراسات التي أجرتها وزارة التعليم العالي التونسي أن مسألة بطالة خريجي التعليم العالي ليست مرتبطة فقط بالجوانب الكمية أي بأعداد خرجي الجامعات التونسية، بل أيضا وبالخصوص بجودة التكوين وطبيعة الشهادات المتحصل عليها والتخصصات التعليمية التي يتوجه نحوها الطلبة.



جامعات في كل مكان... لكن



ونتيجة لارتفاع معدلات التعلم وإجبارية التعليم في مراحله الأساسية، فقد ارتفع عدد الوافدين على الجامعات التونسية ليقدر بنحو 337393 طالبا خلال السنة الجامعية 2012 - 2013 منهم 315513 في القطاع العمومي و21880 في القطاع الخاص.

ويتوزع طلاب العلم في تونس على نحو 203 مؤسسات منتشرة في كل الولايات - المحافظات - التونسية غير أن 137 مؤسسة جامعية منها تشهد مشاكل كثيرة منها البنية التحتية وفق تقارير وزارة التعليم العالي التونسية.

وسجل عدد الطلبة الملتحقين بالجامعات التونسية تراجعا منذ السنة الجامعية الفارطة وذلك بنحو 28 ألف طالب ومن المنتظر تواصل هذا التراجع خلال الخمس سنوات المقبلة وهو ما قد يعد مؤشرا على الانفراج التدريجي في أعداد خريجي الجامعات ويقلل من الضغوط على سوق العمل المحلية.

وبلغ عدد خريجي الجامعات التونسية خلال السنة الجامعية 2012 - 2013 في القطاع العمومي نحو 68880.

وبلغت النسبة العامة للنجاح بالسنوات النهائية في مختلف مراحل التكوين 83.2 في المائة وهي نسبة مرتفعة تؤثر على علاقة المتخرجين مع سوق العمل غير الملائمة لاختصاصات الكثير منهم.

ويبدي اتحاد العاطلين عن العمل من أصحاب الشهادات الجامعية (اتحاد مستقل) احترازات تجاه الأرقام الرسمية التي تقدمها السلطات التونسية. وفي هذا الشأن ينفي سالم العياري رئيس هذا الاتحاد وجود إجراءات حقيقية لحل معضلة البطالة في تونس.

ويرجح أن نسب البطالة المعلنة والتي تقدر بـ15.2 في المائة غير صحيحة ويقول إن عدد العاطلين عن العمل من أصحاب الشهادات العليا يقدر بـ240 ألف حامل شهادة جامعية و390 ألفا من غير حاملي الشهادات الجامعية. ويعتبر أن نسبة البطالة حسب تقديره تصل إلى 20 في المائة عكس الأرقام الرسمية كما أن معظم الانتدابات موجهة للداخلية والدفاع.

وعلى الرغم من ارتفاع عدد الجامعات التونسية وتخرج عشرات الآلاف من الكوادر العليا والمتوسطة سنويا، فإن معضلة البطالة تبقى مستشرية وتظل تبحث لها عن حل في ظل وعود متواصلة للأجيال الجديدة باستجابة التكوين الجامعي لحاجيات سوق العمل المحلية.

ويضاف إلى سوق العمل سنويا نحو 60 ألف متخرج جديد من بينهم نسبة 27 في المائة من خريجي الجامعات لا يلتحقون بسوق العمل ويصبحون من العاطلين عن العمل، فيما تكون وضعية من ليست لهم مؤهلات علمية أو تكوينية أعسر بكثير وتلك مشكلة من يغادرون مقاعد الدراسة في سن مبكرة.
تونس

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة