«النقاط الهشة» في سيناء

يستغلها «داعش» في مهاجمة الجيش المصري

TT

«النقاط الهشة» في سيناء

يستغل تنظيم داعش «نقاطا هشة» لمهاجمة الجيش المصري في سيناء. ليست فقط نقاطا جغرافية على الأرض، كما قد يتخيل البعض، ولكنها تشمل كذلك التركيبة القبلية، وإرثا معقدا من علاقة كثير من شباب سيناء بنشاط وزارة الداخلية، حين كانت تطارد تجار المخدرات والسيارات غير المرخصة قبل ثورة 2011، إلى جانب مشكلة الأنفاق، الواصلة من تحت الحدود، بين سيناء وقطاع غزة، وتبادل السلع والأسلحة.
ومنذ ثورة 30 يونيو (حزيران) 2013 ضد حكم جماعة الإخوان المسلمين، ازدادت وتيرة هجمات المتطرفين ضد قوات الجيش والشرطة، ما أدى إلى سقوط مئات الضحايا بين قتيل وجريح، كان آخرها العملية الإرهابية التي وقعت يوم الجمعة الماضي في منطقة «البرث» قرب الحدود مع غزة. وينظر اللواء محمد قشقوش، الذي شارك طوال سنوات مع الجيش المصري في محاربة الوجود الإسرائيلي، إلى الضفة الشرقية من قناة السويس، وهو يشعر بالمرارة مما آلت إليه أحوال سيناء، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنه يوجد كثير من النقاط الهشة التي تسهل لـ«داعش» العمل هنا، لأن «المنطقة في سيناء معقدة جغرافيا واجتماعيا».
لكن أشرف الحفني، منسق «اللجنة الإدارية للحركة الاشتراكية - يناير»، بمصر، والمقيم في سيناء، يشير إلى نقاط أخرى، ويتحدث لـ«الشرق الأوسط» بنغمة يملؤها الإحباط. فقد كان من بين المشاركين في ثورة 2013 لتحقيق أهداف بعينها، إلا أنه يرى أن عدم تحقيق كثير من المطالب التي تخص سيناء أسهم في استمرار أزمة التنظيمات المتطرفة وعلى رأسها تنظيم داعش. ومن أبرز النقاط الهشة التي يستغلها المتطرفون، كما يقول الحفني، الذي يشغل أيضا موقع «منسق اللجنة الشعبية لحقوق المواطن»، ابتعاد كثير من أجهزة الدولة عن أهل سيناء وحاجاتهم.
وشارك اللواء قشقوش، الذي يعطي حاليا استشارات لأكاديمية ناصر العسكرية العليا في القاهرة، في الحروب التي خاضتها مصر لتحرير سيناء من الوجود الإسرائيلي، منذ احتلالها عام 1967، وحصل على نوط الشجاعة من الطبقة الأولى لقيادته عمليات ضد الجيش الإسرائيلي في سيناء. ويقول إن المنطقة التي تشهد حاليا عمليات ضد الجيش في سيناء ومنها عملية الجمعة، تعد «مشكلة رئيسية»، وتبلغ مساحتها نحو ألف كيلومتر مربع (أي 50 كيلومترا في 20 كيلومترا).
وتقع هذه المنطقة في محافظة شمال سيناء الأكثر كثافة سكانية من محافظة جنوب سيناء ذات الطابع السياحي. وتضم «شمال سيناء» مدنا تعد ملتهبة منذ سنوات، بسبب نشاط المتطرفين، وهي رفح والشيخ زويد والعريش. ويوضح قشقوش قائلا: «ثلاثة أرباع سكان شمال سيناء يقيمون في هذه المنطقة التي أتحدث عنها (الألف كيلومتر مربع)... هذه كثافة سكانية مرتفعة، في منطقة جبلية، زراعية، وذات أحراش، بالإضافة إلى أنها ملاصقة لساحل البحر المتوسط وللحدود الفلسطينية، مع مشكلة الأنفاق التي نعرفها جميعا... هذه منطقة مثالية لعمل الإرهابيين».
ويقول مصدر من قبائل سيناء التي تشارك في الوقت الرهن في محاربة المتطرفين جنبا إلى جنب قوات الجيش، إن الفترة من عام 2011 إلى منتصف عام 2013، شهدت أكبر نشاط للمتطرفين القادمين من خارج مصر ومن محافظات مصرية، وإن «معظم هؤلاء أقاموا في سيناء واختلطوا بالقبائل وعملوا في تهريب الأسلحة القادمة من ليبيا، والمخدرات عبر الأنفاق، وكانوا يقاومون السلطات الأمنية تحت مزاعم الرغبة في إقامة الشريعة والحكم بالدين».
ويوضح اللواء قشقوش أن «هناك جزءا من الإرهابيين يعيشون اليوم في هذه المنطقة، منذ 4 أو 5 سنوات، وهناك بعضهم تزوج وأصبح لديه نسب ببعض القبائل، بينما كانت هناك قبائل ترفض مثل هذه الزيجات». وتابع قائلا: «أقصد أنه بالإضافة إلى الساتر البيئي، هناك ساتر سكاني، ساهم في إعطاء المتطرفين فرصة للحياة». ويضيف أنه من الصعب على الجهات الأمنية أن تعثر على المتطرف الذي «يعيش معك، (كقبيلة)، ويرتدي نوع ملابسك نفسه، ومظهره هو مظهرك، ويتحدث لغتك... إذا قامت السلطات الأمنية بتفتيش كل شخص وكل سيارة ستتوقف الحياة في سيناء».
ويوجد في مساحة الألف كيلومتر مربع صحراء وجبال ووديان وأحراش ومناطق غابات شجرية. ويصف قشقوش هذه البيئة بأنها «حاضنة ممتازة للإرهابيين». ويتابع موضحا: «لكي تتعامل مع الألف كيلومتر مربع المشار إليها في سيناء، ببطش عسكري قوي، ستكون نسبة الخسارة، فيمن ليس لهم ذنب، كبيرة للغاية. وهنا تكمن المشكلة. أنت الآن تقوم بفرز الأبرياء عن المتطرفين، وهذا ليس أمرا سهلا... تريد استخبارات؛ ليست استخبارات كأجهزة فقط، وإنما تريد معلومات من المكان... والمكان جزء يمكن أن يعطيك معلومات، وجزء ربما لن يعطيك، لأنه لا يريد أن يتعاون، أو أن الطرف الآخر (الإرهابيون) يهدده، ويُرهبه، أو يقتل له أحد أبنائه أو أشياء من هذا القبيل».
ويحمل كثير من أبناء سيناء ذكريات مؤلمة عن مطاردات الشرطة للمشتبه بهم، في آخر سنوات حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، خصوصا بعد أن تمكنت مجاميع متطرفة في بداية الألفية من التعاون مع أطراف من داخل غزة لاستهداف مواقع سياحية في شبه جزيرة سيناء. وجرى في ذلك الوقت احتجاز واستجواب أعداد كبيرة. ويبدو أن هذا الإرث يعد من النقاط الهشة التي ما زالت تبعاتها موجودة حتى اليوم.
من جانبه، يقول الحفني إن التراكمات في سيناء أوجدت كثيرا من النقاط الهشة التي أصبحت تساعد «داعش» على الوجود والتحرك وتنفيذ عملية كبيرة مثل تلك التي جرت يوم الجمعة. وهو يرى أنه كان ينبغي منذ ثورة 30 يونيو الاهتمام بالحياة المدنية والتنمية وسرعة تطوير الخطاب الديني والاستقلال الوطني، فأهل سيناء، كما يقول، يعانون من نقص الخدمات وتأخر التنمية، وعدم الاعتداد بملكية الأرض لواضعي اليد، وربطها بالإنتاج والتوطين، و«كل هذه نقاط خطيرة تؤدي لانتشار (داعش) وأمثاله». وتعد هذه المشكلات مستمرة منذ عقود.
من جانبه، يوضح اللواء قشقوش هذا الأمر بالقول إن «من أسباب تأخر التعاون من عدة قبائل في سيناء مع الدولة، أن الشرطة كانت في السابق هي التي تتعامل مع مشكلات تهريب الأسلحة والمخدرات في سيناء، وكانت دائرة الاشتباه واسعة إلى حد ما، وهذا قد يكون رصيدا غير طيب في التعامل مع أبناء سيناء، حيث إن كثيرا من الشباب الصغير دخل السجن في ذلك الوقت، أي منذ 10 سنوات... وبالتالي مَن كان عمره في العشرينات أصبح في الثلاثينات ومَن كان في الثلاثينات أصبح في الأربعينات».
لكنه يزيد موضحا أنه بعد تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكم «فتح صفحة جديدة مع الجميع. وكل المواطنين سواء. ومن لا يثبت أن له علاقة يُفرج عنه، على عكس ما كان عليه الوضع في السابق. وفي الوقت نفسه مطلوب من الدولة اليوم أن تحارب الفقر وأن تزيد من وتيرة التنمية في سيناء».
وقتل الجيش أكثر من 40 من المهاجمين في تفجيرات يوم الجمع الماضي وعثر في مخازن للمتطرفين على أسلحة ومتفجرات. ويقول اللواء قشقوش: «الأسلحة التي عُثر عليها كانت أسلحة نوعية؛ جزء منها غربي الصنع، ومن المحتمل أن يكون قد وصل من تركيا، وجزء شرقي الصنع، ومن المحتمل أن يكون قد وصل من ليبيا أو من غزة»، مشيرا إلى أن «هذا التصعيد من جانب الإرهابيين، في سيناء وبعض المحافظات الأخرى، يعطي مؤشرا بأنه تم بأوامر خارجية وليست محلية»، خصوصا بعد «تمسك الدول العربية الأربع (مصر والسعودية والإمارات والبحرين) بموقفها من قطر».



تعهدات «مجلس السلام» تحت اختبار التنفيذ وسط تعقيدات ميدانية بغزة

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

تعهدات «مجلس السلام» تحت اختبار التنفيذ وسط تعقيدات ميدانية بغزة

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام»، الذي ترأسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بحضور عربي إسرائيلي وغياب للسلطة الفلسطينية، فتح الباب لأفكار عديدة، اختصرتها واشنطن في أموال إعمار قطاع غزة، ونزع سلاح حركة «حماس»، بينما كانت المطالب العربية مرتبطة بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بالقطاع كاملاً ونشر قوات الاستقرار الدولية وتمكين لجنة التكنوقراط من عملها دون عراقيل من تل أبيب.

تلك المخرجات لهذا الاجتماع الذي حضره ممثلون من أكثر من 40 دولة، ومراقبون من 12 دولة أخرى، يراه خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، قد لا تنجح في اختبار التنفيذ، لأن هناك عراقيل عديدة أبرزها عدم الانسحاب الإسرائيلي، وعدم الوصول إلى تفاهمات واضحة بشأن نزع سلاح «حماس»، وهو ما سيعقد التنفيذ بصورة كبيرة وقد تقود الاتفاق لتعثر أو تجميد.

مخاوف

وأكد الرئيس الإندونيسي، برابوو سوبيانتو، ضرورة توخي الحذر من جهود يمكن أن تقوض عملية السلام في غزة، حسب ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية»، عن وكالة «أنتارا نيوز» الإندونيسية، الجمعة.

ويحمل التحذير الإندونيسي مخاوف من التنفيذ غداة مشاركته في تدشين ترمب «مجلس السلام»، الذي شهد تركيزاً على إعادة إعمار قطاع غزة الذي مزّقته الحرب الإسرائيلية، وتشكيل قوة استقرار دولية فيه.

وأعلن ترمب أن بلاده ستتبرع بمبلغ 10 مليارات دولار للمجلس، مشيراً إلى أن السعودية وكازاخستان وأذربيجان والإمارات والمغرب والبحرين وقطر وأوزبكستان والكويت ساهمت بأكثر من 7 مليارات دولار للحزمة الإغاثية لغزة.

وشدّد ترمب على نزع سلاح «حماس»، بقوله إن الحركة ستسلم أسلحتها كما وعدت، محذراً من «ردّ قاسٍ» إذا لم تفعل. وقال: «العالم الآن ينتظر (حماس) وهي العقبة الوحيدة التي تقف في طريقنا حالياً».

ولم يختلف معه وزير خارجية إسرائيل، جدعون ساعر، في كلمته، باجتماع مجلس السلام، معلناً دعمه خطة نزع سلاح «حماس» وغيرها من الفصائل، وسبقه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالتأكيد قبل الاجتماع أنه «لن يكون هناك إعادة إعمار قبل نزع سلاح غزة».

فيما أعلن الجنرال جاسبر جيفرز، قائد قوة الاستقرار الدولية التي تم تشكيلها حديثاً، في كلمته بالاجتماع، أن إندونيسيا والمغرب وكازاخستان وكوسوفو وألبانيا تعهدت جميعاً بإرسال قوات للمشاركة في الجهود. بالإضافة إلى ذلك، وافقت مصر والأردن، البلدان المحاذيان لقطاع غزة، على تدريب قوات الشرطة والأمن.

بينما أكدت مصر في كلمتها التي ألقاها رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، أهمية الحفاظ على الارتباط بين الضفة الغربية وغزة، لتمكين السلطة الفلسطينية من استئناف مسؤولياتها في القطاع، داعياً لتمكين الفلسطينيين من مباشرة أمورهم، وتمكين «لجنة التكنوقراط»، من مباشرة أعمالها من داخل القطاع وبكل مناطقه.

وتعهد رئيس مجلس الوزراء القطري وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، في كلمته، بتقديم الدوحة مليار دولار لدعم مهمة المجلس للتوصل إلى حل نهائي، مؤكداً أن مجلس السلام تحت قيادة ترمب «سيدفع للتنفيذ الكامل لخطة الـ20 بنداً دون تأخير».

الملاكمة الفلسطينية الهاوية النازحة فرح أبو القمسان أمام أنقاض مبنى مدمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)

ويرى المحلل في الشؤون الإسرائيلية في مركز الأهرام للدراسات، الدكتور سعيد عكاشة، أن ما تم طرحه في «مجلس السلام» لا يحمل خططاً واضحة، وسيقود لارتباك في تنفيذ الاتفاق وربما تعثر وجمود، مشيراً إلى أن ترمب سارع في تحقيق إنجاز بتدشين المجلس دون التركيز على إنهاء العقبات والوصول إلى تفاهمات لها أولاً.

ويتفق معه المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، مشيراً إلى أن «تعهدات المجلس قد تتعثر في اختبار التنفيذ لأنه مُصَر على المضي في نقاط اقتصادية مثل جلب أموال للإعمار دون إعلان خطة واضحة أو نقاط أمنية مثل نزع سلاح (حماس) دون الحديث عن انسحاب إسرائيل أو مستقبل الحركة».

وتابع: «هذا البعد عن الالتزامات السياسية للمجلس يعد إشكالية وسيصطدم بتعقيدات أمنية تؤخر تنفيذ البنود الشائكة مثل نشر قوات الاستقرار أو انسحاب إسرائيل أو تمكين (لجنة التكنوقراط)».

أولوية «حماس»

بالمقابل، واصلت «حماس» عدم الصدام مع تصريحات ترمب التي يصدرها بشأن نزع سلاحها الأيام الأخيرة، معلنة في بيان الخميس، أن أي ترتيبات في قطاع غزة يجب أن تبدأ بـ«وقف كامل للعدوان الإسرائيلي».

وتعقيباً على الاجتماع، أكدت «حماس»، في بيان، مساء الخميس، أن «أي مسار سياسي أو ترتيبات تُناقش بشأن قطاع غزة ومستقبل شعبنا الفلسطيني يجب أن تنطلق من وقف كامل للعدوان ورفع الحصار وضمان الحقوق الوطنية المشروعة لشعبنا، وفي مقدمتها حقه في الحرية وتقرير المصير».

فيما قال الوسيط الأميركي بشارة بحبح في تصريحات صحافية الخميس، إن نزع سلاح «حماس» مرهون بتقديم ضمانات وحماية عناصرها.

ويستبعد عكاشة أن يتوقف العدوان في غزة، كما تريد «حماس»، طالما لم يتم نزع السلاح، حسب ما تكشف عنه التصريحات الأميركية والإسرائيلية، مشيراً إلى أن «هذا المسار التي ترسمه الحركة يقول إنها تريد البقاء وهو ما لن يسمح باستكمال بنود الاتفاق وقد نفاجأ بعودة للحرب، في ظل عدم حسم واشنطن صلاحيات وموعد نشر قوات الاستقرار».

ويعتقد نزال أنه «لا يمكن التفاوض مع (حماس) على انتهاء وجودها وتقبل، لا بد أن يتم بحث مستقبلها، وإنهاء معادلة المقايضات والتوجه لتفاهمات حقيقية وجادة».


الحوثيون يعطّلون مشاريع خدمية في 5 محافظات يمنية

قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)
قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)
TT

الحوثيون يعطّلون مشاريع خدمية في 5 محافظات يمنية

قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)
قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)

شهدت خمس محافظات يمنية خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية تعطيل عدد من المشاريع الخدمية الحيوية، في تطور وصفته مصادر حقوقية بأنه سعي من الجماعة الانقلابية لمفاقمة المعاناة الإنسانية والضغوط المعيشية على ملايين السكان.

وشملت عمليات الإيقاف والتعطيل مشاريع مياه وطرق رئيسية كانت تمثل شريان حياة لآلاف الأسر اليمنية، خصوصاً في المناطق الريفية التي تعاني أصلاً من ضعف الخدمات الأساسية وارتفاع معدلات الفقر.

وتشير إفادات محلية إلى أن مشاريع عدة وصلت إلى مراحل متقدمة من التنفيذ بجهود مجتمعية وتمويلات محلية أو خيرية، قبل أن تتوقف بصورة مفاجئة نتيجة تدخلات مباشرة أو غير مباشرة من قبل مشرفين تابعين للجماعة الحوثية، الأمر الذي تسبب في حرمان آلاف المواطنين من خدمات حيوية، وفي مقدمتها مياه الشرب ووسائل التنقل الآمنة.

ويرى مراقبون أن تعطيل هذه المشاريع يأتي في توقيت تواجه فيه البلاد واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل تدهور الاقتصاد وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يجعل أي توقف في الخدمات الأساسية عاملاً مضاعفاً لمعاناة السكان.

نساء وأطفال في محافظة حجة يتدافعون للحصول على مياه للشرب تبرع بها فاعلو خير (فيسبوك)

في هذا السياق، تحولت أزمة المياه في محافظة عمران (50 كيلومتراً شمال صنعاء) إلى محور احتجاجات شعبية متواصلة في قرية ضحيان التابعة لمديرية خارف، حيث خرج السكان في مظاهرات غاضبة تنديداً بتعطيل مشروع مياه عمومي يخدم نحو ثلاثة آلاف نسمة. ورفع المحتجون لافتات تطالب بإعادة تشغيل المشروع ومحاسبة المتسببين في تعطيله، مؤكدين أن انقطاع المياه حوّل حياتهم اليومية إلى معاناة مستمرة.

وبحسب شهادات محلية، فإن المشروع توقف منذ أشهر طويلة نتيجة صراع بين مشرفين حوثيين على الإيرادات المالية الخاصة به، بعد اتهامات متبادلة بنهب العائدات وتحويلها لمصالح شخصية. وأدى ذلك الخلاف إلى توقف كامل للخدمة، تاركاً السكان دون مصدر منتظم لمياه الشرب.

ويؤكد أحد أبناء المنطقة (تحدث باسم مستعار) أن تجاهل مطالب الأهالي يعكس حجم الإهمال الذي تعانيه المناطق الريفية، محذراً من تداعيات صحية خطيرة مع استمرار انقطاع المياه، خصوصاً في ظل غياب البدائل وارتفاع أسعار نقل المياه من مناطق بعيدة.

وتشير مصادر حقوقية إلى أن أزمة المياه في عمران نموذج متكرر لواقع الخدمات في مناطق عدة، حيث تتحول المشاريع العامة إلى أدوات نفوذ وصراع، بدلاً من كونها وسائل لتحسين حياة السكان.

ابتزاز وتعطيل في إب

في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) أفادت مصادر محلية بتوقف مشروع مياه يخدم عشرات القرى في مديرية العدين غرب المحافظة، بعد ضغوط وعمليات ابتزاز تعرض لها القائمون على المشروع من قبل نافذين حوثيين. ويخدم المشروع سكان نحو خمسين قرية في عزلة «بني هات»، وكان يوفر المياه بأسعار منخفضة تتناسب مع الظروف الاقتصادية المتدهورة للأهالي.

وأوضحت المصادر أن القائمين على المشروع رفضوا دفع إتاوات مالية مفروضة عليهم، الأمر الذي أدى إلى إيقاف المشروع منذ مطلع الشهر الحالي. ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه السكان أصلاً من نقص مزمن في الخدمات الحكومية، ما جعل المشروع يمثل شرياناً أساسياً للحياة اليومية.

الحوثيون يستهدفون بالطيران المسيّر معدات لشق طريق للسكان جنوب تعز (إكس)

ويقول سكان محليون إن توقف المشروع أجبر كثيراً من الأسر على شراء المياه بأسعار مرتفعة، ما استنزف دخولهم المحدودة، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف النقل والوقود. كما حذر ناشطون من أن استمرار تعطيل المشاريع المجتمعية قد يدفع المبادرات المحلية إلى التراجع خوفاً من الضغوط أو الخسائر.

ويرى مراقبون أن فرض الإتاوات على المشاريع الخدمية يهدد بوقف المبادرات التنموية القائمة على الجهود المجتمعية، والتي أصبحت تمثل بديلاً شبه وحيد لتعويض غياب المؤسسات الحكومية الفاعلة.

استهداف الطرق

في محافظة تعز (جنوب غربي) توقفت أعمال شق طريق حيوي في مديرية سامع جنوب المدينة عقب استهداف معدة هندسية بطائرة مسيّرة، ما أدى إلى توقف كامل للمشروع الذي كان من المنتظر أن يسهم في ربط عدد من القرى المعزولة وتسهيل حركة السكان والبضائع.

وأثار الحادث موجة استياء واسعة بين الأهالي، الذين رأوا أن استهداف المشاريع الخدمية يمثل تهديداً مباشراً لحياتهم اليومية، مطالبين بتوفير حماية للمبادرات التنموية وضمان عدم تعرضها لأي أعمال عسكرية أو استهداف مباشر.

أما في محافظتَي ريمة وحجة (جنوب غربي وشمال غربي)، فقد اتهم مواطنون وناشطون الجماعة الحوثية بعرقلة مشاريع مياه وصيانة طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في تفاقم عزلة القرى الجبلية وارتفاع تكاليف التنقل والحصول على المياه. ويعاني أكثر من 120 ألف نسمة في حجة من شح حاد في مياه الشرب، في حين يواجه سكان ريمة صعوبات يومية بسبب تهالك الطرق ووعورة التضاريس.

جانب من احتجاجات سابقة أمام مبنى محافظة عمران الخاضعة للحوثيين (إكس)

وأجبر تدهور الطرق كثيراً من المرضى على قطع مسافات طويلة للوصول إلى المرافق الصحية، كما عاق وصول المساعدات الإنسانية إلى مناطق نائية، ما فاقم الوضع الإنساني والصحي للسكان.

ويؤكد محللون أن تعطيل مشاريع المياه والطرق لا يقتصر أثره على الخدمات المباشرة فحسب، بل يمتد ليؤثر على قطاعات الصحة والتعليم والتجارة، ويعمق حالة الاعتماد على المساعدات الإنسانية.

وفي ظل هذه التطورات، دعا ناشطون ووجهاء محليون إلى تحييد المشاريع الخدمية عن الصراعات السياسية والعسكرية، والسماح باستكمالها باعتبارها ضرورة إنسانية مُلحّة.


«الرئاسي اليمني» يتوعد بالتصدي لعناصر التخريب والفوضى

عناصر «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل حاولوا اقتحام القصر الرئاسي بعدن (أ.ب)
عناصر «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل حاولوا اقتحام القصر الرئاسي بعدن (أ.ب)
TT

«الرئاسي اليمني» يتوعد بالتصدي لعناصر التخريب والفوضى

عناصر «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل حاولوا اقتحام القصر الرئاسي بعدن (أ.ب)
عناصر «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل حاولوا اقتحام القصر الرئاسي بعدن (أ.ب)

على خلفية محاولة عناصر موالية لما كان يُعرف بـ«المجلس الانتقالي الجنوبي» اقتحام القصر الرئاسي في عدن، شدد مجلس القيادة الرئاسي اليمني على أنه لن يسمح بحدوث فوضى في المدينة أو في سائر المحافظات الجنوبية، متهماً قوى إقليمية بالضلوع في تحركات مشبوهة لزعزعة الاستقرار وتقويض وحدة الصف.

وقال مصدر مسؤول في رئاسة مجلس القيادة، إن قيادة الدولة تابعت بأسف بالغ ما أقدمت عليه عناصر خارجة عن النظام والقانون من أعمال تحريض، وحشد مسلح ومحاولات متكررة للاعتداء على مؤسسات الدولة في العاصمة المؤقتة عدن، وما نجم عنها من سقوط ضحايا غداة انعقاد أول اجتماع للحكومة الجديدة التي شرعت في تحديد أولوياتها للنهوض بأوضاع المحافظات المحررة، وتحسين الخدمات، وتعزيز سُبل العيش الكريم للمواطنين.

وأوضح المصدر أن الأجهزة الأمنية تعاملت مع هذا التصعيد غير المسؤول بأقصى درجات ضبط النفس، وعملت على تفريق التجمعات التي حاولت قطع الطرقات وإثارة الشغب، واستهداف قوات الأمن بينما كانت تقوم بواجباتها الوطنية في حماية المنشآت السيادية وحفظ الأمن العام، وفقاً للقانون.

قوات الأمن تواجه أنصار «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل خلال اشتباكات أمام القصر الرئاسي في عدن (أ.ب)

وأعرب المصدر عن بالغ الأسف لسقوط ضحايا جرّاء هذا التصعيد المنظم، مؤكداً أن الجهات التي قامت بالتمويل، والتسليح، والتحريض، ودفع عسكريين بزي مدني إلى المواجهة مع قوات الأمن، تتحمل كامل المسؤولية السياسية والأخلاقية والقانونية عن إراقة مزيد من دماء اليمنيين، والمقامرة بأمن العاصمة المؤقتة، ومصالح أبنائها.

وأكد المصدر الرئاسي أن قيادة الدولة، مع احترامها الكامل لحق التعبير السلمي المكفول دستورياً، تُشدد على أن أي اعتداء على مؤسساتها الوطنية أو تعطيل لعملها، أو استخدام الشارع وسيلة ضغط لتحقيق أهداف سياسية غير مشروعة، يُعد مساساً بالشرعية الدستورية ومصالح المواطنين، وسيُواجه بحزم، ولن يُسمح بتكراره تحت أي ظرف.

رسالة حاسمة

وأشار المصدر في مجلس القيادة الرئاسي اليمني إلى أن انعقاد الحكومة الجديدة في العاصمة المؤقتة عدن، يمثل رسالة حاسمة على مضي الدولة في استعادة انتظام جميع مؤسساتها من الداخل، وتكريس نموذج الاستقرار، والبناء على جهود السعودية في تطبيع الأوضاع، وتحسين الخدمات العامة، والشروع في حزمة مشروعات إنمائية سريعة الأثر، بما يؤسس لمرحلة واعدة في حياة المواطنين.

وأكد المصدر أن التوقيت المتزامن لهذا التصعيد مع التحسن الملموس في الخدمات، والتحضيرات الجارية للمؤتمر الجنوبي برعاية السعودية، يُثير تساؤلات جدية حول الدور المشبوه لبعض القوى الإقليمية التي تسعى لإعادة إنتاج الفوضى وتعطيل أي مساعٍ لتوحيد الصف الوطني في مواجهة التهديد الوجودي المتمثل في الميليشيات الحوثية الإرهابية المدعومة من النظام الإيراني.

الحكومة اليمنية الجديدة عقدت أول اجتماع لها في عدن (إكس)

وشدد المصدر على أن الدولة لن تسمح بتحويل عدن والمحافظات الجنوبية إلى ساحة للفوضى، وتنفيذ مشروعات إقليمية مشبوهة، وأنها ماضية، بدعم من السعودية، في حماية مواطنيها ومصالحهم العليا، وردع أي أنشطة تستهدف زعزعة الأمن والاستقرار أو تعطيل مسار البناء وإعادة الإعمار، واستعادة مؤسسات الدولة.

كما دعا المصدر الرئاسي المواطنين في عدن وبقية المحافظات المحررة إلى التعاون مع الأجهزة الأمنية لحماية المكتسبات المتحققة، وعدم الانجرار وراء دعوات الفوضى الصادرة عن عناصر فارين من وجه العدالة وكياناتها المنحلة المدعومة من الخارج، في إشارة إلى ما كان يُسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي».

واختتم المصدر الرئاسي تصريحه بالقول: «إن مستقبل الجنوب لن يُبنى بالاعتداء على مؤسسات الدولة أو تعطيلها، بل بإعادة إعمارها، وتحسين خدماتها، والمشاركة الواعية والمسؤولة في الحوار الجنوبي المرتقب».