أنهى قادة مجموعة العشرين أول أيام القمة على إيقاع حفل موسيقي في قاعة «إلب فيلهارموني»، وشعارات المتظاهرين المناهضة لسياسات بعض الدول الأعضاء. وأعلنت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، التي تحتضن بلادها فعاليات القمة، نجاح الدول الـ19 المشاركة والاتحاد الأوروبي في الاتفاق على أهمية مكافحة الإرهاب وتعزيز آليات تبادل المعلومات بشأن كيفية تجفيف منابع تمويل الإرهاب، مشددة على ضرورة مكافحة تهديد عودة الإرهابيين من مناطق الصراع كسوريا والعراق. كما لفتت المستشارة الألمانية إلى ضرورة تشديد الإجراءات ضد الدعاية الترويجية للإرهاب على الإنترنت.
وقالت ميركل إن ممثلي كبرى القوى الاقتصادية بالعالم سيجرون مباحثات مع مزودي الخدمات لمواقع الإنترنت. وأضافت أنه سيتم التوضيح خلال هذه المباحثات، «إننا نتوقع الحذف السريع» للمحتوى الإرهابي والمتطرف. كما أشارت إلى أن خدمات «الماسنجر» المشفرة التي يتم عبرها تبادل معلومات إرهابية تمثل «مشكلة كبيرة» أيضا. وشددت ميركل على ضرورة تحسين الفحص والمراجعة بالنسبة لهذه الخدمات، وأكدت أن ذلك يسري فقط «في حالة الاشتباه».
وبينما يعد التوصل إلى اتفاق مبدئي على مكافحة الإرهاب نجاحا أوليا في قمة يغلب عليها التوتر السياسي، سلطت الأضواء على أول لقاء بين الرئيسين الأميركي دونالد ترمب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين. وبعد مصافحة حظيت بمتابعة عبر العالم، خاطب ترمب نظيره الروسي قائلا: «نتطلع إلى حدوث أمور إيجابية للغاية لروسيا والولايات المتحدة»، مضيفا: «إنه شرف لي أن أكون معك». من جهته، قال بوتين للرئيس الأميركي: «أنا سعيد لتمكني من لقائك شخصيا حضرة الرئيس. أتمنى كما قلت، أن تتمخض عن لقائنا نتائج قوية».
واستمر لقاء ترمب بوتين نحو ساعتين ونصف. وقالت ميركل إن كل الزعماء «تقريباً» اتفقوا على الحاجة إلى تجارة حرة ونزيهة، لكنها أوضحت أن بعض الخلافات تعني أن المسؤولين الذين يعدون البيان الختامي للقمة لا يزال أمامهم ليلة عمل طويلة. وخيمت السياسة الحمائية للرئيس الأميركي ومعارضته لاتفاقية باريس للمناخ على أعمال القمة. وقالت ميركل: «في مسألة التجارة، الكل تقريبا يؤمن بضرورة حرية التجارة ونزاهتها أيضا، لكن أتوقع أنه فيما يخص التجارة في البيان (الختامي)، فإن المسؤولين (عن إعداد البيان) أمامهم كثير من العمل الليلة». وأضافت ميركل أن ترمب حضر الجزء الأول من مناقشة بين الزعماء بشأن المناخ، رغم اختلافه عن دول أخرى حول هذه القضية.
وأشار مراقبون إلى أن هذا اللقاء قادر على تحويل المسارات في قضايا متعدّدة من أزمة كوريا الشمالية إلى النزاعات في سوريا وأوكرانيا، إلى معاهدات نزع السلاح الروسية الأميركية والتجارة الدولية والاحتباس الحراري. ودقق المراقبون في الصور الملتقطة بين الرئيسين، بحثا عن أي إشارة لتقارب أو تباعد بينهما. وأفادت مصادر مطلعة، عقب لقاء الرئيسين، لوكالة «أسوشييتد برس» بأن واشنطن وموسكو مستعدتان لإعلان وقف إطلاق النار بجنوب غربي سوريا بدءا من الأحد.
أما فيما يتعلق بالأزمة الكورية الشمالية، فيبدو أن الخلافات بين الجانبين لا تزال قائمة. إذ جدّد الرئيس الروسي، خلال اجتماع مع نظيره الكوري الجنوبي مون جاي - اين، موقفه الداعي إلى «ضبط النفس». وقال إن «مشكلة كوريا الشمالية النووية خطيرة للغاية. ولكن يجب أن نعتمد ضبط النفس والتصرف بطريقة براغماتية ودقيقة».
وفي لقاء ثنائي آخر على هامش القمة، كرر الرئيس الأميركي دونالد ترمب مطالبته الجمعة بأن تمول المكسيك مشروعه لبناء جدار حدودي بين البلدين، قبيل لقاء مع نظيره المكسيكي. وردا على سؤال صحافي قبل لقائه إنريكي بينا نييتو في هامبورغ، حول ما إذا كان لا يزال مصرا على أن تلبي المكسيك هذا الشرط، أجاب ترمب: «بالتأكيد».
وأعلن الرئيس الأميركي مرارا أنه سيسعى إلى أن يتم بناء جدار على طول 3142 كيلومترا من الحدود التي تفصل بين الولايات المتحدة والمكسيك. إلا أن الكونغرس الأميركي رفض حتى الآن تمويل بناء هذا الجدار الباهظ التكلفة، مكتفيا بتخصيص مبالغ لتعزيز المراقبة التكنولوجية. والمعركة الحقيقية لتمويل بناء الجدار ستحصل لدى إقرار الميزانية المقبلة لعام 2018 التي تبدأ في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. وقبل اللقاء بين الرئيسين على هامش قمة مجموعة الـ20، أدلى الرئيس المكسيكي بتصريح أعرب فيه عن أمله في أن يساعد لقاؤهما في مواصلة «الحوار السلس» بين البلدين، «وخصوصا حول أمن بلدينا وحدودنا». وخلص الرئيس المكسيكي إلى القول إن «مسؤولية التصدي للجريمة المنظمة مسؤولية مشتركة». في المقابل، أكد متحدث باسم الرئيس المكسيكي أنه ونظيره الأميركي لم يتناقشا في قضية الجدار الحدودي، وفق ما نقلت عنه شبكة «سكاي نيوز» الإخبارية.
على صعيد آخر، واجه الزعماء والوفود المشاركة صعوبات بالغة للوصول إلى مقر انعقاد القمة، بعد أن ثقب متظاهرون عجل سيارات الوفد الكندي واعترض آخرون الوفد الأميركي، فيما حاولت أفواج أخرى تطويق فنادق يقيم فيها مشاركون لعرقلة فعاليات الاجتماع الدولي. وتمكنوا من إبطاء المواكب التي حاولت شق طريق وسط الهياج والصخب، وعرقلة بداية محادثات مجموعة العشرين بعض الوقت. وأحرق عدد كبير من السيارات التي تستخدم الشرطة بعضا منها، وغطت سحب من الدخان الأسود قسما من وسط هامبورغ وحي التونا المجاور في مستهل الفترة الصباحية. ووجدت هامبورغ نفسها تحت «حصار» مزدوج، الأول سببه الطوق الأمني في المدينة ونقاط التفتيش المتعددة والشوارع المغلقة، أما الثاني ففرضته الاحتجاجات التي تسبب بعضها في إلحاق أضرار جسيمة بممتلكات السكان. وتكررت في المدينة الساحلية، التي دمرت في عام 1943 بعد أن شنت قوات الحلفاء عملية قصف شديد عليها أدت إلى مقتل 42 ألف مدني في 8 أيام، مشاهد السيارات المحروقة وسحب الدخان الكثيف والاشتباكات مع عناصر الشرطة، قبيل افتتاح قمة مجموعة العشرين وخلالها. وفي حي التونا، أوحت بعض هذه المشاهد بحرب شوارع، من خلال السيارات المتفحمة وبقايا الحواجز. وقال متظاهر لوكالة الصحافة الفرنسي:ة «أثبتنا، وعددنا نحو مائتي شخص، لملايين الأشخاص الآخرين أنه من الممكن نقل الاحتجاج إلى الشارع، وأنه علينا ألا نقبل كل ما يملى علينا». وعلى غرار عشية القمة، أطلق متظاهرون قنابل مضيئة على المروحيات. وفي عدد من أنحاء المدينة، وفي التقاطعات الاستراتيجية المؤدية إلى مركز المؤتمرات، نظمت مظاهرات واعتصامات وسلاسل بشرية. ولم تتأخر الشرطة، ككل مرة، في استخدام خراطيم المياه لتفريق المتظاهرين. كما لجأت قوات الأمن التي استهدف بعض أفرادها بالطلاء الأسود، إلى الغاز المسيل للدموع. وفي مكان يبعد قليلا من وسط المدينة، لا يتزحزح متظاهرون يحملون مظلات ملونة للاحتماء بها، من أماكنهم، رغم رميهم بالماء من شاحنات الشرطة.
ونقلت وكالة الصحافة الألمانية عن الشرطة أن حصيلة المصابين من عناصرها ارتفعت، حتى منصف النهار إلى 159، فيما تم اعتقال 45 متظاهرا، نتيجة للمظاهرات العنيفة. كما نشرت الشرطة على موقع «تويتر» ذراع رجل شرطة عليه جرح، مضيفة أن عدة أشخاص أصيبوا بسبب مقذوفات. وأكدت مصادر مطلعة أن شرطة ولاية هامبورغ طلبت أمس مزيدا من القوات من ولايات اتحادية أخرى، لمواجهة أعمال الشغب «الهائلة».
ولم تكن كل الاحتجاجات عنيفة، إذ أكد متظاهرون دعمهم للاحتجاج السلمي، ورفضهم للعنف. ولجأ أفواج من المتظاهرين إلى الموسيقى أو الأزياء التنكرية للتعبير عن استيائهم من قادة العشرين. ويبرر هؤلاء مشاركتهم في الاحتجاجات باستيائهم من المشاكل التي يعاني منها العالم، مثل الحروب المستعرة حاليا وأزمة اللاجئين. ورفع المحتجون شعارات مناهضة للرئيس التركي رجب طيب إردوغان، والروسي فلاديمير بوتين، والبرازيلي ميشال تامر.
وفي أعقاب المظاهرات، تعرضت ممتلكات خاصة مثل السيارات لإتلاف وإحراق. وقال محتج تضررت سيارته إن المشاركين في الاحتجاجات تعرضوا لـ«لاستفزاز، ولو كانت الشرطة سمحت له بنقل سيارته بعيدا ما كانت لتتضرر في الاحتجاجات». ومساء الخميس، أسفرت الاشتباكات عن إصابة 111 من عناصر الأمن بجروح طفيفة. واعتقل تسعة وعشرون شخصا، ووضع 15 في الحبس على ذمة التحقيق. وتتوقع السلطات مشاركة قرابة 100 ألف شخص في مظاهرات تستمر أياما على هامش قمة مجموعة العشرين. ودانت نقابة الشرطة «الهجمات الكثيفة للمجموعات المتطرفة العنيفة»، متهمة «الكتل السوداء» بتحريف المظاهرات عن مسارها السلمي وتحريض عشرات آلاف الأشخاص على التعدي على عناصر الشرطة عن سابق تصور وتصميم. وأشارت السلطات إلى مجموعات من اليساريين المتشددين الملثمين بأقنعة سوداء. وانتشر نحو 20 ألف شرطي من كل أنحاء ألمانيا في المدينة الكبيرة المعروفة بمينائها لمواجهة مخاطر حصول اعتداء.
لقاء ترمب وبوتين يخطف الأضواء من فعاليات قمة العشرين
قوات الأمن طلبت تعزيز أعدادها بعد إصابة أفرادها في اشتباكات مع متظاهرين
الرئيس الأميركي ترمب ونظيره الروسي بوتين (أ.ف.ب)
لقاء ترمب وبوتين يخطف الأضواء من فعاليات قمة العشرين
الرئيس الأميركي ترمب ونظيره الروسي بوتين (أ.ف.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

