نتنياهو بحث مع بوتين «منطقة عازلة» وإبعاد إيران

قوات النظام السوري تقصف غوطة دمشق وريف درعا

طائرة تابعة للنظام تقصف غوطة دمشق أمس (أخبار دمشق)
طائرة تابعة للنظام تقصف غوطة دمشق أمس (أخبار دمشق)
TT

نتنياهو بحث مع بوتين «منطقة عازلة» وإبعاد إيران

طائرة تابعة للنظام تقصف غوطة دمشق أمس (أخبار دمشق)
طائرة تابعة للنظام تقصف غوطة دمشق أمس (أخبار دمشق)

أكدت مصادر سياسية في إسرائيل طلبها إقامة مناطق معزولة من السلاح في سوريا، على طول الحدود مع الجولان. وقالت هذه المصادر إن هذا الطلب كان موضوع الحديث الذي أجراه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أول من أمس، وإن روسيا توافق على الطلب، لكنها تشترط أن تكون المنطقة المعزولة تحت سيطرتها هي، وهو ما ترفضه إسرائيل.
في غضون ذلك، قصفت قوات النظام السوري ريف درعا قرب الجولان، اضافة الى غوطة دمشق.
وقالت المصادر إن الحكومة الإسرائيلية تسعى لأخذ مصالحها بالاعتبار عند أي تسوية في سوريا؛ أولاً لأنها كانت قد امتنعت عن التدخل في الحرب الداخلية، موضحة: «كل الأطراف في سوريا تعرف أنه كان بإمكان إسرائيل أن تتدخل، وتحسم المعركة في الاتجاه الذي ترغب فيه، بدءاً بإسقاط نظام الأسد حتى المساهمة في تصفية (داعش). ولكنها لم تفعل، وحرصت على تقديم مساعدات إنسانية كبيرة، ومعالجة ما لا يقل عن 3 آلاف جريح سوري في المستشفيات الإسرائيلية؛ وتستحق على ذلك أن تحترم الأطراف مصالحها في منع وصول الميليشيات المسلحة، من إيران و(حزب الله) أو من المعارضة المسلحة، إلى حدودها، وتهديد أمنها».
ويتضح أن إسرائيل، التي تطالب منذ عدة شهور بشكل علني بأن يتم الاعتراف الأميركي والروسي والدولي بقرارها من سنة 1981 ضم الجولان إلى تخوم سيادتها، أضافت مطلباً جديداً، هو إقامة حزام أمني منزوع السلاح على طول الحدود مع الجولان المحتل، بعرض 30 كيلومتراً، تبدأ بجبل الشيخ في الشمال، وتمتد نحو الجنوب، ثم نحو الشرق، ليشمل الحدود الأردنية، وفيه أيضاً مدينة درعا. وتطلب ألا يتاح لأي مسلح أو سلاح دخول هذه المنطقة. والحجة التي تتذرع بها هي أن إيران وميليشياتها المسلحة، مثل «حزب الله» و«سرايا القدس» التابعة للحرس الثوري الإيراني، تنوي دخول المنطقة، والإعداد لتحويلها إلى جبهة جديدة ضد إسرائيل. واعتبر رئيس أركان الجيش الإسرائيلي غادي آيزنكوت هذا التطور أخطر ما يواجه إسرائيل، وقال إن الخطر الإيراني أكبر من خطر «داعش» بكثير.
وقالت مصادر عسكرية في تل أبيب إن آيزنكوت «ما زال يعيش صدمة فقدان السيادة الإسرائيلية على حدود لبنان في سنوات ما قبل حرب لبنان الثانية، التي تمر الأسبوع المقبل 11 سنة على نشوبها. فهو لا يريد تكرار الأمر في الجولان، لذلك لا يوجد الآن سنتيمتر واحد من الأراضي الواقعة تحت سيطرته في الجولان لا يفرض فيها الجيش الإسرائيلي وجوده، وبالتالي يعاقب أيضاً كل من يخرق قواعد السيادة الإسرائيلية فيها».
ويقول الإسرائيليون إن تركيا تطالب بنزع السلاح في المناطق الحدودية المجاورة لها في سوريا، والأردن يطالب بمناطق مماثلة له، لذلك من حق إسرائيل أيضاً أن تطرح مطلباً مشابهاً. ويؤكدون أنه على الرغم من فشل اجتماع الدول العربية مع روسيا وإيران وتركيا في آستانة، فإن الاتجاه واضح، وهو إنشاء «4 مناطق قليلة التصعيد» في سوريا. وقد قررت الأطراف الالتقاء مرة أخرى في الأسبوع الأول من شهر أغسطس (آب) المقبل. وكما يتبين من التقارير الأولية، فإن روسيا وتركيا ستراقبان مناطق شمال سوريا، وإيران وروسيا ستراقبان المناطق التي سيتم إنشاؤها في وسط الدولة. وروسيا وحدها ستراقب المنطقة الأمنية في الجنوب، قرب هضبة الجولان، وقرب درعا في الأردن. وتقسيم الرقابة هذا يحمل في طياته بالنسبة لإسرائيل قدراً كبيراً من الهدوء، إذ إن روسيا التي كانت قد تعهدت في شهر مارس (آذار) لإسرائيل بأنها تمنع وجود القوات الإيرانية و«حزب الله» قرب الحدود، تمنح الآن ضمانة فعلية لهذا التعهد، خصوصاً بعد أن اهتمت قبل ذلك بتراجع معظم عناصر «حزب الله» من منطقة هضبة الجولان، ولكن ذلك غير مضمون إلى الأبد، لذلك تريدها منطقة معزولة تماماً.
وأكدت مصادر إسرائيلية أن محادثات قد جرت في الأردن، بين روسيا والولايات المتحدة وإسرائيل والأردن، حول إدارة المنطقة الآمنة الجنوبية، ونجحت في الحصول على الموافقة على إنشاء منطقة «نظيفة من إيران»، أي من دون «حزب الله» والميليشيات في الجنوب. ولكن لا يوجد بعد اتفاق حول مساحة هذه المنطقة، وصلاحيات قوة المراقبة. وطلبت إسرائيل أن تكون المنطقة الأمنية بعمق 30 كلم شرق هضبة الجولان. أما روسيا، فتؤيد تقليص مساحة المنطقة الآمنة.
وقد تراجعت وتيرة القصف والعمليات العسكرية في المنطقة الجنوبية في الأيام القليلة الماضية، على خلفية إعلان النظام السوري مطلع الأسبوع هدنة من طرف واحد، قرر تمديدها الخميس لتنتهي السبت. إلا أن عمليات القصف لم تتوقف، وتركزت بشكل أساسي بمنطقة اللجاة، في ريف درعا الشمالي الشرقي، وفي ريف السويداء.
وربط مدير «المرصد السوري لحقوق الإنسان»، رامي عبد الرحمن، الهدنة التي أعلنها النظام بطلب روسي يحث فصائل الجنوب على المشاركة في «آستانة 5». وقال «المرصد» إنّه منذ إعلان النظام السوري الهدنة من طرف واحد يوم الاثنين، تراجعت حدة العمليات العسكرية، كما وتيرة القصف، لكنّها لم تتوقف. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «هو لم يتوقف عن قصف مناطق في درعا بالبراميل المتفجرة، خصوصاً منطقة اللجاة، حيث يتمركز مقاتلون من المعارضة، كما بعض مقاتلي (داعش)».
وأشار «المرصد» إلى تنفيذ طائرات حربية سورية، يوم أمس (الجمعة)، ما لا يقل عن 12 غارة. بالمقابل، قصفت فصائل المعارضة تمركزات لقوات النظام في مطاري خلخلة وبلة العسكريين، بريف السويداء، وبالقرب من الحدود الإدارية مع ريف دمشق.
وتحدث «مكتب أخبار سوريا» عن مقتل 3 مدنيين، وإصابة آخرين، جراء استهداف الطيران الحربي والمروحي النظامي بغارات بالصواريخ الفراغية الموجهة، وبالبراميل المتفجرة، منطقة اللجاة الخاضعة لسيطرة المعارضة، في ريف درعا الشرقي.
وأعلنت قوات النظام، مساء الخميس، تمديد تعليق الأعمال القتالية في جنوب سوريا حتى نهاية السبت، لكن المعارضة قالت إن هذه القوات انتهكت الهدنة بالفعل بضربات على مناطق تخضع لسيطرتها.



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.