مهرجان آنسي الفرنسي... عزز السينما اليابانية وصفق لكوخ

حفل بأفلام الرسوم ذات الأساليب المتعددة

TT

مهرجان آنسي الفرنسي... عزز السينما اليابانية وصفق لكوخ

على تعدد المهرجانات، وكثرة تلك المتخصصة في نوع أو في إطار معين من الإنتاجات السينمائية، ما زال مهرجان «آنسي» الذي يقام سنويا في الشمال الفرنسي (عند جبال الألب الفرنسية) أهم مهرجانات سينما الأنيميشن وكل أنواع الرسوم المتحركة. وهو أقيم أول مرة سنة 1985، وانتهت أعمال دورته الخامسة والعشرين في السابع عشر من الشهر الماضي.
مع وجود هذا التاريخ، كان من المفترض بدورته الأخيرة أن تحمل الرقم 31، لكن المهرجان لم ينشأ بصفته حدثا سنويا في مطلع الأمر، بل أقيم مرة كل عامين إلى أن تقرر إطلاقه سنويا بدءاً من سنة 1998، واعتمد هذا القرار إلى اليوم.
في كل سنة يلجأ إليه كل من لديه علاقة قريبة أو بعيدة بشغل سينما الرسوم. المحترفون والعشاق. القادمون والمحليون. وهو يبرهن على نجاحه باختياراته المثمرة من الأفلام القصيرة والطويلة داخل وخارج المسابقات المقامة، وبكثرة المعروض ووفرة ما يتلقفه من أفلام يتم الاختيار بينها.
* مدارس
كما الحال في مهرجانات الأفلام الحية، تتواجد الموضوعات المختلفة القادمة من أرجاء العالم. ما يضيفه فيلم الرسوم مما لا يستطيع الفيلم الحي (المصوّر بكاميرا وممثلين) توفيره هو الحرية الكبيرة، لا في اختيار الموضوعات فحسب، بل في صياغتها ورسمها وتحريكها، كما في كثرة وتنوع الأساليب التقنية المتبعة. السينما المرسومة التي وُلدت في مطلع السنوات العشر الأولى من القرن العشرين عبر أعمال أميركية حققها أولاً ج. ستيوارت بلاكتون في فيلم «الرسم الفاتن» (1900) وفرنسية (أعمال إميل كول الذي رسم نحو 250 فيلما قصيرا حتى العام 1908) شهدت تطوّرات متعددة، لكنها بعد حين أخذت تحافظ على مراحلها المختلفة، بينما تسعى في الوقت نفسه للاستزادة من التقنيات الحديثة. من الرسم الطبشوري (الذي لا يزال معمولاً به إلى اليوم وصولاً إلى الكومبيوتر غرافيكس الذي يسير على منواله عدد كبير من الأفلام الحديثة. بين المدرستين، هناك رسومات الطمي، والتحريك اليدوي، والمنهج الذي يعتمد على وفرة التفاصيل، وذلك الذي يحدد الحركات بأقل عدد ممكن (كاشفاً في معظمه عن ضعف ناصيته)، كما الناطق منها والصامت والملوّن منها والذي لا يزال يفضل العمل بالأبيض والأسود.
أما الدول المصدّرة، فهي متعددة، من جمهورية هوليوود السينمائية إلى مدارس اليابان واليونان وفرنسا وباقي أوروبا. ومن كندا إلى سوريا، ومن روسيا إلى الصين التي احتفت بها الدورة الأخيرة بصفتها بلدا مضيفا.
ما شوهد من هذه الأفلام كثير، لكن ما لم يُـشاهد هو أكثر بنسبة كبيرة؛ ذلك أن الأفلام القصيرة وحدها تتجاوز المائة والطويلة نحو نصف هذا العدد. تلك التي في المسابقة هي ثلث ما يعرض خارجها. رغم هذا، فإن ما شاهده هذا الناقد هناك أو عبر قنوات لاحقة كان دائماً ما يمنحه الوقوف عند تلك التعددية والتطوّرات التي تقع في محيط هذا الفن. والمتابعة سنة بعد سنة لما تنتجه المخيلات المبتكرة من حكايات وأساليب تعبير.
هذا العام حمل فيلم «يمان» للسوري عامر البرزاوي طموحاً حقق نصفه بمجرد اشتراكه في مسابقة الأفلام القصيرة. إنه فيلم متواضع القدرات الفنية حول صبي يبيع علب المحارم الورقية، ويحلم بأن يصبح مخترعاً. أربع دقائق من المزج بين الحي (الطفل) والرسوم (بدائية تتحرك حوله أحياناً) تبدو مثل ندب الحظ أكثر منها تفاؤلاً أو دعوة سياسية للتغيير. في أحد المشاهد يشكو من أن منزل والديه تم قصفه (رسم لطائرة تسقط قنبلة)، لكن الفعل على الشاشة يبدو استجداء للعطف أكثر منه تسجيل نقطة سياسية.
* روتوسكوب وڤان جوخ
من ألمانيا، وفي مسابقة الفيلم الطويل، قدّم المهاجر الإيراني علي زوزانده فيلماً من نحو ساعة ونصف الساعة بعنوان «طهران تابو» يرصد فيه مجتمعاً يعيش توتر العلاقات وكثرة الممنوعات لجانب الفساد وانتشار الرذيلة المستترة بعيداً عن الأعين. كلها، وسواها من ملاحظات المخرج حول الحياة في بلده الأم، مصوّرة عبر طريقة روتوسكوب وهي تقوم على تصوير الفيلم بشخصيات حيّـة ثم تحويلها إلى رسومات عبر تحويل فيلم الدجيتال إلى رسوم. الطريقة ذاتها، تقريباً، التي استخدمها الأميركي رتشارد لينكلتر في فيلمه A Scanner Darkly سنة 2006.
لم تنجل النتائج في هذه المسابقة عن فوز هذا الفيلم؛ كون هناك أعمال أفضل منه باستنتاج ما شاهدناه منها. أحد هذه الأعمال الفيلم الياباني الفائز بجائزة الفيلم الطويل الأولى، وعنوانه «لو فوق الجدار»، وفوزه يعيد لسينما الرسوم اليابانية بعض ذلك التتويج المستحق الذي كادت تفقده تبعاً للمنافسة القوية الآتية اليوم من الصين وكوريا الجنوبية في المضمار ذاته.
حكاية من ذلك التراث الثري حول الصبي الصياد الذي يعيش في قرية عند شاطئ البحر وحورية اكتشف وجودها وباتت صديقته. في السر مطلع الأمر، ثم علانية. لكن القرية تعيش في تقاليد صارمة، ومن بينها أن ظهور الحوريات مرتبط دائماً بحدوث كوارث غير محمودة العواقب. الفيلم مصنوع على الكومبيوتر (ببعدين) وممهور باسم مخرج يبدو جديداً في المهنة اسمه ماساكي يواسا.
السينما الصينية التي احتفى بها المهرجان لم تتوان بدورها عن تقديم بعض أفضل وأجمل الأعمال. من بينها «السمكة الكبيرة وبيغونيا»، والأسلوب الممارس هنا هو الرسم باليد، ثم تحويل الرسم إلى الكومبيوتر والنتيجة مذهلة في فضاءاتها وألوانها والدقة المتناهية في الإنجاز. قريب في الروح من فيلم Spirited Away للياباني الراحل هاياو ميازاكي، الفيلم الذي خرج بأوسكار سنة 2002.
إلى جانب ما سبق، أفلام أخرى أفلام كثيرة أخرى حظيت بالإعجاب، لكن التقدير كان إيجابياً من الجميع حول فيلم «في حب فنسنت» (Loving Vincent). فيلم بريطاني- بولندي مشترك شهد عرضه العالمي في هذا المهرجان وبيع لخمسين دولة قبل وخلال فترة إقامته. المخرجة البولندية دوروتا كوبيلا توفر هنا سيرة حياة وصورة شخصية للرسام فنسنت فان جوخ جديرة بفيلم حي. حقيقة أنها اختارت سينما الرسوم لا علاقة له بسهولة ما؛ ذلك أن ما تقدم عليه هو أصعب من مجرد التصوير الفيلمي المعتاد.
مدارس فن التحريك، كما ذكرنا، كثيرة، لكن هذا الفيلم مقام على توفير نحو 65 ألف كادر، كل واحد منها هو رسم باليد يستمد نوعه ومستواه من فن كوخ ذاته. إنه كما لو قام الواحد مناً برصف كل رسومات فان كوخ، ثم حركها بتواصل معين وبتقنية الرسام ذاتها ليسرد من خلالها لا الفن فقط، بل الفنان كذلك. بذلك هو أول سيرة بيوغرافية مرسومة في تاريخ سينما الأنيميشن.
فيلم آخر من أفلام الجوائز هو «بيت القنفذ» القادم من كرواتيا وكندا. رسم ثري لحكاية قنفذ يعيش في الغابة مقتنعاً بحياته البسيطة. يلبي دعوة ثعلب للعشاء، ثم يمشي ليلاً عائداً صوب بيته، وفي أعقابه الثعلب والدب والذئب والخنزير البري، متسائلين عما يخفيه القنفذ من سر. يجيب القنفذ في نهاية الفيلم بأن السعادة هي القناعة، وأنه إذ يرتاح في بيته راضياً بعيشته فإن لا شيء آخر يهم. رسالة أعجبت، كما فن رسمه، الجمهور فمنحه جائزته الأولى في مجال الفيلم القصير.



أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
TT

أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)

لم يتوانَ المخرج والمنتج أنور قوادري، منذ دخوله عالم السينما في سن السابعة عشرة، عن العمل في مختلف المجالات بين الكتابة والإنتاج والإخراج. نقل شغفه بالسينما من بيروت إلى لندن؛ حيث أنجز حتى الآن 13 فيلماً بوصفه مخرجاً ومنتجاً. وكان أحدها أول اقتباس غربي عن فيلم عربي، وهو «كلوديا» (1986)، المأخوذ عن فيلم «موعد على العشاء» (1981) للمخرج الراحل محمد خان.

وبعد إنتاج أول أفلامه في لبنان، «قطط شارع الحمرا» (1971)، انتقل إلى لندن، حيث أنجز 12 عملاً سينمائياً وتلفزيونياً، من بينها «كسّارة البندق» (1982)، و«أراب لندن» (2009)، و«هيدا غابلز» (2016). وقد تعاون مع ممثلين عرب وأجانب بارزين، مثل جوان كولينز، وجورجينا هايل، وجِف فاهي (الذي طلبه كلينت إيستوود مباشرة لفيلم آخر بعد ظهوره في فيلم القوادري «الوقت انتهى»)، إلى جانب ياسمين خيّاط، وياسمين المصري، وخالد الصاوي.

حالياً، يُحضِّر قوادري لفيلم جديد ومختلف، بعنوان «العائلة»، يرصد فيه صعود وسقوط أسرة حافظ الأسد وابنه بشّار عبر مراحل مختلفة من حياتهما، في مشروع ضخم يتناول عائلة أحكمت قبضتها على السلطة بيدٍ من حديد، واستأثرت بالصلاحيات والمغانم، وفرضت حكمها على الشعب، بل وقتلت في سبيل الحفاظ عليه.

القوادرري مع جوان كولينز خلال تصوير «كسّارة البندق» (أرشيف الممخرج)

حوافز أساسية

> إلى جانب كونه مشروعاً يبحث في التاريخ السياسي لعائلة الأسد، هو عمل مختلف عمّا قدّمته سابقاً. ما الذي دفعك إليه؟

- راودتني الفكرة منذ عام 2011، مع بداية الثورة السورية. ابني ألويز، الذي درس السينما، سألني لماذا لا أصنع فيلماً عن عائلة الأسد. وقد أمدّني بمعلومات ووثائق، وحفّزني على كتابة سيناريو يسرد حكاية العائلة عبر مراحل زمنية متداخلة، تتنقّل بين فترات مختلفة.

ومن خلال ذلك نتعرّف إلى حكم الأسد الأب، وكيف انتقلت السلطة إلى بشّار، مع متابعة الشخصيات التي أحاطت بهما خلال 5 عقود من الحكم الاستبدادي.

> متى بدأت العمل الفعلي على هذا المشروع؟

- بدأ التفكير الجدي عندما هرب بشّار الأسد من سوريا في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024. لا أخفي أن هذا الفرار استفزّني. هل يُعقل أن نظاماً دام 53 سنة، مدعوماً بجيش وأجهزة مخابرات، ينهار بهذه السرعة؟ فكّرت في هذا الانهيار السريع لعائلة حكمت وسرقت ونهبت.

المخرج والمنتج أنور قوادري (أرشيف المخرج)

> لماذا اخترت مشهد الهروب كبداية؟

- هروب بشّار نقطة درامية فاصلة ومهمة. التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين. لذلك قررتُ البدء بمشهد الهروب، ثم الانتقال بين الحاضر والماضي لربط الأحداث.

> كيف ستجمع بين الأحداث التاريخية والدراما الخيالية؟

- المزج بين الجانبين أساسي. حرصت على تحقيق توازن بين السياسي والاجتماعي والإنساني. سيعرض الفيلم ما حدث، لكنه سيعمد إلى بناء أحداث موازية للكشف عن العلاقات ضمن تلك الأسرة الكبيرة. السؤال كان: هل أقدّم فيلماً دعائياً عن مجرمين وسفّاحين سرقوا البلد، أم عملاً لا يتجاهل أفعالهم، لكنه يسلّط الضوء أيضاً على العلاقات الإنسانية داخل الأسرة؟ هناك دور الأم، والأبناء، والبنات، والأزواج، بعيداً عن 25 مليون لم يكترث أحد بهم.

التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين

طاقم العمل عربي وعالمي

> حل كهذا مارسته في فيلمك السابق «جمال عبد الناصر» سنة 1998.

- صحيح. لم أرغب حينها في سرد التاريخ فقط، بل سعيت إلى بناء دراما، لأن الهدف لم يكن فيلماً وثائقياً. واجهت ردود فعل سلبية في مصر، لكنها كانت متوقعة. وقد أثبت الفيلم قيمته الفنية، ومنحني القدرة على المزج بين التاريخ والدراما، كما فعل فرنسيس فورد كوبولا في «العرّاب»، حين بنى الدراما على الأحداث الواقعية وأبدع، كذلك فعل أوليڤر ستون في «جون ف. كندي» (JFK) فالفيلم الدرامي يحتاج إلى الخيال ليصل إلى جمهور واسع.

> لمن سيتوجه هذا الفيلم في رأيك؟

- هناك عشرات الملايين من السوريين في الخليج والعالم. الهدف هو تقديم عمل يثير فضولهم، ويعيد ترتيب الأحداث لفهم كيف قادت عائلة الأسد والمحيطين بها البلاد إلى الهاوية. كما أتوجّه إلى الإنسان السوري العادي الباحث عن الحقيقة في خفايا تلك العائلة التي حكمت سوريا بالبطش، وفي النهاية هربت عندما ثار الشعب، ومهتم أيضاً بتوجيهه إلى المهرجانات الدولية، مثل «كان» و«ڤينيسيا» و«تورونتو» وسواها.

> من أبرز المرشّحين للمشاركة؟

- سؤال مهم. هناك تواصل جدي مع «هيئة الترفيه السعودية» لدعم المشروع. أما الترشيحات، فقد اخترت الممثل الدنماركي مادس ميكلسن لتجسيد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، نظراً لوجود مشهدين مهمين له. كما سيؤدي غسّان مسعود دور حافظ الأسد، وقد أُعجب بالسيناريو. ومن الأسماء أيضاً جوان خضر في دور ماهر الأسد، وجهاد عبده في دور محمد مخلوف. ويسعدني كذلك التعاون مع الموسيقار معن خليفة، الذي وضع موسيقى تناسب الأجواء الملحمية للفيلم.


شاشة الناقد: ثلاثة أفلام عن ثلاثة آمال عرضها مهرجان برلين الأخير

 هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
TT

شاشة الناقد: ثلاثة أفلام عن ثلاثة آمال عرضها مهرجان برلين الأخير

 هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)

Only Rebels Win

«لمن يجرؤ» ★★★

• إخراج:‫ دانيال عربيد‬

• لبنان/ فرنسا (2026)

• النوع: دراما عاطفية

هناك تناقض بين ما يسرده الفيلم وبين العنوان التسويقي الذي اختاره وهو (Only Rebels Win) («لمن يجرؤ»). هذا لأن العلاقة بين سوزان المسيحية الفلسطينية الأصل (الجيد هيام عبّاس) وبين السوداني عثمان (أمين بن رشيد) لا تنتهي بأي ربح. بعد علاقة حب متبادل بين الأرملة التي تبلغ 63 سنة والعامل السوداني عثمان ذي الـ 27 سنة يمشي كل منهما في درب مختلف. تعود هي إلى كنفها وواقعها ويبعث لها برسالة بعدما هاجر إلى بلد آخر.

لا غبار على الحكاية ذاتها: سوزان تنقذ عثمان من شبّان تعرّضوا له بالضرب. تأويه إلى شقّتها في تلك الليلة التي تلتها ليالٍ أخرى حفلت بحب كلٍّ للآخر عاطفياً وجسدياً. هي تجد فيه أملاً أن تُحب من جديد، وهو يجد فيها أمل الاستقرار من حياة من العوز وعدم الاستقرار.

حديث عن زواجهما المحتمل (والذي لا يتم) يُضاعف من ردّ الفعل الذي يفوح بالعنصرية. تصبح سوزان حديث محيطها الاجتماعي في بيروت (حيث تدور الأحداث)، وسبباً في مواجهات وخناقات بينها وبين ابنتها وابنها، كما بين جيرانها.

الفحوى هنا يكاد يكون أهم ما يعرضه الفيلم. عربيد تعرف ما تتحدّث فيه وتعرض مواقف عنصرية عانى منها، كما يذكر الفيلم، الفلسطينيون والسوريون وأجانب آخرون. هنا تصبح سوزان عرضة لانتقاد القريب والبعيد لها على أساس أنها تعاشر سودانياً مسلماً. هناك فصول يشوبها الضعف (كمشهد سرقة بغية دفع عثمان لتكاليف السفر)، كذلك أن الانتقالات بين كل مشهد وآخر لا تقوم على الربط بينها في سياق مشدود. وبينما كل الشخصيات تعكس واقعاً وعمقاً، فإن شخصية عثمان تقوم على الفكرة وليس التجسيد.

TRACES

«آثار»

★★1/2

• إخراج:‫ أليسا كوڤالنكو، مرسيا نيكيوك‬

• أوكرانيا/ بولندا (2026)

• النوع: دراما عاطفية

الفيلم الخامس للمخرجة الأوكرانية أليسا كوڤالنكو.

في العام 2014، خلال احتلال الروس لمقاطعة دونباس، تعرّضت المخرجة أليسا كوڤالنكو للاغتصاب والعنف، ثم لمحاولات «إعادة تأهيلها». خرجت من التجربة وقد حدّدت هدفاً ثابتاً لها، وهو مساعدة أخريات عانين ما عانته. الناتج هو هذا الفيلم، الذي تشرح فيه ما حدث لها وكيف قررت إنشاء جمعية للاعتناء بالنساء اللواتي تعرّضن للتجربة ذاتها (تُعرف الجمعية بأحرفها الأولى CRSV).

«آثار» (مهرجان برلين)

هذا فيلم كاميرا تصوّر نساءً يتحدّثن أكثر من تصوير الأحداث ذاتها. لا ملامة هنا، إذ لا يمكن استعادة هذه الحكايات روائياً وإلا لخرج الفيلم عن كونه تسجيلياً، لكن بصرف النظر عن قيمة تلك المعاناة كما تتبدّى تباعاً عبر المقابلات، فإن القيمة الفنية محدودة. كل حكاية مروية هنا من قبل الضحايا (ستة) تستحق التسجيل، لكن لا شيء أبعد من ذلك على صعيد التأليف الجيد، باستثناء اعتماد المخرجتين على شريط الصوت وكيفية تصوير شخصياتهما في إضاءة خافتة. الفيلم، بطبيعة ما يسرده، مُحمّل بالعاطفة، وحسنته في هذا المجال هي مساحات من الصمت تسود بعض مشاهده لتسجّل المشاعر الحزينة والأمل بالتغلّب على ذاكرة قاسية.

AROUND PARADISE حول الفردوس

‫يوليا لوكشينا

• ألمانيا (2026)

• تسجيلي | ألوان (120 د)

• مهرجان برلين (بانوراما) | ★★★

في أواخر القرن التاسع عشر، سعت إليزابث فورستر نيتشه، شقيقة الفيلسوف الألماني فردريك نيتشه، لتأسيس «عالم جديد» في منطقة نائية في باراغواي، قريباً من الموقع المسمّى بـ«الفردوس الأخضر»، والذي اختاره حديثاً رجل أعمال ألماني امتلك مساحات أرض كبيرة بغية بناء مجتمع جديد ينأى بنفسه عن العالم المحيط وما يدور فيه.

«حول الفردوس» (مهرجان برلين)

أحد أهم مشاهد الفيلم هو الذي يُبدي فيه أحد المستثمرين قلقه من أن يختلط سكانه البيض بآخرين من عناصر أخرى.

يكشف المشهد نفسه عن أمر آخر عندما يعبّر البعض عن شكوكهم حول المشروع بعدما استثمروا فيه، ليجدوا أنه ما زال أقرب إلى الوهم منه إلى الحقيقة.

ما يوحي إليه الفيلم هو أن فكرة إقامة شعب مختار بعناية عرقياً وطبقياً تراءت للأوروبيين منذ قرون سابقة، بصرف النظر عما انتهت إليه تلك الأحلام.

عرفت المخرجة كيف تكسب ثقة أصحاب المشروع وتُصوّر ما تريد، قبل أن تقوم بعملية توليف هادفة سياسياً وتحمل تحذيراً اجتماعياً. هناك تناسق بين المشاهد داخل المحمية وخارجها، ومتابعة لعدة شخصيات. هذا وحده لا يجعل الفيلم مميّزاً على صعيد الحرفة، بقدر ما يتبلور ككشف لهاجس يعكس فكرة خوف الإنسان من العالم المحيط به.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


أيام على الأوسكار... بين الإبداع والتمثيل وفق المطلوب

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
TT

أيام على الأوسكار... بين الإبداع والتمثيل وفق المطلوب

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)

ما الذي يجعل هذا الممثل جيداً وذاك أقلّ جودة؟ كيف الحكم على مستوى التمثيل بين ممثل وآخر؟ البعض يعتقد أنّ درجة التصديق مهمّة في هذا المجال. نعم، تصديق الممثل حين يلعب دوراً ما هو فعل مهم، لكنه ناتج عما هو أهم: مدى نجاح الممثل في تشخيص الدور المُسند إليه ليتبناه كما لو كان بالفعل هو. درجة التبنّي تصبح الهدف والإنجاز. لذلك صدّقنا أنطوني هوبكنز عندما لعب شخصية هانيبال في «صمت الحملان»، وصدّقنا مارلون براندو في «العرّاب»، وفانيسا ردغريف في «جوليا».

خيارات صعبة

إذ ينطلق حفل الأوسكار، الأحد المقبل، سنتعرّف إلى نتائج سباق الممثلين قريباً، التي هي عملية فرز وانتقاء تقوم على حسابات متداخلة وصعبة، كون المنافسة بين الممثلين المرشّحين للأوسكار، نساءً ورجالاً، صعبة ومربكة.

بينيسيو دل تورو وليوناردو ديكابريو في «معركة تلو الأخرى» (مشهد من الفيلم)

عدد المتنافسين 20 ممثلاً في 4 أقسام (أفضل ممثل في دور رئيسي، أفضل ممثلة في دور رئيسي، أفضل تمثيل رجالي مساند وأفضل تمثيل نسائي مساند)، معظمهم يستحقون الترشيح وبعضهم يستحقون الفوز.

ليست الغاية هنا الحديث عن التوقّعات (هذا نتركه لتحقيق آخر)، بل البحث في جوهر أداء كلّ من مايكل ب. جوردان في «خاطئون»، وليوناردو ديكابريو في «معركة تلو الأخرى»، وإيثان هوك في «بلو مون»، وتيموثي شالامي في «مارتي سوبريم»، وواغنر مورا في «العميل السرّي» في الجانب الرجالي، وجوهر أداء جيسي باكلي عن «هامنت»، وإيما ستون عن «بوغونيا»، ورينات راينسفي في «قيمة عاطفية»، وكايت هدسون في «سونغ سونغ بلو»، وروز بيرن في «لو كانت لدي ساقان لرفستك».

إيما ستون في «بوغونيا» (مشهد من الفيلم)

على صعيد الممثلات، انضمّت إيما ستون إلى فريق من المرشّحات والفائزات السابقات مثَّلن أدواراً خاصة يُستَخدم فيها الجسد وقدرة الممثلة على تجسيد الألم النفسي درامياً. في «بوغونيا»، تؤدّي ستون شخصية امرأة تتعرَّض للعنف الجسدي ولحلق الرأس وبعض الضرب كذلك. تؤدّي ذلك بامتثال وليس بعكس قدرات من نوع الانسجام فعلياً مع الدور.

هي في مستوى جيسي باكلي ورينات راينسفي وروز بيرن عينه لجهة أنّ كلاً منهنّ يؤدّي الدور كما أوصى المخرج بذلك. راينسفي هي الأفضل لأن الشخصية وحواراتها هما الأفضل، وهذا ينطبق على كايت هدسون أيضاً.

ينطلق حفل الأوسكار يوم الأحد وسنتعرّف إلى نتائج سباق الممثلين قريباً

براهين

رجالياً يمكن طرح السؤال عمّا إذا كان تيموثي شالامي يؤدّي «نمرة» مكتوبة وموجَّهة، أم لعب الدور مستقلاً وبدفع من موهبته. في أيّ من الحالتين هو أفضل ما في الفيلم الذي تولّى بطولته.

ليوناردو ديكابريو هضم الشخصية التي يؤدّيها في «معركة تلو الأخرى» جيداً. هذا مبرهَن عليه بالمَشاهد التي تتوالى. على عكس شخصية مارتي كما لعبها شالامي التي انتهجت خطاً واحداً لا يتغيّر. ديكابريو فهم السيناريو ويؤدّيه وفق تطوّراته وكلّ مرحلة زمنية منه.

إذا كان هناك من ممثل عمد إلى فنّ التمثيل عاكساً مفهوماً كلاسيكياً بنجاح، فهو مايكل ب. جوردان عن «خاطئون»، يليه في المضمار ذاته إيثان هوك في «بلو مون»، والبرازيلي واغنر مورا في «العميل السرّي».

لكن المنافسة حامية أيضاً في مسابقة أفضل ممثل في دور مساند. يكفي هنا أن نجد ممثلين آخرين في فيلم «معركة تلو الأخرى» يتنافسان على هذه الجائزة هما بينيسيو دل تورو وشون بن. الممثل المخضرم دلروي ليندو أدّى دوره في «خاطئون» بمعية ذلك الحنين الزمني لموسيقى البلوز. جاكوب إلوردي لعب شخصية الوحش في «فرانكنشتاين»، وهذا تفعيل جسدي أكثر منه درامياً مهما كانت موهبة الممثل. ستيلان سكارسغارد في «قيمة عاطفية» هو فنان أداء في دور مناسب.

ليس عن انحياز من أيّ نوع، لكن أداء تيانا تايلور في «معركة تلو الأخرى» أكثر فاعلية من زميلاتها المرشَّحات لأوسكار أفضل تمثيل نسائي مساند، وهنّ إنغا إبسدوتر (قيمة عاطفية)، ويونومي موساكو (خاطئون)، وإيمي ماديجان (سلاح)، وإيل فانينغ عن «قيمة عاطفية».

ما سبق ذكره قادر على أن يعكس إلى أيّ مدى تبلغ حدّة المنافسة بين الأسماء العشرة المذكورة. إنه قراءة قائمة على التعرُّف إلى الأساليب التي تكوَّنت من خلالها بعض الأداءات، علماً بأنّ تصويت الناخبين قد يأتي مُطابقاً لما ورد هنا أو مختلفاً تبعاً لحسابات قد لا تكون محض فنّية.