نبيل فهمي لـ «الشرق الأوسط»: مصر تستعيد دورها ونسعى لاجتماع للجوار الليبي

أشار إلى تعاون مع السعودية والإمارات لإبراز الهوية العربية

نبيل فهمي لـ «الشرق الأوسط»: مصر تستعيد دورها ونسعى لاجتماع للجوار الليبي
TT

نبيل فهمي لـ «الشرق الأوسط»: مصر تستعيد دورها ونسعى لاجتماع للجوار الليبي

نبيل فهمي لـ «الشرق الأوسط»: مصر تستعيد دورها ونسعى لاجتماع للجوار الليبي

أشار نبيل فهمي وزير الخارجية المصري إلى حدوث تحول في التفهم الأوروبي للأوضاع المصرية، وقال في حوار أجرته معه «الشرق الأوسط» على هامش زيارته التي اختتمها أمس إلى لندن، إن مباحثاته في بريطانيا مرتبطة بالحالة المصرية وتواصل تنفيذ خارطة الطريق وقرب تحقيق الاستحقاق الثاني لها وهو الانتخابات الرئاسية التي ستجري قبل نهاية الشهر الحالي.

الحوار مع نبيل فهمي الذي تولى عبء الخارجية في فترة صعبة ترافقت مع تنفيذ خارطة طريق جرى الاتفاق عليها بعد الإطاحة بحكم الإخوان إثر مظاهرات 30 يونيو (حزيران) جاء في ختام مباحثات شملت وزير الخارجية البريطاني ومستشار الأمن القومي البريطاني ووزراء آخرين وبرلمانيين وندوة في تشاتم هاوس حول إخلاء الشرق الأوسط من الأسلحة النووية.

تحدث الوزير عن مباحثاته في لندن التي جاءت بعد عدة جولات أخيرة أفريقية وأميركية والانطباع الذي خرج به من اللقاءات قائلا إن المقصود بما قاله عن أن زيارته ترتبط بالحالة المصرية هو استعادة الدور الإقليمي والدولي بعد ثورتي 2011 و2013 وهذا يتطلب الانتشار سياسيا، و«بريطانيا ضمن دول كثيرة زرتها مع إعطاء الأولوية لأفريقيا والعالم العربي». «هذا التوقيت مهم، كما كانت الزيارة قبل ذلك إلى الولايات المتحدة وغينيا الاستوائية في الأسبوع الماضي لزرع بذور ما هو قادم معنا». وأشار نبيل فهمي إلى أن الحديث مع المسؤولين البريطانيين تناول قضايا إقليمية، بما فيها جنوب مصر، بمعنى التوجه نحو أفريقيا وسوريا وعملية السلام في الشرق الأوسط والملف النووي بصفة عامة في المنطقة، وشمل العلاقات الثنائية مع بريطانيا وما يجري في مجال التعاون الاقتصادي باعتبار بريطانيا ثاني أكبر مستثمر أجنبي في مصر، خارج الإطار العربي.

و«في الوقت نفسه شرحت ما جرى من تطورات مصرية؛ لأن موضوع الحالة المصرية محل اهتمام الكثيرين، ونشرحها بكل ثقة في النفس، ليس من منطلق الدفاع عن حالة إطلاقا، لكن من منطلق أن هناك صحوة شعبية ترجمت في مواقف معينة، وحاليا ننتقل من مرحلة الصحوة إلى مرحلة البناء، فكان من المهم الحضور إلى لندن كما ذهبت إلى دول كثيرة في هذا الإطار».

هل أصبح هناك تفهم لما يجري في مصر غربيا بعد الانتقادات في فترات سابقة؟ قال نبيل فهمي إن رسالته في محادثاته كانت أن مصر عاقدة العزم على المضي في بناء الدولة المصرية العربية الحديثة المتحضرة التي تشكل نموذجا يحتذى به في القرن الحادي والعشرين، وهذا المشروع المصري سيترجم إلى إجراءات معينة ويأخذ مداه التطبيقي. ويؤكد أنه لمس اهتماما كبيرا بنجاح خارطة الطريق، كما شعر هنا بنظرة إلى المستقبل أكثر من العودة إلى الماضي وبتقدير أكبر لحقيقة الوضع في مصر وما تتعرض له مصر من إرهاب وعنف، وهم من جانبهم «أثاروا بعض الملاحظات فيما يتعلق بأحداث معينة، وقرارات ترتبط أساسا بمجال حقوق الإنسان والحريات، وأحكام قضائية، ومثل هذا، وقد أوضحت حقيقة هذه الأوضاع بكل وضوح دون التعليق على مضمون حكم معين أو قضية معينة».

وعن الانتقادات الأخيرة خارجيا لأحكام الإعدام الصادرة بحق عدد من متهمي الإخوان، خاصة أن الغرب لديه أصلا رفض لمبدأ عقوبة الإعدام، وكيف تستطيع الدبلوماسية المصرية التعامل مع ذلك في الخارج؟ قال نبيل فهمي: «أولا لا أستطيع التعليق على مضمون حكم طالما أن الأحكام ما زالت في مراحل قضائية مختلفة، لأنه وارد جدا أن الحكم، يصدر وإلى حين ظهور أسبابه يكون هناك تصور معين، وفي مراحل الاستئناف يجري تغييره وهكذا، لذا لم أتعرض ولا تتعرض سفاراتنا في الخارج إلى مضمون أي حكم يصدر، وإنما نشرح العملية القضائية من ناحية آلياتها ومراحلها المختلفة، ولكن نتيجة لموقف أوروبا من عقوبة الإعدام يكون هناك رد فعل في بعض الأحيان وتساؤلات، كما قلت في سؤالك فإنه في أوروبا هناك رفض لمبدأ الإعدام كعقوبة من الأصل، ليس من دورنا الآن أن نبرر هذا أو ذاك، إنما شرحنا معنى قرار بتحويل ملفات إلى فضيلة المفتي الذي أعطى رأيه ثم عادت إلى الدائرة بأحكام مختلفة عن الذي صدر فلم يصدر حكم بإعدام 521 شخصا كما صور الأمر، وحتى ممن صدر ضدهم حكم كانت الغالبية العظمى أحكاما غيابية، إذ الحكم لا ينفذ إلا مع إعادة محاكمتهم، لكن الصورة الأولية قبل الشرح تترك انطباعا سلبيا، وما علينا إلا توضيح الموضوع بقدر الإمكان وحسب المعلومات المتاحة».

حول ملف الإخوان والدراسة التي أمر رئيس الوزراء البريطاني بإجرائها حول وجودهم في بريطانيا وما جرى التطرق إليه هذا الملف في المباحثات، قال نبيل فهمي إن الموضوع نوقش لكن في إطار الوضع السياسي في المنطقة، وفي مصر، وليس من زاوية تبادل المعلومات، وشرح في الحوار أن هناك جهات مصرية كثيرة تتعامل مع قضية الإرهاب، أما الخارجية المصرية فهي تتعامل معها من الزاوية السياسية وليس من الزاوية الأمنية، وهناك اتصالات مباشرة بين الأجهزة الأمنية المصرية والأوروبية والعالمية بما فيها بريطانيا، وتبادل المعلومات يجري من خلالها وليس من خلال الخارجية، ما نقوم نحن به هو شرح الإطار السياسي لأي تحرك لمواجهة تحد معين أو لمكافحة خطر معين.

بالنسبة للموقف في العواصم الأوروبية والغربية عموما تجاه ملف الإخوان والمطالبات التي تصدر باستيعابهم مع رفض في الشارع لذلك، أعرب وزير الخارجية المصري عن اعتقاده أن هناك تحولا في مواقف الكثير من الدول الغربية من ما كان في بداية الأمر من عدم الاعتراف بأن الإخوان يلجأون إلى العنف، ناهيك عن أنهم لا يفسرون هذا العنف على أنه إرهاب.

الآن في رأيه أصبح الموضوع أن هناك إقرارا عاما بأن الإخوان يلجأون إلى العنف، لكن الجدل هو حول ما هو الحل؟ فلم تعد المسألة هل هناك عنف من جانب الإخوان أم لا؟ أما مسألة استيعاب الإخوان فهي قضية تتجاوز الحكومة إلى المجتمع المصري، فلا بد في رأي الوزير أن يوافق المجتمع على مثل هذه الخطوة، ولكي يحدث ذلك، وهو أمر بالغ الصعوبة نتيجة ما شاهدناه من تدمير وضحايا وقتل، يجب أن تكون هناك مصالحة بين الإخوان والشعب أولا، وحتى تكون هناك مصالحة لا بد أن نشهد تحولا جذريا بالقول والفعل في آيديولوجية الإخوان ومواقفها وممارستها، فالإرادة الشعبية هي التي ستحكم وتحاسب أي حكومة وأي رئيس قادم، وسيكون لها الفيصل، إذا تغير الإخوان واحترموا الدستور والتزموا بالسلمية على المستوى الفردي وفقا للدستور فلهم حقوق معينة في مصر، أما كحركة ومنظمة وفكر فهذه قصة أخرى تحتاج إلى معالجة أوسع وأكبر وأعتقد أنها غير متاحة على المدى القصير.

فيما يتعلق بالتحديات التي تواجهها الدبلوماسية المصرية في ظل موقف فيه الكثير من التحديات الداخلية ومطالبات في بعض الأحيان من الرأي العام باتخاذ مواقف أكثر قوة تجاه أحداث معينة قال نبيل فهمي إنه يعتقد أن مصر في موقف متنام، وهي اتخذت مواقف قوية موضوعية ودون إيعاز من أحد، على سبيل المثال تحركنا تجاه روسيا والصين لم يكن رد فعل على شيء بقدر ما هو رؤية مصرية، مثل التركيز على أفريقيا والعالم العربي في الخليج والمشرق والجزائر والمغرب.

وشرح فهمي في الحوار: «نحن نحترم الرأي العام ولا يمكن أن ننعزل عنه، إنما مسؤوليتنا أمام الرأي العام هي تحقيق مصالحه وليس مجرد الاستجابة لعواطفه، وهذه علاقة جديدة ما بعد الصحوة التي رأيناها، وقد اتخذنا مواقف كثيرة أقوى بكثير جدا من أي مرحلة ثانية رغم الظرف المصيري». وأضاف: «من دون شك مع استقرار الأوضاع داخل مصر مع بدء النشاط الاقتصادي، ومع التفاف الرأي العام حول رئيس جديد وحكومة جديدة ستستطيع مصر أن تكون أكثر فعالية، بمعنى أننا أثبتنا حتى في هذا الظرف أننا أصحاب قرار وأصحاب تحرك وأصحاب رؤية، لكن حتى تكون أكثر فعالية لا بد أن تكون لدي أدوات التأثير وأولها أن لا أتعرض إلى ضغوط من أطراف أخرى بسبب حاجتي في هذا أو ذاك. ومع وجود ظرف وصحوة شعبية الرأي العام يثار ويستثار من أي حدث يحدث، وفي ليبيا تعرض بعض المواطنين المصريين لأحداث مؤسفة، وقمنا بكل ما هو ممكن في اتصالاتنا مع السلطات الليبية وهم أنفسهم ذكروا أن قدرتهم على السيطرة محدودة وكانت السلطات الليبية راغبة في التعاون لكنها غير قادرة على التنفيذ، ليس هناك غير ذلك يمكن أن تفعله، وحذرنا المواطنين المصريين بالنسبة إلى السفر. وإجمالا فإن هناك تناميا في الدور المصري وعودته إلى ما كان عليه بمعدلات أسرع من استقرار الأوضاع في مصر، لكن الاستقرار بدأ وهو مقبل، وأتوقع أن التحرك الخارجي سيدعم الاستقرار، والاستقرار بدوره سيدعم التحرك الخارجي».

وأشار إلى دور الحكومة الحالية والسابقة في مرحلة انتقالية مهمة بمعنى الانتقال إلى مرحلة البناء وليس بمعنى عدم الإنجاز، قائلا: «ولذلك حددت ثلاث مهام في ثالث يوم لي في الوزارة الأولى أولا حماية الثورة سياسيا ومن ناحية توفير الدعم الاقتصادي وغير ذلك، تحملنا العبء نظرا لأن الظرف الوطني كان يريدنا أن نتحمل العبء، الشق الثاني كان إعادة مركزة نقطة انطلاق السياسة الخارجية المصرية إلى وضعها الطبيعي حتى نتمكن من القيام بدورنا الطبيعي، وهو إعطاء الأولوية للعرب وأفريقيا، ثم ضمان تعدد الخيارات أمام الحكومة المصرية والمواطن المصري على المستوى السياسي، وليس الانعزال عن العالم وليس الابتعاد عن أصدقاء، ولكن إضافة أصدقاء، وهو ما فعلناه مع روسيا والصين، وهكذا، والمحور الثالث إعداد المؤسسة والخارجية المصرية لما هو مقبل بعد انتهاء خارطة الطريق، وجرت إعادة هيكلة المؤسسة من الداخل والتركيز على قضايا جديدة ووضع رؤية وتصور للشرق الأوسط حتى عام 2030».

حول مشروع السد في إثيوبيا وما إذا كان هناك تغير في اللهجة المصرية فيما يتعلق بمشروع السد في إثيوبيا، قال فهمي لا يوجد تغير في اللهجة الرسمية، هي لم تختلف، ركزنا على ثلاثة موضوعات، هي أولا لا يوجد حل دون إرضاء الأطراف الثلاثة الرئيسة: مصر وإثيوبيا والسودان، إذن هو حل توافقي.

ثانيا نحن نريد تعاونا فيما بيننا وليس الصدام، وذلك من خلال مفاوضات جادة.

وثالثا, لا يوجد وسيلة للحل إلا من خلال التفاوض، نظرا لأهمية الموضوع وخطورته فمصر تأخذ تسعين في المائة من استهلاكها للمياه من النيل، وأكد أنه لا يوجد تهاون ولن يوجد تهاون في التعامل مع هذا الملف، قناعتنا كانت وما زالت دائما تؤكد على ما يسمى المكسب للجميع، وأن الهدف هو التفاوض والابتعاد عن الصدام وأن الغرض تفاوض جاد. ولا توجد رفاهية التهاون في هذا الملف.

كما أكد أن الموقف الرسمي مبني على مواقف مدروسة تؤكد أنه يمكن أن نصل إلى حل من دون توافق من الجميع وهناك تفهم لحاجة إثيوبيا لبناء سد، والتحفظ هو حول خصوصيات السد وحجمه، وبعض الجوانب الهندسية ثم أسلوب إدارة المياه نتيجة احتمال تأثيره مبنية على استفسارات طرحت من قبل اللجنة الفنية الدولية في الدراسات الأولية، ونأمل تفاوضا جادا من منطلق إيجابي لمصلحة مشتركة وليس تغليب مصلحة طرف على آخر.

لكن عن العلاقات مع الولايات المتحدة واستئناف المساعدات قال فهمي هي بالفعل استؤنفت لكن لا يزال نصف المبلغ معلقا، ونحن من حيث المبدأ نرفض المشروطية وسنظل في نقاش وهم أصحاب القرار، لكن أعتقد مع استكمال خارطة الطريق واستقرار الأمور ستتحرك هذه المساعدات، وأشار إلى أن اختيار السفير الأميركي إشارة إيجابية لكنه لا يحمله أكثر من حجمه، ومن الناحية السياسية فإن إنجاز إجراءات ترشيح السفير سيكون مفيدا لأميركا ومفيدا لمصر لأنه يعطي وزنا أكبر للتراسل بين السفارة والإدارة في واشنطن.

على سؤال عن شكل العلاقة بين مصر والولايات المتحدة بعد استكمال خارطة الطريق، وما إذا كانت ستختلف عما كان قائما في السابق رد الوزير بسرعة قائلا: «من دون شك تختلف لأن مصر ذاتها تغيرت وأصبحت دولة الرأي العام والشعب يريد فيها أن يبدي رأيه ويشارك في اتخاذ القرار مع المسؤولين فالمسؤول عليه ألا ينعزل عن الرأي العام وألا ينجرف وراء عواطف الرأي العام». وتابع قائلا: «وكما فإن مصر ستضمن دائما تعدد خياراتها حتى تضمن أفضل فرصة، لأن الاعتماد أكثر من اللازم على طرف ينتهي في النهاية على حسابك». لكنه أكد أيضا أن هذا ليس نقدا للولايات المتحدة فهذا ينطبق على أي طرف أيا كانت الدولة. فالعلاقة مع واشنطن ستشهد المزيد من الاحترام المتبادل، ولن تشهد ابتعادا، على العكس أنا أجد أن الاحترام المتبادل سيحسن العلاقة وسيكون عليهم أن يتابعوا ويدققوا في المناخ السياسي والداخلي في مصر كما كان علينا ولا يزال أن نتابع تأثير الكونغرس والانتخابات وهكذا.

حول الموقف المصري من الملف السوري قال الوزير بكل صراحة هو ملف مأساوي ومتعثر، مأساوي من حيث ما يتعرض له الشعب السوري، والموقف المصري يتلخص في أنه من واقع تجربة ثورتين خلال ثلاث سنوات فنحن نؤيد المعارضة السورية المشروعة ولا خلاف أو تردد في ذلك، إنما قناعتنا أيضا أن حماية سوريا من هذا الظرف المأساوي شيء مهم جدا، بمعنى لا بد أن نحافظ على سوريا ككيان متكامل مع بعضه، ولا بد أن نحافظ على المؤسسات السورية، نحن لا نتدخل، لا نؤيد ما يسمى النظام السوري أو شخصية معينة، هذه ليست قضيتنا، على النظام السياسي أن يحترم شعبه ويستجيب إلى تطلعات شعبه ويعامل شعبه معاملة حسنة، ما يهمنا نحن هو الحفاظ على سوريا، الحفاظ على إمكانية إدارة الملف السوري من خلال السوريين، لم نكن مؤيدين لضرب سوريا عسكريا لقناعتنا أن هذا ليس حلا، ولخشيتنا أن ينتهي ذلك إلى تقسيم سوريا أو تغليب تيار متطرف في الساحة السورية، إذن نحن مع المعارضة المشروعة إنما نحتاط من تقسيم سوريا على أساس طائفي، نحن نحمل الحكومة السورية مسؤولية أفعالها بكل ما شهدناه من تجاوزات ضد مواطنيها إنما لا نريد تدمير سوريا كرد فعل لأخطاء الحكومة السورية.

حول الملف الليبي الذي أصبح صداعا أمنيا لمصر قال الوزير: «دعونا إلى اجتماع لدول الجوار لمناقشة مشاكل مرتبطة بتهريب السلاح عبر الحدود مع الدول المجاورة، وهذا سيجري قريبا، هناك استجابة من دول الجوار جميعا وما زلنا في حوار مع الجانب الليبي نأمل أن يعقد خلال الصيف، هناك أيضا جهد لبلورة موقف عربي سياسي تجاه ليبيا والجامعة العربية تدرس حاليا هذا الموضوع».

بالنسبة للعلاقات المصرية الخليجية خاصة مع السعودية والإمارات قال فهمي: «الحقيقة ما أستغربه هو استغراب البعض لمدى قوة هذه العلاقات مع السعودية والإمارات، فالعلاقات ممتدة منذ أكثر من 40 سنة وزيادة ودائما في مراحل حاسمة كانت هناك وقفات قوية من الدولتين ومن مصر مع بعضهم وهو شيء نقدره وممتنون له». وأشار إلى مواقف الملك فيصل والشيخ زايد، وأكد أن التعاون استراتيجية مشتركة، وهو تعاون قوي سيستمر ليس فقط لمواجهة تيار معين، وإنما لإعادة إبراز الهوية العربية الوطنية في الساحة الشرق أوسطية.



«لجنة إدارة غزة»... «قضايا عالقة» بانتظار حلول الوسطاء

منازل مُدمَّرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
منازل مُدمَّرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«لجنة إدارة غزة»... «قضايا عالقة» بانتظار حلول الوسطاء

منازل مُدمَّرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
منازل مُدمَّرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

تقف «قضايا عالقة» أمام «لجنة إدارة قطاع غزة»، وفق إفادة جديدة من رئيسها علي شعث، غداة حديث مصدَرين لـ«الشرق الأوسط» عن وجود عراقيل أمام اللجنة، أولها حرص «حماس» على الوجود بعناصرها الأمنية رغم رفض ذلك، وثانيها عدم سماح إسرائيل لأعضاء اللجنة بالعبور للقطاع.

تلك القضايا العالقة التي لم يوضِّحها بيان شعث، السبت، الذي دعا الوسطاء للتدخل للحصول على صلاحيات كاملة، ومهام الشرطة، يراها خبراء تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط» تتمثَّل في قضيَّتين رئيسيَّتين هما الملفان الأمني والمالي. وأكدوا أن «حماس» لن تسلِّم تسليماً كاملاً دون ضمانات سياسية أو نفوذ، وهو ما يستدعي ضغوطاً، لا سيما أميركية؛ لإنهاء ذلك، أو العودة من جديد للحرب.

وأكدت «اللجنة الوطنية لإدارة غزة» أن البيانات والتصريحات الصادرة من داخل القطاع بشأن الجهوزية لتسليم إدارة جميع المؤسسات والمرافق العامة في قطاع غزة تُمثِّل خطوةً تصبُّ في مصلحة المواطن، وتمهِّد لتمكين اللجنة من الاضطلاع بمسؤولياتها كاملة في إدارة المرحلة الانتقالية.

المحلل السياسي في الشأن الإسرائيلي بـ«مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتور سعيد عكاشة، يرى أن القضايا العالقة تتمثَّل في غياب الرغبة من «حماس» في إنهاء التسليم والتسلم على عكس ما تبدي في التصريحات العلنية التي عدّها «مناورة» لإطالة أمد حكمها، فهي ليس من مصلحتها تطبيق أي شيء.

وأضاف: «يبدو أن الصدام سيكون وشيكاً ليس بين الحركة واللجنة؛ لكن مع واشنطن وفي ظل قناعة إسرائيل بأنها قد تخوض حرباً وشيكةً ضد الحركة»، مستبعداً وجود حلول مع حركة آيديولوجية مثل «حماس»، مشيراً إلى أن حديث «حماس» المتكرِّر عن جهوزيتها لتسليم المهام، هو كسب للوقت، وحدوث صدف ومفاجآت تعيد لها مكانتها بوصفها حرباً طويلة بين إيران وإسرائيل.

في حين يرى المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن الملف الأمني، هو أعقد تلك الملفات للجنة، ولا يوجد على الأرض إلا عناصر حركة «حماس» والسلطة الفلسطينية، وأمامهما خيارات غاية في التعقيد والحساسية كالقضية المالية، فما فائدة تسلم اللجنة إدارة القطاع دون أن تكون لديها القدرة المالية لدفع الرواتب وما شابه.

خيام وملاجئ في مخيم للنازحين قرب ساحة الجندي المجهول بمدينة غزة (أ.ف.ب)

ويعتقد نزال أن هناك حلولاً عديدة، يمكن أن تذهب لها اللجنة منها تفعيل تفاهمات ومقاربة، ووجود القوات الدولية، وأخيراً الدمج، مشيراً إلى أن الدمج هو الخيار الأفضل بعد الفرز الأمني، موضحاً: «لكن حماس قد ترفض تسليماً كاملاً دون ضمانات سياسية أو نفوذ حتى تضمن عدم إخراجها من المشهد السياسي كليةً».

بالمقابل، لم يعلق الوسطاء على مطالب «اللجنة»، غير أن وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، جدَّد خلال لقاء رئيس وزراء فلسطين، محمد مصطفى «دعم مصر للجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة برئاسة الدكتور علي شعث، بوصفها آليةً انتقاليةً مؤقتةً لإدارة الشؤون اليومية للقطاع، وتلبية الاحتياجات الأساسية للسكان خلال المرحلة الانتقالية، تمهيداً لتمكين السلطة الفلسطينية من الاضطلاع بمسؤولياتها كاملة في قطاع غزة».

وشدَّد عبد العاطي على «أهمية التنفيذ الكامل لبنود المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي، وعلى رأسها الإسراع بتشكيل ونشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة وقف إطلاق النار، وضمان الالتزام بتدفق المساعدات الإنسانية بصورة منتظمة، ومتابعة الانسحاب الإسرائيلي من المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل داخل القطاع، بما يسهم في تثبيت الاستقرار وتهيئة البيئة الملائمة للتعافي المبكر وإعادة الإعمار».

وأكد عكاشة أن موقف مصر واضح، وستكون حريصة للوصول لتفاهمات والدفع بالاتفاق لتنفيذ الأطراف بنوده كاملة، مشيراً إلى أن الضغوط من الوسطاء، لا سيما واشنطن ربما تكون لها نتيجة إيجابية على المسار المتجمد أو العودة للحرب كما تريد إسرائيل.


العليمي يدعو من ميونيخ إلى إعادة صياغة معادلة الأمن الإقليمي

العليمي خلال جلسة حوارية في ميونيخ يقدم رؤية اليمن للأمن البحري (سبأ)
العليمي خلال جلسة حوارية في ميونيخ يقدم رؤية اليمن للأمن البحري (سبأ)
TT

العليمي يدعو من ميونيخ إلى إعادة صياغة معادلة الأمن الإقليمي

العليمي خلال جلسة حوارية في ميونيخ يقدم رؤية اليمن للأمن البحري (سبأ)
العليمي خلال جلسة حوارية في ميونيخ يقدم رؤية اليمن للأمن البحري (سبأ)

في خضم المشهد اليمني المعقّد على جميع الصعد الأمنية والسياسية والاقتصادية، طرح رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، رؤية شاملة لإعادة تعريف مقاربة المجتمع الدولي تجاه أمن الممرات المائية والاستقرار الإقليمي، مؤكداً أن التحديات المتصاعدة في البحر الأحمر وباب المندب لم تعد مجرد أزمات أمنية عابرة، بل تحولات جيوسياسية تتطلّب استراتيجية دولية مختلفة تقوم على الردع وبناء الدول، لا الاكتفاء بسياسات الاحتواء المؤقتة.

وخلال جلسة حوارية حول أمن الممرات المائية ضمن أعمال مؤتمر ميونيخ للأمن الدولي، شدد العليمي على أن تحقيق الأمن المستدام للملاحة الدولية يبدأ من معالجة جذور الأزمة اليمنية، عبر دعم مؤسسات الدولة الوطنية وتعزيز قدرتها على فرض الاستقرار ومكافحة الإرهاب بصورة فعّالة ومستدامة.

وأكد أن التعامل الدولي السابق مع الهجمات في البحر الأحمر اتسم بطابع تكتيكي قصير الأمد، حيث جرى النظر إلى التهديدات بوصفها أحداثاً أمنية مؤقتة، الأمر الذي أدى إلى إطلاق مبادرات عسكرية لحماية الملاحة دون معالجة الأسباب العميقة لعدم الاستقرار.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

وأشار العليمي إلى أن العمليات الدولية التي أُطلقت لحماية السفن التجارية، رغم أهميتها في الحد من المخاطر المباشرة، أسهمت في عسكرة المنطقة أكثر مما أسهمت في استقرارها؛ لأن المقاربة ركزت على احتواء النتائج بدلاً من تفكيك مصادر التهديد المتمثلة في الجماعة الحوثية المدعومة من إيران.

وحسب الرؤية اليمنية، فإن الأمن البحري لا يمكن تحقيقه عبر الانتشار العسكري وحده، بل عبر بناء دولة قادرة داخل اليمن تمتلك أدوات الردع السياسي والعسكري والاقتصادي، بما يمنع الجماعات المسلحة من تحويل الجغرافيا اليمنية إلى منصة تهديد للملاحة العالمية.

وحذّر العليمي من أن توقف الهجمات مؤقتاً لا يعني زوال الخطر، مؤكداً أن الميليشيات الحوثية ستظل تهديداً دائماً للمصالح الإقليمية والدولية ما لم يتم التعامل معها ضمن استراتيجية ردع طويلة المدى.

أهمية باب المندب

وصف رئيس مجلس القيادة اليمني ما يجري في البحر الأحمر وباب المندب بأنه معضلة جيوسياسية مركبة نتجت عن تداخل عوامل عدة، أبرزها تنافس القوى الإقليمية ومحاولات الهيمنة، إلى جانب ضعف قدرات الدولة اليمنية خلال سنوات الحرب، وصعود جماعات ما دون الدولة.

وأشار إلى أن المشهد الأمني لم يعد محصوراً في جماعة واحدة، بل باتت هناك شبكة مترابطة من التنظيمات المتطرفة تشمل الحوثيين وتنظيمي «القاعدة» و«داعش» وحركات متشددة أخرى تنشط على ضفتَي باب المندب، مما يجعل التهديد متعدد المستويات وعابراً للحدود.

جانب من الحضور خلال جلسة حوارية في ميونيخ بمشاركة العليمي (سبأ)

وفي هذا السياق، دعا إلى تبني استراتيجية دولية استباقية لمكافحة الإرهاب، تقوم على تصنيف هذه الجماعات بوصفها تهديداً جيوسياسياً طويل الأمد، وليس مجرد ظواهر أمنية قابلة للاحتواء عبر التهدئة أو الحوافز السياسية.

كما شدد على أهمية تفعيل الهياكل الإقليمية القائمة، وفي مقدمتها مجلس الدول المشاطئة للبحر الأحمر، وقوات المهام المشتركة، ضمن شراكات دولية أوسع تهدف إلى تحقيق توازن أمني مستدام في المنطقة.

استقرار اليمن بوابة الأمن

أكد العليمي أن أمن الملاحة الدولية يبدأ فعلياً من البر اليمني، مشيراً إلى أن أي استراتيجية بحرية ستظل ناقصة ما لم تترافق مع جهود حقيقية لإعادة بناء مؤسسات الدولة اليمنية وتعزيز قدراتها السيادية.

وتطرق إلى الإجراءات التي اتخذتها الحكومة اليمنية بدعم من السعودية، والتي أسهمت -حسب تأكيده- في تجنّب سيناريو كارثي كان يمكن أن يؤدي إلى سيطرة قوى مسلحة على السواحل الجنوبية، وفرض واقع تقسيمي يهدد وحدة البلاد ويعرّض الممرات البحرية لمخاطر غير مسبوقة.

وأوضح أن تلك التطورات أثبتت أن الاستثمار في استقرار الدولة الوطنية أقل كلفة بكثير من التعامل مع تداعيات انهيارها، داعياً المجتمع الدولي إلى تعزيز شراكته مع اليمن لضمان استدامة الأمن البحري العالمي.

وأضاف أن الردع المشترك ضد الجماعات المسلحة يجب أن يُصبح جزءاً أساسياً من أي مقاربة دولية مستقبلية، بما يمنع تكرار العمليات الإرهابية العابرة للحدود ويؤسّس لبيئة آمنة للتجارة الدولية.

شراكة يمنية-خليجية

في سياق آخر، جدّد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني دعوته إلى تعزيز الشراكة اليمنية-الخليجية عبر إدماج اليمن تدريجياً في منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، باعتبار ذلك خياراً استراتيجياً لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والسياسي.

وخلال جلسة نظّمها مركز الخليج للأبحاث بالتعاون مع مجموعة الأزمات الدولية، أعرب عن تطلّع بلاده إلى تطوير العلاقات الخليجية نحو شراكة استراتيجية شاملة تقوم على التكامل المؤسسي والاندماج الجيو-اقتصادي.

العليمي في ميونيخ خلال جلسة نظّمها مركز الخليج للأبحاث بالتعاون مع مجموعة الأزمات الدولية (سبأ)

واقترح العليمي إطلاق ما وصفه بـ«خطة مارشال خليجية» لإعادة إعمار اليمن، مستلهمة من تجربة البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن ومنسجمة مع رؤى التنمية الخليجية الطموحة، وفي مقدمتها «رؤية السعودية 2030».

وأوضح أن الطريق الأكثر واقعية لاندماج اليمن خليجياً يمر عبر الشراكة الاستراتيجية مع الرياض، بصفتها مركز ثقل إقليمياً وشريكاً رئيسياً في جهود التعافي اليمني وإعادة تشكيل توازنات المنطقة.

وأشار إلى أن تجربة «عاصفة الحزم» عام 2015 أثبتت أن أمن الخليج واليمن مترابطان بصورة عضوية، وأن استقرار منظومة الأمن الخليجي سيظل معرضاً للخطر ما دامت الدولة اليمنية بقيت ضعيفة أو منقسمة.

وأكد العليمي أن الرؤية اليمنية تتطابق إلى حد كبير مع تصورات غالبية دول الخليج بشأن مستقبل النظام الإقليمي، والتي ترتكز على دعم الدول الوطنية ومكافحة الكيانات المسلحة العابرة للدولة، وتعزيز التنمية باعتبارها أداة للاستقرار طويل الأمد.

العليمي اجتمع في ميونيخ مع رئيس الوزراء الكويتي (سبأ)

وأشاد بالدور الخليجي في الوساطة الدبلوماسية وجهود السلام، بدءاً بالمبادرة الخليجية التي جنّبت اليمن حرباً أهلية شاملة، مروراً بالوساطة الكويتية، وصولاً إلى المبادرات السعودية اللاحقة لإيجاد خريطة طريق سياسية لإنهاء الصراع.

وشدد على أن أي عملية سلام مستقبلية لن تكون مكتملة ما لم تتضمن تفكيك الميليشيات المسلحة ووقف التدخلات الخارجية التي تغذّي الصراعات، مؤكداً أن الوساطة في الملف اليمني يجب أن تجمع بين الضغوط السياسية والتنمية الاقتصادية، وهي المقاربة التي أثبتت فاعليتها في خفض التصعيد وتعزيز مؤسسات الدولة.

وطرح العليمي، في ختام مداخلته، رؤية لمستقبل آمن لليمن تقوم على المصالحة الداخلية أولاً، وتصحيح العلاقة مع الجوار الخليجي، والتخلي عن النزعات الطائفية والسلالية والسلاح المنفلت، مشدداً على أن قوة اليمن الحقيقية لا تكمن في السلاح بل في موارده البشرية وتاريخه وقدرته على أن يكون شريكاً إيجابياً في استقرار المنطقة وازدهارها.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


حزب «المؤتمر» في صنعاء يرضخ لإملاءات حوثية جديدة

قيادات في جناح حزب «المؤتمر الشعبي» الخاضع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)
قيادات في جناح حزب «المؤتمر الشعبي» الخاضع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)
TT

حزب «المؤتمر» في صنعاء يرضخ لإملاءات حوثية جديدة

قيادات في جناح حزب «المؤتمر الشعبي» الخاضع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)
قيادات في جناح حزب «المؤتمر الشعبي» الخاضع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)

واصل جناح حزب «المؤتمر الشعبي» في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تقديم تنازلات جديدة، في خطوة تعكس حجم الضغوط السياسية والأمنية التي يتعرض لها منذ سنوات، وذلك بعد إقراره فصل اثنين من قياداته المعتقلين كشرط للإفراج عنهما، وهي واقعة عدّها مراقبون دليلاً إضافياً على تآكل استقلالية الحزب وتحوله إلى كيان يعمل ضمن هامش ضيق تحدده الجماعة الانقلابية.

وأقرت اللجنة العامة، التي تمثل المكتب السياسي لجناح الحزب في صنعاء، فصل القياديين ياسين هزاع نائب رئيس الدائرة السياسية، وناجي محيي الدين، استناداً إلى تقرير لجنة الرقابة التنظيمية، من دون الكشف عن طبيعة المخالفات المنسوبة إليهما.

إلا أن مصادر سياسية أكدت أن القرار جاء استكمالاً لاتفاق غير معلن مع الحوثيين يقضي بإقصاء القيادات المتهمة بالتواصل مع الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً أو مع قيادات الحزب في الخارج مقابل الإفراج عنها.

القرار أعاد إلى الواجهة مساراً متكرراً من الإجراءات التي اتخذها قادة جناح الحزب في صنعاء خلال الأشهر الماضية، أبرزها إقالة أحمد علي عبد الله صالح من موقعه نائباً لرئيس الحزب، ثم فصل الأمين العام غازي الأحول، وهي خطوات ربطها مراقبون مباشرة باشتراطات فرضتها الجماعة الحوثية لضمان استمرار نشاط الحزب في مناطق سيطرتها.

فعالية محدودة سابقة أقامها «مؤتمر صنعاء» تحت إشراف الحوثيين (إعلام محلي)

وتشير المعطيات السياسية إلى أن قرارات الفصل الأخيرة لم تكن نتاج خلافات تنظيمية داخلية بقدر ما كانت استجابة لضغوط أمنية مباشرة؛ فبحسب مصادر مطلعة، فرض الحوثيون حصاراً مشدداً على منزل رئيس الجناح صادق أبو راس لعدة أيام، وهددوا بحظر نشاط الحزب بالكامل ما لم يتم إقصاء القيادات التي يُشتبه بتواصلها مع الخارج.

وأفادت المصادر بأن الاشتراطات صدرت على أعلى مستوى داخل قيادة الجماعة، وتضمنت إلزام الحزب بفصل أي قيادي يثير الشكوك حول علاقاته السياسية خارج مناطق سيطرة الحوثيين. وهو ما وضع قيادة الجناح أمام خيارين أحلاهما مرّ، فإما الالتزام بالمطالب وإما مواجهة حل الحزب ومصادرة ما تبقى من نفوذه السياسي والتنظيمي.

ويرى محللون أن هذه المعادلة دفعت قيادة «المؤتمر» في صنعاء إلى تقديم تنازلات متتالية بهدف الحفاظ على وجود رمزي يسمح لها بالبقاء ضمن المشهد السياسي، ولو بقدرة محدودة، خصوصاً في ظل الرقابة المشددة المفروضة على موارده المالية وإعلامه ونشاطاته التنظيمية.

حزب تحت الوصاية

منذ مقتل مؤسس الحزب الرئيس السابق علي عبد الله صالح نهاية عام 2017، دخل جناح «المؤتمر» في صنعاء مرحلة جديدة اتسمت بتراجع استقلاليته السياسية بشكل كبير؛ فبعد أن كان شريكاً سياسياً رئيسياً في تحالف إدارة المناطق الخاضعة للحوثيين، تحول تدريجياً إلى طرف ثانوي يحتفظ بتمثيل شكلي داخل مؤسسات الحكم غير المعترف بها دولياً.

وعلى الرغم من أن التحالف بين الطرفين أفضى في عام 2016 إلى تشكيل ما سُمّي بالمجلس السياسي الأعلى بالمناصفة، فإن الحوثيين احتفظوا فعلياً برئاسة المجلس وبالقرار السياسي والعسكري، كما استحوذوا على معظم المناصب الحكومية عقب مقتل صالح، مع الإبقاء على حضور محدود لقيادات المؤتمر لأغراض سياسية وإعلامية.

الرئيس اليمني الأسبق علي عبد الله صالح الذي قتله الحوثيون أواخر 2017 (إعلام محلي)

وتشير تقارير سياسية إلى أن لجنة خاصة تابعة للجماعة تشرف على ميزانية الحزب وأصوله المالية، إضافة إلى مراقبة برامجه الإعلامية وخطط قنواته التلفزيونية وصحفه ومواقعه الإلكترونية؛ ما جعل نشاطه خاضعاً لرقابة دقيقة تقلص هامش حركته إلى الحد الأدنى.

انتقادات داخلية

أثارت قرارات الفصل الأخيرة موجة انتقادات داخل أوساط قيادات الحزب، حيث رأى مسؤولون في الجناح أن الخطوة تمثل «سابقة غير معهودة» في العمل السياسي؛ إذ يقدم حزب على التخلي عن قياداته وهم في السجون بدلاً من الدفاع عنهم.

وأكدت مصادر حزبية أن اعتقال القياديين جاء ضمن حملة مداهمات نفذتها أجهزة أمن الحوثيين في صنعاء وإب خلال أغسطس (آب) الماضي، واستهدفت عدداً من أعضاء الحزب على خلفية انتمائهم التنظيمي أو الاشتباه بوجود علاقات سياسية خارج إطار الجماعة.

ويرى منتقدون أن اتخاذ قرار الفصل قبل يوم واحد فقط من الإفراج عن القياديين يكشف بوضوح طبيعة الصفقة التي أُبرمت، ويعكس حالة «الرضوخ» التي تعيشها قيادة الجناح تحت ضغط الواقع الأمني والسياسي المفروض عليها.

قيادي في «المؤتمر» في صنعاء فصله الحزب مقابل أن يطلق الحوثيون سراحه (إعلام محلي)

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى مزيد من التفكك داخل الحزب، مع تزايد شعور قواعده بأن القيادة لم تعد قادرة على حماية أعضائها أو الدفاع عن استقلالية قراراتها، الأمر الذي قد يدفع مزيداً من الكوادر إلى الابتعاد عن النشاط السياسي، أو البحث عن مسارات بديلة خارج مناطق سيطرة الحوثيين.

في المقابل، يرى آخرون أن القيادة الحالية تحاول المناورة للحفاظ على ما تبقى من وجود الحزب؛ إذ يرون أن أي مواجهة مباشرة مع الحوثيين قد تنتهي بحظر كامل للنشاط السياسي ومصادرة الممتلكات، وهو سيناريو سبق أن لوّحت به الجماعة أكثر من مرة.