ألمانيا تحاكم خلية «داعشية} نائمة وزعيمها يعرض اعترافات كاملة

أعضاؤها خططوا لـ«حمام دم»... والأمر بالتنفيذ «جاء من الرقة»

أعضاء «الخلية النائمة» المفترضة خلال مثولهم أمام المحكمة في دسلدورف أمس (إ.ب.أ)
أعضاء «الخلية النائمة» المفترضة خلال مثولهم أمام المحكمة في دسلدورف أمس (إ.ب.أ)
TT

ألمانيا تحاكم خلية «داعشية} نائمة وزعيمها يعرض اعترافات كاملة

أعضاء «الخلية النائمة» المفترضة خلال مثولهم أمام المحكمة في دسلدورف أمس (إ.ب.أ)
أعضاء «الخلية النائمة» المفترضة خلال مثولهم أمام المحكمة في دسلدورف أمس (إ.ب.أ)

بدأت في دسلدورف، عاصمة ولاية الراين الشمالي فيستفاليا، محاكمة أعضاء خلية إرهابية «نائمة» يُزعم أنها خططت لعمليات انتحارية دموية في قلب المدينة القديمة.
وعُقدت الجلسة وسط إجراءات أمنية مشددة في محكمة مخصصة للإرهاب تعتبر من أكثر المحاكم أمناً في ألمانيا، وسبق أن شهدت محاكمات أعضاء «جناح الجيش الأحمر».
وعبّر زعيم ما يعرف بـ«خلية دسلدورف النائمة» صالح أ.، في افتتاح الجلسة أمس (الأربعاء)، عن استعداده لتقديم اعترافات كاملة حول الجنايات التي ارتكبها والعمليات التي خطط لها، على رغم تلقيه تهديدات في السجن. وقال صالح، وهو مواطن سوري (30 سنة)، أمام المحكمة: إن تنظيم داعش يحتفظ بابنته، وإنه تلقى في سجنه في مدينة فوبرتال تهديدات من هذا التنظيم المتطرف تطلب منه السكوت مقابل الحفاظ على حياة ابنته.
في المقابل، قال المتهمون الآخرون، إن كلاً منهم سيتحدث عن نفسه وتاريخه بغض النظر عن أقول صالح أ. ومعروف أن الأخير الذي يُزعم أنه زعيم «الخلية النائمة»، سلّم نفسه إلى السلطات الفرنسية طوعاً في الأول من فبراير (شباط) 2016، واعترف بخطط العملية الإرهابية في دسلدورف. وبرر المتهم اعترافاته بصحوة ضمير و«عدم الرغبة في أن تصبح ابنته ابنة إرهابي».
واستغرق توبياس انغلشتيتر، النائب العام في محكمة دسلدورف، 40 دقيقة في قراءة محضر الدعوى الذي يتهم أعضاء الخلية بالعضوية في تنظيم داعش، والتحضير لتنفيذ عمليات إرهابية خطيرة بهدف قتل أكبر عدد من الناس. وأشار إلى أن أقوال صالح «قابلة للتصديق»، وإن نتائج التحقيق معه في ألمانيا تتطابق مع نتائج التحقيق الذي أجرته السلطات الفرنسية قبل تسليمه.
وبحسب محضر الدعوى، تم تكليف صالح أ. بتنفيذ العمليات الإرهابية في دسلدورف سنة 2014 من خلال «أمير «داعش»» المدعو «أبو لقمان» الذي يتخذ من مدينة الرقة السورية مقراً له، ويعتبر المسؤول عن العمليات الإرهابية في الخارج. ثم نال أمر التنفيذ من «الأمير» نفسه في ديسمبر (كانون الأول) 2015 عبر موقع «فيسبوك».
وأفيد بأن المتهم صالح كان قد انضم إلى إحدى الفصائل التي صارت تُعرف بـ«الجيش السوري الحر» منذ سنة 2011، ثم انتقل بعد شهور إلى «جبهة النصرة». وفي العام 2013 اعتقله تنظيم داعش ونجح في إقناعه بالانضمام إلى صفوفه في العام نفسه. وتكشف اعترافات صالح أن ألمانياً من «الدواعش» سلّمه خريطة لمدينة دسلدورف، وأشار تحديداً إلى شارع «هاينريش هاينه آلي» في قلب المدينة القديمة بصفته أفضل مكان لتنفيذ عملية إرهابية.
وعبّر ممثل النيابة العامة عن اعتقاده بمشاركة 10 إرهابيين في العملية كانت «الخلية النائمة» في انتظار وصولهم، أو أنهم وصلوا لكنهم بقوا «نائمين». ويُفترض، بحسب هذا التصور، أن يفجّر اثنان منهم أحزمة ناسفة بين الناس، وأن يُغلق أربعة من أعضاء الخلية منافذ الشوارع، وأن يطلقوا النار من الرشاشات على الناس عشوائياً.
وتحدث صالح أ. أثناء التحقيق معه عن مجموعتين إرهابيتين أخريين تعملان سراً في «نيمجن» الهولندية القريبة من الحدود الألمانية، وفي محيط نورمبيرغ - ميونيخ في ولاية بافاريا الألمانية. وأكد أن المجموعتين تخططان لعمليات إرهابية في ألمانيا.
وذكر زعيم الخلية في اعترافاته، أنه بدأ القتل عام 2013 حينما قتل قناص أحد أشقائه. وأضاف، أنه عمل مندسا لمصلحة المخابرات التركية، أثناء انتظاره التهريب إلى أوروبا عن طريق البلقان، وأنه كشف لهم عملية إرهابية استهدفت القنصلية الأميركية في إسطنبول. كما ادعى أنه سلّم 6 مقاتلين من أعضاء «داعش» إلى المخابرات التركية.
وعلى رغم اعترافات صالح أ. فقد تم تكليف طبيب الأمراض العقلية نوربرت ليغراف بفحص ما إذا كان وضعه العقلي يؤهله للمحاكمة. وجاء قرار فحص سلامة المتهم العقلية بعدما ضرب رأسه بجدار الزنزانة مرات عدة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وتم نقله إلى زنزانة خاصة بعد ذلك، لكنه حاول كسر زجاج نافذة صغيرة ركلاً، ربما في محاولة لاستخدام الزجاج في عملية انتحار.
وكانت السلطات الأمنية في ولاية الراين الشمالي فيستفاليا قبضت على 3 إرهابيين خططوا لعمليات إرهابية في عاصمة الولاية دسلدورف في يونيو (حزيران) 2016، وجرت عملية الدهم الواسعة في دسلدورف بتنسيق القوات الأمنية الألمانية مع الأجهزة الأمنية الفرنسية. والمعتقلون الثلاثة هم حمزة س. (27 سنة) وماهود ب. (25 سنة) وعبد الرحمن أ.ك. (31 سنة)، وجميعهم سوريون، كما يُعتقد، ويضاف إليهم زعيم الخلية صالح أ. (25 سنة) الذي سلّم نفسه إلى السلطات الفرنسية، واعترف بمخططات الخلية تفصيلياً.
وخطط الأربعة، بحسب ما يزعم، لعمليات إرهابية واسعة النطاق في الحي القديم من دسلدورف، الذي يزدحم بالناس يومي الجمعة والسبت عادة. وكان يُفترض أن يفجّر اثنان منهم نفسيهما بحزامين ناسفين وسط حشود المارة في شارعي بولكر وأندرياس. وتضمنت الخطة أن ينتظر الآخران، وهما مسلحان بالرشاشات، في مخارج هذين الشارعين بالقرب من الشوارع الأربعة فلنغر، وهايرنريش هاينه آلي، وهونزروكر ومولين، وأن يتلقيا الناس الفزعين بالرصاص عشوائياً. ويفترض أن الاثنين الآخرين مزودان بحزامين ناسفين إضافيين.
وتم اعتقال المدعو عبد الرحمن أ.ك.، المتخصص بتركيب الأحزمة الناسفة، في بيت للاجئين في مدينة لأيمن في ولاية بادن فورتمبيرغ، واعتقال محمود ب. في مدينة مولهايم في ولاية الراين الشمالي فيستفاليا، واعتقال حمزة س. في مدينة بيدورف في ولاية براندنبورغ، أما صالح أ. فكان يعيش في مدينة كارست بالقرب من دسلدورف. ونقل لاجئون سكنوا معه في بيت اللاجئين أنه كان يفرط في تعاطي الكحول والمخدرات، وأنه كان يختفي لفترات طويلة عن البيت لأسباب غامضة.
يذكر أن المحكمة الاتحادية العليا وصفت العملية التي خططت لها خلية دسلدورف بـ«حمام دم» لا يقل بشاعة عن عمليات باريس وبروكسل. واعتبر رالف ييغر، وزير داخلية ولاية الراين الشمالي فيستفاليا، مخططات الخلية النائمة بأنه استنساخ لعمليات مومباي 2008 في الهند. ومعروف أن الإرهابيين في تلك العمليات هاجموا 10 مواقع مرة واحدة، وأوقعوا 174 قتيلاً خلال وقت قصير. وخصصت محكمة دسلدورف 36 جلسة تنتهي في ديسمبر (كانون الأول) المقبل للانتهاء من صياغة الأحكام، إلا أنه من المعتقد أن الجلسات ستطول أكثر.
وذكر مارفن شروت، محامي الدفاع عن حمزة س.، أن صالح أ. يتحدث عن نفسه وعن العمليات، إلا أنه لم يتحدث عن دور الآخرين، وهذه نقطة ضعف في محضر الدعوى. وأضاف، أن المحضر يسجّل اسم وجنسية موكله خطأ؛ لأن موكله ليس سورياً وإنما هو جزائري، وكان يؤدي الخدمة العسكرية في الجيش الجزائري في الوقت الذي تدعي النيابة العامة أنه كان يتلقى التدريبات في معسكرات الإرهابيين في سوريا. ويُعتقد أن عبد الرحمن أ.ك. أردني الجنسية، وإنه تسلل إلى أوروبا مع حمزة س. بجوازي سفر سوريين وفّرهما التنظيم الإرهابي.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».