عاد الوضع الأمني في لبنان إلى الواجهة من بوابة عرسال، عند حدود سوريا بعد تفجير خمسة انتحاريين أنفسهم خلال مداهمات قام بها الجيش اللبناني لمخيمين للنازحين السوريين يقعان خارج رقعة سيطرته في الجرود اللبنانية التي يسيطر تنظيما «داعش» و«النصرة» على أجزاء واسعة منها. وأدت التفجيرات إلى إصابة عدد من العسكريين بجروح ومقتل طفلة سورية، بحسب بيان لقيادة الجيش.
وقال مصدر عسكري لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: إن «هدف المداهمة كان البحث عن أحد المطلوبين، وهو الانتحاري الأول الذي أقدم على تفجير نفسه». كما أوضح مصدر عسكري لـ«الشرق الأوسط» أن «المداهمات نفذت بناء على معلومات بوجود مطلوبين في مخيمي (النور) و(القارية)، وتحضيرات لتنفيذ عمليات إرهابية، وعند المحطة الأولى في المخيم الأول قام أحدهم بتفجير نفسه بحزام ناسف، وعند توالي المداهمات قام 3 انتحاريين بتفجير أنفسهم في المخيم نفسه، حيث قام الجيش أيضا بتفجير 4 عبوات ناسفة كانت مزروعة في أماكن عدة، وعند الانتقال إلى (مخيم القارية) عمد شخص خامس إلى تفجير نفسه».
وأشار الإعلام الحربي التابع لـ«حزب الله» إلى أن الانتحاريين الذين فجروا أحزمتهم الناسفة في مخيم النور في جرد عرسال هم «أبو عائشة» وهو أحد مسؤولي «جبهة النصرة»، و«أبو عبادة الشرعي» وهو قاضٍ شرعي لـ«النصرة»، وثالث مجهول الهوية.
ووصف المصدر العسكري اللبناني هذه العملية بـ«الاستباقية النوعية»، مرجحا انتماء الانتحاريين إلى خلية أو مجموعة واحدة؛ وهو الأمر الذي يفترض أن تؤكده التحقيقات مع الموقوفين. ونفى المصدر الأنباء التي أشارت إلى أن هدف الانتحاريين كان منطقة معينة كبيروت أو زحلة، موضحا «المعلومات التي كانت لدينا تدل على نية لتنفيذ عمليات من دون تحديد مناطق معينة». وأكد عدم وجود ضحايا بين المدنيين باستثناء الطفلة التي قام الانتحاري بتفجير نفسه إلى جانبها، وأدت كذلك إلى إصابة عدد من العسكريين إصابات طفيفة.
وعن العدد الكبير من الموقوفين الذي وصل إلى أكثر من 300 شخص، قال المصدر: «في عملية بهذا الحجم لا بد للجيش إلا وأن يتصرف عسكريا، ويعمد إلى توقيف كل الرجال والشباب المتواجدين في المكان؛ خوفا من تواجد انتحاريين غيرهم أو وجود علاقة فيما بينهم، علما بأنه قد بدأ الإفراج عن كل من تبين أنه لا علاقة به بعد التحقيق معه».
بيان الجيش
من جهتها، أوردت قيادة الجيش في بيان أصدرته، أنه «فجر اليوم (أمس) وأثناء قيام قوة من الجيش بتفتيش مخيم النور العائد للنازحين السوريين في بلدة عرسال، أقدم انتحاري على تفجير نفسه بواسطة حزام ناسف أمام إحدى الدوريات المداهمة؛ ما أدى إلى مقتله وإصابة ثلاثة عسكريين بجروح غير خطرة». وذكرت أنه «في وقت لاحق أقدم ثلاثة انتحاريين آخرين على تفجير أنفسهم من دون وقوع إصابات في صفوف العسكريين»، مشيرة إلى ضبط قوى الجيش «أربع عبوات ناسفة معدة للتفجير» في المخيم ذاته. وخلال قيام قوة أخرى من الجيش وفق البيان: «بعملية تفتيش في مخيم القارية التابع للنازحين السوريين في المنطقة نفسها، أقدم أحد الإرهابيين على تفجير نفسه بواسطة حزام ناسف من دون وقوع إصابات في صفوف العسكريين». وأصيب أربعة عسكريين بجروح بعد رمي «إرهابي آخر» قنبلة يدوية باتجاه إحدى الدوريات. ولاحقا، أشارت القيادة في بيان إلى أن أحد الانتحاريين قد أقدم على تفجير نفسه وسط أفراد عائلة نازحة؛ ما أدى إلى وفاة فتاة تنتمي إلى هذه العائلة».
وواصلت وحدات الجيش لساعات تنفيذ عمليات دهم وتفتيش في عرسال بحثا عن «إرهابيين آخرين وأسلحة ومتفجرات»، في حين أشار رئيس بلدية عرسال باسل الحجيري لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الوضع في البلدة عاد إلى طبيعته بعد انتهاء عملية الجيش وانسحابه إلى مواقعه عند أطراف البلدة»، ورأى أن ما قام به الجيش هو أمر طبيعي في ظل التخوف الأمني، وهو لا يستهدف اللاجئين السوريين أو أهل البلدة، إنما الهدف منه حمايتهم».
ولاقت العملية التي نفذها الجيش اللبناني ترحيبا وتنويها من قبل المسؤولين؛ إذ وصفها رئيس الجمهورية ميشال عون بأنها «كانت خطرة للغاية»، واطمأن على سلامة العسكريين الذين قاموا بها، ودعا خلال زيارته مقر المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي إلى «اليقظة والتحوط لمرحلة ما بعد سقوط التنظيمات الإرهابية في سوريا لئلا يدخلوا لبنان».
وبعد ساعات على العملية، زار قائد الجيش العماد جوزف عون عرسال، حيث تفقد مواقع الجيش والوحدات العسكرية المنتشرة في المنطقة، مثنيا على «شجاعتهم في مواجهة الإرهابيين وأدائهم المهمة بدقة واحتراف عاليين». وأشاد بحرصهم التام على تجنيب سكان المخيمين وقوع خسائر في صفوفهم، مؤكداً التزام القيادة الدائم حماية المدنيين في جميع العمليات العسكرية. وأشار العماد عون «إلى أن ما جرى اليوم، يؤكّد مرة أخرى قرار الجيش الحاسم في القضاء على التنظيمات الإرهابية وخلاياها وأفرادها أينما وجدوا على الأراضي اللبنانية»، لافتا إلى «أن المرحلة المقبلة ستشهد تكثيف العمليات النوعية لاقتلاع هذا الشر الخبيث».
وقال وزير الدفاع يعقوب الصراف: إن «تغلغل الانتحاريين داخل مخيمات النازحين يستدعي تحركاً سريعاً لمعالجة جذرية لمسألة النزوح». وأشار إلى أن «الجيش باق على قراره باجتثاث الإرهاب من جذوره، ولا بيئة حاضنة له عندنا».
ولبلدة عرسال حدود طويلة ومتداخلة مع منطقة القلمون السورية غير مرسمة بوضوح، وعليها الكثير من المعابر غير الشرعية؛ ما يسمح بانتقال المسلحين بسهولة بين جهتي الحدود.
وشهدت البلدة في أغسطس (آب) 2014 معارك عنيفة استمرت أياما بين الجيش اللبناني ومسلحين تابعين لـ«جبهة النصرة وتنظيم داعش قدموا من سوريا، وانتهت بإخراج المسلحين من البلدة. لكن هؤلاء لجأوا إلى تلال البلدة الخالية من السكان والمعروفة بجرود عرسال. وانضمت إليهم مع تقدم قوات النظام السوري في ريف دمشق، مجموعات مسلحة أخرى.
واحتجز المسلحون معهم في ذلك الحين عددا من العسكريين تم الإفراج عن قسم منهم كانوا لدى «جبهة النصرة»، بينما لا يزال تسعة عسكريين مخطوفين «داعش» من دون توفر أي معلومات عنهم.








