«المواطن كليم» لجون بيو تحصد «جائزة أورويل» للكتابة السياسية

سيرة زعيم عمالي رسم ملامح بريطانيا الحديثة

كليمنت أتيلي
كليمنت أتيلي
TT

«المواطن كليم» لجون بيو تحصد «جائزة أورويل» للكتابة السياسية

كليمنت أتيلي
كليمنت أتيلي

على الرغم من قيمتها المالية الرمزية (3 آلاف جنيه إسترليني)، فإن جائزة أورويل تحولت إلى أهم جوائز بريطانيا والغرب فيما يتعلق بالكتابة السياسية الموجهة لغير المتخصصين، وقد اكتسبت هذا العام بالذات متابعة غير مسبوقة بعد أن فرضت الأجواء السياسية المأزومة على جانبي الأطلسي استعادة لديستوبيا جورج أورويل الأشهر (1984)، ونقلتها من حيز الكلاسيكيات المهملة إلى قلب الجدل السياسي والثقافي، وعلى قوائم الكتب الأكثر مبيعاً من جديد.
جائزة هذا العام مُنحت الخميس الماضي، في لندن، لكتاب «المُواطن كليم» للأكاديمي والمؤرخ البريطاني جون بيو، لما وصف بأنه «سيرة استثنائية عن رجل استثنائي»، وأهم ما صدر حتى الآن عن حياة وسياسة وأفكار كليمنت أتيلي (1883 – 1967)، زعيم حزب العمال البريطاني خلال الربع الثاني من القرن العشرين، وشريك وينستون تشرشل في حكومة الوحدة الوطنية التي أدارت المملكة المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية، ورئيس وزراء بريطانيا لحكومتين متتابعتين خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
ومع أن قراءة هذه السيرة بتمعن تكشف عن نظرة يمينية تحكم السرد، بحكم انتماء كاتبها، فإنها مساهمة جد هامة لتقليل كمية الظلال الداكنة التي فرضتها المؤسسة الثقافية والإعلامية الرسمية البريطانية على مساهمات حكومات أتيلي العمالية في صياغة وتشكيل بريطانيا الحديثة، كما نعرفها في وقتنا الراهن، ودائماً لمصلحة الرواية المنحازة لشخصية رئيس الوزراء المحافظ وينستون تشرشل، الذي قاد حكومة المملكة المتحدة إبان الحرب، وتوافقت «المؤسسة» على تتويجه أفضل رئيس وزراء بريطاني في القرن العشرين. لكن الحقيقة أن أي محاولة لفهم انتقال بريطانيا من العهد الفيكتوري، وأيام الإمبراطورية العظمى، إلى دولة الرفاه البريطانية الحديثة، ذات النظام الاجتماعي المتماسك، عضو الناتو، إحدى القوى النووية، زعيمة الكومنولث، ستكون عبثاً خالصاً دون التعريج على سيرة القائد العمالي الأهم، وإنجازات حكومتيه خلال الأعوام 1945 - 1951.
كانت مدافع الحرب العالمية الثانية قد صمتت لتوها عام 1945، عندما دعي لانتخابات عامة في البلاد، ترشح لها وينستون تشرشل عن قيادة المحافظين، وكليمنت أتيلي عن قيادة حزب العمّال. ومع أن أحداً لم يشك وقتها في أن كاريزما تشرشل، القائد الذي أوصل بريطانيا إلى النصر على النازية مع بقية الحلفاء، ستكون حتماً العامل الحاسم للتمديد للزعيم في مرحلة ما بعد الحرب، لا سيما في مواجهة أتيلي الخجول الاشتراكي الذي يشبه فلاديمير لينين شكلاً، وفق صحف يمين تلك الأيام التي كانت تعيش أجواء استقطاب بدايات الحرب الباردة المعادية للاتحاد السوفياتي وللمنظومة الاشتراكية، فإن حكماء النخبة البريطانية كانوا قد أحسوا بالخطر الذي يتهدد هيمنتهم على البلاد بعد الحرب، إذ كان الاقتصاد البريطاني شبه مدمر، وعاد مئات الآلاف من الجنود للبطالة بعد أن حملوا السلاح واعتادوا عليه، وأحس المواطنون العاديون على نحو متزايد بالغبن مقابل التضحيات الباهظة التي قدموها زمن الحرب.
كانت تلك وصفة انقلاب تام إلى اليسار، جاهز للتنفيذ في أية لحظة. ومما فاقم من مخاوف النخبة وقتها تقدم اليسار الأوروبي، الذي كان قلب المقاومة الفرنسية والإيطالية ضد النازية في الحرب، وأصبح بعد الحرب كثير الثقة بنفسه للتقدم نحو استلام السلطة، أو أقله المشاركة الفعالة في تحالفات الحكم، ومن ثم تنفيذ سياسات اشتراكية الطابع لرفع سوية حياة الطبقة العاملة، والتخفيف من معاناتها. وكان أتيلي وقتها - رغم يساريته المفترضة - قد فرض احترامه كرجل دولة وطني خلال فترة الحرب، عندما تناسى الخلافات الحزبية التقليدية بين المحافظين والعمال، وقَبِلَ بالمشاركة في حكومة إجماع وطني بين الحزبين، خدم فيها لدى تشرشل نائباً لرئيس الوزراء، لا سيما أنه قاتل قبلها في جبهات بريطانية عدة خلال الحرب العالمية الأولى، وأصيب 3 مرات قبل أن يرفع إلى رتبة ميجور بالجيش البريطاني. وهكذا تحالفت النخبة والظروف الداخلية وإيقاعات السياسة في المحيط الأوروبي مع أشواق الطبقة العاملة البريطانية، التواقة للكرامة في ترفيع زعيم حزب العمال الذي خبروه عن قرب إلى السلطة، رئيساً للوزراء.
كان أتيلي الرجل المناسب في الوقت المناسب. فهو، وإن لم يكن عبقري سياسة أو اقتصاد، قد أدار بفعالية غير مسبوقة في 10 داوننغ ستريت - مقر رئاسة الوزراء بلندن - فريقاً عبقرياً من الوزراء النجوم: إيرنست بيفين، وهيربرت موريسون، وني بيفان، وغيرهم من الذين قدموا أفكاراً، ونظموا مشاريع، وأنجزوا تحت قيادة أتيلي لبريطانيا، وفي مدى سنوات قليلة، كل مؤسساتها الاجتماعية ونظمها المعاصرة، من الهيئة القومية للصحة (NHS) إلى أنظمة الرعاية والتقدمات الاجتماعية والتقاعد، وتأميم بنك إنجلترا المركزي ومناجم الفحم، وخدمة القطارات، والكهرباء وإمداد الغاز، والنقل الجماعي والطرق، وتحسين الأنظمة التعليمية في البلد. تلك الثورة الاجتماعية الكاملة رافقتها في الوقت ذاته إنجازات حاسمة لمستقبل البلاد فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، إذ أدارت تلك الحكومة استقلال الهند، وإنهاء الانتداب على فلسطين، وأنجزت بعد مأساة هيروشيما تحول بريطانيا إلى دولة نووية بتقنيات محلية، وإن بتكاليف باهظة بعد أن رفض الأميركيون تمرير تكنولوجيا القنبلة للندن، وكانت كذلك وراء عضوية بريطانيا الدائمة في حلف الناتو، كوسيلة لاستيعاب التنافس غير الواقعي مع الإمبراطورية الأميركية الصاعدة.
ولا يكتفي «المواطن كليم» بسرد حياة الرجل، ومسيرة صعوده في أجواء السياسة البريطانية من مجرد نائب لحزب العمال عن مقاطعة صغيرة، حصل على مقعدها بفارق لا يتجاوز 750 صوتاً، إلى زعيم حزب العمال المعارض، قبل أن يصبح نائباً لرئيس الوزراء أثناء الحرب، ورئيساً لحكومتين عماليتين تولتا إدارة البلاد المنهكة بعد الحرب، فهو يلقي بالضوء على المنطلقات الفكرية للرجل الذي كان بالمقاييس الطبقية برجوازياً من أسرة ثرية، لكنه انحاز للمواطن البريطاني العادي، ولم يكتف برطانة اليسار الكلاسيكي، بل فاوض المنظومة البريطانية على تنازلات عملية حاسمة لمصلحة المجتمع عموماً، مستفيداً من أفكار الليبراليين أكثر ربما من نظريات الماركسيين، وقدم نموذجاً عالمياً لاشتراكية محلية الجذور (يدعوها المؤلف بالمواطنة. ومن هنا، جاء وصف «المواطن كليم»، كما في عنوان الكتاب) أنقذت السلم الأهلي والنظام القائم، رغم شهية اليسار لتغيير البلاد باتجاه جمهورية يوتوبيا فاضلة. ويذهب بيو في الكتاب إلى خلاصة مفادها أن تحول ذلك البرجوازي الأنيق، خريج التاريخ الحديث من جامعة أكسفورد النخبوية، نحو الأفكار الاشتراكية لم يحدث في أروقة الجامعة، ولا في ثرثرات أصدقائه يساريي الجمعية الفابية، بل من خلال مشاهداته الشخصية لأوضاع فقراء شرق لندن، في أثناء فترة تطوعية قضاها هناك. لقد صاغت تلك التجربة - دون شك ضمن مؤثرات أخرى - إحساسه بعبثية تقديم المساعدات للفقراء، وضرورة تولي الحكومات مسؤوليتها لخلق الأنظمة التي تحمي الإنسان من شرور الحياة: الفقر، والجهل، والمرض، وذل الحاجة.
لعل واحدة من أعمق العبر التي تُستخلص من حياة هذا الزعيم الاستثنائي هي قدرته القيادية الهائلة التي سمحت له بتجاوز أوجه القصور الذاتية في شخصيته، وذلك الصلف الذي يَسِم معظم شخصيات السياسيين المنتفخة، ليخلق الأجواء، ويوفر الدعم والتفويض لفريق مهندسين نجوم، ليبدعوا تحت إدارته الفذة كل هذا التغيير.
ورغم وجود رطانة في بعض أجزاء الكتاب، لا سيما مقدمات الفصول، وإهمال يكاد يكون مقصوداً لدور اليسار الشيوعي الأوروبي والبريطاني، وتجاهل يبدو غير مقبول لتأثير الأفكار الكينزية الليبرالية على طريقة تفكير أتيلي وفريقه لدى استلامهم للسلطة، فيما يخص دعم التدخل الحكومي لكبح جموح الرأسمالية بعد الكساد العظيم، فإن «المواطن كليم» يمثل خطوة مستحقة لإعادة الاعتبار لهذا الرجل الكبير، الذي يقارنه كثيرون بزعيم حزب العمال الحالي جيريمي كوربن، ولدور حزب العمال في تكوين ملامح بريطانيا ما بعد الحرب، ويقدم أفكاراً قد تساعد المعنيين برفاه المجتمع البريطاني في تقديم أداء أفضل بشأن إدارة تحديات المرحلة الحالية: الضغوط الاجتماعية، والجدل بشأن الخدمات الصحية، وعضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، ومكانتها العالمية، ويقدم للسياسيين درساً بليغاً من تاريخ البلاد المعاصر حول ضرورة تجاوز السياسات القبائلية لمصلحة إجماع وطني فوق الحزبية في مواجهة التحديات الوجودية.



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».