صفقة بين «داعش» ودمشق... آخر فصول «نكبة» مخيم اليرموك

النظام توقف عن قصف «عاصمة الشتات» بعد سيطرة التنظيم

TT

صفقة بين «داعش» ودمشق... آخر فصول «نكبة» مخيم اليرموك

عاد الحديث عن قرب انتهاء «نكبة» مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين وأحياء جنوب دمشق المجاورة وسط تكتم شدد من النظام السوري على التفاصيل وموعد تنفيذ «اتفاق المصالحة»، في وقت أفيد بأن تنظيم داعش سيقوم بتسليم المنطقة للنظام بعد قيامه بتصفية «العصاة» فيها على غرار ما فعله في عدد من المناطق.
وانتشرت في صفحات على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» قبل أيام صور لإعلان أصدره «داعش»، طلب فيه من الراغبين من المدنيين بالخروج مع مسلحيه من جنوب دمشق إلى مناطق سيطرته في شمال وشرق سوريا، تسجيل أسمائهم في مراكز تم افتتاحها في أماكن سيطرته جنوب العاصمة. وقالت مصادر أهلية لـ«الشرق الأوسط»، إن «داعش» وزع صورا للإعلان في مناطق سيطرته هناك (مخيم اليرموك، الحجر الأسود، التضامن والعسالي)، ذلك بالترافق مع خروج عدة دفعات من جرحى «هيئة تحرير الشام» التي تضم فصائل بينها «فتح الشام» (النصرة سابقا) من اليرموك خلال الشهرين الماضي والحالي في إطار «اتفاق البلدات الأربع» (كفريا الفوعة – الزبداني مضايا).
وإذ بدت المصادر المهتمة بملف اليرموك متأكدة من أن «العمل يجري بشكل فعال لإنهاء ملف جنوب العاصمة»، رجح بعضها أن تبدأ عملية الخروج في أي لحظة. وما عزز ذلك تأكيد مصادر أهلية من المنطقة لـ«الشرق الأوسط» أن قيادات «(داعش) وعناصره يقومون ببيع ممتلكاتهم تمهيدا لخروجهم».
وبعدما انتشرت أخبار عن اتفاق بين النظام و«داعش» ينهي ملف جنوب العاصمة في وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل إعلام مقربة من النظام وعلى مدار عدة أيام، انقطعت تلك الأخبار فجأة وسيطر التكتم والتعتيم على مجريات الملف، سوى تصريح لوزير المصالحة علي حيدر، قال فيها إن العمل على إنهاء الوجود المسلح في المخيم «قطع شوطاً مهما في إحياء اتفاق تم التوصل إليه سابقا لإخراج المسلحين من المخيم حيث تعمل الدولة لتسهيل خروجهم بكل الوسائل الممكنة وإعادة أهالي المخيم مجدداً إلى منازلهم».
* «عاصمة الشتات»
ويقع مخيم اليرموك على بعد سبعة كيلومترات جنوب العاصمة وتبلغ مساحته كيلومترين مربعين. وتم وضع اللبنات الأولى لإقامته عام 1957 عندما كان بقعة صغيرة، قبل أن تتوسع دمشق ويصبح المخيم جزءا أساسيا من مكوناتها الجغرافية والديمغرافية وأكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين في كل من سوريا ولبنان والأردن ورمزاً لحق العودة. كما غدا يُعرف بـ«عاصمة الشتات الفلسطيني» كونه يضم 36 في المائة من اللاجئين الفلسطينيين في سوريا والبالغ عددهم قبل الحرب أكثر من 450 ألف لاجئ، علما بأنه يوجد في سوريا وحدها خمسة عشر مخيما تتوزع على ست مدن.
وإن كان المخيم بدا هادئا في السنة الأولى للأحداث عندما كان المظاهرات المناهضة للنظام السوري تعم المناطق المجاورة له في الجنوب مدينة الحجر الأسود وشرق حي التضامن والجنوب الشرقي لبلدتي يلدا وببيلا، وفي الغرب في حيي القدم والعسالي، فإن الحراك الثوري فيه كان كالنار المتقدة تحت الهشيم، الأمر الذي شعر به النظام ما دفعه حينها إلى تحذير الأهالي هناك عبر قيادي فلسطيني من على أحد منابر العاصمة بالقول: «اليرموك لن يكون أغلى من حمص وحماة...»، في إشارة إلى أن النظام يمكن أن يدمر المخيم على رؤوس سكانه.
اليرموك الذي هدده رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق آرييل شارون ذات مرة بأن له يوما بسبب ما حمله من رمزية لحق العودة، لم يحل البلاء به بسبب تنفيذ إسرائيل لتهديداتها، وإنما بفعل ثلاثة صواريخ أطلقتها طائرات النظام الذي طالما تشدق بمناصرته للشعب الفلسطيني في 16 ديسمبر (كانون الأول) 2012، وكانت كفيلة بإحداث نكبة لسكانه تجاوزت في مآسيها نكبة عام 1948 ونكسة 1967 حيث قتل وأصيب عشرات المدنيين، ونزح أكثر من 90 في المائة من سكانه الذين كان يبلغ عددهم حينها ما بين 500 إلى 600 ألف نسمة من بينهم أكثر من 160 ألف لاجئ فلسطيني.
جاء ذلك، بعد نجاح فصائل من «الجيش الحر» في السيطرة على المخيم، عقب دخولها إليه من جهة حي الحجر الأسود إلى الجنوب، وحي التضامن إلى الشرق، وحيي القدم والعسالي من الغرب، حيث كانت تنشط مجموعات من «الجيش الحر» منذ شهور، مع وجود مجموعات مسلحة فلسطينية نائمة في المخيم اختارت أن تقف إلى جانب الشعب السوري ضد الظلم الذي طاله من جانب النظام الذي فرض بعد ذلك وقوات من الفصائل الفلسطينية المؤيدة له حصاراً جزئياً على أكثر من 20 ألف مواطن فضلوا البقاء في منازلهم على رحلة نزوح من غير المعروف متى ستنتهي، وسرعان ما تحول هذا الحصار إلى حصار خانق في عام 2013. قضى خلاله بسبب الجوع ونقص الأدوية 199 فلسطينيا. وبحسب أحد المواطنين الذين خرجوا مؤخرا من اليرموك، فإن المدنيين هناك باتوا يعيشون على أمل «الكرتونة» بعد أن أصبحوا لا يرون رغيف الخبز حتى في المنام، في إشارة منه إلى السلة الغذائية التي أصبحت الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها تدخلها إلى الأهالي بين الحين والآخر خلال الحصار.
* تلاشي «الحر»... وطغيان للسواد
بعد ذلك شهد اليرموك فوضى عسكرية عارمة بسبب وجود مجموعات مسلحة مختلفة وتحت أجندات ومسميات متباينة، وطغى حضور الفصائل الإسلامية المتشددة على حساب «الجيش الحر» الذي انتهى وجود مجموعاته مثل «أبابيل حوران» و«صقور الجولان» و«أنباء الحجر الأسود» إما بالتفكك أو الاندماج مع «جبهة النصرة» أو تنظيم داعش الذي ظهر بشكل مريب في منطقة الحجر الأسود وتشكل من أبناء المنطقة العائدين في أصولهم إلى هضبة الجولان التي نزحوا منها عام 1967. مع ظهور مجموعات فلسطينية قوية من قبيل «كتائب أكناف بيت المقدس» التي تردد أنها تتبع لحركة حماس الفلسطينية وتزعمها المدعو أبو أحمد المشير مسؤول فريق المرافقة الخاص لرئيس المكتب السياسي للحركة خالد مشعل أثناء وجوده في سوريا، وكذلك «كتيبة ابن تيمية» و«القراعين» و«السراحين».
وشكلت «النصرة» و«الأكناف» أقوى فصيلين في اليرموك، وتمكنا من إنهاء وجود كثير من الفصائل الأخرى، وسيطرتا بشكل تام على المخيم طوال عام 2014 من دون أي منازع، ليدور لاحقا الصراع الدامي على النفوذ بين الجانبين وشبه حينها بأنه صراع «كسر عظم» من دون أن يتمكن أي من الفصيلين من إنهاء الآخر، لتشتعل بعد ذلك حرب الاغتيالات بين الجانبين.
وفي بداية أبريل (نيسان) 2015 كانت المفاجأة، تدخل «داعش» القابع في معقله الحجر الأسود جنوب اليرموك في المعارك الدائرة في المخيم إلى جانب «النصرة» وتمكنا من إنهاء وجود «الأكناف» التي كانت تعد نحو 250 عنصراً، حيث انسحب خلال المعارك بحسب مصادر أهلية نحو مائة مقاتل من «الأكناف» إلى بلدتي يلدا وببيلا، أماكن وجود «الجيش الحر»، بينما انضم نحو 70 آخرين إلى الفصائل الفلسطينية المقاتلة إلى جانب النظام، على حين تمت تصفية من تبقى على أيدي «داعش» و«النصرة».
وبذلك بات تنظيم داعش، إضافة إلى سيطرته على كامل مدينة الحجر الأسود، يتقاسم مع «النصرة» السيطرة على اليرموك، بينما تسيطر الفصائل الفلسطينية المقاتلة مع النظام على المنطقة الشمالية من المخيم وتقدر مساحتها بـ30 في المائة من مساحته وتمتد من ساحة الريجة حتى مدخل المخيم الشمالي المقابل لمنطقة الزاهرة.
وعلى حين غرة شن «داعش» أبريل العام الماضي هجوما عنيفا على «النصرة» في أماكن وجودها في اليرموك، وسيطر على نحو 80 في المائة من المساحة التي كان يتقاسم السيطرة عليها معها، وحشرها في مساحة صغيرة بوسط المخيم تمتد من جامع الوسيم جنوباً حتى ساحة الريجة شمالاً، وسط إجراءات مشددة للغاية منع من خلالها إدخال أي مواد غذائية إلى الأهالي في تلك المنطقة، وسط تقديرات تشير إلى أن عدد عناصر «النصرة» لا يتجاوز أكثر من 180 مقاتلا ومع أفراد عوائلهم نحو 800. وأن أكثر من نصفهم من أنباء اليرموك، بينما الآخرون كانوا قدموا من مناطق مجاورة، علما بأنه خرج أكثر من 40 جريجا من أصل 180 إلى شمال البلاد في إطار تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق «البلدات الأربع» على أن يخرج المسلحون في دفعات لاحقة قريبا.
ومع سيطرة تنظيم داعش على المنطقة، تراجع عدد المدنيين القاطنين في اليرموك بنسبة 75 في المائة، حيث نزح الغالبية إلى بلدات يلدا ببيلا بيت سحم، وقالت مصادر أهلية لـ«الشرق الأوسط» إن عدد عناصر «داعش» في الحجر الأسود واليرموك وحيي العسالي والتضامن لم يتجاوز ألفي عنصر.
وإذ يبدي مراقبون استغرابهم من استمرار نشاط «داعش» جنوب دمشق في ظل الحصار المفروض عليه من قبل النظام، أفادت مصادر أهلية تخرج بين الحين والآخر إلى مناطق سيطرة النظام بأن مستوى معيشة عناصر التنظيم وعوائلهم ليس أفضل بكثير من بقية الأهالي في تلك الأحياء، وإنما أفضل من مستوى معيشة الأهالي القاطنين في مناطق سيطرة النظام، علما بأن علاقة التنظيم متوترة للغاية مع الفصائل التي تسيطر على بلدتي يلدا وببيلا المجاورتين لليرموك والحجر الأسود من الجهة الجنوبية الشرقية والتي وقعت منذ زمن بعيد اتفاق «مصالحة» مع النظام وبموجب ذلك بات الأخير يدخل إليها قوافل مساعدات إنسانية.
* وقف القصف بعد سيطرة «داعش»
وأشارت المصادر إلى أن التفسير الوحيد للوضع، أن «الجهة الشمالية التي يسيطر عليها النظام هي مصدر إمداد التنظيم». وتشكك بما يتم الحديث عنه في الأوساط العامة حول العداء بين تنظيم داعش والنظام بقولها: «منذ سيطرة (داعش) قبل نحو عام على اليرموك لم يستهدف مناطق سيطرة النظام القريبة (الميدان، القاعة، الزاهرة) ولا بقذيفة واحدة وركز كل جهده على تصفية (النصرة) التي شكلت وعلى الدوام العثرة الكبيرة أمام أي محاولة لإبرام اتفاق تسوية مع النظام في المنطقة». وأضافت: «أيضا قبل ذلك أسهم (داعش) وبشكل كبير بإنهاء وجود أكناف بيت المقدس في اليرموك وهو فصيل كان يرفض بشكل مطلق التسوية مع النظام».
مصادر عليمة بتفاصيل ملف أحياء دمشق الجنوبية، أبلغت «الشرق الأوسط»، أن «كل ما جرى من تصفيات للمجموعات المقاتلة الرافضة للتسوية جاء على يد (داعش)، ولمصلحة النظام». وزادت: «اليوم يعلن (داعش) أنه يريد أن يغادر المنطقة والنظام وأعوانه يتحدثون عن أن قسما كبيرا من عناصره يريد تسوية وضعه بعد أن ألغوا بيعتهم للبغدادي» في إشارة إلى أبو بكر البغدادي زعيم «داعش». وأشارت المصادر إلى أن «كل ذلك يأتي بعد ما أشيع في أواخر عام 2015 عن تعثر تنفيذ اتفاق إخراج نحو أربعة آلاف من عناصر (داعش) و(النصرة) من المنطقة الجنوبية بعد اغتيال قائد (جيش الإسلام) زهران علوش»، موضحة أن تنفيذ الاتفاق حينها لم يتعثر بل تم تنفيذه، لكنه لم يكن ينص على إخراج أربعة آلاف وإنما إخراج «الدواعش» الأجانب وهذا ما تم بالفعل حينها ولم يبق في الحجر الأسود سوى «الدواعش» المحليين الذي هم في الأساس «عملاء جندهم النظام» لصالحه من أمثال قائد «لواء الحجر الأسود» بيان مزعل الذي سلم الكثير من مناطق ريف دمشق الجنوبي للنظام في عام 2013 مثل «السبينة» و«البويضة» و«حجيرة» و«الذيابية». وتختم المصادر بالقول: «ما سيجري وقريبا هو عملية تسليم المنطقة للنظام من قبل عملاء».
وكانت «مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا» أفادت في تقرير لها بمقتل 3 آلاف و506 لاجئين فلسطينيين في سوريا، بينهم 462 امرأة، جراء الحرب الدائرة منذ عام 2011. كما يتحدث نشطاء عن هجرة ما يقارب المائة لاجئ فلسطيني من سوريا إلى دول أوروبية.



اجتماع وزاري عربي الأحد لمناقشة الاعتداءات الإيرانية

جانب من الاجتماع الوزاري بدورته العادية الـ164 في القاهرة 4 سبتمبر 2025 (الجامعة العربية)
جانب من الاجتماع الوزاري بدورته العادية الـ164 في القاهرة 4 سبتمبر 2025 (الجامعة العربية)
TT

اجتماع وزاري عربي الأحد لمناقشة الاعتداءات الإيرانية

جانب من الاجتماع الوزاري بدورته العادية الـ164 في القاهرة 4 سبتمبر 2025 (الجامعة العربية)
جانب من الاجتماع الوزاري بدورته العادية الـ164 في القاهرة 4 سبتمبر 2025 (الجامعة العربية)

يعقد مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري اجتماعاً في دورة غير عادية عبر الاتصال المرئي، يوم الأحد المقبل، لمناقشة الاعتداءات الإيرانية السافرة.

وذكرت الجامعة العربية أن الاجتماع الوزاري يأتي بناءً على طلب من السعودية والأردن والبحرين وعمان وقطر والكويت ومصر، ويبحث الاعتداءات الإيرانية على دول عربية في انتهاك سافر للقوانين والمواثيق الدولية ومبادئ حسن الجوار.

كان أحمد أبو الغيط أمين عام جامعة الدول العربية، وصف في تصريح صحافي، الأربعاء، الوضع مع الهجمات الإيرانية ضد دول عربية بأنه «خطير»، مؤكداً أنها «مدانة بالكامل، وهي ليست فقط انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، لكنها اعتداء على مبادئ حسن الجوار، وتخلق حالة غير مسبوقة من العداوة بين إيران ودول الجوار العربي، وتحدث شرخاً عميقاً سيترك أثراً في مستقبل الأيام».

وأضاف أبو الغيط: «لا أحد يُقلِّل من ويلات الحرب التي تواجهها إيران، ولكن لا يوجد في الوقت ذاته أي تبرير يمكن أن يكون مقبولاً لقيامها باستهداف دول عربية جارة بهدف جرها إلى حرب ليست حربها، خاصة أن عدداً منها عمل بلا كلل من أجل تجنب وقوع هذه الحرب الكارثية»، مؤكداً «هذا خطأ إيراني استراتيجي بالغ أتمنى أن يتداركوه، وأن يوقفوا هجماتهم فوراً».

واختتم الأمين العام تصريحه بالقول: «من الخطورة بمكان أن يتم توسيع الصدام الحالي، وأن تستمر تلك الأوضاع دون تصحيح سريع من جانب إيران»، مشدداً على أنه «لابد أن يستفيقوا ويُصحِّحوا الوضع مع جميع الدول المستهدفة قبل فوات الأوان».


العليمي يقود تدابير يمنية لتجنب تداعيات التصعيد الإقليمي

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي يقود تدابير لمواجهة تداعيات التصعيد الإقليمي (سبأ)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي يقود تدابير لمواجهة تداعيات التصعيد الإقليمي (سبأ)
TT

العليمي يقود تدابير يمنية لتجنب تداعيات التصعيد الإقليمي

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي يقود تدابير لمواجهة تداعيات التصعيد الإقليمي (سبأ)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي يقود تدابير لمواجهة تداعيات التصعيد الإقليمي (سبأ)

في ظل تصعيد عسكري غير مسبوق تشهده منطقة الشرق الأوسط وتزايد المخاوف من انعكاساته على سلاسل الإمداد والتجارة الدولية، كثفت السلطات اليمنية اجتماعاتها الاقتصادية والقطاعية لتحصين الجبهة الداخلية، وضمان استمرار تدفق السلع الأساسية، وصرف الرواتب، والحفاظ على استقرار العملة الوطنية بإسناد سعودي.

ويأتي هذا التحرك ضمن مقاربة حكومية شاملة تربط بين إدارة الأزمات الاقتصادية، وتسريع الإصلاحات الهيكلية، وتعزيز الشراكات الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها الدعم السعودي المستمر.

وفي هذا السياق ترأس رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، اجتماعاً للجنة إدارة الأزمات الاقتصادية والإنسانية، بحضور رئيس الوزراء وزير الخارجية شائع الزنداني، وقيادات مالية ونقدية وخدمية، بينهم محافظ البنك المركزي أحمد غالب المعبقي، ووزراء المالية والنفط والنقل، ورئيس مجلس إدارة شركة الخطوط الجوية اليمنية.

حسب الإعلام الرسمي، خصص الاجتماع لمراجعة المؤشرات المالية والنقدية، وخطط الاستجابة الحكومية للحد من التداعيات المباشرة للتطورات الأمنية الإقليمية، خصوصاً على إمدادات الغذاء والدواء والوقود، وأسعار السلع والخدمات الأساسية.

ووفق الإحاطات المقدمة، فإن المخزون السلعي في اليمن ما زال عند مستويات آمنة تكفي لفترات تتراوح بين أربعة وستة أشهر، في ظل ترتيبات استباقية لتأمين الشحنات، وتنويع مصادر الاستيراد.

وأكد العليمي أولوية حماية سبل العيش والعملة الوطنية، وتحييد البلاد قدر الإمكان عن ارتدادات الصراع الإقليمي، مشدداً على الجاهزية الكاملة للتعامل مع أي سيناريوهات محتملة، بما يضمن وفاء الدولة بالتزاماتها الحتمية، وفي مقدمتها دفع رواتب الموظفين، وضمان استمرار تدفق الواردات الأساسية.

ووجّه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني برفع تقارير دورية حول مؤشرات الأسواق والمخزون، وتحديث الإجراءات الاقتصادية بشكل مستمر، مع تكثيف التنسيق مع الشركاء لتأمين الممرات المائية ومكافحة التهريب والإرهاب، بما يعزز الثقة بالاقتصاد الوطني ويحد من المضاربات.

دعم سعودي للمالية العامة

تزامن الحراك الرئاسي اليمني مع تحركات مالية في الرياض، حيث بحث وزير المالية مروان بن غانم مع الفريق الفني للبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن آليات استيعاب منحة الدعم الجديدة المقدمة من السعودية، البالغة 1.3 مليار ريال سعودي (نحو 347 مليون دولار)، والمخصصة لتغطية رواتب موظفي الدولة وتعزيز الاستقرار الاقتصادي.

اللقاء ناقش كذلك خطة وزارة المالية للمرحلة المقبلة، في إطار مرجعيات خطة التعافي الاقتصادي 2025 - 2026، وأولويات الإصلاحات الشاملة المعتمدة بقرار مجلس القيادة الرئاسي رقم (11) لسنة 2025. وتركز الخطة على تطوير الموارد العامة، وضبط الإنفاق، ورقمنة الإدارة المالية، وتعزيز الشفافية والمساءلة.

وأكد الوزير بن غانم التزام الوزارة بتنفيذ برنامج الحكومة وفق المسارات الستة المعتمدة، مع العمل على توحيد الجهود للاستفادة المثلى من المنح والمساعدات الخارجية، بما يسهم في تقليص عجز الموازنة، وتحسين الخدمات الأساسية، ودعم العملية التنموية.

وشدد على ضرورة تمكين وزارة المالية من أداء دورها الرقابي على المنح، تفادياً لأي اختلالات محتملة، مشيراً إلى الحاجة إلى دعم سياسي وفني لتعزيز قدرات الكوادر، وتحديث البنية المؤسسية، بما يواكب متطلبات المرحلة الانتقالية.

ويُنظر إلى الدعم السعودي باعتباره ركيزة أساسية في الحفاظ على استقرار المالية العامة، خصوصاً في ظل تراجع الإيرادات المحلية، وتحديات تصدير النفط، وارتفاع كلفة الاستيراد نتيجة اضطراب الملاحة الإقليمية.

إصلاحات موازية

على صعيد الخدمات، بحث وزير الكهرباء والطاقة المهندس عدنان الكاف مع الممثل المقيم لـبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في اليمن، سبل تعزيز التعاون في قطاع الطاقة، لا سيما مشاريع الطاقة المتجددة وبناء القدرات المؤسسية.

وأكد الوزير أهمية تنظيم العلاقة المؤسسية بما يضمن تنفيذ مشاريع مستدامة ذات أثر مباشر على المواطنين، مع توجيه الدعم نحو أولويات الطاقة النظيفة وكفاءة الاستخدام.

المسؤولة الأممية، من جهتها، أشارت إلى أن تحسن الظروف الراهنة قد يسهم في جذب مزيد من المانحين، خصوصاً في مشاريع الطاقة المتجددة، مؤكدة استعداد البرنامج لتقديم الدعم الفني وحشد الموارد بالتنسيق مع الشركاء الدوليين.

جانب من اجتماع ترأسه في عدن وزير الاتصالات في الحكومة اليمنية (سبأ)

وفي قطاع الاتصالات، شدد وزير الاتصالات وتقنية المعلومات الدكتور شادي باصرة على ضرورة بناء شبكة وطنية قوية وآمنة تواكب التطورات التقنية، وتلبي احتياجات المرحلة. وأكد خلال اجتماع موسع في عدن أهمية تحويل الفرص المتاحة إلى مشاريع استثمارية تعزز موارد الدولة، وتدعم الاستدامة المالية.

الوزارة تعمل، وفق الوزير باصرة، على مراجعة أوضاع الشركات المخالفة، وتجديد التراخيص وفق الأطر القانونية، بما يعزز الشفافية وتكافؤ الفرص، وينظم السوق، ويرفع كفاءة الخدمات. ويُعد قطاع الاتصالات من القطاعات القادرة على رفد الخزينة بإيرادات مهمة إذا ما أُحسن تنظيمه واستثماره.

نحو اللامركزية

في سياق الإصلاح المؤسسي، أعلن وزير الإدارة المحلية في الحكومة اليمنية المهندس بدر باسلمة الاستعداد لإطلاق استراتيجية متكاملة للحكم الرشيد، تتضمن إنشاء أكاديمية للحكم المحلي، وبرنامجاً وطنياً لتقييم أداء السلطات المحلية، بما يسهم في تحسين الخدمات ورفع جودة الإدارة.

وخلال لقاء مرئي مع نائب رئيس منتدى الفيدراليات، ومقره كندا، جرى بحث آليات دعم مسار اللامركزية وتمكين السلطات المحلية، انسجاماً مع توجهات مجلس القيادة الرئاسي نحو ترسيخ اللامركزية المالية والإدارية.

وزراء الحكومة اليمنية الجديدة يقودون جهود الإصلاحات (سبأ)

الاستراتيجية المرتقبة ترتكز على نقل تدريجي للصلاحيات وفق معايير الكفاءة والجاهزية، وتطوير منظومة تقييم تستند إلى مؤشرات دقيقة تعزز الشفافية والمساءلة، مع اعتماد نماذج تطبيق مرحلية تراعي الفوارق بين المحافظات.

ويُنظر إلى هذا المسار باعتباره جزءاً من معالجة الاختلالات الهيكلية، وتخفيف الضغط عن المركز، وتمكين السلطات المحلية من إدارة مواردها بفاعلية، بما ينعكس إيجاباً على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.


دعم سعودي واسع لمكافحة الملاريا في اليمن

السعودية تقدم أكثر من 300 ألف جرعة لعلاج الملاريا في اليمن (إعلام حكومي)
السعودية تقدم أكثر من 300 ألف جرعة لعلاج الملاريا في اليمن (إعلام حكومي)
TT

دعم سعودي واسع لمكافحة الملاريا في اليمن

السعودية تقدم أكثر من 300 ألف جرعة لعلاج الملاريا في اليمن (إعلام حكومي)
السعودية تقدم أكثر من 300 ألف جرعة لعلاج الملاريا في اليمن (إعلام حكومي)

في إطار الدعم الذي تقدمه السعودية لليمن في المجالات الاقتصادية والسياسية والإنسانية، تسلّمت الحكومة الشرعية أكثر من 300 ألف جرعة لعلاج الملاريا، مقدمة من برنامج «الملك سلمان للأعمال الإنسانية»، على أن تتولّى منظمة الصحة العالمية تنفيذ حملة المعالجة بها في بلد يُسجل سنوياً أكثر من مليون إصابة.

ووفق تقارير منظمة الصحة العالمية وبرامج مكافحة الملاريا في وزارة الصحة اليمنية، يُقدَّر أن البلد يُسجل سنوياً بين 1 و1.5 مليون حالة مشتبه بها أو مؤكدة في السنوات الأخيرة؛ حيث يُصنَّف بوصفه واحداً من البلدان عالية الإصابة بالملاريا في إقليم شرق المتوسط، لأن أكثر من 60 في المائة من السكان يعيشون في مناطق معرضة للإصابة بهذا المرض، وقد فاقمت الأمطار والفيضانات وتدهور الخدمات الصحية والنزوح الداخلي من انتشاره.

وأشرف وزير الصحة اليمني قاسم بحيبح، في العاصمة المؤقتة عدن، على توزيع الشحنة التي تنفذها منظمة الصحة العالمية بالتنسيق مع الوزارة، والمدعومة من مركز «الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية»، والتي تتضمن 171 ألفاً و450 جرعة من العلاجات المركبة القائمة على مادة الأرتيميسينين، و125 ألف قرص من دواء بريماكين، إضافة إلى 15 ألف حقنة أرتيسونات مخصصة للحالات الشديدة، بما يُسهم في خفض المضاعفات والوفيات، خصوصاً بين الأطفال والحوامل والفئات الأشد ضعفاً.

200 مديرية في 15 محافظة يمنية تستفيد من الدعم الصحي السعودي (إعلام حكومي)

وأشاد الوزير اليمني بالدعم السخي المقدم من «مركز الملك سلمان للإغاثة»، وقال إن هذا الدعم يعكس عمق الشراكة الإنسانية والتنموية مع السعودية، وحرصها الدائم على مساندة الشعب اليمني في مختلف الظروف، مؤكداً عمل وزارته على تكامل الجهود بين العلاج والوقاية والترصد، وتسعى لضمان وصول الأدوية والفحوصات إلى كل مريض محتاج في الوقت المناسب وبالجودة المطلوبة.

وتعهّد بأن تتابع الوزارة عملية التوزيع ميدانياً لضمان الاستخدام الأمثل للإمدادات وتعزيز كفاءة الكوادر الصحية في التشخيص المبكر والعلاج وفق البروتوكولات المعتمدة، بما يُسهم في الحد من مقاومة الأدوية وتحسين مؤشرات السيطرة على الملاريا.

بدوره، أكد ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن أن المشروع يهدف إلى تعزيز قدرة النظام الصحي على الاستجابة للأمراض المنقولة بالنواقل وفق أولويات الاحتياج، مشيراً إلى أن التنسيق مع وزارة الصحة اليمنية يضمن توجيه الموارد إلى المناطق الأكثر تضرراً.

إمدادات وقائية

وحسب وزارة الصحة اليمنية، فإن هذه الإمدادات تأتي ضمن حزمة متكاملة أوسع تشمل مليون فحص تشخيص سريع للملاريا، و500 ألف جرعة علاج مركب قائم على مادة الأرتيميسينين، و100 ألف فحص تشخيص سريع لحمى الضنك، إلى جانب 1.8 مليون ناموسية مشبعة طويلة الأمد، وأكثر من 29 طناً من مبيدات الصحة العامة المستخدمة في مكافحة نواقل الأمراض، وهو ما يعكس توجهاً استراتيجياً يجمع بين الوقاية والعلاج والترصد الوبائي والمكافحة المجتمعية.

فرق ميدانية وصلت إلى المناطق النائية في اليمن لتقديم الرعاية الطبية (إعلام حكومي)

وأكد البرنامج الوطني لمكافحة الملاريا وأمراض النواقل أن عملية التوزيع ستشمل مختلف المحافظات المستهدفة بعموم اليمن وفق آلية فنية تضمن إيصال الأدوية والمستلزمات إلى المرافق الصحية ذات الأولوية، مع التركيز على المديريات ذات الكثافة السكانية العالية ومناطق توطن المرض، بما يُحقق عدالة التوزيع، ويُعزز فاعلية التدخلات الصحية.

وذكر أن هذا الدعم يأتي في إطار المرحلة الثانية من مشروع تعزيز مكافحة الملاريا والوقاية منها في اليمن الذي تنفذه منظمة الصحة العالمية، ويغطي 15 محافظة يمنية وأكثر من 200 مديرية، مستهدفاً ملايين المستفيدين من خلال حزمة تدخلات تشمل توفير الأدوية والفحوصات، وبناء قدرات الكوادر الصحية، وتعزيز أنظمة الترصد والاستجابة السريعة، وتنفيذ حملات رش ومكافحة مجتمعية للحد من انتشار البعوض الناقل للمرض.

تحديات ميدانية

ويُنتظر أن تُسهم هذه الإمدادات في تعزيز الجهود اليمنية للسيطرة على الملاريا وتقليل عبئها الصحي والاقتصادي، ودعم مسار التعافي الصحي بما يُعزز صمود النظام الصحي وقدرته على الاستجابة للتحديات الراهنة والمستقبلية.

وتُشكل الملاريا تهديداً صحياً كبيراً في اليمن؛ حيث يُصاب أكثر من مليون شخص سنوياً، ويعيش أكثر من نصف السكان في مناطق معرضة للإصابة، ولا سيما في المناطق المتأثرة بالنزوح والتغيرات المناخية، وسط انهيار النظام الصحي وتفاقم الأوضاع.

وتعد محافظة الحديدة، بالإضافة إلى المحويت وعمران وحجة وصنعاء، من المناطق الأعلى خطورة وتفشياً للمرض، كما أن النساء الحوامل والأطفال دون سن الخامسة والنازحين هم الأكثر عرضة للمضاعفات والوفاة.

ردم المستنقعات وتجمعات المياه المولدة للبعوض الناقل للملاريا (إعلام محلي)

ويعود أسباب تفشي هذا الوباء إلى محدودية الخدمات الصحية وتكاثر البعوض نتيجة الأمطار والسيول، فيما تُحذر التقارير من أن استمرار الحرب يضعف الجهود الرامية للقضاء على هذا المرض الفتّاك.

ووفق مكتب منظمة الصحة العالمية في إقليم شرق المتوسط، فإن مرض الملاريا يفرض عبئاً ثقيلاً على المجتمعات الضعيفة في جميع أنحاء اليمن، ولا سيما في المناطق التي يصعب الوصول إليها. وإذ يؤدي ضعف النظام الصحي، نتيجة سنوات من الصراع وتغير المناخ، إلى زيادة مستوى التحديات.

وقال إنه، بالتعاون مع وزارة الصحة العامة والسكان وشركائها، يجري تعزيز الجهود لتقديم تدخلات منقذة للحياة، مصممة بشكل خاص للوضع الحالي، وضمان الوصول إلى تشخيص فعال وعلاج في الوقت المناسب.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended