منظمات تهريب البشر... من العراق إلى سوريا وليبيا

تتربح من بؤر الحروب... وتتعامل أيضاً في تهريب المخدرات والأسلحة وتزوير المنتجات

مهاجرون يحاولون عبور أحد الانهار في طريقهم الى مقدونيا العام الماضي (أ.ف.ب)
مهاجرون يحاولون عبور أحد الانهار في طريقهم الى مقدونيا العام الماضي (أ.ف.ب)
TT

منظمات تهريب البشر... من العراق إلى سوريا وليبيا

مهاجرون يحاولون عبور أحد الانهار في طريقهم الى مقدونيا العام الماضي (أ.ف.ب)
مهاجرون يحاولون عبور أحد الانهار في طريقهم الى مقدونيا العام الماضي (أ.ف.ب)

وفرت سنوات الحرب وعدم الاستقرار في الكثير من بلدان منطقة الشرق الأوسط، أرضا خصبة لمهربي البشر، الذين يتوق زبائنهم إلى مغادرة بلادهم يأسا من بنيته التحتية المدمرة علاوة على نقص فرص العمل وعمليات الابتزاز وضعف المؤسسات السياسية.
وعلى الرغم من تشديد الرقابة على الحدود بين الدول التي تعيش حروبا، في الشرق الأوسط، وأوروبا بمساعدة تركيا، وزيادة المقابل المادي الذي يتقاضاه المهربون، لا يزال حماس الكثير من العراقيين والسوريين وغيرهم متقدا للخروج من وطنهم الذي مزقته الحرب. وعلى مر الأعوام، أصبحت تجارة تهريب البشر أكثر احترافية، حيث ينتهي الحال بالمال الذي يتقاضونه من أولئك الناس المتلهفة على الفرار من بلدهم إلى أيدي مجموعات الجريمة المنظمة والخطيرة، وفق تحقيق أجرته وكالة الأنباء الألمانية.
يقول حسين الطائي، متخصص عراقي في منظمة «مبادرة إدارة الأزمات»: إن «مجموعات الجريمة الكبيرة والمنظمات الإرهابية لديها بالفعل قدرات على التهريب، حيث يتم ضخ أموال التهريب إليهم». ويرى جاري ليوكو، رئيس المركز الأوروبي لمكافحة الجريمة المنظمة، أن دور المنظمات الإرهابية في تهريب البشر يتصاعد. ويقول ليوكو «إن المنظمات التي تتعامل في التهريب تتعامل أيضا، على ما يبدو، في تهريب المخدرات وتزوير المنتجات والاتجار بالبشر وتهريب بعض الأسلحة، وهذا قد يؤدي إلى عمليات أكثر تنظيما في المستقبل».
ففي فنلندا العام الماضي، حكم على 11 شخصا على صلة بعصابة كبيرة لتهريب البشر، نقلت سرا أشخاصا من العراق إلى السويد. واكتشفت العصابة بعد أن غادر قائدها (أ.ش)، السويد من أجل إعطاء تعليمات لشركائه في الجريمة في فنلندا. ويعتقد المسؤولون أن هذا الزعيم أراد أن يشرح شخصيا كيف تعمل سلسلة القيادة في العصابة. وعلم المسؤولون بوصوله قبل أن يمضي وقتا طويلا على دخوله البلاد، حيث تم القبض عليه. ووفقا لمسؤولين، فإن (أ.ش) كان يسيطر على كل شيء في منظمته التي تمتد حتى العراق: بدءا من شراء الوثائق في السويد وترتيبات السفر في النمسا وتجنيد المرشحين المناسبين في الموصل، فضلا عن المرافقين وأماكن الإقامة على طول الطريق من العراق إلى شمال أوروبا.
وبإمكان المنظمات من هذا النوع، التي تتخصص في تهريب البشر وعمليات الهجرة غير الشرعية أن تعمل مثل الشركات التعاونية الصغيرة أو الشركات العملاقة وتتحمل المسؤولية عن الرحلة بأكملها، على سبيل المثال، من العراق إلى بعض الدول الأوروبية. وعادة، فإن القائمين على عمليات تهريب البشر كانوا قد تركوا بلادهم في السابق لاجئين أو طالبي لجوء.
ويمكن للعراقيين الأكثر ثراء السفر بالطائرة في أحد أجزاء الرحلة على الأقل، لكن آخرين قطعوا المسافة من اليونان إلى النمسا سيرا على الأقدام بعد عبور البحر المتوسط. ويمر الطريق عبر المجر وصربيا وصولا إلى النمسا، ومن هناك يواصل البعض الرحلة إلى ألمانيا أو الدنمارك أو فنلندا.
وعلى الرغم من أن التحقيق الجنائي لشرطة الحدود الفنلندية وشركائها الدوليين اقتصر على النمسا، لكنهم يدركون أن الأموال المحصلة من عمليات التهريب انتقلت من العراق إلى الأردن. ولا يتم تسليم الأموال يدويا. وبدلا من ذلك، يتم توفير الأموال للمنظمات في بلد المنشأ بعد التأكد من وصول الشخص إلى الوجهة المقصودة. ولهذا السبب؛ لن يتم العثور على التدفق النقدي أبدا، وفقا لما يقوله مسؤولون.
وأصدرت محكمة هلسنكي الجزئية ومحكمة الاستئناف عقوبات بحق 11 شخصا لتورطهم مع عصابة (أ.ش) لتهريب البشر. لكن لا يزال من الممكن الطعن في بعض العقوبات أمام محاكم الاستئناف. ويعتقد المسؤولون، أن العصابة قامت بتهريب ما يقرب من 100 شخص، بمشاركة أكثر من 20 مهربا من أعضاء العصابة.
ونفى (أ.ش) والمتهمون الآخرون ارتباطهم بجماعة للجريمة المنظمة، لكن جميع المحكوم عليهم، الذين طلب منهم إجراء مقابلة رفضوا أو لم يردوا على الطلب. ووفقا لفرونتكس، التي تنسق إدارة الحدود الأوروبية، فإن المواطنين العراقيين رابع أكبر مجموعة متورطة في العبور غير القانوني. ويعتبر ما يسمى بطريق شرق المتوسط، الذي يمر عبر تركيا إلى اليونان، هو المسار الأكثر شيوعا لهم. وتم رصد إجمالي 28 ألف عراقي على طريق شرق المتوسط خلال العام الماضي فقط، ويعتقد حسين الطائي أن الحدود التركية قد تتم إعادة فتحها في مرحلة ما؛ ما قد يؤدي إلى موجة جديدة من اللاجئين العراقيين إلى أوروبا. وفي الوقت نفسه، يركز كل من الطائي ومبادرة إدارة الأزمات على تعزيز سياسة أكثر استقرارا في العراق. ويؤكدون على ضرورة تقوية المؤسسات الحكومية حتى تضعف قوة الجماعات المسلحة وعندئذ لن يشعر المواطنون بالحاجة إلى مغادرة العراق.
الطرف السوري
في الجانب السوري الذي يعيش حالة حرب مدمرة أيضا، تدفع الأسر الكثير من المال لمساعدتهم على عبور الحدود. «علي» مواطن سوري غادر منزله بمدينة حلب شمالي سوريا برفقه ثمانية من أفراد أسرته، على أمل الهرب من الحرب الدائرة في البلاد. وبعد رحلة استغرقت 15 ساعة التقى بالقرب من الحدود مع تركيا بمجموعة من المهربين طلبوا من كل منهم دفع ألف ليرة سوريا (2.‏4 يورو). هذا كان قبل سنوات قليلة ولكن هذه الأرقام باتت الآن فلكية.
يدفع كل فرد الآن سواء كان امرأة أم رجلا مسنا أم فردا في أسرة ما بين 700 إلى 800 دولار من أجل عبور الحدود إلى تركيا، أما الشباب الذين يسافرون بمفردهم فيدفعون سعرا أقل يصل إلى نحو 500 دولار، وذلك وفقا لما يقوله علي الذي عبر ابن عمه الحدود في أوائل عام 2017، ويفسر على الذي يعمل نجارا السبب في انخفاض السعر الذي يدفعه الشباب بقوله إن «الأسر يرافقها أطفال عادة وأمتعة أكثر، ومن هنا تزداد المخاطرة، بينما يسافر الشباب متخففين من عبء الأحمال ويكون في إمكانهم الهرب في حالة الضرورة».
وفي أحوال معينة يمكن أن يرتفع السعر إلى 20 ألف يورو (22300 دولار) للفرد الواحد عندما يتطلب الأمر الحصول على وثائق مزورة والسفر جوا، وذلك وفقا لما تقوله المنظمة الدولية للهجرة.
وتتوقف تكلفة الرحلة على المسافة والطريق والحاجة إلى وجود مهرب آخر لاستقبال المهاجرين في دول العبور والمقصد، كما يتم وضع مواصفات المهاجر في الاعتبار. ويمر جميع المهاجرين تقريبا الذين يهربون من مناطق الحرب في الشرق الأوسط، وبخاصة في العراق وسوريا عبر تركيا خلال رحلتهم إلى أوروبا ويطلبون خدمات المهربين، وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن الأسعار وصلت إلى تسعة آلاف دولار (8000 يورو) بالنسبة إلى الأسرة المكونة من أربعة أفراد والمسافرة من العراق إلى اليونان.
وكانت رحلة المواطن السوري علي قصيرة نسبيا، وبالتالي أقل تكلفة مع انخفاض درجة الخطورة نسبيا، وذلك بالمقارنة مع رحلات الراغبين في مواصلة التقدم حتى أوروبا. ويواجه العراقيون رحلة أكثر خطورة، حيث إنهم يمرون عبر سوريا عند السفر متجهين إلى تركيا. وبالنسبة للعدد القليل من العراقيين القادرين على التوجه جوا إلى تركيا، يكون من الصعب في الغالب الحصول على تأشيرة دخول عندما يصلون. أما الأشخاص الذين ينطلقون من المناطق الشمالية والغربية بالعراق مثل مدينة الموصل أو محافظة الأنبار، فهم يعبرون عادة إلى داخل سوريا، ثم يواصلون الرحلة إلى تركيا، وتصف المنظمة الدولية للهجرة هذا المسار بأنه الأخطر بالنسبة للعراقيين ويتطلب غالبا محاولات عدة.
ولم يعد عبور الحدود السورية من العراق أمرا صعبا منذ أن سيطرت ميليشيات تنظيم داعش، على المدن الواقعة على جانبي الحدود بين البلدين عام 2014، حيث عاملت هذه المناطق على أنها تنتمي إلى دولة واحدة لا تفصل بينها حدود. ومع ذلك لا يزال المهاجرون في حاجة إلى محطة للتوقف وتغيير المهربين، حيث إن عملية التهريب أصبحت تهيمن عليها شبكات محلية. غير أن ذلك لا يعني أن ميليشيات «داعش» لم توقف مرات عدة الأشخاص الذين يحاولون الهرب. وردا على ذلك طور المهربون طرقا مختلفة لخداع الميليشيات.
فأحيانا يسافرون على ظهور الحمير كما لو كانوا رعاة، أو خلف شاحنات الصهريج التي تنقل الوقود بين المناطق العراقية والسورية الخاضعة لسيطرة «داعش». وثمة ثمن لكل شيء، فيحصل قائدو شاحنات الوقود على المال من المهاجرين مثلهم في ذلك مثل أي مهرب، ويدفع كل فرد بين 1200 دولار إلى 1500 دولار للانتقال من الموصل أو مدن قريبة منها إلى تركيا. ووصل أكثر من 91 ألف عراقي إلى أوروبا عام 2015. وقال كثيرون إنهم فضلوا السفر من دون أسرهم لتقليل المخاطر والتكلفة، وهم يعلقون آمالهم على مشروع لم شمل الأسر الذي وضعه الاتحاد الأوروبي عندما يستقر كبير العائلة الذكر في أوروبا.
وقال مواطن عراقي يبلغ من العمر 35 عاما لمنظمة الهجرة الدولية: إن «أحد الأسباب الرئيسية التي جعلتني لا أصطحب أسرتي هو أنه إذا ما استوقفنا مسلحو ميليشيات (داعش) على الطريق فسوف يوجهون لي أسئلة عما نفعله في هذا المكان، وحتى لو استطعت أن أتجنب أنا وزوجتي أسئلتهم فلن يستطيع أطفالي إخفاء الحقيقة وسوف يدلون بمعلومات مغايرة لقصتنا». وأشارت الأبحاث التي أجرتها وكالات الأمم المتحدة إلى أن المهربين أصبحوا أكثر تنظيما، حيث أقاموا شبكات على درجة من الاحترافية عبر دول مختلفة. ويعتقد أنه يتم تهريب نحو 55 ألف مهاجر من مناطق شرق وشمال وغرب أفريقيا إلى أوروبا كل عام، الأمر الذي نتج منه إيرادات لشبكات التهريب الإجرامية تبلغ نحو 150 مليون دولار (134 مليون يورو)، وذلك وفقا لمركز تحليل بيانات الهجرة العالمية التابع لمنظمة الهجرة الدولية.
الجانب الليبي
في عام 2016 قام أكثر من 181 ألف مهاجر بالرحلة البحرية الخطرة عبر المتوسط انطلاقا من ساحل الشمال الأفريقي قاصدين إيطاليا. وتعد ليبيا النقطة الرئيسية للمغادرة في شمال أفريقيا بالنسبة للذين يتم تهريبهم إلى أوروبا، غير أن الفوضى عمت هذه الدولة منذ اندلاع الصراع المسلح داخلها عام 2011، كما أدت الاضطرابات السياسية في ليبيا إلى انفلات السيطرة على المناطق الحدودية؛ الأمر الذي جعل ليبيا مكانا جذابا للهجرة غير الشرعية على الرغم من المخاطر المتزايدة.
ويتوجه المهاجرون أحيانا إلى مصر غير أن كثيرا من المهاجرين المصريين يفضلون التوجه إلى ليبيا لركوب زورق يقلهم إلى إيطاليا، بعد أن شددت السلطات المصرية مراقبتها على ساحلها الشمالي. وقبل عام 2014 كانت الرحلات من شمال أفريقيا إلى إيطاليا تشمل أسعارا نمطية تتغير وفقا لجنسية المهاجر والخدمة التي يستطيع دفع ثمنها. ومنذ ذلك الحين أصبح اللاجئون السوريون يدفعون أسعارا أعلى من الأفارقة القادمين من منطقة جنوب الصحراء الأفريقية، وبلغ متوسط السعر 20 ألف دولار، بدلا من السعر التقليدي الذي كان يبلغ ستة آلاف دولار. وبينما ساعد السعر المرتفع الذي يدفعه السوريون على ضمان أماكن لهم على سطح المركب وسترة نجاه، إلا أنهم لا يزالون يواجهون رحلة محفوفة بالمخاطر عبر المتوسط. فقد غرق 4579 شخصا في البحر المتوسط وهم في طريقهم من ليبيا إلى إيطاليا عام 2016، وهو رقم يعد قياسيا وفقا لبيانات وكالة حرس الحدود وخفر السواحل الأوروبية، وكان عدد القتلى في عام 2015 يبلغ نحو ثلاثة آلاف.
ويقدم مكتب الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات والجريمة المساعدة للمسؤولين الليبيين على شكل مساعدة فنية وخدمات استشارية لمواجهة الجريمة المنظمة العابرة للدول في محاولة لوقف الاتجار بالبشر. غير أن منظمة العفو الدولية تعتقد أنه على الدول الأوروبية أن تقوم بدورها في توفير طرق آمنة وقانونية للمهاجرين للسفر إلى أوروبا.
وأصدرت هذه المنظمة المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان عام 2016 تقريرا يبرز روايات مخيفة عن العنف الجنسي والقتل والتعذيب والاضطهاد الديني الذي يعاني منه المهاجرون، الذين يسافرون عبر مسارات التهريب إلى ليبيا ومن خلالها متجهين إلى إيطاليا. وكتب ماتيو دي بليس، الباحث في شؤون الهجرة بمنظمة العفو الدولية، يقول إن «ليبيا تقع في أعماق أزمة إنسانية، ويواجه اللاجئون والمهاجرون مخاطر الاحتجاز التعسفي والاختطاف وسوء المعاملة والعنف الجنسي والاستغلال». وأضاف: «إذا كان زعماء دول الاتحاد الأوروبي يهتمون حقيقة بسوء المعاملة التي يلقاها اللاجئون والمهاجرون في ليبيا، لكانوا أتاحوا لهم مسارات آمنة وقانونية إلى أوروبا خاصة عن طريق إتاحة الدخول لاعتبارات إنسانية إلى أوروبا لآلاف الأشخاص الذين يحتاجون إلى الحماية».



لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
TT

لغز طائرة جزيرة ميون... مصادر تنفي وجود محاولة إنزال

جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.
جانب من الجزر التي تحيط بباب المندب خلال رحلة رصد أجرتها «الشرق الأوسط» عام 2024.

نفت مصادر تحدَّثت مع «الشرق الأوسط» صحة وقوع محاولة إنزال لطائرة في جزيرة ميون، بعدما تضاربت أقوال المصادر اليمنية العسكرية في تسريب النبأ ونفيه، مما جعل مسألة الطائرة وتحليقها لغزاً يمنياً.

بدأت القصة عندما تحدَّث أكثر من مصدر مع «الشرق الأوسط»، يوم الأربعاء، عن محاولة هبوط طائرة عسكرية مجهولة بشكل مفاجئ في مدرج الجزيرة، غير أنَّ القوات الحكومية تصدَّت لها ومنعتها من الاقتراب؛ مما اضطرها إلى الانسحاب وفقاً لتلك المصادر.

جاء النفي اليمني الأول عن طريق مدير عام خفر السواحل بقطاع البحر الأحمر، العميد عبد الجبار الزحزوح، الذي قال وفقاً لما نشرته وكالة الأنباء اليمنية الرسمية (سبأ): «لم يتم رصد أي نشاط جوي غير اعتيادي، كما لم تُسجَّل أي محاولات إنزال من أي نوع».

النفي الثاني جاء على لسان مدير المركز الإعلامي لـ«ألوية العمالقة» الجنوبية، أصيل السقلدي، الذي قال في منشور على منصة «إكس» إن الطائرة التي حلقت في سماء باب المندب وجزيرة ميون وتعاملت معها القوات هي «طائرة مسيّرة معادية».

أهمية حديث السقلدي تتمثَّل في وجود قوات تتبع «ألوية العمالقة» في الجزيرة، وهو ما فتح باب السؤال: هل كانت هناك طائرة أو مسيّرة مثلما يقول السقلدي، أم أنَّه بالفعل لم يتم تسجيل أي نشاط جوي غير اعتيادي مثلما قال الزحزوح؟.

النفي الثالث جاء ليكون وسطاً، وعلى لسان اللواء الركن خالد القملي رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية الذي نفى وجود محاولة إنزال عسكري في الجزيرة، لكنه حلَّ لغز الطائرة بالقول إن ما حدث خلال اليومين الماضيين هو «مجرد تحليق لطائرة عسكرية تابعة لدولة صديقة في أجواء البحر الأحمر، وهو إجراء روتيني في ظلِّ الأوضاع الحالية».


بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
TT

بيانات يمنية: ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد خسائر فادحة

هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)
هجمات الحوثيين أدت إلى توقف تصدير النفط من موانئ حضرموت وشبوة (أ.ف.ب)

أظهرت بيانات حكومية يمنية حديثة أن ممارسات الحوثيين كبدت الاقتصاد الوطني خسائر فادحة، لا سيما مع استمرار منع تصدير النفط الخام وتهديد موانئه وناقلاته، الأمر الذي حرم الحكومة من أحد أهم مواردها المالية، وأدى إلى تفاقم العجز المالي وارتفاع مستويات الدين الداخلي، في وقت تحاول فيه السلطات تعزيز مسار التعافي الاقتصادي والانتقال نحو مشاريع تنموية أكثر استدامة.

وبحسب تقرير التطورات النقدية الصادر عن البنك المركزي اليمني، فإن التنفيذ الفعلي للموازنة العامة حتى نهاية عام 2025، سجل عجزاً نقدياً تجاوز 48 في المائة من إجمالي الإنفاق العام، وهو مستوى يعكس حجم الضغوط التي تواجهها المالية العامة في ظل تراجع الإيرادات السيادية.

ووفق البيانات، بلغت الإيرادات العامة نحو 1,435.2 مليار ريال يمني (نحو 870 مليون دولار)، مقابل نفقات وصلت إلى 2,773.5 مليار ريال (نحو 1.68 مليار دولار)، ما أدى إلى تسجيل عجز بقيمة 1,338.2 مليار ريال (نحو 811 مليون دولار).

ويرتبط هذا التدهور بشكل مباشر بتوقف صادرات النفط، التي كانت تمثل المصدر الرئيسي لتمويل الموازنة، قبل أن تتعرض موانئ التصدير في حضرموت وشبوة لهجمات عطّلت عمليات الشحن، وأثارت مخاوف الشركات والملاحة البحرية.

ارتفاع ميزانية البنوك اليمنية يعكس استمرار النشاط المصرفي رغم التحديات (إعلام حكومي)

وفي موازاة ذلك، أظهرت البيانات ارتفاع الدين العام الداخلي بنسبة 8.8 في المائة، ليصل إلى 8,596.7 مليار ريال يمني (نحو 5.21 مليار دولار)، مقارنة بـ7,901.2 مليار ريال في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) من العام ذاته.

ويشير التقرير إلى أن الاقتراض المباشر من البنك المركزي شكّل المصدر الأساسي لتمويل هذا الدين، بحصة بلغت 90.8 في المائة، وهو ما يعكس اعتماد الحكومة على التمويل النقدي لتغطية فجوة العجز، في ظل محدودية البدائل التمويلية الأخرى.

في المقابل، أسهمت أدوات الدين التقليدية، مثل أذون الخزانة والسندات والصكوك الإسلامية، بنسبة 9.2 في المائة فقط من إجمالي الدين، ما يبرز ضعف سوق الدين المحلية وتحديات تنشيطها في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

مؤشرات نقدية

على صعيد المؤشرات النقدية، أظهرت بيانات البنك المركزي اليمني ارتفاع الأصول الخارجية إلى 1,933.3 مليار ريال (نحو 1.17 مليار دولار) بنهاية ديسمبر (كانون الأول)، مقارنة بالشهر السابق، في مؤشر محدود على تحسن الاحتياطيات.

كما ارتفع رصيد العملة المصدرة إلى 3,641.1 مليار ريال يمني، بزيادة طفيفة، في حين سجلت القاعدة النقدية نمواً بنحو 122 مليار ريال لتصل إلى 4,444.4 مليار ريال، وهو ما يعكس توسعاً نقدياً قد يفرض ضغوطاً تضخمية في حال عدم ضبطه. (الدولار الواحد نحو 1600 ريال يمني).

الحكومة اليمنية حرمت من أهم مواردها المالية جراء توقف تصدير النفط (إعلام حكومي)

وبالمثل، ارتفع العرض النقدي الواسع إلى 11,429.3 مليار ريال يمني، وسط مساعٍ للحفاظ على استقرار السوق النقدية، في بيئة تتسم بتحديات مركبة تشمل تراجع الإيرادات، وانقسام المؤسسات المالية، وتقلبات سعر الصرف.

في سياق متصل، ارتفعت الميزانية الموحدة للبنوك التجارية والإسلامية إلى 12,341.8 مليار ريال (نحو 7.48 مليار دولار)، ما يشير إلى استمرار نشاط القطاع المصرفي رغم التحديات، وإن كان ذلك ضمن بيئة عالية المخاطر.

توجه حكومي

في موازاة هذه التحديات، تكثف الحكومة اليمنية جهودها لتعزيز الشراكة مع المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها البنك الدولي، لدعم مسار التعافي الاقتصادي وتوسيع البرامج التنموية.

وخلال لقاء في عدن، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات المرحلة المقبلة.

وتناول اللقاء استعراض المشاريع الممولة في مجالات الخدمات الأساسية والبنية التحتية، إلى جانب الإصلاحات المؤسسية وبناء القدرات، مع التركيز على تحسين كفاءة التنفيذ وضمان تحقيق أثر مباشر على حياة المواطنين.

اللقاءات اليمنية مع البنك الدولي تركز على دعم التعافي والاستدامة (إعلام حكومي)

وأكدت الحكومة اليمنية أهمية توافق برامج البنك الدولي مع أولوياتها الوطنية، لا سيما في قطاعات الصحة والتعليم والمياه، إلى جانب دعم خلق فرص العمل وتمكين النساء اقتصادياً.

كما شددت على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية الطارئة إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع تعزيز دور المؤسسات الوطنية وتمكينها من إدارة البرامج بكفاءة واستقلالية.

من جانبه، أكد البنك الدولي أهمية تنسيق الجهود بين الحكومة وشركاء التنمية، والعمل على تحسين كفاءة استخدام الموارد، ودعم القطاعات الحيوية، خصوصاً الطاقة والبنية التحتية والتعليم، بما يسهم في تحقيق استقرار اقتصادي تدريجي.

ويأتي هذا التوجه في ظل إدراك متزايد بأن استمرار الاعتماد على المساعدات الطارئة لم يعد كافياً، وأن المرحلة تتطلب بناء أسس تنموية قادرة على الصمود، وتوفير فرص اقتصادية مستدامة، رغم التحديات التي تفرضها الأوضاع الأمنية والسياسية.


الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يتوعدون بـ«تصعيد تدريجي» بعد رابع هجماتهم نحو إسرائيل

مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)

هددت الجماعة الحوثية بما وصفته بـ«التصعيد التدريجي»، وذلك بعد تبنّيها رابع هجماتها ضد إسرائيل، وبعد نحو أسبوع من انخراطها في الحرب إلى جانب إيران في سياق الاصطفاف مع ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بقيادة طهران.

وفي ظلّ تصاعد خطاب القوى اليمنية الشرعية، التي تؤكد اقتراب معركة الحسم واستعادة الدولة من قبضة الجماعة، أعلنت إسرائيل أنها تتشاور مع واشنطن بشأن الرد على الهجمات الحوثية، رغم محدودية تأثيرها مقارنة بالكثافة النارية التي تواجهها من إيران و«حزب الله».

وفي بيان متلفز، أعلن المتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، مساء الخميس، أن قوات جماعته نفذت «عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية استهدفت أهدافاً حيوية للعدو الإسرائيلي في منطقة يافا المحتلة»، مدعياً أن العملية جاءت «بالاشتراك مع الإخوة المجاهدين في إيران و(حزب الله) في لبنان»، وأنها «حققت أهدافها بنجاح بفضل الله»، وفق قوله.

عناصر حوثية على متن عربة أمنية في صنعاء (أ.ف.ب)

وأضافت الجماعة في بيانها أن «تدخلها العسكري في هذه المعركة المهمة والاستثنائية هو تدخل تدريجي»، مشيرة إلى أنها «لن تتوقف عند هذا الحد من التدخل، وستتعامل مع التطورات المقبلة وفق ما يحدده العدو من تصعيد أو تهدئة».

الهجوم الأخير يُعد الرابع منذ إعلان الحوثيين انخراطهم المباشر في المواجهة الإقليمية، في تطور يعكس تصاعد التنسيق بين أطراف المحور المدعوم من طهران، والذي يضم إلى جانب الحوثيين كلاً من «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية مسلحة.

مشاغلة للدفاعات

كانت الجماعة الحوثية قد تبنّت، الأربعاء الماضي، هجوماً ثالثاً باتجاه إسرائيل، في وقت أعلن فيه الجيش الإسرائيلي أن أنظمة الدفاع الجوي اعترضت صاروخاً أُطلق من اليمن «دون تسجيل إصابات أو أضرار»، مؤكداً أن الرصد المبكر مكّن من التعامل مع التهديد.

ويرى مراقبون أن أقصى ما يمكن أن تحققه هذه الهجمات هو مجرد مشاغلة لمنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، التي تواجه بالفعل ضغوطاً نتيجة تعدد مصادر التهديد من إيران ومن «حزب الله».

وفي أول ظهور له بعد إعلان الانخراط، قدّم زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي خطبة مطولة، معلناً الانتقال من الدعم السياسي والإعلامي والدعائي لإيران إلى «الانخراط العملياتي المباشر».

زعيم الحوثيين دعا أتباعه للتعبئة والحشد بالتوازي مع الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (أ.ب)

وأكد الحوثي أن هجمات جماعته تأتي ضمن «العمليات المشتركة لمحور المقاومة»، في إشارة إلى المحور الذي تقوده إيران، زاعماً أن المواجهة الحالية «واجب يتجاوز الحدود الجغرافية»، في محاولة لإضفاء طابع عابر للحدود على الصراع.

كما دافع عن قرار المشاركة في الحرب إلى جانب إيران، معتبراً أن الحياد «ليس خياراً مطروحاً»، في وقت تتزايد فيه المخاوف داخل اليمن من تداعيات هذا التصعيد على الأوضاع الاقتصادية والأمنية الهشة.

وشدد الحوثي على أتباعه من أجل الاستمرار في المظاهرات الأسبوعية المؤيدة لإيران والانخراط في الحرب إلى جانبها، كما حضّهم على تكثيف التعبئة وحشد طلبة المدارس إلى المعسكرات الصيفية؛ حيث تستغلها الجماعة بشكل سنوي لمزيد من الاستقطاب والتجنيد.

اقتراب الحسم

على الجانب الآخر، جاءت أحدث تصريحات عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، طارق صالح، لتأكيد أن «معركة الخلاص من الانقلاب الحوثي باتت قريبة، وأن القوات الوطنية كافة ستخوضها بروح الفريق الواحد واليد الواحدة».

تصريحات صالح -نقلها الإعلام الرسمي- جاءت خلال زيارته قيادة وأفراد اللواء الثاني مغاوير، في الساحل الغربي اليمني؛ حيث أشاد بالدور البطولي للمقاتلين، مؤكداً أن هذه القوات «تُمثل صمام أمان الجمهورية اليمنية»، في رسالة تعكس ثقة متزايدة بقدرة القوات الحكومية على استعادة زمام المبادرة.

ولم يغفل صالح البُعد الإقليمي، إذ أشار إلى أن «الاعتداءات الإيرانية السافرة على دول الخليج والأردن كشفت بوضوح أن مشروع طهران ليس إلا أداة هدم تستهدف الأمة العربية»، مؤكداً أن هذا المشروع «لم يكن يوماً موجهاً نحو إسرائيل التي اتخذتها إيران ذريعة فحسب».

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح (سبأ)

وفي ردٍّ مباشر على مزاعم الحوثيين، قال صالح إن الجماعة «تزعم مواجهة إسرائيل، وتسوّق اتهامات مفضوحة ضد القوى الوطنية... لإيجاد مبرر لقتل اليمنيين»، مذكّراً بأن الحرب ضدها بدأت منذ عام 2004، «أي قبل وقت طويل من التجاذبات الإقليمية».

ووجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني تحيةً إلى مواطنيه في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكداً أنهم «جزء أصيل لا يتجزأ من معركة الخلاص الوطني المقبلة»، في خطاب يجمع بين البُعدين العسكري والوطني، ويعكس حرصاً على توحيد الصف الداخلي.

وشدد صالح على رفع الجاهزية القتالية، وتكثيف التدريب، استعداداً «للمهام الوطنية المقبلة في سبيل استعادة الدولة والجمهورية»، في إشارة إلى مرحلة قد تكون مفصلية في مسار الصراع اليمني، خصوصاً إذا ما اختار الحوثيون العودة للحرب ورفض المسارات السلمية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة.