400 ألف نازح داخل اليمن منذ بدء الانقلاب

أطفال في معسكر ضروان للنازحين شمال غربي صنعاء («الشرق الأوسط»)
أطفال في معسكر ضروان للنازحين شمال غربي صنعاء («الشرق الأوسط»)
TT

400 ألف نازح داخل اليمن منذ بدء الانقلاب

أطفال في معسكر ضروان للنازحين شمال غربي صنعاء («الشرق الأوسط»)
أطفال في معسكر ضروان للنازحين شمال غربي صنعاء («الشرق الأوسط»)

قدرت وكيلة وزارة حقوق الإنسان، لولا عبد الكريم صالح لـ«الشرق الأوسط» عدد النازحين خارج البلاد بنحو 400 ألف يمني، في الوقت الذي تتعاظم فيه معاناة اليمنيين جراء الحرب، ومن تلك المعاناة، حالات النزوح القسري عن المنازل والقرى أو البلاد بشكل عام، حيث وجد مئات الآلاف أنفسهم مجبرين على النزوح إلى داخل وخارج البلاد، في منفى إجباري ليعانوا مرارة النزوح وفراق الأهل والوطن.
ومع الأشهر الأولى للانقلاب على الشرعية في اليمن، تزايدت الانتهاكات التي ترتكبها الميليشيات ضد المدنيين والمناهضين للانقلاب، لتبدأ مرحلة جديدة من المطاردات والملاحقات والنزوح والتهجير القسري تطال آلاف اليمنيين مقترنة مع معاناة وألم الفراق ولحظات كانت هي الأخيرة يعيشونها مع أقاربهم، الذين غادر بعضهم الحياة وترجل صهوتها.
لقد اجتاح الانقلابيون المحافظات والمدن، وكانت أولى مهامهم، مداهمة مقار الأحزاب السياسية والمنظمات والجمعيات والمساجد، وتنفيذ حملات اعتقالات، طالت الآلاف من السياسيين والنشطاء، فيما تمكن مئات الآلاف من النزوح والفرار إلى دول الجوار وبلدان أخرى، خاصة بعد اجتياح العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر (أيلول) 2014، وأدى الانقلاب إلى فرار مئات الآلاف إلى مناطق داخل وخارج البلاد؛ في الداخل كان الجنوب ومأرب هما المقصد الرئيسي، خاصة بعد دحر الانقلابيين من هاتين المنطقتين، وفي الخارج انتشر الفارون في المملكة العربية السعودية وتركيا ومصر والأردن، بدرجة رئيسية، إضافة إلى بلدان أخرى، عربية وإسلامية وغيرها.
يتحدث الصحافي والناشط السياسي، هلال الجمرة عن معاناته وما تعرض له هو وأسرته من انتهاكات وصلت حد محاولة القتل والمطاردة من قبل الميليشيات الانقلابية، فيقول لـ«الشرق الأوسط»: «تعرضت وأسرتي للكثير من الانتهاكات التي مارستها جماعة الحوثيين وتعرض منزلنا لإطلاق نار، ونجا والدي من محاولة قتل». يتابع الجمرة: «تم اعتقال والدي وشقيقي وعدد من أفراد أسرتي بتهمة عرقلة ومعاداة طقوس حوثية، وتم الإفراج عنهما بعدما أجبرا على التوقيع على تعهد بعدم الحديث عن المسيرة القرآنية (الحوثيون يطلقون على انقلابهم تسمية المسيرة القرآنية) أو الإساءة لها ولهم، وهذه تهمة غريبة وخطيرة خصوصا في ظل سيطرتهم المطلقة على الدولة ومؤسسات الدولة والبلد بأكملها».
أما الناشط محمد القاسم، فقد تزايدت معاناته في منفاه مع فقدان أقرباء له ولم يستطع العودة لزيارتهم قبل أن يتوفوا، ويقول القاسم إن «الإحساس بأنك لا تستطيع العودة إلى بلدك في هذا الظرف وبعد مرور سنوات على منفاك هو بحد ذاته معاناة كبيرة، أضف إلى ذلك متابعة أخبار المأساة الوافدة من بلدك، والإحساس بتغير الحياة هناك، وغياب كثير من الوجوه، وتبدلها هذا؛ كل ذلك يحشرك في زوايا نفسية ضيقة».
وأدت الحرب التي لا تزال متواصلة في كثير من الجبهات المتفرقة من البلاد، إلى نزوح أكثر من مليوني ونصف المليون من مناطق المواجهات إلى مناطق في الأرياف ومحافظات أخرى، في حين عمد الانقلابيون على تهجير قرابة 400 ألف شخص خارج البلاد، وفقاً للإحصائيات الصادرة من قبل وزارة حقوق الإنسان، حيث تقول وكيلة وزارة حقوق الإنسان، إن «هناك صعوبات تواجهها الوزارة في الحصول على الأرقام والإحصائيات الدقيقة للانتهاكات التي ترتكبها الميليشيات بحق المدنيين في مناطق لا تزال خاضعة لسلطة الانقلاب»، ثم تؤكد أن «الوزارة تقوم بالرصد والتوثيق لمجمل الانتهاكات التي تحدث بالتعاون مع منظمات محلية والتحالف والمنظمات الإقليمية والدولية، في حين تتوزع تلك الانتهاكات التي لا تزال مستمرة بين القتل والاعتقالات والإخفاء القسري والتهجير وتفجير المنازل والحصار، ونسعى، في الوزارة، إلى إنشاء مركز رصد وتوثيق للانتهاكات ترصد جميع الانتهاكات على كل الأصعدة، وسيشكل المركز مرجعا لمتابعة الانتهاكات للحكومة والمنظمات الدولية».
وتؤكد المسؤولة اليمنية: «نسعى إلى عدم ضياع حقوق الضحايا، من خلال الملفات التي تم تقديمها للمنظمات المعنية بحقوق الإنسان والأمم المتحدة، والتي كشفنا من خلالها الممارسة الممنهجة التي ترتكبها هذه الميليشيات ضد المدنيين العزل، ولا شك أن عامين وأكثر من الحرب في اليمن، قد جعلته يعاني من تدهور خطير في حقوق الإنسان على جميع الصعد، المدنية والاقتصادية والاجتماعية، وأن استمرار الحرب دون تدخل جاد لردع الميليشيات من قبل الأمم المتحدة سيفقد المواطن من خلالها أبسط الحقوق الإنسانية التي شرعتها له القوانين المحلية والمواثيق الدولية».
الناشط الحقوقي، مطلق الأكحلي، يعتقد أن «ما يحدث في اليمن يوصف من الناحية القانونية بالنزوح الإجباري أو الاضطراري، أما التهجير فهو مصطلح أشمل في القانون الدولي، يتحقق بالممارسات التي تتم لتغيير التركيبات السكانية لمنطقه جغرافية معينة. بمعنى آخر قيام حكومة أو ميليشيات مسلحة بممارسات منهجية لمجموعات عرقية أو مذهبية أو دينية بهدف إخلاء أراضيهم ومساكنهم وإحلال مجاميع سكانية أخرى بدلاً عنهم». وهذا تقريبا، ما حصل ليهود اليمن صعدة وعمران، وما حصل لسلفيي منطقة دماج بصعدة، وكل حالات التهجير القسري المشار إليها ارتكبتها ميليشيات الحوثي، السنوات الماضية.
ويؤكد الأكحلي أن «جرائم إبعاد السكان أو إجبارهم قسرا على مغادرة أراضيهم أو منازلهم تندرج ضمن جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الإبادة الجماعية، وفقاً لاتفاقية جنيف الرابعة 1949 المادة (49) والبروتوكول الإضافي الثاني لاتفاقيات جنيف المادة (17)، كما أن نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية اعتبر جرائم الإبعاد القسري من ضمن الجرائم ضد الإنسانية»، ويتابع: «هذه الجريمة يمكن أن تكون محققة، سواء تمت بشكل مباشر عبر القوة، أو بشكل غير مباشر، عبر دفع الناس للرحيل بوسائل ضغط وحصار أو ترهيب أو حبس، أو خلق ظروف تصعب فيها الحياة، وتتحقق كذلك عبر إنشاء الثكن العسكرية أو المعسكرات بالقرب من المدن والمنازل المأهولة بالسكان». وأكد الأكحلي أن «اليمن مصادق على اتفاقيات جنيف الأربع»، وأن «مرتكبي هذه الجرائم يكونون ضمن الملاحقين للعدالة الدولية، وتوضع أسماؤهم عبر القوائم الجنائية، ويتم التضييق عليهم عبر مصادرة أموالهم في الخارج، والقبض عليهم في حالة خروجهم من بلدانهم، وبالتالي تقديمهم لمحاكمات».
ورغم الجزم القانوني في حالة اليمنيين الذين غادروا المدن التي كانوا يعيشون فيها أو غادروا البلاد، بشكل عام، فإن التوصيفات في شرح الحالة اليمنية ووضعها، مثار جدل واختلاف حول التسميات، حيث يقول المحلل السياسي اليمني، ياسين التميمي إنه من الممكن تسميتها بالهجرة القسرية، التي نتجت عن الحالة الاستثنائية الخطيرة جداً في أعقاب الانقلاب الغاشم على السلطة الانتقالية، وسقوط الدولة في أيدي عصابة طائفية جهوية منفلتة. ويرى أن «الانقلاب قضى تماماً على فرص التعايش والشراكة الوطنية التي تأسست في أعقاب ثورة الـ11 من فبراير (شباط) 2011، الأمر الذي تحولت معه صنعاء وعدن وغيرهما من المناطق إلى بيئة محفوفة بالمخاطر، في ضوء عمليات الاعتقال والإخفاء القسري التي طالت سياسيين وإعلاميين وكتابا وناشطين»، ثم يؤكد أن «الهجرة القسرية تتعمق، اليوم، مع ازدياد نسبة المخاطر بحق السياسيين والناشطين بعد تغول سلطة العصابات في عدن والمحافظات الجنوبية التي تقوم بدور تكميلي لما يقوم به حلف المخلوع صالح والحوثي في صنعاء، في حين تبقى المناطق الأخرى ساحات مواجهات مسلحة».



العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
TT

العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)

في مستهل الحراك الدبلوماسي الذي بدأه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي في ميونيخ على هامش مؤتمر الأمن الدولي، التقى رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، وناقش معه نشاط المنصات الإعلامية التابعة للجماعة الحوثية، مطالباً بوقفها باعتبارها جزءاً من المعركة التي تقودها الجماعة ضد اليمن والمنطقة.

اللقاء، الذي عكس تقارباً في الرؤى بين البلدين بشأن مفهوم الدولة الوطنية واحتكارها للسلاح، حمل رسائل سياسية واضحة تتعلق بضرورة منع استخدام أراضي الدول العربية كمنصات لخدمة مشاريع الميليشيات أو تهديد أمن الدول الأخرى.

ونقل الإعلام الرسمي اليمني أن العليمي أكد أن نشاط المنصات الإعلامية التابعة للحوثيين في بيروت لا يمثل مجرد عمل إعلامي تقليدي، بل يشكل جزءاً من منظومة متكاملة تستخدمها الجماعة لتعزيز خطابها السياسي والتعبوي، وتبرير هجماتها ضد اليمن ودول المنطقة، بما في ذلك تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني بدأ تحركاته في ميونيخ بلقاء رئيس وزراء لبنان (سبأ)

وشدد على أن استمرار هذه الأنشطة يتعارض مع مبدأ النأي بالنفس الذي تتبناه الدولة اللبنانية، مؤكداً أن وقف أي نشاط إعلامي مرتبط بالميليشيات ينسجم مع سيادة لبنان ومع علاقاته العربية، ويمنع تحويل أراضيه إلى ساحة للصراع الإقليمي.

وبحسب رؤية القيادة اليمنية، فإن المعركة ضد الحوثيين لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت أيضاً معركة سرديات إعلامية وتأثير سياسي عابر للحدود.

ازدواجية السلاح

أفادت المصادر الرسمية اليمنية بأن العليمي أشار إلى أن ما يواجهه لبنان من ازدواجية السلاح يشبه في جوهره الأزمة اليمنية الناتجة عن انقلاب الحوثيين المدعومين من إيران على مؤسسات الدولة.

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن دعم الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة أدى في البلدين إلى إضعاف المؤسسات وتعطيل التنمية وإطالة أمد الأزمات.

عناصر حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء أمام السفارة الأميركية (إ.ب.أ)

وبحسب المصادر نفسها، أثنى العليمي على الخطوات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية لحصر السلاح بيد الدولة وتكليف الجيش بإنفاذ ذلك، واصفاً إياها بأنها خطوة سيادية تعيد الاعتبار لمبدأ احتكار قرار السلم والحرب.

وفي إطار مشاركته بالمؤتمر، يسعى العليمي إلى حشد دعم دولي أكبر للحكومة اليمنية، خصوصاً في مواجهة التهديدات البحرية والإرهاب والتهريب، مع عرض التحولات التي شهدتها البلاد مؤخراً بدعم سعودي، والجهود الرامية لتوحيد القرار الأمني والعسكري وتعزيز حضور الدولة.


شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
TT

شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)

في خطوة تعكس تصاعد الزخم التنموي في المناطق اليمنية المُحرَّرة، وقّعت الحكومة الشرعية و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» مذكرة تعاون جديدة تهدف إلى رفع كفاءة البنية التحتية للطرق وتحسين حركة التنقل ودعم النشاط الاقتصادي والتجاري، ضمن مسار أوسع يستهدف تعزيز الاستقرار وإعادة بناء القطاعات الحيوية المتضررة جراء سنوات الصراع.

وجاء توقيع مذكرة التعاون بين وزير الأشغال العامة والطرق في الحكومة اليمنية حسين العقربي، ومحمد آل جابر سفير السعودية لدى اليمن والمشرف العام على «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، ليؤكد انتقال التعاون من مرحلة التدخلات الإسعافية إلى مرحلة التنمية المستدامة، القائمة على بناء القدرات المؤسسية وتحسين جودة الخدمات الأساسية.

وأوضح البرنامج السعودي، في بيان رسمي، أن الاتفاقية ستسهم في استدامة صيانة وتشغيل الطرق ورفع كفاءتها الفنية، عبر تنفيذ حزمة من المبادرات تشمل توفير موازين حديثة للمركبات لضبط الحمولات الزائدة التي تُعدُّ أحد أبرز أسباب تدهور الطرق، إضافة إلى تقديم الدعم الفني والاستشاري في مجالات تأهيل وتشغيل شبكات النقل، وتعزيز قدرات صندوق صيانة الطرق بالتعاون مع الجهات السعودية المختصة.

وتتضمَّن المشروعات المطروحة توسعة وإعادة تأهيل عدد من الطرق الحيوية، أبرزها طريق العبر الاستراتيجي وطريق هيجة العبد، إلى جانب مشروعات أخرى في محافظات يمنية عدة، بإجمالي أطوال تجاوزت 200 كيلومتر، وهو ما يُتوقع أن ينعكس مباشرة على تقليل تكاليف النقل وتحسين انسيابية الحركة التجارية بين المحافظات.

بوابة التعافي

تزامناً مع توقيع الاتفاقية، ناقش عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح، مع وزير الأشغال العامة العقربي أولويات عمل الوزارة خلال المرحلة المقبلة، في إطار رؤية حكومية تضع البنية التحتية في صدارة أدوات التعافي الاقتصادي والاجتماعي.

وخلال اللقاء، شدَّد طارق صالح على الدور المحوري الذي تضطلع به وزارة الأشغال في تثبيت الاستقرار داخل المناطق المُحرَّرة، عادّاً أن إعادة تأهيل الطرق الدولية والرابطة بين المحافظات تمثل عاملاً أساسياً في تخفيف معاناة المواطنين وتحسين حركة التجارة والإمدادات.

واستعرض الوزير العقربي الخطوط العريضة لخطة الوزارة لعام 2026، والتي تركز على إعادة تأهيل شبكة الطرق الاستراتيجية والمنافذ الحيوية، إلى جانب استكمال المشروعات المتعثرة وتحسين المشهد الحضري للمدن، بما يعكس حضور الدولة ويعزِّز ثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح مع وزير الأشغال العامة (سبأ)

وأكد طارق صالح أهمية رفع كفاءة صندوق صيانة الطرق، مع ضرورة اعتماد معايير شفافة في إدارة الموارد وتنفيذ المشروعات، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تتطلب مستوى عالياً من الكفاءة التنفيذية لتحقيق نتائج ملموسة على الأرض، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والإنسانية التي تواجه البلاد.

ويرى مراقبون أن التركيز على البنية التحتية للنقل في اليمن يمثل خطوةً استراتيجيةً، إذ ترتبط الطرق بشكل مباشر بسلاسل الإمداد وأسعار السلع والخدمات، ما يجعل تطويرها مدخلاً عملياً لتحريك الاقتصاد المحلي وتعزيز فرص الاستثمار.

شراكة تنموية

التحركات التنموية لم تقتصر على قطاع النقل، إذ شهدت الفترة ذاتها لقاءات موسعة بين المسؤولين اليمنيين و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»؛ لتعزيز التعاون في قطاعات متعددة، من بينها الصحة، والتعليم، والطاقة، والمياه، والزراعة.

وفي هذا السياق، التقى عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت سالم الخنبشي، السفير محمد آل جابر، حيث جرى التأكيد على عمق العلاقات بين اليمن والسعودية، والإشادة بالدعم السعودي المستمر على المستويات العسكرية والإنسانية والتنموية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي في مقر البرنامج السعودي بالرياض (سبأ)

وأكد آل جابر - بحسب الإعلام الرسمي اليمني- أن بلاده تمضي في تقديم دعم شامل لليمن سياسياً واقتصادياً وتنموياً، مع التركيز على الحلول القائمة على الحوار بما يحقِّق الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة للشعب اليمني.

وخلال زيارة الخنبشي لمقر البرنامج السعودي، اطّلع على المشروعات المُنفَّذة ضمن تدخلات تنموية شاملة تشمل قطاعات التعليم والصحة والطاقة والنقل والزراعة والثروة السمكية، إضافة إلى مبادرات تستهدف تحسين الخدمات الأساسية في محافظة حضرموت وعدد من المحافظات المُحرَّرة.

وقدَّم مسؤولو البرنامج عرضاً مفصلاً حول طبيعة المشروعات القائمة، والتي صُمِّمت وفق احتياجات المواطنين الأساسية، مع التركيز على تعزيز البنية التحتية ورفع كفاءة الخدمات العامة بما يدعم الاستقرار المجتمعي.

وفي قطاع الصحة، بحث وزير الصحة العامة والسكان اليمني قاسم بحيبح مع فريق فني من البرنامج السعودي الخطوات التنفيذية لإنشاء صندوق الصحة، الذي يُنظر إليه بوصفه أحد المشروعات الاستراتيجية الهادفة إلى ضمان استدامة تمويل الخدمات الطبية وتحسين جودة الرعاية الصحية.

وزير الصحة في الحكومة اليمنية قاسم بحيبح (سبأ)

واستعرض الاجتماع - وفق المصادر الرسمية - الترتيبات الفنية والإجرائية الخاصة بتأسيس الصندوق وآليات الحوكمة والشفافية في إدارة موارده، بما يضمن توجيه التمويل وفق أولويات القطاع الصحي واحتياجاته الفعلية.

وأكد بحيبح أن إنشاء صندوق الصحة يمثل خطوةً مفصليةً لتعزيز الاستقرار المالي للمرافق الصحية، خصوصاً في ظل الضغوط الكبيرة التي يواجهها النظام الصحي، مشيداً بالدعم السعودي الذي أسهم في تنفيذ مشروعات حيوية شملت تطوير البنية التحتية والتجهيزات الطبية وبناء القدرات البشرية.


تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
TT

تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)

حذّر تقرير دولي حديث من استمرار تفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي في اليمن، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، رغم مؤشرات تحسن نسبي في الاستقرار السياسي والاقتصادي بالمناطق الواقعة تحت إدارة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، مدعوماً باستئناف الدعم المالي السعودي.

وأكد التقرير أن اليمن لا يزال يواجه واحدةً من أعقد الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل استمرار النزاع الاقتصادي وتعثر مصادر الدخل وانخفاض مستويات التمويل الدولي.

وأوضح التقرير الصادر عن شبكة أنظمة الإنذار المبكر بشأن المجاعة أن استعادة الحكومة اليمنية سيطرتها على عدد من المحافظات الشرقية والجنوبية، إلى جانب الدعم المالي الذي قدمته السعودية، أسهما في تقليص مستوى عدم الاستقرار السياسي خلال الأشهر الأخيرة.

كما ساعدت هذه التطورات في تحقيق تحسن محدود في المؤشرات الاقتصادية، خصوصاً من خلال دعم بند الرواتب والموازنة العامة، الأمر الذي انعكس على القدرة الشرائية لبعض الأسر.

مشروع مدينة الملك سلمان الطبية التعليمية في المهرة (إكس)

وأشار التقرير إلى أن استمرار الدعم المالي الخارجي يوفر فرص عمل قصيرة الأجل ويساعد في ضخ سيولة نقدية داخل الاقتصاد المحلي، إلا أن هذا التحسن يظل هشاً ومؤقتاً، نظراً لارتباط التعافي الاقتصادي بإعادة تشغيل قطاع النفط واستئناف الصادرات، وهو سيناريو لا يبدو قريباً في ظل استمرار التوترات الأمنية والهجمات على البنية التحتية الاقتصادية.

تحديات مستمرة

على الرغم من المؤشرات الإيجابية المحدودة، أكد التقرير أن الحكومة اليمنية لا تزال تواجه تحديات هيكلية معقدة، أبرزها ضعف الموارد العامة، وتأخر صرف الرواتب في بعض القطاعات، واستمرار الانقسام الاقتصادي بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين. وبيّن أن هذه العوامل تعوق ترجمة التحسن السياسي إلى نتائج اقتصادية مستدامة تنعكس مباشرة على الأمن الغذائي للسكان.

وأضاف أن مخاطر زعزعة الاستقرار لا تزال قائمة نتيجة التوترات الداخلية والصراع الاقتصادي القائم، ما يجعل التحسن الحالي عرضة للانتكاس في أي وقت.

توقف عمليات أممية حرم ملايين اليمنيين الخاضعين للحوثيين من المساعدات (الأمم المتحدة)

كما أن استمرار القيود على النشاط الاقتصادي وتراجع الاستثمارات يحدان من قدرة الحكومة على توسيع برامج الحماية الاجتماعية أو تحسين الخدمات الأساسية، وفق ما أورده التقرير.

وتوقعت الشبكة الدولية استمرار انتشار انعدام الأمن الغذائي الحاد على نطاق واسع في اليمن حتى نهاية مايو (أيار) المقبل، مع بقاء شريحة كبيرة من السكان في المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي مرحلة «الأزمة»، حيث تواجه أسرة واحدة على الأقل من كل خمس أسر فجوات كبيرة في استهلاك الغذاء، مصحوبة بارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد.

الأكثر تضرراً

في المقابل، أظهر التقرير أن المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين ستبقى الأكثر تضرراً من الأزمة الغذائية، خصوصاً في محافظات الحديدة وحجة، إضافة إلى أجزاء من محافظة تعز التي تشهد تقاسماً للسيطرة بين الطرفين.

ووفقاً للتقديرات، ستظل هذه المناطق ضمن مستوى «الطوارئ» (المرحلة الرابعة)، ما يعني أن أسرةً من كل خمس أسر ستواجه فجوات غذائية شديدة قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد وزيادة مخاطر الوفيات.

وأرجع التقرير هذا التدهور إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الحيوية للمواني الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، إلى جانب اضطرابات الحركة التجارية وتراجع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمواني، وهو ما أدى إلى انخفاض الطلب على العمالة وتآكل مصادر دخل الأسر الفقيرة.

وأشار إلى أن بطء تعافي القطاعات المدرة للدخل دفع العديد من الأسر إلى تبني استراتيجيات تكيف قاسية، من بينها تقليص الوجبات الغذائية أو اللجوء إلى التسول والعمل غير المستقر لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية.

وفي السياق ذاته، أكدت تقارير أممية متقاطعة أن الأزمة الإنسانية في اليمن لا تزال ذات آثار مدمرة، خصوصاً على النساء والفتيات، حيث يؤدي النزاع والانهيار الاقتصادي وتقليص التمويل الإنساني إلى زيادة معدلات النزوح وانعدام الأمن الغذائي وارتفاع وفيات الأمهات، إضافة إلى تراجع خدمات الحماية والرعاية الصحية.

ورغم استمرار الجهود الإنسانية، أفادت بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن تدخلاته خلال عام 2025 وصلت إلى نحو 2.1 مليون شخص، فإن فجوة تمويلية بلغت 44.5 مليون دولار أجبرت الصندوق على إغلاق نحو 40 في المائة من خدماته، ما ترك نحو مليوني امرأة وفتاة من دون رعاية صحية أساسية.

ويستنتج التقرير أن اليمن يقف أمام مفترق حاسم؛ فبينما أسهم الدعم المالي السعودي والاستقرار النسبي في مناطق الحكومة في تخفيف حدة الأزمة جزئياً، فإن استمرار الانقسام الاقتصادي وتعثر النشاط التجاري في مناطق سيطرة الحوثيين يهددان بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، ما لم تُتخذ خطوات اقتصادية وسياسية أوسع تعيد تنشيط الاقتصاد وتضمن تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق.