المعارضة السورية تصف الإدارة المحلية الكردية بـ «المعادية»

الجربا لـ«الشرق الأوسط»: سنتفق مع الفصائل بشأن «جنيف 2»

أحمد الجربا و  أحمد طعمة
أحمد الجربا و أحمد طعمة
TT

المعارضة السورية تصف الإدارة المحلية الكردية بـ «المعادية»

أحمد الجربا و  أحمد طعمة
أحمد الجربا و أحمد طعمة

لم يشأ الشيخ أحمد الجربا، رئيس الائتلاف السوري المعارض، التحدث إلى الصحافيين بعد مؤتمر رئيس حكومته الدكتور أحمد طعمة مساء أول من أمس في إسطنبول غداة الإعلان عن تشكيلة الحكومة الانتقالية المؤقتة. فأسئلة الإعلاميين التي تلاحق مسؤولي الائتلاف المعارض تعبر في كثير من الأحيان عن «إحباط» السوريين من الأداء السياسي لممثلي الثورة السورية في الخارج.
لكن «الشرق الأوسط» التقت الجربا بعد المؤتمر لتسأله عن الخلاف الحاصل بين القيادة السياسية للائتلاف والقيادة العسكرية للثوار حول المشاركة في مؤتمر «جنيف 2» للسلام الخاص بسوريا، ليبدو متفائلا بالوصول إلى تسوية سريعة بهذا الخصوص.
وكان زهاء 20 فصيلا عسكريا بعضها ينتمي إلى الجيش السوري الحر أعلن رفضه الذهاب إلى المؤتمر، ووصف المشاركة فيه بـ«الخيانة».. ما اضطر الائتلاف إلى إعلان أن حضور «جنيف 2» سيكون مرهونا بموافقة الكتائب المسلحة، وشكل وفدين للحوار بهذا الخصوص.
وقال الجربا: «أنا واثق من أننا سنصل لصيغة ترضي الجميع. هناك لجنة ممثلة من الائتلاف ستعقد اجتماعاتها في الأيام القليلة المقبلة مع ممثلي الكتائب المقاتلة لحسم الأمور الخلافية».
وعندما سألناه عن موقف الفصائل الإسلامية المتشددة الذي أعلنته من قبل بخصوص اعتبارها المشاركة في «جنيف 2» من غير ضمانات برحيل الرئيس السوري بشار الأسد «مؤامرة على الثورة السورية»، قال الجربا: «نحن أيضا نطالب برحيل الأسد. وأنا مقتنع بأننا لن نختلف مع الفصائل المسلحة في نهاية الأمر. سنصل لقرار موحد معهم حول المشاركة في (جنيف 2)».
وتوصلت اجتماعات أعضاء الهيئة العامة للائتلاف في إسطنبول، التي اختتمت فجر الثلاثاء، إلى الإعلان عن تشكيلة الحكومة الانتقالية برئاسة أحمد الطعمة.
وقال الجربا في رده على سؤال حول جدوى إعلان هذه الحكومة مع التحديات التي تواجهها: «إن شاء الله سترون أن هذه الحكومة ستكون فاعلة على الأرض وفي الداخل السوري».
وكان رئيس الحكومة أحمد طعمة وجه كلمة للسوريين من إسطنبول بمناسبة تشكيل الحكومة، مبينا أبرز أولوياتها. واعتبر حكومته تدشينا لـ«عهد الجمهورية السورية الجديدة». وناشد الشعب السوري دعم حكومته في مهمتها.
وتعهد بتوفير الحماية اللازمة للمدنيين داخل سوريا، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن الحكومة لن تتمكن من أن تنشط في كل المناطق الخارجة عن سيطرة قوات النظام.
وشكر المملكة العربية السعودية لدعمها الشعب السوري كما شكر قطر وتركيا ودول الخليج وليبيا لتقديمها المساعدة للمعارضة. وقال: «حكومتنا الانتقالية ستمهد الطريق للعودة إلى سوريا، وسنخوض معركتنا على كل المستويات».
وأضاف في كلمته التي وجهها للسوريين من إسطنبول: «سنبذل قصارى جهدنا لإعادة إعمار سوريا، وسنحترم كل المواثيق والعهود الدولية».
وسألته «الشرق الأوسط» عما إذا كان يخطط لإلقاء كلمة للسوريين من داخل المناطق المحررة، فقال: «قد يكون ذلك قريبا جدا».
وتثار أسئلة كثيرة حول التأثير الفعلي لهذه الحكومة التي ستواصل عملها من الأراضي التركية، بينما يسيطر النظام السوري على معظم مراكز المدن السورية. وقال طعمة لـ«الشرق الأوسط» إن «سلطة النظام تتراجع ولا تتقدم، وهذه الحكومة تعني أنه أصبح للثورة مؤسساتها وستنتقل للمناطق المحررة قريبا».
وتعيش «المناطق المحررة» مثل حلب وإدلب حالة من الفوضى وسط هجرة أغلب مثقفيها وسياسييها الذين اختاروا الاستقرار في مدن تركية قريبة مثل غازي عنتاب التي تتركز فيها معظم المؤسسات الإغاثية والسياسية التابعة للائتلاف السوري المعارض.
ويقول وزير الاتصالات في الحكومة محمد ياسين النجار، ويتحدر من مدينة حلب، إن تشكيل الحكومة هو الخطوة الأولى لنقل الثورة من حالة الفوضى إلى حالة مأسسة الثورة. ويضيف: «كان الكل يشتغل بكل شيء.. الآن سوف يكون لكل وزير هيكله الإداري الخاص».
وحول مؤتمر «جنيف 2» الذي يشكك كثيرون في جدوى المشاركة فيه في ظل تعنت النظام وعدم وجود ضمانات برحيل الأسد، لمح رئيس الحكومة المؤقتة أحمد طعمة إلى أنه يدرك أن اشتراط رحيل الأسد للمشاركة في المؤتمر لم يعد أولوية للقوى الدولية الراعية للمؤتمر. ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «لدينا ثلاث أولويات، أهمها فتح ممرات إنسانية لإيصال المساعدات للمناطق المحاصرة، ثانيا إطلاق سراح المعتقلين، وثالثا تشكيل جسم حكومي انتقالي».
ولكن أحمد رمضان، وهو أحد أبرز أعضاء الهيئة التنفيذية في الائتلاف السوري، يرى أن النظام السوري سيسعى لإفشال مؤتمر جنيف بغطاء روسي - إيراني، وأن الولايات المتحدة ستتحمل المسؤولية.
ورمضان الذي قضى أكثر من 20 عاما في المنفى قضاها بين لندن والعراق وبيروت، يعتقد أن البديل سيكون هو «العودة للداخل». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «النظام السوري يراوغ، ولن يقبل بسهولة بتسليم السلطة لهيئة انتقالية، لذلك فإن استمرار الثورة السورية في الداخل هو الوحيد الذي سيجبر النظام على الرحيل».

و على صعيد اخر لم تمض سوى ساعات قليلة على إعلان تشكيل الإدارة الذاتية بالمناطق الكردية الخارجة عن سيطرة النظام السوري، شمال شرقي البلاد، أو ما يسمى «غرب كردستان»، حتى دب الخلاف بين الأطراف الكردية هناك، مما يلقي بظلاله على صمود تلك «الإدارة الذاتية» وفاعليتها. فمن شارك في الإعلان عنها (أول من أمس) بارك الخطوة وعدها «إنجازا قوميا مهما» سيدشن لتشكيل كيان كردي إداري مستقل على غرار تجربة إقليم كردستان العراق، ومن أقصي أو امتنع عن المشاركة وجه إلى القائمين عليها تهما بـ«الانفرادية والتسلط والتوجه الديكتاتوري». ودخل الائتلاف السوري المعارض على الخط، عادا حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، الذي أعلن عن الإدارة المحلية «تنظيما معاديا للثورة السورية».
وبين هذا الموقف وذاك يبدو أن هناك ارتياحا شعبيا كرديا من الخطوة خاصة في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية والخدمية بالمنطقة التي خرجت منذ أكثر من سنة عن قبضة النظام الحاكم بدمشق.
فالإدارة الذاتية أعلنت من حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (بي واي دي) أكبر الأحزاب الكردية والذي يسيطر على الوضع الداخلي بالمناطق الكردية، والذي يعتقد البعض أنه الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني التركي المحظور. ويمتلك «بي واي دي» جيشا موحدا تحت اسم «لجان الحماية الشعبية» التي تتولى محاربة القوى الإسلامية المتطرفة الممثلة بالدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) من جهة، وتعمل على تنظيم الوضع الأمني الداخلي من جهة أخرى، عبر ما يعرف بمجاميع «الآسايش» على غرار القوات الأمنية المحلية بكردستان العراق.
وبحسب شلال كدو، القيادي بحزب اليسار الديمقراطي الكردي السوري، أحد المنضمين إلى الإدارة المؤقتة، فإن هذه الإدارة «ستمهد لإجراء انتخابات برلمانية قريبة يتمخض عنها تشكيل أول حكومة محلية تدير شؤون المنطقة بعيدا عن سلطة المركز بدمشق».
ويضيف كدو لـ«الشرق الأوسط»: «إننا والحزب اليساري الكردي انضممنا إلى هذه الإدارة شعورا منا بكونها خطوة تاريخية مهمة ستمهد لتشكيل حكومة محلية وبرلمان منتخب، وجاءت الفكرة بعد أشهر طويلة من المشاورات والمباحثات المركزة بين عدة أطراف، جاء من جاء، وامتنع من امتنع، ولكننا بالإدارة الجديدة سنواصل جهودنا مع بقية الأطراف المقاطعة للانضمام إلى الإدارة الذاتية التي تهدف إلى تحقيق شراكة حقيقية بإدارة شؤون مناطقنا». وأضاف: «هذه الإدارة لا تعني الانفصال أو إعلان الحكم الذاتي ولا تأسيس إقليم منفصل، ولكنها إدارة هدفها إملاء الفراغ الحاصل بإدارة المنطقة، فمعلوم أن انسحاب النظام وأجهزته وإدارته من المناطق الكردية أحدث فراغا هائلا أثر على الأوضاع المعيشية للسكان، ولذلك لم نجد بدا من إملائه بإعلان هذه الإدارة الذاتية».
وحول ما إذا كانت هذه الخطوة لقيت دعما من قيادة إقليم كردستان أو العراق أو أي جهة إقليمية أو دولية أخرى، قال كدو: «هذا شأن داخلي لا يحق لأي طرف أن يتدخل فيه، ونحن بالأساس لا نحتاج إلى موافقة من أحد، هناك ملايين الناس يحتاجون إلى تنظيم شؤونهم الاقتصادية والمعيشية والاجتماعية، وكنا مضطرين تحت الضغط الشعبي لتشكيل هذه الإدارة التي سنعمل على تقويتها لتتمكن من الثبات وتحمل مسؤولياتها القادمة وفي مقدمتها تنظيم انتخابات برلمانية وتشكيل حكومة محلية».
بالمقابل، يرى علي شمدين العضو القيادي بالحزب التقدمي الديمقراطي الذي يقوده السياسي الكردي المخضرم عبد الحميد درويش، أن «انفراد حزب الاتحاد الديمقراطي بقيادة هذه الإدارة سيفرغ من محتوى وأهمية مثل هذه الإدارة، لأننا بحاجة إلى توحيد المواقف والجهود في هذه المرحلة العصيبة من تاريخ شعبنا والسوريين». وتابع: «كمبدأ نحن لسنا ضد تشكيل أي كيان أو هيئة تتولى تنظيم شؤون المواطنين وتملأ الفراغ الحاصل بالسلطة، ولكننا لن نقبل بتفرد جهة واحدة بإدارة السلطة، ونعتقد أن العودة إلى روح اتفاقية هولير (أربيل) والعمل على تنفيذ بنودها هي الضمانة الأساسية لتوحيد صفوف الشعب الكردي بسوريا، ويمكن من خلال الجهد والموقف المشترك أن نشكل إدارة تحظى برضا وموافقة جميع الأطراف».
وكشف شمدين عن أن حزبه انضم إلى الائتلاف الوطني السوري، ولا يريد أن يتصادم مع حزب الاتحاد الديمقراطي، لكنه يختلف معه بشأن موضوع الإدارة. ونفى التصريحات التي أدلت بها قيادات بحزب الاتحاد الديمقراطي حول مشاركة أحزاب المجلس الوطني الكردي بتلك الإدارة. وقال: «هناك فقط حزبان انضما إلى الإدارة وهما حزب اليسار الديمقراطي بقيادة صالح كدو والحزب اليساري فقط، أما بقية الأحزاب المنضوية تحت راية المجلس الوطني فإنها متفقة على ضرورة الالتزام باتفاقية هولير».
ويتوقع أن تشارك أحزاب المعارضة الكردية السورية بمؤتمر «جنيف 2» الخاص بالسلام في سوريا، لكن شلال كدو أشار في تصريحه إلى أنه إذا «وجهت دعوات متعددة للأطراف الكردية فإننا سوف نشارك بوفود متعددة، أما إذا كانت هناك دعوة واحدة للكل فسنتشاور مع بقية الأطراف لتشكيل وفد موحد يتمثل فيه جميع الأطراف».
وفي غضون ذلك، عد الائتلاف السوري المعارض حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي «تنظيما معاديا للثورة السورية» بعد إعلانه الأخير عن تشكيل «الإدارة المدنية الانتقالية لمناطق غرب كردستان - سوريا».
وأضاف في بيان أمس أن هذه الإدارة «تمثل تحركا انفصاليا يفصم أي علاقة للتنظيم بالشعب السوري المناضل للوصول إلى دولة سورية موحدة ومستقلة وحرة وخالية من الاستبداد وذات سيادة مطلقة على أراضيها».
وعد الائتلاف أن الحزب بات «تشكيلا داعما لنظام (الرئيس بشار) الأسد، وعاملا من خلال جناحه العسكري المعروف باسم قوات الحماية الشعبية الكردية، ضد مصالح الشعب السوري ومبادئ ثورته».
وانتقدت المعارضة السورية في بيانها محاربة قوات الحماية «كتائب وألوية الجيش الحر وافتعال أزمات تسعى لتشتيت جهودها»، وامتناعها «عن محاربة النظام في عدة جبهات».
وبموجب الإدارة المحلية، تقسم المنطقة الكردية في سوريا إلى ثلاث مناطق يكون لكل منها مجلسها المحلي وممثلون في المجلس الإقليمي العام.
وتدير المناطق الكردية في شمال سوريا مجالس كردية محلية منذ انسحبت منها قوات النظام السوري في منتصف 2012. وعد هذا الانسحاب تكتيكيا بهدف تشجيع الأكراد على عدم التحالف مع مسلحي المعارضة.
ويمثل الأكراد نحو 15 في المائة من سكان سوريا البالغ عددهم 23 مليون نسمة.
من ناحيته، قال أستاذ العلاقات الدولية، المتابع للشأن السوري، الدكتور سامي نادر لـ«الشرق الأوسط»، إن «هذا الإعلان إشارة واضحة إلى أن سوريا بحدودها الجغرافية المعروفة في السابق لم تعد قائمة، ولا سيما أن إعلان الأكراد حكمهم الذاتي جاء وسط صمت دولي يشبه التأييد». ولاحظ أنه «حتى الجانب التركي الذي من المفترض أن ينتقد هذه الخطوة لم يبد أي اعتراض وكأن هناك قبولا لعملية هندسة سوريا ولو بطريقة غير رسمية».



استثمارات ناجحة تُظهر «وجهاً مُشرقاً» للوجود السوداني في مصر

أسرة سودانية فرَّت من الحرب إلى مصر (منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»)
أسرة سودانية فرَّت من الحرب إلى مصر (منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»)
TT

استثمارات ناجحة تُظهر «وجهاً مُشرقاً» للوجود السوداني في مصر

أسرة سودانية فرَّت من الحرب إلى مصر (منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»)
أسرة سودانية فرَّت من الحرب إلى مصر (منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»)

وجه آخر للوجود السوداني في مصر، أظهره تدفق الاستثمارات ورؤوس الأموال في قطاعات اقتصادية متنوعة، ليغيِّر صورة تقليدية بشأن أعباء الوافدين، وبينهم تجمعات السودانيين الفارين من الحرب.

وانتقل عديد من رؤوس الأموال السودانية للاستثمار في مصر بعد الحرب التي اندلعت منتصف أبريل (نيسان) 2023، حسب مصادر سودانية، تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، عن حجم الأعمال السودانية في السوق المصرية، وقدَّرتها بملايين الدولارات، يتركز الجزء الأكبر منها في السوق العقارية، إلى جانب نشاط صناعي وتجاري.

وبسبب الحرب السودانية، بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، فرّ نحو مليون و200 ألف سوداني، إلى المدن المصرية، حسب إحصائيات رسمية، إلى جانب ملايين آخرين يعيشون في ربوع مصر منذ سنوات.

إحدى رحلات قطار عودة السودانيين من القاهرة (مجلس الوزراء المصري)

وأثار ازدياد الوجود السوداني في الأحياء المصرية، جدلاً واسعاً، على وقع بعض الانتقادات الإعلامية وعلى منصات التواصل الاجتماعي، خصوصاً في بداية الحرب بسبب «التكتلات السودانية» في مناطق شعبية، وتأثيرها على «ارتفاع إيجارات الوحدات السكنية» والضغط على موارد الدولة.

وأشاد رئيس «مجلس السيادة» السوداني، الفريق عبد الفتاح البرهان، خلال لقائه مع الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، في مدينة العلمين (على ساحل المتوسط)، الأحد الماضي، بدعم القاهرة السياسي والإنساني لبلاده، وثمن «استضافة أعداد كبيرة من السودانيين الذين اضطروا لمغادرة بلادهم بسبب الحرب»، حسب الرئاسة المصرية.

وتراجعت موجة الانتقادات للوجود السوداني المكثف، بعد ازدياد أعداد العودة الطوعية للسودانيين إلى بلادهم خلال الأشهر الأخيرة، بتسهيلات من سلطات البلدين، غير أن هذه الرحلات لم تسفر عن عودة جميع الفارين من الحرب، خصوصاً بعد ارتباط عديد من الأسر السودانية بالإقامة في مصر، لاعتبارات الدراسة لأبنائهم، أو انخراطهم في أعمال داخل البلاد.

ولا توجد قدرة دقيقة على إحصاء حركة رؤوس الأموال السودانية بشكل إجمالي، ذلك أن جزءاً كبيراً من الأعمال يتم خارج المسارات الرسمية، وفق السفير المصري الأسبق في السودان حسام عيسى، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن «العقوبات الاقتصادية المفروضة على السودان، تدفع كثيراً من السودانيين إلى إدارة رؤوس أموالهم بعيداً عن التحويلات البنكية».

عشرات السودانيين قبل انطلاق إحدى رحلات العودة للبلاد عام 2025 (مجلس الوزراء المصري)

ويرى عيسى أن «الشواهد الخاصة باستثمارات السودانيين في مصر تشير إلى أن استثماراتهم تقدَّر بملايين الدولارات، بالنظر إلى طبيعة وخصائص المقيمين في مصر حالياً»، مشيراً إلى أن «نسبة كبيرة من النخب ورجال الأعمال وكبار المسؤولين وسفراء ورؤساء الأحزاب يشكلون نسبة كبيرة من الوجود السوداني حالياً، وغالبيتهم لجأوا إلى الاستثمار في العقارات في المقام الأول»، إلى جانب «الاستثمار في قطاعات أخرى، مثل تجارة الخدمات».

وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، قال حسن الخطيب، وزير الاستثمار والتجارة الخارجية المصري، إن حجم الاستثمارات السودانية في مصر بلغ نحو 79 مليون دولار خلال عام 2024، بنمو قدره 39 في المائة مقارنةً بالعام السابق.

وأضاف خلال فعاليات منتدى الأعمال المصري - السوداني، أن أكثر من 3320 شركة سودانية تعمل في السوق المصرية، مما يعد مؤشراً إيجابياً على تطور العلاقات الاقتصادية بين البلدين.

ولم يقتصر الوجود السوداني بعد الحرب على العاصمة القاهرة ومدن رئيسية مثل الإسكندرية (شمالاً)، أو أسوان (جنوباً)، لكنه امتد ليشمل غالبية المدن الجديدة، وفق الأمين العام لاتحاد الغرف الصناعية السودانية، عباس علي السيد، الذي قال إن «كثيراً من الأسر فضلت البقاء في محل إقامتها بمصر وعدم العودة رغم تحسن الأوضاع في بعض الولايات بالسودان لأنها ارتبطت بأعمال واستثمارات داخل البلاد».

ويتصدر القطاع العقاري استثمارات السودانيين وفق تقدير السيد، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»: «إلى جانب السوق العقارية، ارتفعت أعمال السودانيين في المجال الصناعي والتجاري، فمعظم الصناعات السودانية أقامت خطوط إنتاج بشراكات مع مصانع مصرية، لا سيما في المنتجات الغذائية»، إلى جانب «أنشطة صغيرة في التجارة والخدمات».

الملتقى المصري - السوداني لرجال الأعمال عام 2024 (مجلس الوزراء المصري)

وأصبحت مصر من الوجهات الأولى لحركة رؤوس الأموال السودانية ما بعد الحرب، وفق تقدير المستشار الاقتصادي ومدير مركز المعلومات بوزارة المالية السودانية سابقاً، عادل عبد العزيز الفكي، الذي قال إن «الروابط الاقتصادية القديمة والقرب الجغرافي، ساعدا في انتقال عديد من الاستثمارات السودانية إلى السوق المصرية».

ويرى الفكي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «الاتجاه الأول في الاستثمار كان في السوق العقارية، بالنظر إلى مكاسبه المضمونة»، لكنه أشار إلى أن «هناك عديداً العلامات التجارية السودانية انتقلت للتصنيع في مصر، حيث أصبحت موطناً لها، منها اللحوم المجمدة والسلع الغذائية مثل السمسم والطحينية»، مشيراً إلى أن «هذه المنتجات يتم توزيعها على الجالية المقيمة في مصر، ويذهب الجزء الآخر منها إلى السودان».

واستضافت القاهرة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، الملتقى المصري-السوداني لرجال الأعمال من البلدين، لبحث إقامة مشروعات استثمارية مشتركة في السوق المصرية، خصوصاً في مجالات التصنيع والنقل والموانئ.

ويتركز أغلب استثمارات السودانيين في السوق العقارية، في المدن الجديدة، خصوصاً مناطق «التجمع الخامس والرحاب ومدينتي» (شرق القاهرة)، وفق مدير وحدة العلاقات الدولية بـ«المركز السوداني للفكر والدراسات الاستراتيجية»، مكي المغربي، الذي قال إن «الاستثمار السوداني في السوق العقارية المصرية ليس جديداً، لكنه كان يتركز قبل الحرب، في أحياء القاهرة والجيزة الرئيسية مثل الزمالك والمهندسين وفيصل».

من رحلات العودة الطوعية للسودانيِّين إلى بلادهم (لجنة الأمل للعودة الطوعية)

وإلى جانب السوق العقارية والصناعات التحويلية، تتجه استثمارات السودانيين إلى المراكز التعليمية والمدارس الخاصة، وفق المغربي، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عديد من المراكز التعليمية التي ما زالت تمارس نشاطها داخل مصر لأبناء الجالية، رغم قيام السلطات المصرية بإغلاق المدارس التي لا تنطبق عليها معايير النشاط التعليمي داخل البلاد».

وشملت إجراءات الإغلاق مدرسة «الصداقة» التي دشنتها السفارة السودانية بالقاهرة في عام 2016، ومدارس خاصة، قبل أن تعلن السفارة السودانية بالقاهرة، استئناف الدراسة في مدرسة «الصداقة» مرة أخرى، بدايةً من ديسمبر 2024.


2750 عملية خلال يوم واحد... و«فجر اليمن» تضيّق الخناق على الحوثيين

جنود من ألوية العمالقة الحكومية اليمنية خلال حملتهم ضد الحوثيِّين قرب باب المندب (أ.ب)
جنود من ألوية العمالقة الحكومية اليمنية خلال حملتهم ضد الحوثيِّين قرب باب المندب (أ.ب)
TT

2750 عملية خلال يوم واحد... و«فجر اليمن» تضيّق الخناق على الحوثيين

جنود من ألوية العمالقة الحكومية اليمنية خلال حملتهم ضد الحوثيِّين قرب باب المندب (أ.ب)
جنود من ألوية العمالقة الحكومية اليمنية خلال حملتهم ضد الحوثيِّين قرب باب المندب (أ.ب)

دخلت عملية «فجر اليمن» يومها السادس، السبت، على وقع اتساع الضربات الجوية التي تستهدف القدرات العسكرية للحوثيِّين، بالتوازي مع استمرار تقدُّم القوات الحكومية في الساحل الغربي ومأرب، في وقت أحبطت فيه ألوية العمالقة هجوماً للجماعة شمال مطار ذوباب، بينما لا تزال مئات العناصر الحوثية متحصنة في جيوب خلف الألغام والخنادق في منطقة باب المندب وجزرها.

وتعكس التطورات انتقال المعركة إلى مرحلة ملاحَقة ما تبقَّى من جيوب المقاومة الحوثية في المواقع التي استعادت القوات الحكومية السيطرة عليها لتثبيت المكتسبات، مع استمرار محاولات الجماعة فك الحصار عن عناصرها، وسط تقدُّم عسكري حذر يستهدف استكمال تطهير المنطقة وتثبيت المكاسب الميدانية، بالتزامن مع ضربات جوية تتجاوز خطوط المواجهة إلى مواقع عسكرية ومخابئ للصواريخ في عمق مناطق سيطرة الحوثيِّين.

وفي أحدث التطورات الميدانية، تصدَّت ألوية العمالقة الجنوبية لهجوم شنَّته الجماعة الحوثية على مواقعها شمال مطار ذوباب، وكبَّدتها خسائر في الأرواح والعتاد، بالتزامن مع غارات لطيران «تحالف دعم الشرعية» استهدفت تعزيزات عسكرية دفعت بها الجماعة إلى المنطقة، في محاولة لتعزيز مواقعها ومساندة عناصرها المُحاصَرة.

القوات الحكومية اليمنية تسعى إلى تأمين باب المندب ومواصلة معركة الساحل الغربي (أ.ب)

وتأتي المواجهات غداة عملية واسعة استهدفت استكمال تحرير ما تبقَّى من منطقة باب المندب والجزر التابعة لها، حيث تواصل الوحدات العسكرية عمليات التمشيط والتعامل مع الألغام والتحصينات، وسط تقديرات بوجود مئات من العناصر الحوثية في جيوب متفرقة، ما يجعل استكمال التطهير وتثبيت السيطرة أولوية ميدانية في المرحلة الحالية.

ضربات في العمق

بالتوازي مع المعارك البرية، أعلن الجيش اليمني تنفيذ أكثر من 2750 عملية استهداف دقيقة خلال الساعات الـ24 الماضية، طالت تحصينات ومواقع دفاعية ونقاط مراقبة واستطلاع ومرابض مدفعية ومخازن أسلحة وذخائر ومستودعات إمداد وتموين وتعزيزات عسكرية للحوثيِّين في مختلف محاور القتال.

وقال الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة، العقيد الركن ماجد النزيلي، إن العمليات التي نُفِّذت في إطار «فجر اليمن» شملت أيضاً أهدافاً عسكرية، وصفها بـ«المشروعة وعالية القيمة»، في عمق مناطق سيطرة الجماعة.

المسلحون الحوثيون يتعرَّضون لحملة جوية واسعة في مناطق سيطرتهم كافة (إعلام عسكري)

وأوضح أن التقديرات الميدانية الأولية تشير إلى تحييد أكثر من 1400 عنصر حوثي، وتدمير أو إعطاب أكثر من 250 آلية ووسيلة قتالية ومعدة عسكرية، بما أضعف قدرة الجماعة على المناورة والإسناد ومواصلة عملياتها القتالية.

وأضاف النزيلي أن القوات البرية تمكَّنت من اختراق دفاعات الحوثيِّين وتحصيناتهم، واستعادة مواقع مرتفعة ذات أهمية عملياتية، وتثبيت مكاسبها، ومواصلة الهجوم وفق الخطط العسكرية المقررة.

من جهته، أعلن «تحالف دعم الشرعية» تدمير 136 هدفاً عسكرياً ضمن عملية واسعة استهدفت عناصر الجماعة وقدراتها في مناطق سيطرتها. وقال المتحدث باسم التحالف، اللواء الركن تركي المالكي، إن التحالف يعمل على تفكيك وتدمير شبكة الصواريخ الباليستية الحوثية، مؤكداً استمرار الإسناد الجوي للوحدات العسكرية اليمنية على مدار الساعة.

استنزاف في مأرب

في محافظة مأرب (شرق صنعاء) واصلت القوات الحكومية والمقاومة الشعبية عملياتها على امتداد خطوط التماس، ونفَّذت هجمات على مواقع حوثية في الجبهات الجنوبية، تمكَّنت خلالها من انتزاع مواقع بعد اختراق التحصينات والتعامل مع حقول الألغام التي زرعتها الجماعة.

وذكر المركز الإعلامي للقوات المسلحة اليمنية أن المواجهات كبَّدت الحوثيِّين خسائر في الأرواح والعتاد، بالتزامن مع استمرار العمليات الهجومية في الجبهات الشمالية والشمالية الغربية، وتنفيذ أعمال رصد واستطلاع لتحركات الجماعة وتعزيزاتها.

مقاتلو القوات الحكومية اليمنية يلاحقون الحوثيِّين في مديرية ذوباب (أ.ب)

وأضاف أن الطيران الحربي والمسيّر، إلى جانب المدفعية وراجمات الصواريخ، واصل استهداف مواقع وتجمعات حوثية ومراكز قيادية ومخازن أسلحة ومرابض نيران ومواقع لتشغيل الطائرات المسيّرة، على امتداد خطوط المواجهة وفي المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة.

وفي المقابل، أشار المركز إلى مقتل وإصابة العشرات من العناصر الحوثية خلال المواجهات، ومقتل 22 من أفراد القوات المسلحة والمقاومة الشعبية وإصابة آخرين.

معركة استعادة الدولة

على وقع التطورات الميدانية، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، عبد الرحمن المحرّمي، أن القوات الحكومية قدَّمت نماذج من الثبات والقتال، عاداً أن المواجهات تمثل جزءاً من معركة استعادة الدولة ومؤسساتها، والتصدي للمشروع الحوثي المدعوم من إيران.

وقال المحرّمي، في منشور على «فيسبوك»، مخاطباً القوات المرابطة في الساحل الغربي وباب المندب وسائر الجبهات، إن المعركة تتطلب مواصلة الصمود حتى تحقيق أهدافها، مشيداً بدور المقاتلين في مواجهة الحوثيِّين وحماية أمن المنطقة. كما جدَّد تقديره لـ«تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، مؤكداً أن القوات اليمنية والتحالف يخوضان معركةً مشتركةً، ويتقاسمان أعباءها وتضحياتها.

آلية قتالية حوثية سيطرت عليها القوات الحكومية اليمنية بالقرب من باب المندب (إعلام عسكري)

من جانبه، أشاد عضو مجلس القيادة الرئاسي، الفريق أول ركن محمود الصبيحي، بأداء القوات المسلحة والمقاومة الشعبية في مختلف جبهات القتال، وقال إن المواجهات تجسِّد الدفاع عن النظام الجمهوري ومؤسسات الدولة في مواجهة الجماعة الحوثية.

وأشار الصبيحي إلى الدور الذي تضطلع به ألوية العمالقة، وقوات درع الوطن والدعم والإسناد والمقاومة الوطنية، والقوات المشتركة، في جبهات الساحل الغربي والصبيحة والمناطق الممتدة باتجاه الوازعية ومناطق أخرى في تعز ولحج.

وخصَّ بالذكر تضحيات قبائل الصبيحة التي قدَّمت أكثر من 170 قتيلاً و700 جريح خلال المواجهات. كما أثنى على دور القيادات العسكرية والميدانية، وجهود الحكومة والسلطات المحلية في عدن ولحج في دعم الجبهات، مُجدِّداً تقديره للدعم السعودي المُقدَّم للقوات الحكومية.


الحوثيون يلاحقون الاتصالات ويوسعون شبكات التجسس جنوب تعز

مدينة تعز باتت تحت الحصار الحوثي مجدداً بعد سيطرة الجماعة على مدينة التربة جنوباً (أ.ف.ب)
مدينة تعز باتت تحت الحصار الحوثي مجدداً بعد سيطرة الجماعة على مدينة التربة جنوباً (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يلاحقون الاتصالات ويوسعون شبكات التجسس جنوب تعز

مدينة تعز باتت تحت الحصار الحوثي مجدداً بعد سيطرة الجماعة على مدينة التربة جنوباً (أ.ف.ب)
مدينة تعز باتت تحت الحصار الحوثي مجدداً بعد سيطرة الجماعة على مدينة التربة جنوباً (أ.ف.ب)

تشهد مناطق واسعة في محافظة تعز اليمنية (جنوب غرب) انقطاعاً في خدمات الإنترنت والاتصالات، بالتزامن مع تصعيد عسكري حوثي في جنوب المحافظة، فيما لجأ سكان إلى شبكات محلية تعتمد على خدمة الإنترنت الفضائي «ستارلينك»، التي سارعت الجماعة إلى مصادرة أجهزتها في المناطق التي سيطرت عليها أخيراً، ضمن إجراءات أمنية ورقابية شملت أيضاً كاميرات المراقبة والهواتف الجوالة.

وذكرت مصادر محلية في مدينة التربة، حيث مركز مديرية الشمايتين جنوب تعز، لـ«الشرق الأوسط»، أن الجماعة الحوثية شنت حملة واسعة لمصادرة أجهزة «ستارلينك» خلال الأيام الأولى لسيطرتها على المدينة، بعد تحريات مسبقة أجرتها خلاياها الاستخباراتية بشأن مالكي تلك الأجهزة، قبل وصول قواتها بأيام.

وتتعامل الجماعة الحوثية مع خدمة «ستارلينك» بوصفها تهديداً لنفوذها على قطاع الاتصالات؛ فإلى جانب حرمانها من جانب من العائدات التي تجنيها منه، تمنعها من ميزة مراقبة الاتصالات والتحكم في تدفق المعلومات.

وسبق للجماعة أن اتخذت إجراءات مماثلة عقب سيطرتها على مدينة المخا، التي كان عدد من سكانها يعتمدون على الخدمة.

ولم تقتصر إجراءاتها في التربة على مصادرة أجهزة الإنترنت الفضائي؛ بل امتدت إلى كاميرات المراقبة المثبتة أمام المحال التجارية والمباني السكنية.

محافظة تعز بدأت تعاني من نقص السلع والمواد الأساسية بفعل التصعيد العسكري الحوثي (أ.ف.ب)

وأبلغت الجماعة الحوثية مالكي الكاميرات بأن مصادرتها إجراء مؤقت، إلى حين استكمال ربط أنظمة المراقبة بأجهزتها الرقابية، وطالبتهم بالسماح لها بالوصول إلى أجهزة التخزين، محذرة من ربط أي كاميرات بالإنترنت دون إذن منها.

وقال مالك متجر لـ«الشرق الأوسط»، إن الجماعة أزالت كاميرات المراقبة الموجهة نحو الشوارع من دون استئذان أصحابها، بسبب إغلاق غالبية المحال التجارية، إلا أن ملاك المحال القليلة التي فتحت أبوابها فوجئوا بدورهم بذلك الإجراء، ولم يسمح لهم بالنقاش حوله.

وتعيش مدينة التربة حالة من الشلل في الأنشطة التجارية، وسط رفض لوجود الجماعة الحوثية، التي لجأت إلى التهديد بفتح المحال المغلقة بالقوة.

تحكم بالخدمات

في مدينة تعز المحاصرة، أفاد سكان بتوقف خدمات الإنترنت والاتصالات التابعة للشبكات العاملة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، أو تعرضها لانقطاعات واسعة أثرت في قدرة المواطنين على التواصل والوصول إلى الإنترنت.

مدينة تعز باتت تحت الحصار الحوثي مجدداً بعد سيطرة الجماعة على مدينة التربة جنوباً (أ.ف.ب)

ويأتي هذا الانقطاع بالتزامن مع التصعيد العسكري الحوثي في محافظة تعز، وما تلاه من إطلاق الحكومة عملية «فجر اليمن»، وسط تغيرات ميدانية في عدد من المديريات والمناطق، وانعكاسات متزايدة للتطورات الأمنية على الخدمات العامة وحركة السكان.

ويحاول الأهالي في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة، الوصول إلى خدمة الإنترنت عبر أجهزة «ستارلينك» التي تتوفر لدى عدد محدود منهم، يشاركون جيرانهم هذه الخدمة بمقابل مالي أو مجاناً.

ورغم أنه لم تتضح أسباب تعطل خدمات الاتصالات والإنترنت في مدينة تعز، فإن السكان يربطونه بالتصعيد العسكري في المحافظة.

وتخضع البنية الرئيسية للاتصالات في اليمن للجماعة الحوثية التي تسيطر على مقرات ومنشآت شبكة الاتصالات اليمنية في صنعاء، ما يمنحها قدرة واسعة على التحكم في الخدمات والوصول إلى المعلومات.

قادة حوثيون في مدينة «التربة» بعد السيطرة عليها (إعلام حوثي)

وبالتوازي مع الإجراءات المتعلقة بالاتصالات، شرعت الجماعة الحوثية، منذ سيطرتها على عدد من مديريات جنوب تعز، في توسيع إجراءاتها الأمنية والاستخباراتية، مستعينة بمصادر محلية لجمع المعلومات عن السكان ورصد تحركاتهم.

إنشاء شبكات تجسس

كشفت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط»، أن مشرفي الجماعة الحوثية الذين وصلوا إلى المديريات التي أُخضعت لسيطرتها أخيراً، التقوا أعياناً ومشايخ قرى، أو وجهوا إليهم خطابات تطالبهم بالعمل بوصفهم مصادر استخباراتية محلية، تتولى رفع تقارير دورية عن حركة السكان، ورصد المتنقلين بين القرى والمناطق، وتتبع زيارات الأقارب والأصدقاء، والإبلاغ عن أي أشخاص تشتبه الجماعة في أنشطتهم.

ووفقاً للمصادر، حمّل المشرفون الحوثيون الأعيان ومشايخ القرى مسؤولية وقوع أي نشاط مناهض للجماعة في مناطقهم، في حال عدم إبلاغهم مسبقاً عن القائمين به، في إجراء يضع الشخصيات الاجتماعية تحت ضغط المشاركة في منظومة الرقابة الأمنية.

وتعتمد الجماعة، بحسب المصادر، على شبكة من المتعاونين المحليين، بينهم شخصيات اجتماعية متواطئة معها، وأشخاص أُفرج عنهم من السجون عقب سيطرتها على تلك المناطق، إضافة إلى آخرين كانوا فارين من العدالة في مناطق نفوذها.

قادة حوثيون داخل أحد مقرات السلطة التنفيذية في مدينة التربة بعد السيطرة عليها (إعلام حوثي)

ولم تقتصر إجراءات الرصد على التحركات الميدانية؛ إذ وجهت الجماعة خلاياها التجسسية بمراقبة مواقع التواصل الاجتماعي، والإبلاغ عن كل من ينشر معلومات أو بيانات تتعلق بالأوضاع في المناطق التي سيطرت عليها أخيراً.

كما نفذت حملات عشوائية لتفتيش الهواتف الجوالة في الشوارع، بحثاً عن تطبيقات للمراسلة ترى الجماعة أنها تتيح اتصالات غير خاضعة لرقابتها، أو برامج الشبكات الخاصة الافتراضية (VPN) التي تُستخدم لتجاوز الحجب.

وقالت المصادر إن هذه الحملات تستهدف، إلى جانب التحقق من التطبيقات الموجودة على الهواتف، كشف الأشخاص الذين يعملون لمصلحة الجيش والحكومة اليمنيين، أو يتواصلون مع قيادات ومسؤولين فيهما، فضلاً عن الذين يتصلون بجهات إعلامية وحقوقية للإبلاغ عن ممارسات الجماعة، أو يستخدمون حسابات بأسماء مستعارة على مواقع التواصل الاجتماعي.