لامارتين والجيل الفرنسي المفجوع

كتب جديدة تتناول حياته وأعماله

لامارتين والجيل الفرنسي المفجوع
TT

لامارتين والجيل الفرنسي المفجوع

لامارتين والجيل الفرنسي المفجوع

ينبغي العلم بأن لامارتين سبق فيكتور هيغو بفترة قصيرة إلى تبني الفلسفة الرومانطيقية الآتية من بلاد الشمال الألماني والإنجليزي. ولكن فيكتور هيغو غطى عليه فيما بعد، عندما تبنى النظرية الشعرية – الفلسفية ذاتها، بل وأصبح زعيمها غير المنازع في فرنسا بفضل غزارة إنتاجه، وقوة عبقريته، وضخامة موهبته الشعرية. ولكن هذا لا يعني الاستهانة بلامارتين وعطائه. فمن هو يا ترى؟ ولد «ألفونس دو لامارتين» عام 1790، أي قبل فيكتور هيغو باثني عشر عاماً، ومات عام 1869، أي قبل فيكتور هيغو بخمسة عشر عاماً على الأقل.
ولكن على عكس هيغو البورجوازي الأصل، فإن لامارتين كان ينتمي إلى طبقة النبلاء الفرنسيين، وهي أعلى طبقة في ذلك الزمان. ولذلك نشأ وترعرع في قصر «ميلي»، تحت إشراف أمه الحنون التي لم تكن تطلب منه أكثر من أن يكون إنساناً حقيقياً وطيباً، كما يقول هو حرفياً.
وبعد أن أكمل دراساته في أحد المعاهد اليسوعية، أي التابعة للإخوان المسيحيين، راح يسافر في البلدان لكي يروّح عن نفسه، كما يفعل معظم أولاد الأغنياء. وهكذا سافر إلى إيطاليا عام 1811، وبقي فيها حتى عام 1814؛ أي حتى سقوط النظام الإمبراطوري، بقيادة نابليون بونابرت، وعودة الملك لويس الثامن عشر إلى الحكم. ثم راح يهتم بالأدب والشعر، وينشر أولى مجموعاته الشعرية عام 1820، تحت عنوان «تأملات شعرية»، وكان عمره آنذاك واحداً وثلاثين عاماً.
والشيء العجيب الغريب أن هذا الديوان الأول جعل منه بين عشية وضحاها شاعراً مشهوراً يشار إليه بالبنان. وبعد 3 سنوات من ذلك التاريخ، أصدر لامارتين مجموعة شعرية ثانية، تحت عنوان «تأملات شعرية جديدة». ثم نشر بعدئذ عدة كتب، من بينها «موت سقراط»، و«آخر أنشودة جحيم للطفل هارولد».
ثم سافر إلى الشرق، وتعرف على القدس في فلسطين، حيث يوجد مهد المسيح ومقدسات المسيحيين عموماً. كما تعرف على سوريا ولبنان، وبقية مناطق الشرق الخلاب، ونتج عن كل ذلك كتابه «رحلة إلى الشرق»، الذي ينبغي أن نطلع عليه لكي نعرف كيف كانت صورة بلداننا العربية وأحوالها في عام 1830. ثم عاد إلى أوروبا، وأصبح موظفاً في السفارة الفرنسية بمدينة فلورنسا الإيطالية، ثم تزوج من فتاة إنجليزية بعد عدة قصص حب فاشلة، من بينها تلك القصة التي ألهمته قصيدة «البحيرة» الشهيرة، وهي من أشهر القصائد الرومانطيقية في الشعر الفرنسي. وقد ترجمت إلى العربية تسع مرات، وربما أكثر. ومن أشهر مترجميها إبراهيم ناجي، وعلي محمود طه، ونقولا فياض، وأحمد حسن الزيات، ومحمد مندور، بل وحتى أحمد أمين وزكي نجيب محمود! وبعدئذ، انخرط لامارتين في الحياة السياسية، وأصبح نائباً في البرلمان، وقد سحر زملاءه بخطاباته الشاعرية الفياضة المليئة بالعواطف النبيلة تجاه الشعب الفقير؛ كان لامارتين خطيباً من الدرجة الأولى.
هذا، وقد نشر شاعرنا كتاباً جميلاً عن تاريخ الثورة الفرنسية التي كانت لا تزال حديثة العهد. والغريب في الأمر أن لامارتين، ذا الأصل النبيل الأرستقراطي، أصبح من كبار مؤيدي الثورة الفرنسية التي أطاحت بطبقة النبلاء الأرستقراطيين التي ينتمي إليها! وقد عارض بشدة الحكم الرجعي للملك لويس فيليب، وكان أحد قادة الثورة الشعبية التي أطاحت به عام 1848. ومعلوم أن بودلير شارك فيها أيضاً، داعياً الثوار إلى تصفية زوج أمه الجنرال جاك أوبيك، الذي كان حاكماً عسكرياً لمنطقة باريس، وكان يكرهه كره النجوس لأنه أخذ أمه منه. ولكن لولا تلك العذابات والمرارات، والنزول إلى الطبقات السفلى للجحيم، هل كنا سنحصل على ذلك الديوان العبقري «أزهار الشر»؟
ثم أصبح لامارتين عضواً في الحكومة المؤقتة لفرنسا، بل ووزيراً لخارجيتها، ولكن لفترة قصيرة. وكان من أكبر الداعين إلى إلغاء قانون الرقّ، أو العبودية، الذي يصيب إخواننا السود.
ولكن صعود نابليون الثالث إلى سدة الحكم عام 1852، عن طريق انقلاب عسكري، وضع حداً لحياته السياسية. فبعد أن أصبح اليمين الرجعي الكاثوليكي في السلطة، لم يعد له محل.
وهكذا، انطوى على نفسه، وراح يكرِّس جل وقته للأدب والكتابة، ولكنه لم يواجه السلطة الديكتاتورية مباشرة، كما فعل فيكتور هيغو، لأن ذلك كان سيؤدي به إلى القتل، أو إلى السجن، أو المنفى على أقل تقدير. ولذلك فضّل الصمت والمعارضة السرية غير الناشطة. وقد عاش السنوات الأخيرة من حياته بشكل تعيس حزين، فقد كان مضطراً للعمل ليل نهار لكي يستطيع أن يعيش ويأكل الخبز، وهو الأرستقراطي النبيل والوزير السابق. وذلك لأنه لم يستغل مواقعه السلطوية كي يغتني، كما فعل الكثيرون.
وقد اشتكى في إحدى الرسائل إلى فيكتور هيغو من أنه يخشى أن يصادروا بيته ومكتبه والأثاث لأنه لا يستطيع أن يدفع الفواتير. ثم اضطر تحت ضغط الحاجة الماسة إلى قبول هبة من الدولة عام 1867، وقد عاب عليه المثقفون «اليساريون» ذلك، واتهموه بالتواطؤ مع الديكتاتور المستبد نابليون الثالث. ولكن هل كان أمامه خيار آخر؟ وهل يريدون له أن يموت في الشارع وهو أحد أشهر شخصيات فرنسا في ذلك الوقت؟ دائماً النزعة الصبيانية الثورجية ذاتها للمثقفين الفرنسيين الذين لا يقلون مزايدة وديماغوغية عن بعض المثقفين العرب!
مهما يكن من أمر، فإنه مات مغموماً مهموماً بعد ذلك بسنتين فقط، ورفضت عائلته تنظيم جنازة وطنية له خوفاً من أن تستغلها السلطة لمصلحتها. هذا هو باختصار شديد ملخص حياة لامارتين. والآن، ماذا عن أعماله ومنجزاته الشعرية والفكرية؟
يمكن القول إن مجموعته الشعرية الأولى «تأملات شعرية» دشنت الشعر الرومانطيقي في فرنسا، وأغلقت المرحلة الكلاسيكية، فقد بدت وكأنها صادرة من الأعماق، أعماق القلب الحساس. وهنا، نجد تأثر لامارتين واضحاً بجان جاك روسو. ولكن من هو الأديب الفرنسي الذي لم يتأثر بروسو؟ ومعلوم أن غوته كان قد قال عنه هذه العبارة: «فولتير أغلق عصره، وروسو دشن عصراً جديداً»؛ بمعنى: فولتير ينتمي إلى الماضي، وروسو ينتمي إلى المستقبل. وبالتالي، فالرومانطيقية خرجت من معطف روسو وحساسيته الإنسانية والعاطفية التي لا تضاهى.
ومعروف مدى حب روسو للطبيعة، وتغنّيه بجمالها. وهنا، نلاحظ وجه شبه كبير مع لامارتين، فهذا الأخير تغنّى بالطبيعة وفصولها، كما لم يفعل أي شاعر آخر. ويكفي أن نفتح دواوينه لكي نرى كيف يتحدث عن الربيع أو الصيف أو الخريف في قصائد شجية رائعة، والخريف هو أحد موضوعاته المفضلة.
ولكن الطبيعة لم تكن مستهدفة بذاتها أو لذاتها في شعر لامارتين، وإنما كان يستخدمها الشاعر كمرآة لروحه. فإذا كان حزيناً، فإنه يتعزّى عن حزنه بالتحدث عن فصل الخريف، وسقوط أوراق الشجر. وإذا كان فرحاً، فإنه يتحدث عن فصل الربيع، وانعكاساته عليه. وعندما تؤرقه قصة حب، كان يختلي بنفسه في حضن الطبيعة، أو على شاطئ بحيرة. ومعلوم أن الفتاة التي أحبها في مطلع شبابه كان يلتقي بها هناك في أحضان الطبيعة.
ثم ماتت بمرض السل، ولم يتحقق حلمه بالزواج منها، وقد حفر ذلك في أعماقه جرحاً لا يندمل. وعن هذا الجرح، نتجت قصيدة «البحيرة» الشهيرة، فقد كانا يلتقيان على ضفافها قبل أن تموت عندما كان الحب في أوله. ومن خلال مناجاة الطبيعة، يتحدث لامارتين عن الحب، وهروب الزمن من بين أصابعنا، وتفرق العشاق المر، وخيانة الأقدار؛ فالحياة لا ترحم، وكثيراً ما تهدم اللذات، وتفرق الجماعات، وتفصل بين المحبين.
والواقع أن لامارتين كان يعتبر الشعر بمثابة العزاء في عالم لا عزاء فيه، إنه عزاء للقلوب الجريحة، للعاشق الذي فقد حبيبته لسبب أو لآخر، للإنسان الذي تراكمت عليه الهموم. ولهذا السبب، كثيراً ما كان لامارتين يترك العاصمة باريس، ويخرج إلى الأرياف والوديان والجبال لكي يلقي بنفسه في أحضان الطبيعة لعلها تعزّيه وتواسيه. بهذا المعنى، فقد كان يمثل النموذج الأعلى للشاعر الرومانطيقي.
فكلما أصيب بمصيبة، أو أطبقت على روحه الآفاق المظلمة، لجأ إلى الطبيعة، أمه الحنون. وهناك، كان يرى أوراق الشجر وهي تتساقط في الخريف وكأن عمره هو الذي يتساقط قطعة قطعة، وورقة ورقة، من خلالها أو معها. يُضاف إلى ذلك أن لامارتين ينتمي إلى ذلك الجيل الفرنسي الذي عاش أكبر زلزلة وأكبر تمزق في التاريخ، قصدنا بذلك: الثورة الفرنسية.
وبالتالي، فقد كان ذلك الجيل مُزعزعاً جداً من الناحية النفسية لأنه شهد موت عالم بأسره، ونهوض عالم جديد على أنقاضه، ولكن المشكلة هي أن القديم لم يكن قد مات فعلاً بعد، والجديد لم يكن قد وُلد فعلاً بعد. وبالتالي فهو عصر مترجرج، قلق، متأرجح، مليء بالآلام والنزيف الداخلي الحاد. وقد عبّر عن ذلك كل أدباء القرن الكبار، من شاتوبريان إلى ألفريد دوموسيه وجورج صاند، إلى آخرين كثيرين.
كلهم كانوا مصابين بمرض العصر، مرض عظيم يتجاوزهم جميعاً ولا حيلة لهم به. وبالتالي، فقد حاولوا التعبير عنه بأشكال شتى لكي يستطيعوا التخلص منه، أو الترويح عن أنفسهم على الأقل. ضمن هذه الظروف التاريخية والسياسية، ازدهرت الحركة الرومانطيقية في فرنسا وبقية أنحاء أوروبا. وبالتالي، فقد كانت تعبّر عن مزاج تاريخي ضخم وحساسية معينة.
لقد كانت تعبر عن مجتمع مصدوم في أعماقه، مجروح في روحه، بسبب كل هذه الانقلابات والهزات التي تعرض لها. لقد عبر لامارتين عن كل ذلك من خلال شعر غنائي مؤثر وصل أحياناً إلى حدود الفلسفة أو تخومها. فالشعراء الفرنسيون - آنذاك - لم يكونوا شعراء فقط، وإنما كانوا سياسيين أيضاً ومفكرين وفلاسفة وكل شيء.
وهذا ما ينطبق على فيكتور هيغو أيضاً، بل وبالدرجة الأولى، لأنه كتب الرواية والشعر والمسرحية والمؤلفات الفلسفية والسياسية. من لم يسمع برواية «البؤساء» لفيكتور هيغو؟ كان الشاعر - آنذاك - مسؤولاً عن العصر، عن مرض العصر، عن حل مشكلة المجتمع والعصر.
وأخيراً، فالسؤال المطروح هو: من سيؤلف كتاباً ضخماً بعنوان «اعترافات أحد أبناء العصر العربي»؟ من سيقدر عليه؟ من سيتجرأ عليه؟



اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي. وهو يخاطب العقل والوجدان والحواس صاهراً إياها في سبيكة واحدة محملة بالدلالات والإيحاءات.

لكن الكتاب الذي نتوقف عنده هنا يطرح سؤالاً؛ هل الشعر مقصور على الأفكار العالية والعواطف السامية واللغة الجليلة؟ ويجيب؛ إن فيه مكاناً للثقافة الشعبية والمصطلح العامي ضارباً أمثلة لذلك من الشعر الإنجليزي في مختلف عصوره.

إنه كتاب «مهنة سامية»، أو «رسالة سامية»، أو «من أين تحصل على أفكارك؟» (A High Calling? Or: where do you get your ideas from?) من تأليف جون غريننغ (John Greening) وقد صدرت منه طبعة ورقية الغلاف عن دار النشر «مطبعة رينارد» (Renard Pressing) في 224 صفحة.

نحن هنا نبحر مع المؤلف في عوالم شعرية شتى، قديماً وحديثاً، مع الإشارة إلى الروابط بين فن الشعر وفن الموسيقى. فقد كان المؤلف مولعاً بالموسيقى الكلاسيكية، خاصة أعمال المؤلف الموسيقي الفنلندي جان سيبليوس صاحب القصيد السيمفوني «فنلنديا» (1900). ويقول غريننغ عن سيبليوس: «لقد كان سعيداً بأن ينتج منمنمات شعبية (أعمالاً صغيرة) إلى جانب روائعه المتميزة بالقوة والحدة والكثافة». ويخصص نصف الفصل المعنون «العبقرية» للحديث عن موسيقيين.

ويلخص غريننغ وجهة نظره في قوله: «تستطيع العبقريات الحقة أن تتغنى علواً وسفلاً». ويضرب مثلاً لذلك شكسبير الذي جمع بين الجدّ والهزل، والفكر العميق والتهريج الرخيص: «لقد كانت عظمته تتجلى أكثر ما تتجلى حين بدأ؛ العالي والواطئ يندمجان لديه، كما في شخصية الملك لير ومهرجه».

ففي مأساة «الملك لير» (1605 - 1604) نجد أن الملك العجوز، وقد دبّ إليه الخرف، يرتكب غلطة مأسوية حين يتنازل عن عرشه وكل سلطاته لابنتيه جونريل وريجان، غافلاً عما تنطوي عليه نفساهما من شرّ وقسوة، ويحرم من الميراث ابنته الصغرى كورديليا، وهى البارة بأبيها حقاً، لأنها أبت أن تجامله بمعسول القول كما فعلت أختاها المنافقتان. وتنتهى المسرحية بمصرع كورديليا والبهلول (مضحك الملك أو مهرج البلاط) فينطق لير بهذه الكلمات:

«ومضحكي المسكين قد شنق. ليس، ليس، ليس من حياة؟

لِمَ تكون للكلاب والجواد والفأر حياة

وأنت بلا أنفاس البتة؟ لن تفيق مرة أخرى.

هيهات هيهات هيهات هيهات هيهات

أرجوكم حلّوا هذا الزر. شكراً يا سيدي».

ت. س. إليوت

إن اللغة في هذه الانفجارة الانفعالية لغة بسيطة تخلو من أي صور شعرية بعيدة المنال. فهي تعبير تلقائي، في لحظة صادمة، لا يلجأ إلى التفنن والإغراب. الحيوانات المذكورة هنا (الكلب والجواد والفأر) كلها حيوانات مألوفة وليست كالحيوانات الأسطورية (عنقاء مغرب أو طائر الرخ أو الجواد بجاسوس الذي يطير أو القنطور الذي يجمع بين رأس رجل وبدن جواد). ويتكرر حرف النفي ذو المقطع الواحد (no). كما تتكرر كلمة «هيهات» (never) 5 مرات وهى من أشيع الكلمات في الحديث اليومي.

مثل آخر يضربه المؤلف هو شعر ت. س. إليوت في قصيدته «الأرض الخراب» (1922)، خاصة الحركة الثانية المعنونة «مباراة شطرنج». فمسرح القصيدة هنا مشرب من المشارب الرخيصة (pubs) التي تعج بها مدينة لندن وغيرها من المدن والبلدات والقرى البريطانية. إن المتكلم يتحدث إلى امرأة تدعى ليل، سرّح زوجها من الجيش، وهو الآن بصدد العودة إلى بيته. وينصحها المتكلم بأن تعنى بمظهرها، وأن تركب «طقم أسنان» جديداً حتى تحلو في عيني زوجها الذي قضى 4 أعوام في الخدمة العسكرية، وهو الآن يتطلع إلى قضاء وقت ممتع. ويحذرها المتكلم أنها إن لم توفر لزوجها هذا الوقت فسيبحث عن امرأة غيرها تلبي حاجاته. والمصطلح اللفظي الذي يستخدمه إليوت هنا، بعكس سبحاته الشعرية العالية في مواضع أخرى من القصيدة، مصطلح عامي دارج يعكس بيئة متواضعة وحظاً ضئيلاً من التعليم. ونجد إشارات إلى ظواهر من الحياة المعاصرة كأقراص منع الحمل، وما يمكن أن يكون لها من أثر في صحة المرأة:

«قالت هي تلك الأقراص التي تناولتها لأجهض طفلي

(كانت أماً لخمسة أطفال وقد كادت تموت يوم ولادة جورج الصغير)

وقد زعم الصيدلي أني لن ألبث أن أعود إلى حالتي الطبيعية

ولكنى ما عدت قط كما كنت».

يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة وفكرة قويتين، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية

مثال ثالث للشعر الذي يدنو من لغة الحياة اليومية هو و. هـ. أودن، الذي يصفه المؤلف بأنه «يذكرنا بالمجال المتاح أمام شاعر ذي عبقرية». ففي قصيدته المسماة «سأحصل على وظيفة» (1932) نقرأ:

«سأحصل على وظيفة في مصنع

سأعيش مع الأولاد العمال

سألاعبهم لعبة لوحة السهام في المشرب العام

سأشاركهم أحزانهم وأفراحهم

ولن أعيش في عالم ولى زمنه».

ويؤكد غريننغ أن الشعر يمكن أن يجد جمهوراً مهما جاء مخالفاً للتصورات التقليدية بما يجب أن يكون عليه من سمو وجلال: «يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة إنسانية قوية أو يعبر عن فكرة مستحوذة على الأذهان، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية».

ومسيرة الشعر منذ النصف الثاني من القرن العشرين حتى يومنا هذا (عندنا كما عند غيرنا) تشهد بصواب نظرة غريننغ (وهو ذاته شاعر إلى جوار كونه ناقداً). فنحن حين نقرأ قصائد شاعر معاصر كالشاعر اليوناني يانيس رتسوس مثلاً (ترجم رفعت سلام قصائده إلى العربية) نجده يستوحي مفردات الحياة اليومية وينأى عن أي إغراب. وكذلك الشأن مع محمد الماغوط في قصائد نثره، كما أوضح دانيل بيهار في كتابه «الشعراء السوريون وحداثة اللغة المحكية»، أو صلاح عبد الصبور الذي يحدثنا أنه رتق نعله وشرب شاياً في الطريق ولعب دور نرد أو دورين، أو أحمد عبد المعطي حجازي الذي يتحدث بصوت بائع ليمون: «العشرون بقرش - بالقرش الواحد عشرون». ويبلغ هذا الاستخدام للغة الحياة اليومية أبعد نقطة له في شعر العامية المنحدر من ابن عروس إلى فؤاد حداد، وعبد الرحمن الأبنودي، وصلاح جاهين، مروراً ببيرم التونسي. إن البساطة ليست نقيض العمق. وفي الشعر مكان لكل تنوعات الخبرة الإنسانية من أعلاها إلى أدناها.


«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور
TT

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023» والملقب بـ«شيخ المترجمين العرب» نظراً لإسهاماته التي تجاوزت 130 كتاباً في هذا السياق.

يشير عناني في مقدمته النقدية التي يستهل بها ترجمته الكاملة، والمزودة بهوامش وشروحات مع ذكر القائمة التفصيلية للمراجع والمصادر، إلى أن العمل ينتمي إلى المسرح الشعري، وطابع الشعر هنا لا يقتصر على ظاهرة النظم، بل يتعداها إلى صلب الرؤية الفنية التي تستمد قوتها من طاقة الاستعارة بأشكالها التي تتراوح ما بين الصور الجمالية بشتى أنواعها والرمزية، إلى جانب ما يتمتع به فن الشعر من تكثيف في الصياغة والضغط في التعبير، وهو ما تؤكده خصوصية البناء المسرحي الفريد في «عطيل».

ويجمع الدراسون على أن شكسبير قد استقى الحبكة من قصة وردت في مجموعة من مائة قصة طويلة مقسمة إلى عشرات تحمل عنوان «القصص المائة»، ومؤلفها هو جوفاني باتستا جيرالدي تشنثيو، وتقع في العشرة الثالثة، وقد نشرها في البندقية باللغة الإيطالية عام 1566، كما نُشرت في باريس باللغة الفرنسية عام 1584 من ترجمة جابريل شائوي. ولم يستطع الباحثون أن يعثروا على ترجمة إنجليزية لها قبل عام 1753، وربما يكون أحد المترجمين قد أصدر لها ترجمة معاصرة لشكسبير فاطلع عليها قبل نفاد نسخها، وربما يكون قد أطلع عليها بالإيطالية بدليل وجود أصداء لفظية مباشرة في النص لتلك اللغة، وهو ما بينه الكثيرون، أو أن يكون قد قرأها بالفرنسية.

تتحدث القصة عن قائد مغربي يتخذ لنفسه زوجة من بنات مدينة البندقية، رغم معارضة والديها واسمها «دزدمونة» ويعيشان معاً زمناً طويلاً في سعادة، ثم يقرر مجلس الحكم في البندقية تغيير نظام حامية قبرص وإرسال المغربي «عطيل» قائداً لها، دون تحديد أسباب لتغيير القديمة. وبعد معارضة طفيفة يقبل المغربي أن تصحبه زوجته؛ فالرحلة يسيرة، والسفينة مأمونة ومتينة البناء.

وبعد الوصول يقدم تشنثيو ثلاث شخصيات أخرى أهمها «ياجو» الشرير الذي يشغل منصب حامل العلم، ويقع في حب «دزدمونة»، ويتمنى الظفر بها، ويحاول بشتى الوسائل إغواءها فلا يجد أذناً مصغية، فهي تحب المغربي حباً جارفاً ولا تتصور خيانته مطلقاً، وهنا يتساءل الشرير عن ذلك ويوحى إليه ذهنه الفاسد بأنها لم تتمنع عليه إلا لأنها تحب ضابطاً آخر هو «كاسيو»، ومن ثم يتحول الحب الذي يكنه لها إلى كراهية مرة.

يُقنع ياجو «عطيل» بأن زوجته خائنة، فيصر الأخير على طلب دليل عيني، ويرد «ياجو» قائلاً إنه كان يمكنه تحقيق مطلبه لولا أن الرجل قد فقد منصبه ولم يعد يأتي إلى منزل «عطيل»، ومع ذلك فهو يعده بتلبية طلبه بأن يأتي بدليل حاسم. ويتذكر «ياجو» أمر المنديل المغربي النادر الذي أهداه «عطيل» إلى زوجته ويسرقه ياجو بنفسه في أثناء زيارته مع زوجته وابنته الصغيرة لـ«دزدمونة»، ويرميه في منزل «كاسيو»؛ تمهيداً لاتهام الزوجة الغافلة البريئة بأنها أهدته ذلك المنديل.

يناقش «عطيل» مع «ياجو» أمر قتل زوجته والرجل الذي يتهمه بالخيانة معها، ويقرر من ثم تكليف الشرير بقتل الرجل وفعلاً يفاجئه «ياجو» ذات ليلة وهو خارج من منزل فتاة ليل، ويعاجله بضربة تكسر ساقه ولكن «كاسيو» يتحامل بشجاعة على نفسه وينهض للدفاع شاهراً سيفه فيفر «ياجو» في ظلام الليل، ويصيح «كاسيو» طالباً للنجدة، ويهتف قائلاً: «لقد قُتلت»، ثم يعود «ياجو» وسط الظلام ويواجه بالشرطة التي هرعت إلى مكان الحادث.

تعلم «دزدمونة» بما حل بـ« كاسيو» فتحزن حزناً عميقاً، ويرى «عطيل» أن ذلك دليل لا يقبل الشك على خيانتها، ويدبر له حامل العلم أمر قتلها، بحيث لا يتهم أحد بارتكاب الجريمة، ويتفقان على أن يضرباها حتى الموت بجورب مملوء بالرمال، وأن يسقطا سقف الغرفة الخشبي المتهالك عليها؛ حتى يبدو الحادث كأنه قضاء وقدر، وينجحان في تحقيق ذلك، ويعتري المغربي حزن شديد على زوجته، وكراهية عميقة لحامل العلم، لكنه لا يجرؤ على قتله فيفصله من منصبه.

هنا يدبر «ياجو» خطة لقتل المغربي فيقنع «كاسيو» بالعودة معه إلى البندقية ويقول له إن «عطيل» هو الذي ضربه بالسيف فكسر ساقه بدافع الغيرة، ثم قتل زوجته، ويتقدم «كاسيو» بالشكوى إلى مجلس الحكم، ويُستدعي «ياجو» شاهداً، ويؤيد كل ما ذهب إليه في دعواه، وتلقي الشرطة القبض على المغربي وتعيده إلى البندقية، حيث يتعرض للتعذيب حتى يعترف، لكنه يصر على الإنكار، فيصدر المجلس الحكم بالنفي المؤبد عليه، ولكن أسرة «دزدمونة» تقتله، ويواصل حامل العلم «ياجو» حياة الشر فيكون له المزيد من الضحايا، لكن يُقبض عليه في نهاية الأمر، ويعذّب حتى الموت.

ويشير الدكتور عناني إلى أن الانهيار السريع الذي يتسبب في النهاية المفجعة لا تبرره على المستوى الواقعي المحض نظرتنا إلى المسرحية بوصفها مأساة زوج يغار أو يشك في زوجته أو حتى مأساة بطل جندي مغوار وشاعر يمثل صورة «العاشق المحارب» التي ورثتها أوروبا من العصور الوسطى.

والفكرة هنا أن «ياجو» يشارك «عطيل» عدم انتمائه طبقياً إلى البندقية بوصفها دولة غنية تعتمد على التجارة وثراء الأعيان من ذوي الحسب والنسب، فضلاً عن امتياز البحارة المقاتلين أو الأفذاذ في صنعة الحرب من القادة والأعلام. و«ياجو» لا يتمتع بالثراء ولا الحسب والنسب، ولا هو من السادة، ولا يأمل حقاً في أن ينافس ابن المجتمع الراقي «كاسيو» الذي تلقى التعليم، ويتمتع بمزايا الأعيان من ذوي الشعر المهدل، ويحظى بإعجاب بنات الطبقة الراقية، ويعرف موقعه في السلم الاجتماعي فهو يغار غيرة حقد وحسد من «كاسيو» أولاً، ومن «عطيل» ثانياً.


سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا
TT

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا بعدّها رمزاً تاريخياً فريداً من نوعه، لكنه لم ينل ما يستحق من الشهرة أو الذيوع رغم عمق المعاني التي يتضمنها.

كانت فاتنة الجمال، راجحة العقل، جامحة الخيال، نهلت من الفكر المصري ونزعته الصوفية وكانت من أكثر المعبرين عنه، كما قال عنها المؤرخ الأميركي الشهير ول ديورانت، إنها بزت جميع فلاسفة زمانها، ولما عُينت أستاذة للفلسفة هرع لسماعها عدد كبير من الناس من شتى الأقطار.

وقد بلغ من حبها للفلسفة أنها كانت تقف في الشوارع تشرح لكل من يسألها عن النقاط الصعبة في كتب أفلاطون وأرسطو ما أكسبها احترام الناس.

ولدت عام 370م وكان أبوها «ثينون» فيلسوفاً عمل بالفلسفة والجبر والهندسة، ثم مديراً لمكتبة الإسكندرية، أخذت عنه حب التفكير والفلك والرياضيات كما دربها على الخطابة والتدريس، وعندما كتب شرحاً لكتاب بطليموس اعترف بالدور الذي قامت به في تأليفه، كما كانت أبحاثها تشمل الفلك والرياضة وصنعت أجهزة لتقطير المياه وقياس منسوبها، كما صنعت «إسطرلاب» وجهازاً لقياس كثافة السوائل.

وفى الثلاثين من عمرها صدر الأمر الإمبراطوري بتعيينها أستاذة بالمكتبة، وغدت فيلسوفة من أتباع أفلاطون وتزعمت مدرسة «الأفلاطونية الجديدة» ذات النزعة الصوفية، وكانت بعثاً للفكر المصري القديم، تميزت به مدرسة الإسكندرية منذ القرن الثالث قبل الميلاد، وازدهر على يد أفلوطين كآخر المدارس اليونانية الفلسفية الكبرى.

كانت تقول إن «من يقدر على خلع بدنه وتكسير حواسه ووساوسه وحركاته، يستطع الرجوع إلى ذاته والصعود إلى العالم العقلي، كما أن الامتناع عن الشهوات وعدم أكل اللحوم عوامل مساعدة لصفاء النفس، وعلى الإنسان أن يمارس العبادات لتطهير النفس والزهد، فقيمة الإنسان ليست في جمال ملامحه ولكن في جمال أخلاقه».

عدّها المتعصبون دينياً واحدة من ألد أعدائهم بسبب جمالها وروعة منطقها وحداثة أفكارها، فهجموا عليها في أثناء عودتها من إلقاء إحدى المحاضرات وأنزلوها من عربتها وجروها إلى منطقة نائية. وهناك جردوها من ملابسها، وأخذوا يرجمونها بقطع القرميد حتى قتلوها، بل أكثر من ذلك قطعوا جسدها إرباً، وحرقوا بعضه، كانوا يفعلون كل ذلك بمرح وحشي شنيع لتذهب أسطورة هيباتيا ضحية للصراع بين الفكر والعلم من ناحية، والتعصب الديني من ناحية أخرى وعمرها 45 سنة.

لم يعاقب الجناة على فعلتهم البشعة واكتفى الإمبراطور بتقييد حرية المتطرفين في الظهور أمام الجماهير، مع حرمان الوثنيين من المناصب العامة، وأغلق المعابد والمدارس لتنطفئ شعلة العلم في الإسكندرية وينطفئ دورها الحضاري، ويرحل أساتذتها إلى أثينا خوفاً من مصير هيباتيا.