جيش حفتر يدافع عن «حق» سيف الإسلام في «ممارسة حياته بحرية»

مصادر قبلية ليبية قالت لـ«الشرق الأوسط» إن نجل القذافي يتواصل مع قيادات في الوسط والغرب

سيف الإسلام القذافي في آخر ظهور له في طرابلس قبل سقوطها في 2011 (أ.ف.ب)
سيف الإسلام القذافي في آخر ظهور له في طرابلس قبل سقوطها في 2011 (أ.ف.ب)
TT

جيش حفتر يدافع عن «حق» سيف الإسلام في «ممارسة حياته بحرية»

سيف الإسلام القذافي في آخر ظهور له في طرابلس قبل سقوطها في 2011 (أ.ف.ب)
سيف الإسلام القذافي في آخر ظهور له في طرابلس قبل سقوطها في 2011 (أ.ف.ب)

قال الجيش الوطني الليبي أمس إن من حق سيف الإسلام، نجل القذافي، ممارسة حياته في كل المجالات بحرية. وأكد مصدر من قبيلة القذاذفة التي ينتمي إليها سيف، أن تعليق الجيش يعني أن نجل القذافي الذي كان محتجزا في مقر في غرب طرابلس، يمكنه تولي أي مناصب قيادية في المستقبل، وفقا لإرادة الشعب الليبي. وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن سيف الإسلام «يتواصل، منذ الإفراج عنه يوم الجمعة الماضي، مع قيادات في الوسط والغرب». وأعلنت «كتيبة أبو بكر الصديق»، التي يقودها العقيد العجمي العتيري، في جنوب غربي طرابلس، والمقربة من الجيش الوطني الذي يقوده المشير خليفة حفتر، أن الإفراج عن سيف (44 عاما) جرى طبقا لقانون العفو العام الذي سبق وأصدره البرلمان الذي يعقد جلساته في طبرق في شرق البلاد.
ومنذ عام 2014 يشن كل من البرلمان والجيش حربا عسكرية ودبلوماسية من أجل تمكينهما من فرض السلطة على البلاد المنقسمة على نفسها. وتمكن تحالف البرلمان والجيش من تحقيق تقدم على خصومه، رغم مؤازرة المجتمع الدولي للمجلس الرئاسي الذي يقوده فايز السراج. وقال مصدر مقرب من السراج إن أعضاء في المجلس الرئاسي يرفضون الإفراج عن سيف.
ويعارض الإفراج عن سيف الإسلام أيضا عدة ميليشيات متصارعة تطلق على نفسها لقب «الثوار»، في إشارة إلى انتمائهم للانتفاضة المسلحة التي أدت لسقوط حكم معمر القذافي ومقتله في عام 2011. ويتركز وجود هذه الميليشيات في طرابلس ومصراتة.
وقال مصدر عسكري ليبي إن الإفراج عن سيف «خطوة مهمة في طريق حلحلة الأزمة الليبية، وتعد بمثابة هزيمة لحلف المتطرفين والميليشياويين المناوئين للدولة والجيش»، مشيرا إلى أن عشرات من القيادات الكبيرة في نظام القذافي، ممن كانوا في سجن الهضبة في طرابلس طوال سنوات ما بعد القذافي، يقيمون الآن في مكان آمن في العاصمة عقب تحريرهم من السجن قبل نحو شهر.
وكان سيف مسجونا في سجن يخضع لحراسة كتيبة أبو بكر الصديق في مدينة الزنتان التي تقع على بعد نحو 170 كيلومترا جنوب غربي طرابلس. وأعلنت الكتيبة يوم أول من أمس (السبت) أنها أطلقت سراح سيف، وقالت في بيان على «فيسبوك»: «قررنا إخلاء سبيل السيد سيف الإسلام معمر القذافي وهو حر طليق ونؤكد على أنه غادر مدينة الزنتان». وأوضحت المصادر القبلية أنه «بمجرد خروجه من الزنتان قام بزيارات لقادة قبليين في وسط وغرب البلاد، إلا أنه، حتى أمس، يمكن القول إنه ما زال يتردد على مقر إقامته الذي كان محتجزا فيه في الزنتان».
ووفقا للمصادر نفسها فإن سيف لم يكن محتجزا في سجن، ولكن في منزل يخضع لحراسة من أفراد الكتيبة التي تضم قيادات ما زالت تدين له بالولاء، حيث كان يسمح له بممارسة حياته الطبيعية في حدود الموقع الذي يقيم فيه وبما يحفظ حياته من أي اعتداء من خصومه.
وكانت محكمة في طرابلس، التي تسيطر عليها قوى متطرفة وأخرى ميليشياوية، حكمت على نجل القذافي بالإعدام. كما سبق أن صدرت بحقه مذكرة توقيف دولية. وجاء قرار العفو من البرلمان الليبي، مطلع العام الماضي، عن جميع المسجونين على خلفية أحداث 2011. بمن في ذلك سيف الإسلام. وخرجت عدة قيادات معظمها من الفئات الوسطى في نظام القذافي، من سجون طرابلس ومصراتة وغيرها، إلا أن إجراءات تنفيذ العفو على القيادات الكبيرة والمقربة من القذافي وأسرته، تعرضت لعراقيل، من جانب عدة أطراف منها المجلس الرئاسي المدعوم دوليا.
وقتل ثلاثة من أبناء القذافي السبعة خلال انتفاضة 2011. وأحد أبنائه الناجين هو الساعدي، الذي يحاكم في طرابلس مع آخرين. أما أرملة القذافي، صفية فركاش، فلجأت مع ثلاثة من أبنائها إلى الجزائر ثم سلطنة عمان، قبل أن تعود إلى شرق البلاد مع عشرات من القيادات السابقة ومن عائلة القذافي التي استفادت من العفو العام.
وفي وقت سابق من العام الماضي، قال المجلس الرئاسي، الذي يضم في عضويته نوابا محسوبين على الجماعات المتشددة في ليبيا، منها جماعة الإخوان والجماعة الليبية المقاتلة، إن العفو الصادر من البرلمان لا يمكن تطبيقه على أشخاص متهمين بجرائم ضد الإنسانية مثل سيف الإسلام. وفقد المجلس الرئاسي وميليشيات كانت تؤازره، الكثير من القوة خلال الشهرين الماضيين، وفي المقابل حقق الجيش الوطني بقيادة حفتر، تقدما كبيرا على الأرض واجتاح مناطق واسعة كانت تقع تحت سلطة قوات موالية لمجلس السراج، خصوصا في مناطق مهمة في جنوب ليبيا وفي الوسط، بالإضافة إلى سيطرته شبه الكاملة على شرق البلاد.
وأكد المتحدث باسم الجيش الوطني، العقيد أحمد المسماري، أمس، أن سيف الإسلام أصبح من الناحية الإدارية والقانونية حرا طليقا بموجب قانون العفو العام الصادر من البرلمان. وأضاف أن نجل القذافي «مواطن ليبي استفاد من قانون العفو العام الذي أقره البرلمان وهو الآن خارج مقر الاعتقال السابق في الزنتان»، مشيرا إلى أن كل من هو غير متهم بجرائم مالية أو جنائية أو تضر بالبلاد، مشمول بقانون العفو الصادر عن البرلمان بتشجيع من القيادة العامة للجيش.
وعما إذا كان يحق لسيف الإسلام ممارسة أي نشاط سياسي، أكد المسماري قائلا: ما لم تكن عليه أي مطالبات خاصة أو جنائية من أي مواطن ليبي، فمن حقه ممارسة حياته الطبيعية في كل المجالات وبكل حرية.
ولوحظ التكتيم الشديد من جانب أطراف قبلية وسياسية وعسكرية ليبية بشأن مكان وجود سيف الإسلام القذافي عقب الإفراج عنه. ولم يتم الإعلان عن الإفراج عنه، إلا بعد نحو 24 ساعة من إطلاق سراحه بالفعل. وبينما أكد محاميه، خالد الزيدي، أنه جرى بالفعل إطلاق سراح سيف، وتوجهه إلى مدينة أخرى، إلا أنه حرص على عدم ذكر هذه المدينة «لاعتبارات أمنية».
ويعد سيف الإسلام من أبرز أبناء القذافي الذي حكم ليبيا طوال 42 عاما. وهو مولود في طرابلس في 25 يونيو (حزيران) عام 1972. وظهر على الساحة الليبية حين انخرط بقوة في مفاوضات دولية ومحلية لتخفيف الضغط على نظام والده، منها تسوية قضية لوكيربي، وقضية الممرضات البلغاريات والإفراج عن السجناء السياسيين، وغالبيتهم من الإسلاميين، من سجن أبو سليم سيئ السمعة.
وفتح سيف الإسلام، الباب واسعا لعودة المعارضين من الخارج، خلال السنوات الخمس التي سبقت الإطاحة بوالده من الحكم، وأسس لهذا الغرض جمعية ذات صبغة سياسية وإعلامية، تحت اسم «ليبيا الغد». وأقنع والده ورجاله الأقوياء، خلال تلك الفترة، بالتسامح مع قيادات من جماعة الإخوان والجماعة الليبية المقاتلة. وهي القيادات نفسها التي تزعمت الانتفاضة المسلحة التي أنهت حكم القذافي، حيث قتلته ودفنته في مكان غير معلوم.
وفي صيف عام 2011 أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف في حقه بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية. وقالت إنه قام بتأدية دور رئيسي في تنفيذ خطة وضعها والده وتستهدف قمع الانتفاضة الشعبية بكل الوسائل. وبعد ذلك بنحو خمسة أشهر، اعتقل منتفضون من بلدة الزنتان سيف الإسلام. وفي يوليو (تموز) من العام قبل الماضي، أصدرت محكمة في طرابلس حكما بالإعدام على سيف وعشرات من قيادات النظام السابق لاشتراكهم في «قمع» الانتفاضة. لكن الأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية مدافعة عن حقوق الإنسان نددت بالطريقة التي جرت بها محاكة سيف الإسلام.
ولم يتضح بعد الدور الذي يمكن أن يلعبه سيف الإسلام في ليبيا، حيث تتنافس عدة جماعات مسلحة وثلاث حكومات على السيطرة على البلاد. لكن نجل القذافي كان قد أسس العام الماضي، وهو رهن الاحتجاز، حركة أطلق عليها «الحركة الشعبية لتحرير ليبيا»، تضم بعضا من رموز النظام السابق ومتعاطفين معه، من بينهم عسكريون.



السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».


انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.