ضم الجولان فصل جديد في «النكسة» ... و«حفلة سمر» مستمرة في دمشق

ضم الجولان فصل جديد في «النكسة» ... و«حفلة سمر» مستمرة في دمشق
TT

ضم الجولان فصل جديد في «النكسة» ... و«حفلة سمر» مستمرة في دمشق

ضم الجولان فصل جديد في «النكسة» ... و«حفلة سمر» مستمرة في دمشق

«نكسة» 1967 نقطة انعطاف في سوريا، لا تقل أهميتها عن «نكبة» 1948. حفرت عميقاً في بنية النظام والسياسة والثقافة والاقتصاد والمجتمع لا تزال آثارها قائمة إلى الآن، بل إن ارتداداتها ظهرت في السنوات الست الأخيرة. وأثبتت رياح «الربيع السوري» الأخيرة ببرهان الدم نبوءة الكاتب سعد الله ونوس في مسرحيته «حفلة سمر من أجل 5 حزيران»، عندما كان الجرح سخناً: سبب الهزيمة داخلي وإزالة آثار «النكسة» جواني أيضاً... وإلا فإن تمزيق الجغرافيا لن يقتصر على الحدود، بل إنه سيمتد إلى داخل الأوطان والشوارع والحارات والطوائف والأعراق.
خسائر حرب يونيو (حزيران) على الجبهة السورية قبل 5 عقود، كانت الجولان جغرافياً، لكنها هزت السوريين عمودياً وأفقياً. بعضهم حاول الانتحار أو أنه مات قهراً، لكن الحرب وفرت أيضاً حافزاً للبحث في العمق في الأسباب وكيفية معالجتها. أيضاً، كانت للحظة أو سنوات عاملاً لتناسي الخلافات والبحث عن الجامع.
لم يكن سعد الله ونوس وحده الذي قرر ترك غربة باريس والعودة إلى البلاد بعد حرب الأيام الستة لتقديم «حفلة سمر» بعد سنتين على «مسارح الوطن»، بل إن معارضين كثيرين قرروا العودة. سليم حاطوم الذي هرب إلى الأردن بعد فشل محاولته الانقلابية، قرر العودة من المنفى بعد «النكسة»، فكان الاعتقال والموت في انتظاره في دمشق. أما الرئيس شكري القوتلي، الذي عاش في بيروت منذ وصول حزب «البعث» إلى الحكم في 1963، وفرت له الهزيمة غطاء كي يعود إلى دمشق، لكن على أكتاف محبيه في كفن.
القوتلي، الذي كان يعاني الأمراض في العاصمة اللبنانية، لم يحتمل علقم الهزيمة. مات باحتشاء في القلب بعد نحو أسبوعين من «النكسة» وبعد عقدين من قهر «النكبة». وقتذاك، توسط قادة عرب لدى حكم «البعث» في الجناح السوري كي يسمحوا لجثمان القوتلي بالعودة إلى دمشق التي كانت تعاني من انقسامات حادة في النظام السياسي وجهود الناس لتلمس معنى سقوط السلطة في حضن «البعث».
«النكسة» أضافت عوامل إضافية للشرخ في النظام السياسي بتبادل الاتهامات. بعضهم رأى أن خسارة الأرض لم تكن مهمة ما دام أن النظام أو «الثورة» لم يهزما. بعضهم الآخر، كان أقرب إلى الواقعية. هنا «يسار طفولي» وهناك «واقعي». كان هناك تياران: الأول بقيادة صلاح جديد. الثاني بقيادة حافظ الأسد. ولا شك أن «النكسة» أعطت الغطاء المنتظر لتيار الأسد كي يقوم بانقلاب نوفمبر (تشرين الثاني) 1970 تحت عنوان «الحركة التصحيحية» بهدف «تصحيح الكارثة» التي حصلت قبل 3 سنوات ومحو آثارها.
إسرائيل، أناطت قبل أيام اللثام عن كثير من «وثائق النكسة» لمناسبة مرور 5 عقود. تقليد الكشف عن الوثائق إن وجدت، غير موجود في سوريا وغيرها من الدول العربية. لكن الانتفاضة السورية، وفرت مناسبة كي يقدم سياسيون وعسكريون سوريون سابقون عايشوا حرب 1967 شهاداتهم عن الأيام الستة في تلك الحرب والروابط بين خسارة القنيطرة وتغييرات في دمشق. ولا تزال هذه الشهادات تتطلب كثيراً من المراجعات التاريخية والتقاطع مع شهادات أخرى للقبض على ما حصل قدر الإمكان.
الخلاف حول «النكسة» واضح. لكنه أقل بكثير لدى وضع «حرب التحرير» في أكتوبر (تشرين الأول) على طاولة البحث. هذه الحرب التي قادها الأسد و(الرئيس أنور السادات على الجبهة المصرية) بدعم عربي كبير، استدعت قدوم وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر للقيام بدبلوماسية مكوكية بين دمشق وتل أبيب. النتيجة كانت «اتفاق فك الاشتباك» في الجولان ونشر قوات دولية للمراقبة باسم «أندوف» لضبط وجود القوات السورية وتحديدها في المناطق العازلة والآمنة ومحدودة الانتشار.
وإذا كانت «النكسة» شكلت غطاء للانقلاب بهدف «التصحيح» ونسج تحالفات مع الطبقة الاقتصادية الدمشقية، شجعت صلاح جديد على الطلب من الاتحاد السوفياتي لإرسال 800 خبير عسكري لإصلاح ما دمرته إسرائيل. هؤلاء شكلوا أساس علاقة «السوفيات» ثم الروس مع الجيش السوري التي برزت في السنوات الأخيرة.
لكن «حرب تشرين»، شكلت مناسبة للأسد كي يفتح على واشنطن من دون أن يغلق على موسكو. وزار الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون دمشق نهاية أكتوبر 1974 كي يبارك «اتفاق فك الاشتباك». وكانت معادلة التحالف مع موسكو والتعاون مع واشنطن، ميزة أساسية لحكم الأسد - الأب. ظهر هذا لدى دخول القوات السورية إلى لبنان ثم لدى مشاركة الجيش السوري في «عاصفة الصحراء» بداية 1991 ومشاركة سوريا في مؤتمر مدريد للسلام الذي أطلق المفاوضات العربية - الإسرائيلية.
خلال عقد التسعينات وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي والكتلة الشرقية، مالت دمشق أكثر إلى واشنطن. 10 سنوات من المفاوضات قادها حافظ الأسد لعقد اتفاق سلام سوري - إسرائيلي خلال تعاقب الحكومات الإسرائيلية منذ اليميني إسحاق شامير إلى «الجنرال» إسحاق رابين وصولاً إلى المتشدد ببنيامين نتنياهو بعد إقامة قصيرة لـ«رجل التطبيع» شيمعون بيريز وانتهاء بـ«جنرال السلام» إيهود باراك. وجرت المفاوضات أيضاً خلال تعاقب جورج بوش وبيل كلينتون على البيت الأبيض.
وقتذاك، كانت سوريا تفاوض لاستعادة الجولان مقابل ترتيبات أمنية و«علاقات سلم طبيعية» بيد وتدعم «حماس» و«الجهاد الإسلامي» و«حزب الله» بيد أخرى. تحالف استراتيجي مع إيران من جهة و«مثلث عربي» ضم السعودية ومصر وسوريا من جهة ثانية. تتعامل مع واشنطن خلال حقبة «النظام العالمي الجديد». وتراهن على استعادة موسكو - الروسية دور موسكو - «السوفياتية».
تقدمت مفاوضات السلام في آخر أيام كلينتون. وفي نهاية مارس (آذار) 2000، لم يبقَ سوى الخلاف على شاطئ بحيرة طبريا، ذلك أنه جرى الاتفاق على باقي بنود اتفاق السلام: الانسحاب من كل الجولان، وترتيبات الأمن، وعلاقات السلام، والبرنامج الزمني والعلاقة مع ملف المفاوضات اللبنانية. لكن القمة الأميركية - السورية في جنيف، انهارت. (سبق وزار كلينتون دمشق في 1994 بعد سنة من اتفاق أوسلو). وفي 25 مايو (أيار) انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان. وبعد 5 أيام من ذكرى «النكسة» وخسارة الجولان التي شارك الأسد فيها وزيراً للدفاع، توفي من دون أن يستعيد الجولان بالمفاوضات. مع وصول بشار الأسد إلى الحكم، استمرت محاولات عقد اتفاق سلام. لكن تركيا دخلت على الخط هذه المرة. رعت محاولات لعقد الاتفاق ودعم محاولات أميركا تحقيق ذلك. وبقيت المحاولات لعقد آخر عبر مفاوضات سرية وعلنية، عسكرية وأمنية ودبلوماسية، وصلت إلى أن المبعوث الأميركي جورج ميتشال ثم مساعده فريد هوف صاغا مسودة كاملة للاتفاق.
وإذا كان اغتيال رابين في نوفمبر 1995 أطاح بمحاولة جديدة لتحقيق اتفاق على الجولان ووفاة الأسد في يونيو 2000 دفنت جهوداً أخرى، فإن «الربيع العربي» خلط الأوراق إلى حد كبير. لم يعد الصراع العربي - الإسرائيلي الهم الوحيد الذي يشغل الناس. ولم تعد الجولان ما يؤرق السوريين. ولم تعد الدبابات والطائرات السورية في الجولان مكاناً في الطموح السوري. والمطارات والمدن والقرى مدمرة. وهناك قضية لجوء أخرى غير الفلسطينية. نصف السوريين (من أصل 23 مليوناً) هجروا من منازلهم. و2.5 مليون قتيل وجريح. أيضاً، باتت الطائرات الإسرائيلية مع طائرات عشرات الدول تتزاحم في الأجواء السورية. و«حزب الله» الذي كان في جنوب لبنان، بات في سوريا ويسعى إلى إيجاد موطئ في الجولان.
أيضاً، كان السوريون مرة أخرى على موعد مع «الخامس من حزيران». في 5 يونيو 2013، دخلت قوات النظام و«حزب الله» إلى مدينة القصير في ريف حمص. أما، أهلها فهم في الطرف الآخر من حدود لبنان، ضمن 5 ملايين لاجئ سوري في دول الجوار.
ترددت أنباء عن أن إسرائيل تسعى إلى تحقيق مكاسب استراتيجية من الفوضى السورية. تنازل سوري عن السيادة على الجولان والتخلي عن المطالبة بها. في حال تحقق هذا، سيضاف إلى «مكاسب» أخرى. ذلك أن إسرائيل باتت طرفاً خلفياً في المفاوضات الأميركية - الروسية الحالية في عمان لإقامة منطقة آمنة تشمل القنيطرة في الجولان ودرعا والسويداء. إنها، لو تحققت، «شريط أمن» يعزل إسرائيل عن سوريا. القلق السوري من تحول مناطق النفوذ التي انطلقت في مفاوضات آستانة إلى تقسيم الأمر الواقع. القلق من نزع الجولان من سوريا.
وإذا كانت «النكسة» أدخلت السوفيات إلى سوريا، فإن «الربيع السوري»، أعاد روسيا إلى الشرق الأوسط. قاعدتان عسكريتان في طرطوس واللاذقية ووجود عسكري. هذا «الربيع» أدخل الجيش الأميركي إلى شرق سوريا بدعم الأكراد ضد «داعش». هناك 5 قواعد عسكرية ومطارات. تماماً مثلما أدخلت «حرب تشرين» واشنطن إلى قصر المهاجرين.
من أراد الحديث عن سوريا، عليه أن يطرق أبواب الكرملين والبيت الأبيض. نتنياهو فعل ذلك عندما أسس «خطاً ساخناً» بين تل أبيب وقاعدة حميميم في اللاذقية لمنع التصادم بين طائرتي الطرفين. ومن أراد بحث مصير الجولان بعد 50 سنة من خسارتها، عليه التحدث إلى القيصر فلاديمير بوتين للابتعاد عن مرشد «الثورة الإسلامية» علي خامنئي الذي يستميت كي يقيم في الجولان وحجز مقعداً على طاولة التفاوض على مصير السوريين وسوريا في الإقليم. لكن، لا استقرار في الحل السوري من دون اللاعب الأميركي. عليه، مصير الجولان وسوريا في انتظار الصفقة الأميركية - الروسية... و«حفلة سمر من أجل حزيران» لا تزال تعرض في دمشق.



مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
TT

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)

يكتسب ملف إعادة تأهيل الخدمات الحضرية في اليمن أهمية متزايدة، في ظل مساعٍ دولية لإرساء أسس مرحلة ما بعد الصراع، بعد أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية، وأضعفت قدرة المدن على توفير أبسط الخدمات.

وفي هذا السياق، أكد البنك الدولي أن «المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة» يدخل مرحلة جديدة هذا العام، تعكس التزاماً دولياً مستمراً بدعم تعافي المدن اليمنية وبناء قدرتها على الصمود.

ويشير تقرير حديث للبنك إلى أن المرحلة المقبلة من المشروع ستركز على توسيع الشراكات الدولية، وتبنِّي التقنيات الحديثة في التخطيط الحضري، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، إلى جانب تطوير أدوات دقيقة لقياس الأثر وتحسين الأداء. ويرى أن هذه التوجهات تمثل خطوة متقدمة نحو استعادة مسار التنمية المستدامة، وتهيئة المدن اليمنية لمرحلة ما بعد انتهاء النزاع.

ولا تزال المدن اليمنية تعاني من تداعيات صراع مستمر منذ أكثر من 10 سنوات، خلَّف أضراراً جسيمة في البنية التحتية، وأدى إلى تراجع حاد في مستوى الخدمات الأساسية. فقد توقفت خدمات جمع النفايات في كثير من المناطق، وتضررت شبكات الطرق الداخلية، بينما تواجه المرافق الحيوية انقطاعات متكررة في الكهرباء، الأمر الذي انعكس سلباً على الحياة اليومية للسكان.

مشروع الحفاظ على المدن التاريخية يوفر فرص عمل لآلاف الشباب اليمني (الشرق الأوسط)

وحسب تقديرات حديثة، يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 15 مليون امرأة وطفل، في حين يفتقر نحو ثلثي السكان إلى المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي. ويأتي ذلك في ظل عجز واضح في النظام الصحي عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، ما يفاقم من هشاشة الوضع الإنساني.

كما ساهمت التغيرات المناخية في تعميق الأزمة، مع ازدياد مخاطر الفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يزيد من الضغط على البنية التحتية الضعيفة أصلاً، ويهدد استدامة أي تحسن في الخدمات، ما لم يتم إدماج حلول بيئية فعالة ضمن خطط التعافي.

نتائج ملموسة ومكاسب أولية

في مواجهة هذه التحديات، أطلق البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة في اليمن، بتمويل أولي قدره 150 مليون دولار، بهدف استعادة الخدمات الأساسية في المدن الأكثر تضرراً. وقد حققت المرحلة الأولى التي انتهت في عام 2020 نتائج ملموسة على الأرض. فقد تمكن نحو 3 ملايين يمني من استعادة الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية، كما وفر المشروع نحو 1.5 مليون يوم عمل، في خطوة أسهمت في دعم سبل العيش وتحريك الاقتصاد المحلي. وشملت التدخلات إعادة تأهيل نحو 240 كيلومتراً من الطرق، إلى جانب تحسين خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة لنحو 1.2 مليون مستفيد.

التغيرات المناخية فاقمت من القصور في الخدمات الحضرية بالمدن اليمنية (الأمم المتحدة)

ويُعزى نجاح المشروع إلى اعتماده نهجاً متوازناً في توزيع التدخلات بين مختلف المناطق، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الجغرافية، ما عزز من شعور المجتمعات المحلية بالإنصاف. كما تميَّز بمرونة عالية في التعامل مع الظروف المتغيرة، بما في ذلك التحديات الأمنية وتصاعد النزاع، وهو ما مكَّنه من الاستمرار في تقديم الخدمات حتى في أكثر البيئات تعقيداً.

علاوة على ذلك، لعب إشراك المجتمعات المحلية دوراً محورياً في تحديد الأولويات وتصميم الحلول، الأمر الذي أسهم في تعزيز فعالية الاستجابة وضمان توافقها مع الاحتياجات الفعلية للسكان.

مرحلة جديدة

على الرغم من هذه الإنجازات، لا تزال التحديات في اليمن كبيرة؛ خصوصاً مع استمرار النزاع وتسارع النمو الحضري؛ إذ تشير التقديرات إلى احتمال تضاعف عدد سكان المدن بحلول عام 2030، ما يزيد من الضغط على الخدمات الأساسية. وفي هذا الإطار، يجري تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع بتمويل يبلغ 195 مليون دولار، بعد إقراره في عام 2021.

وتهدف هذه المرحلة إلى توسيع نطاق الخدمات لتشمل نحو 3 ملايين شخص، من خلال تحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتطوير شبكات الطرق، وتعزيز إمدادات الطاقة. كما تستهدف تقليل مخاطر الفيضانات التي تهدد نحو 350 ألف شخص، عبر تطوير أنظمة تصريف مياه الأمطار وتعزيز البنية التحتية الوقائية.

صورة جوية لطريق حيوي يربط مدينة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أ.ب)

ويركز المشروع أيضاً على بناء قدرات المؤسسات المحلية التي تضررت خلال سنوات الحرب، مثل مؤسسات الأشغال العامة وصناديق النظافة وصيانة الطرق، من خلال برامج تدريبية وتقييمات فنية تهدف إلى تمكينها من قيادة جهود التعافي مستقبلاً.

كما يتضمن إدماج حلول لمواجهة آثار التغير المناخي، عبر تطوير خطط حضرية تراعي المخاطر البيئية، وتعزيز قدرة المدن على التكيف مع الكوارث الطبيعية، وهو ما يعد عنصراً أساسياً في تحقيق الاستدامة.

ويولي المشروع اهتماماً خاصاً بقطاع إدارة النفايات الصلبة الذي شهد تدهوراً كبيراً خلال سنوات النزاع؛ حيث تم توفير معدات حديثة للنظافة وتمويل برامج لتحسين جمع النفايات في عدد من المدن الرئيسية، بما يسهم في الحد من المخاطر الصحية والبيئية.


الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)

شهدت مناطق خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية في اليمن موجة جديدة من الإجراءات التي تستهدف الأنشطة الدينية والتعليمية المختلفة مذهبياً، في خطوة تعكس توجه الجماعة لإعادة تشكيل المجال الديني بما يتوافق مع رؤيتها الطائفية.

وخلال الأيام الماضية، أقدمت عناصر حوثية على إغلاق مراكز لتحفيظ القرآن وتدريس العلوم الشرعية في كلٍّ من صنعاء ومحافظة إب، وسط تنديد محلي وتحذيرات حقوقية من تداعيات هذه الانتهاكات على الحريات الدينية والنسيج الاجتماعي.

في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر مطلعة بأن مسلحين حوثيين نفذوا حملة دهم استهدفت مركز «الهُدى» في حي السنينة بمديرية معين، حيث جرى إغلاقه بشكل كامل بعد طرد الطلاب والمعلمين ومصادرة محتويات مكتبته.

استهداف حوثي متكرر لـ«مركز الشافعي» في محافظة إب (فيسبوك)

ووفقاً للمصادر، جاء هذا الإجراء على خلفية رفض إدارة المركز الانصياع لتوجيهات صادرة عن جهات تابعة للجماعة، تضمنت إخضاع المركز لإشراف ما يسمى مكتب الأوقاف وإلحاقه ببرامج التعبئة الفكرية.

وسبق أن فرض الحوثيون قيوداً على خطب المساجد والدروس الدينية، وألزموا القائمين عليها بتبني مضامين محددة تتماشى مع خطابهم العقائدي.

حملة في إب

في محافظة إب، تكررت المشاهد ذاتها، حيث اقتحم مسلحون حوثيون مركز «الشافعي» للعلوم الشرعية في منطقة «ماتر»، بعد سلسلة من المداهمات السابقة التي استهدفت مكتبته وصادرت محتوياتها. وحسب شهود عيان، فقد أُجبر الطلاب على مغادرة المركز دون أي مسوغ قانوني أو أوامر قضائية، في خطوة عدّها السكان مؤشراً على تصعيد أوسع ضد المؤسسات الدينية المستقلة.

وتعود جذور هذا الاستهداف إلى فترة سابقة، حين اقتحمت الجماعة المركز ذاته وأغلقت أبوابه مؤقتاً، قبل أن تعاود استهدافه مجدداً ضمن حملة أوسع لإغلاق ما تبقى من المراكز غير المنضوية تحت سلطتها. ويؤكد شهود أن هذه العمليات غالباً ما تُنفذ بأسلوب مفاجئ، مما يضاعف من حالة القلق بين الطلاب والعاملين في هذه المؤسسات.

مركز ديني استهدفه الحوثيون سابقاً وحوّلوه إلى مركز تدريبي في إب (فيسبوك)

وأثارت هذه التطورات موجة استياء واسعة في الأوساط المحلية، حيث يرى ناشطون يمنيون أن ما يجري يمثل انتهاكاً صريحاً لحرية التعليم والمعتقد، ويهدد بتقويض التعددية الدينية التي عُرفت بها بعض المناطق اليمنية تاريخياً. كما حذروا من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية، خصوصاً في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها البلاد.

أبعاد طائفية

يرى مختصون أن الحملة الحوثية ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً لا تقتصر على إجراءات أمنية أو تنظيمية، بل تحمل أبعاداً طائفية تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الدينية في المجتمع. فالمراكز المستهدَفة تنتمي إلى تيارات لا تتبنى الخطاب العقائدي للجماعة، مما يجعلها عُرضة للإقصاء ضمن سياسة ممنهجة لتوحيد المرجعية الدينية.

ويُحذر خبراء من أن إغلاق هذه المؤسسات قد يُفضي إلى نتائج عكسية، من بينها حرمان شريحة واسعة من الشباب من التعليم الديني الوسطي، وفتح المجال أمام بروز أفكار متشددة أو غير منظمة خارج الأطر التعليمية التقليدية. كما قد يسهم ذلك في تعميق الانقسامات داخل المجتمع، ويُضعف فرص التعايش بين مختلف المكونات الفكرية.


العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.