«العوضي» أشبه بالمطبخ المغولي ميزته الطهي على نار هادئة

يشتهر به شمال الهند

«العوضي» أشبه بالمطبخ المغولي ميزته الطهي على نار هادئة
TT

«العوضي» أشبه بالمطبخ المغولي ميزته الطهي على نار هادئة

«العوضي» أشبه بالمطبخ المغولي ميزته الطهي على نار هادئة

أغرم الناس في العالم وفي أوروبا وخصوصاً بريطانيا، منذ سنوات طويلة بالمطبخ الهندي. وكانوا حتى العقد الماضي، وبشكل عام، يعتقدون أن المطبخ الهندي واحد، ولم يتعرفوا أو يتنبهوا إلى المطابخ الأخرى التي يتشكل منها أو إلى فسيفساء هذا المطبخ العظيم، خصوصاً أن الهند ليست بلداً صغيراً بل قارة تجمع شتى أنواع الإثنيات والأديان والمناطق الجغرافية. فهي متنوعة تنوع الألوان ذاتها. لكن البعض بدأ منذ سنوات قليلة الالتفافات إلى الفروقات المطبخية بين مختلف المناطق الهندية، وبدأ الناس يعرفون أن الولايات الجنوبية تستخدم كثيراً التمر هندي وجوز الهند وأن الخبز الهندي وأطباق الكاري التي نعرفها تأتي من الولايات الشمالية.
* المطبخ العوضي
بأي حال، فإن الهند تضم كثيراً من المطابخ، وعلى رأسها المطبخ العوضي في شمال البلاد الذي يعتبر مصدر أطباق البرياني الفاخرة وأطباق شيش الكباب المعروفة وشتى أنواع القورمة (الكورمة korma)، أو أطباق اللحم المطبوخة باللبن والكريم والتوابل. فهذا المطبخ يعرف بجمعه بين الطعم الفاخر والتقنيات العالية.
ويقال إن المطبخ العوضي واحد من أهم المطابخ الهندية العريقة والفاخرة، وربما واحد من أهم المطابخ حول العالم وأقربها إلى المطبخ المغولي الذي تأثر به وبتقنياته إلى حد كبير.
تعود أصول المطبخ إلى مدينة لكناو عاصمة ولاية أتار براديش، القريبة من نيبال في شمال الهند. وهي منطقة تاريخية كانت تعرف في السابق باسم أوده، وهي اليوم مدينة متعددة الثقافات تلقب بـ«مدينة النواب»، نسبة للنواب المسلمين الذين حكموا الهند في الماضي. وتعتبر مركزاً للأدب الهندي والأردي أيضاً.
والمطبخ العوضي قريب إلى كثير من المطابخ المهمة في شمال الهند، ومتشابك معها مثل المطبخين البنجابي والفجبوري (نسبة إلى مقاطعة فجبور)، القريب والحيدر آبادي والمطبخ المغولي كما سبق وذكرنا. وهو أيضاً من المطابخ المشابهة لكثير من مطابخ آسيا الوسطى ومطابخ الشرق الأوسط والمطبخ الكشميري والفارسي وغيره.
ويرفض البعض القول إن التأثير الأساسي على هذا المطبخ كان من المطبخ المغولي، ويقولون إن تطور المطابخ الهندية في الشمال، بالإضافة إلى تدخل الإنجليز والبريطانيين بشكل عام، ولمئات السنين، لعبا دوراً كبيراً في تطور المطبخ العوضي إلى جانب التأثيرات المغولية الفارسية. ويقارن البعض تطور هذا المطبخ العظيم لكثير من الأسباب بتطور المطبخ الفرنسي، وخصوصاً ما تعلق بالتطور من نواحي التفنن والصقل والرفاهية والرقي.
* المأكولات النوابية
وتعرف مدينة لكناو بمأكولاتها «النوابية» إذا صح التعبير، نسبة إلى «النواب». فـ«نواب أوده اسم يطلق على مجموعة من الحكام الذين حكموا دولة أوده في الهند في الفترة من 1722 إلى 1858». وكان هؤلاء النواب معظمهم من الشيعة الفرس.
و«لما بدأ الضعف يدب في ملوك المغول وأصبحوا رهائن للتسلط وصارت سلطتهم في الحكم اسمية فقط، بدأ حكام أوده يصبحون أقوى وأكثر استقلالية عن السلطة المغولية المركزية، وكانوا قد اتخذوا من فيض آباد عاصمة لهم».
وبالتالي، فإن الأكلات العوضية هي أكلات نوابية بالأصل، أو ما تركه النواب من أثر مطبخي في المنطقة الغنية بثرواتها الطبيعية وفنونها المطبخية. وفي مجال وصف المطابخ العوضية أو النوابية، يقول أحد الطباخين الهنود العارفين بتاريخ المنطقة، إن المطابخ بين القرنين الثامن والتاسع عشر «كانت بحجم ملاعب الكرة»، حيث كانت تنتشر طواقم الطباخين وكبار الطباخين، وتعمل كما كانت تعمل الجيوش بانتظام.
وأهم المواصفات التي يعرف بها المطبخ العوضي ومطبخ لكناو هو الطبخ البطيء، أي على نار هادئة. ويقال إن العوضيين هم من اخترعوا هذا النوع من الطبخ وتقنياته، وبالتحديد الطهاة المعروفين باسم «الباورشة» ((Bawarchis، والطهاة الذواقة الذين كانوا يعرفون باسم الـ«راكابدارس» (Rakabdars). وأصبحت ظاهرة الطبخ على نار هادئة المعروفة بالإنجليزية بـ«الضم» (Dum)، مرادفة لاسم مدينة لكناو اليوم.
وفي هذا الإطار، يوضح شعيب حيدر الطباخ العوضي المعروف في العاصمة البريطانية لندن: «كل ما يتعلق بالمطبخ العوضي هو الطبخ البطيء المعروف في الهند بـ(الضم) الذي يجري معظمه في التندور... وعبر هذه الطريقة نحصل على مذاقات وملامس مذهلة، وعندما يُجمع هذا مع مذاقات البهارات العطرية الغنية، نحصل على أفضل مطبخ في العالم... 90 في المائة من الكباب الهندي من المطبخ العوضي الذي يعتبر بيت البرياني والكورمة».
وتطبخ كل الأطباق على الفحم، لا الكباب فقط، بل جميعها... والطعام ليس استعراضياً كبقية المناطق الهندية، فالبرياني يبدو عادياً شكلاً، لكن طعمه لا يصدق... المطبخ العوضي مطبخ غني جداً مع كثير من المكسرات والمريم والسمن».
فمن المعروف أن الطبخ على نار هادئة، يجمع بين مذاقات اللحم أو الخضار والحفاظ عليها، وإنتاج شيء رائع وفريد، لكن ما يميز الطبق العوضي عن غيره، البهارات الغنية وكثرتها.
واستخدام البهارات بكثرة سواء كانت حادة أو حلوة، يتطلب التوازن، إذ إن الناس والطباخين يستخدمون تقليدياً وبشكل متواصل، ما لا يقل عن 50 نوعاً من البهارات، لكن عدد البهارات التي تستخدم في هذا المطبخ العظيم، لا يقل عن 150 نوعاً وعلى رأسها القرفة والزعفران والهال الأخضر ومسحوق قشرة جوزة الطيب المعروف بالـ«ميس» (mace). أضف إلى ذلك كثيراً من المواد الفاخرة والعطرة، كماء الورد الذي يعتبر أيضاً من المواد الرئيسية في هذا المطبخ.
الهدف من استخدام كل هذا الكم من أنواع البهارات، لا لتذوق بهار بحد ذاته أو تذوق الهال أو القرفة، بل للحصول على مذاق فريد عبر الجمع بينها وبين أنواعها الممتازة.
* تاريخ ومهارة
وراء كثير من الأطباق الهندية الشهيرة التي نعرفها في بريطانيا، تاريخ طويل وتقنيات ومهارة رئيسية ومهمة.
ولهذا من المهم جداً في المطبخ العوضي والطبخ البطيء، معرفة كيفية استخدام البهارات وفهم طريقة اختيارها وسبل تحميصها والجمع بين شتى الأنواع. وعادة ما يتطلب ذلك خبرة طويلة جداً من قبل الطاهي أو الطباخ. ولا عجب إن كان الطباخون أيام حكم المغول يحتفظون بوصفاتهم الخاصة كسر من أسرار المهنة، وقلما كانوا يكشفون عن أسرار تحضير أطباقهم، وكانوا يخافون من اكتشاف الطباخين الآخرين هذه الأسرار. ولا يزال كثير منهم في لكناو حتى الآن، يتبعون هذا التقليد كما كان يفعل الطباخون الأوائل في بابل.
ولمعرفة وفهم المطبخ العوضي والتعرف على جذور الطبخ البطيء بشكل عام، لا بد من العودة إلى الماضي، أي إلى المطبخ المغولي وإمبراطورية المغول في بدايات القرن الـ18 الذين حكموا ربع سكان المعمورة آنذاك. إذ يؤكد المؤرخون أن المغول قدموا مطبخهم ومأكولاتهم وتراثهم في الطعام للعالم وأهل الهند في مدينة لكناو.
ويدعي البعض أن الطبخ البطيء اتبع في لكناو لمساعدة النواب الذين فقدوا أسنانهم على تناول ومضغ اللحوم بسهولة.
نشأ الطبخ البطيء أو الـ«ضم» في العوضي، بسبب المغول الذين حكموا المنطقة حول لكناو في ذلك الوقت، ويقول شعيب: «كانوا يخوضون كثيراً من الحروب، لذلك كانوا بحاجة لطهي الطعام بطريقة تناسب ذلك الوضع. فمن خلال حفر حفرة في الصباح، وطبخ الطعام ببطء فيها، كان يمكن الذهاب إلى المعركة والعودة لتناوله من دون أي مشكلة - كما أن الطبخ البطيء يسهم في الحفاظ على اللحوم لفترة أطول»، وكان هذا يناسب جداً الجيوش التي لا تتوقف عن الحركة.
تاريخياً، كان معظم الذين يتناولون الأطباق العوضية، من زوار ملوك المغول، تباهياً بغناهم الفاحش وإظهاراً لثرواتهم أمام الضيوف. وكان ذلك عبر تقديم كثير من الأطباق غنية الطعم والمزينة بأوراق الذهب والفضة كطبق البرياني المطبوخ بالزعفران الفاخر.
ويستطرد شعيب: «إلى يومنا هذا، لا يشارك بعض الطهاة في لكناو، وصفاتهم». ويضيف: «لقد تغيرت الهند كثيراً، ولكن لا تزال هناك بلدات صغيرة أو مناطق لم تتغير عاداتها منذ مائة عام. إلى هذا المكان يأتي كبار الطهاة بالهند، أو قد يكونون تلقوا تدريباتهم فيه».
* أسرار المطبخ العوضي
وبالنسبة للعارفين بأسرار المطبخ العوضي، يقول شعيب، إن متعة تناول الأطباق العوضية لا تقل عن متعة مشاهدة ومتابعة تحضيرها، ويزيد أن «استخدام المنتجات الموسمية البسيطة - الخضراوات والفواكه، والتقطيع الدقيق للحوم، والطرق المتنوعة لمعالجة الأسماك، والاستخدام اللبق والممتاز للألبان والعدس والبقول المتنوعة، والطرق الكثيرة التي يستخدمونها في مطبخ العوضي هي متعة للمشاهد».
اللحوم والخضار والخبز والسمن والبهارات والكريم واللبن والزعفران والهال والقورمة والأرز والفحم، تُعتبر من المواد الرئيسية في المطبخ العوضي، أما عناصر هذا المطبخ المعروفة جداً فهي:-
* أطباق الكباب:
شيش كباب - وكاكوري كباب (لحم الضأن) الذي يعتبر مباركاً ويحضر مع البهارات وجبنة الخوا الدسمة، وشامي كباب الذي يحضر من اللحم المفروم والبصل والكزبرة والفلفل الأخضر والبهارات والمانغو، وبوتي كباب ويحضر من لحم الغنم المنقوع باللبن والمطبوخ بالتندور، وغالاوات كباب، وباساندا كباب، ورشمي كباب، وعدة أنواع من كباب الخضار.
* الأطباق الرئيسة
برياني بلحم الغنم، وبرياني بالدجاج (ضم)، وأرز بولاف، وأرز بولاو، والو غوبهي، وعوضي غوبهي، وكاري الدجاج ودجاج بالزنجبيل، واتر براديش ثالي، وكاري السمك، ودجاج باكودا افادي، وسمك مقلي، وحليم، ودجاج تندوري، وفطائر السموزا، وقريدس عوضي، ودجاج بالفرن، وكاري القريدس، ومورغ شاهي قورمة.

* أنواع الخبز
تشاباتي الذي يعتبر من أشهر أنواع الخبز وأكثرها شعبية في الهند، ويُتناول مع جميع وجبات النهار، والبوري وه وهو خبز مقلي صغير الحجم، وباراثا المحشو بالخضار والحبوب والجبن أحياناً، ورومالي روتي، وهو خبز رقيق (رومالي تعني «منديل» باللغة الأردية)، وتندوري روتي، وهو خبز سيمك بالفرن (كماج)، وخبز النان المعروف وهو سميك وطري، والشيرمال الحلو المحضر مع الحليب والسكر والزعفران، وباكرخاني وهو نوع من أنواع الشيرمال المطبوخة بدلاً من المخبوزة.
* طبق مورغ شاهي قورمة
المكونات: قطع من الدجاج المسلوخ، والسمن، وبذور الكمون، والبصل المفروم، وبذور الخشخاش المحمصة، والكركم، والفلفل الحار المطحون، والغارام ماسالا المطحونة، والكزبرة المطحونة، وجبنة الخوا المخلوطة بالماء، والفلفل الأخضر المقطع.
يُسخن السمن وتُضاف إليه بذور الكمون وبعدها البصل المفروم، تحرك المكونات على النار لتذبل، توضع بعدها قطع الدجاج وتُحرك جيداً قبل إضافة البهارات الأخرى والفلفل الأخضر والملح.
تُخلط المكونات وتطبخ جيداً ثم يضاف إليها كوبان من الماء والحليب وتترك على نار هادئة لمدة 20 دقيقة حتى ينضج الدجاج.
ويقدم الدجاج مع الكريم وأوراق الكزبرة الطازجة.



«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
TT

«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)

في الآونة الأخيرة، عاد خبز الـ«ساوردو» (Sourdough) ليتصدَّر المشهد الغذائي. وتحوَّل من منتج تقليدي منسيّ إلى «ترند» عالمي يفرض حضوره على موائد المنازل والمخابز الحِرفية. هذا الخبز، الذي يعتمد على التخمير الطبيعي بدل الخميرة الصناعية، لم يعد مجرّد خيار غذائي، بل أسلوب حياة يعبّر عن توق الناس إلى الأطعمة البسيطة والصحية على السواء، تفضله ربّات المنازل على غيره من أنواع الخبز كونه مرغوباً من قبل جيل الشباب.

يعود أصل هذا الخبز إلى آلاف السنين، إذ يُعتبر من أقدم أنواع الخبز في التاريخ. يُحضَّر باستخدام خليط من الطحين والماء، يُترك ليتخمَّر بفعل البكتيريا والخمائر الطبيعية الموجودة في الهواء. هذه العملية البطيئة تمنحه نكهة حامضة مميّزة وقواماً مطاطياً، إلى جانب فوائد صحية جعلته محط اهتمام خبراء التغذية.

لذيذ مع اللحوم والجبن وحتى الخضار (إنستغرام)

ويرى اختصاصيون أن التخمير الطويل يساعد على تسهيل عملية الهضم، وخفض نسبة الغلوتين، فيحسّن امتصاص المعادن مثل الحديد والمغنيسيوم. كما يتميّز بمؤشّر سكر أقل مقارنة بالخبز الأبيض، ما يجعله خياراً مفضّلاً لمن يعانون من مرض السكري.

لكن انتشار هذا الخبز لا يقتصر على فوائده الصحية. فقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تحويل تحضيره إلى طقس يومي وهواية منزلية. وانتشرت فيديوهات «تغذية العجينة الأم» وتقنيات الخَبز كنوع من التأمّل والعودة إلى الإيقاع البطيء للحياة.

يعود هذا الخبز إلى الواجهة من جديد بعد أن تسلل إلى الأفران، يُطلب بالاسم ويتغنى الناس بتناوله لمكوناته الصحية وطعمه اللذيذ.

السوشيال ميديا ساعدت في شهرته العالمية (إنستغرام)

في لبنان، بدأ الـ«ساور دو» يشق طريقه إلى مخابز صغيرة ومطابخ منزلية، حيث أُعيد ابتكاره بنكهات محلية باستخدام طحين القمح الكامل، الزعتر، أو حتى دبس الرمان والبندورة المجففة. وهكذا، لم يعد هذا الخبز مجرّد «ترند» عابر، بل رمزاً لحنين جماعي إلى الأصالة، ولرغبة في إعادة الاعتبار للمنتج اليدوي. يختاره الشباب اللبناني لتناوله كسندويش مع التونة والأفوكادو واللحوم على أنواعها.

«ساوردو» بنكهة لبنانيةما إن وجد خبز الـ«ساوردو» طريقه إلى المطبخ اللبناني، حتى بدأ يكتسب هوية محلية. فبدل الاكتفاء بنكهته الكلاسيكية، عمد خبازون وحرفيون إلى تطعيمه بمكوّنات مستوحاة من المائدة اللبنانية، ليأخذ مساحة غذائية تجمع بين التراث والابتكار.

خبز الساوردو بنكهات شرقية (إنستغرام)

«ساوردو» بالزعتر البلدي

يُعدّ الزعتر من أوائل النكهات التي وجدت طريقها إلى هذا الخبز. يُضاف الزعتر البلدي المجفف أو الأخضر إلى العجينة، فيمنحها عطراً ونكهة مألوفين محببين إلى قلب اللبناني، إذ يذكّره بالمنقوشة اللبنانية، ولكن بشكل جديد. هذا النوع يجمع بين القوام المطاطي للـ«ساوردو» والنكهة الترابية للزعتر، مما يجعله مثالياً للتقديم مع زيت الزيتون أو اللبنة.

«ساوردو» بزيت الزيتون

في هذا الصنف، يصبح زيت الزيتون عنصراً أساسياً في العجينة، لا مجرّد إضافة. ويؤدي استخدام الزيت البلدي البِكر إلى نعومة في القوام مع لمسة منكهة خفيفة. وغالباً ما يُفضّل هذا الخبز كمرافق للأطباق التقليدية أو لتغميسه بالحمص والمتبّل.

«ساوردو» بالبصل و المكرمل منه

استُوحي هذا النوع من نكهة «الفتّة» والأكلات المنزلية الدافئة. فإضافة البصل النيّئ أو المكرمل إلى العجينة تمنح الخبز حلاوة خفيفة تتوازن مع الحموضة الطبيعية، فنحصل على رغيف غنيّ النكهة يصلح للأجبان والمقبلات.

خلطة بالقمح الكامل والحبوب المحلية

تماشياً مع الميول الصحية، انتشر هذا الخبز المصنوع من طحين القمح الكامل أو خليط من الحبوب اللبنانية. صنف أكثر كثافة، يعكس توجهاً نحو خبز يشبه ذلك الذي كانت تُحضّره الجدّات، ولكن بقالب عصري وتقنيات حديثة. وكما خبز المرقوق المرتبط بالضيعة اللبنانية وتراثها، تحوَّل الـ«ساوردو» إلى خبز عريق يرتبط بالمدينة.

نكهات مبتكرة تثير الشهية

ذهب بعض الخبازين إلى أبعد من النكهات التقليدية، فجرَّبوا تطعيم العجينة بالسماق لما يحمله من حموضة طبيعية متناغمة مع الخبز، وكذلك بحبات الزيتون البلدي الأسود والأخضر. ولم يتوانَ بعضهم عن إضافة لمسة خفيفة من دبس الرمان والبندورة المجفَّفة. هكذا تحوَّل الرغيف إلى تجربة تذوّق تعكس تنوّع المطبخ اللبناني.

بهذه الإضافات، تحوَّل الـ«ساوردو» من وافد أجنبي إلى مكون غذائي عريق بطعماته المحلية، تفتخر ربَّات المنازل في تحضيره لتروي معه حكايات ترتبط بنكهة المطبخ اللبناني الأصيل.


«سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
TT

«سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"

بين هدوء حي المعادي وصخب العاصمة سيول، يفتح مطعم «سوبونغ» نافذة فريدة على قلب الثقافة الكورية في مصر، مقدماً تجربة استثنائية تمزج بين المأكولات الـ«حلال» وأصالة النكهات.

فالمطعم، الذي يعني اسمه باللغة الكورية «النزهة»، يتجول بين الأطباق الكورية الشعبية الشهيرة على وجه الخصوص، لا سيما التي تظهر عبر وسائل الإعلام والدراما الكورية، ملتزماً بتقديم المأكولات الكورية «الحلال».

قبل 5 أشهر، حطّ «سوبونغ» رحاله في القاهرة، ليكون الفرع رقم 32 في سلسلة فروع المطعم المنتشرة بين كوريا وتركيا. يقول مدير الفروع، عمران شوباش، لـ«الشرق الأوسط»: «بدأت قصتنا في عام 2015 بافتتاح مطعم صغير في تركيا يحمل الاسم ذاته الذي نعمل به اليوم، إلا أنه بعد 6 أشهر فقط، فوجئنا بكم هائل من الزبائن وإقبال غير متوقع على المطبخ الكوري الحلال»، لافتاً إلى أن «المطعم أخذ في التوسع، وذلك من خلال افتتاح فرع يتلوه آخر، ليتحول اسمنا علامةً تجارية قابلة للامتياز (فرنشايز)، وأصبح هدفنا هو تغطية المحافظات التركية كافة».

ويتابع: «هذا المسار الطموح دفعنا إلى التوسع دولياً، وجاء اختيار مصر لأنها أكبر العواصم العربية وأكثرها كثافة سكانية، وهو ما يليق بطموحنا، واخترنا حي المعادي بالقاهرة تحديداً لأنه يتناسب في هدوئه مع الثقافة الكورية الهادئة بطبعها».

يشير عمران إلى أن الوجود في القاهرة مثّل تحدياً، يقول: «ندرك أن هناك تصوراً خاطئاً شائعاً لدى البعض في المنطقة العربية، حيث يربطون الأكل الآسيوي بشكل عام بأطباق غير تقليدية مثل الحشرات أو لحوم الكلاب»، متابعاً: «لهذا السبب اتخذنا قراراً بأن يكون مطعمنا متميزاً بتقديم الأكل الحلال بالكامل، وطورنا الكثير من الأطباق الكورية التقليدية، من خلال استخدام اللحم البقري عالي الجودة في جميع أطباقنا».

ديكورات "سوبونغ" تبعث على الراحة والهدوء لتعزيز التجربة الكورية

تضم قائمة طعام «سوبونغ» الكثير من الأطباق الشهيرة تتنوع بين اللحوم والدجاج، أشهرها «سونيانغ»، وهو قطع الدجاج المقلي من دون عظم بصلصة حارة، و«سونجان»، وهو قطع الدجاج المقلي من دون عظم بصلصة الصويا، ومن أطباق الدواجن أيضاً «مي يانغ وينغ»، وهي أجنحة الدجاج المقلية الحارة

يعدّ «بولغوغي» من أبرز أطباق اللحوم في المطعم، وهو من أشهر أطباق الشواء الكوري ويكتسب الآن شعبية كبيرة في أوروبا وأميركا، وهو عبارة عن شرائح رقيقة من لحم البقر تُتبل بصلصة حلوة ومالحة ثم تُشوى. أما «يوكيجن» فهو حساء اللحم المكون من لحم بقري وخضراوات وزيت الفلفل الحار.

، "سونيانغ" قطع الدجاج المقلي بدون عظم بصلصة حارة

يأتي الـ«كيمباب» الكوري كأحد الأركان الأساسية في قائمة الطعام، ويعدّ واحداً من أشهر أكلات الشارع الكوري، الذي وصل إلى جميع أنحاء العالم، وهو عبارة عن لفائف الأرز الكوري الأبيض المسلوق مع كثير من المكونات الأخرى، وحشوات مختلفة مثل السلمون والتونة والخضراوات.

بينما يُرشح المطعم لزواره مع الأطباق الأساسية السابقة طبق «كيمتشي» كأشهر طبق تقليدي جانبي، المصنوع من الملفوف (الكرنب) مع الفلفل الحار والثوم والتوابل الأخرى. ومعه «تشيكين مو»، أو مكعبات الفجل المخلل، الذي يتميز بنكهته اللاذعة قليلاً والحلوة، حيث يحضّر بالخل والسكر والملح.

يقدم المطعم لزواره أرز «توكبوكّي» الحار، الذي يقدم في شكل أصابع مع صلصة كورية حارة، وكذلك «لاميون» وهي نودلز كورية حارة، تتسم بالنكهة القوية. أما «تشابشي نودلز» فهي نودلز شفافة مقلية مع الدجاج والخضراوات، بطعم حلو ومالح، وهي أحد الأطباق التي أخذت شهرة كبيرة في مصر منذ افتتاح «سوبونغ».

يعود عمران للحديث، موضحاً أن «قائمة الطعام لم تكتمل بالشكل النهائي بعد، فنحن نتبع استراتيجية الطرح التدريجي للأطباق للاختبار وضمان الجودة، وسنقوم قريباً بإضافة تشكيلة من الحلويات الكورية الأصيلة إلى القائمة، بالإضافة إلى الشاي الكوري التقليدي، لنضمن تقديم تجربة كورية شاملة ومتكاملة لعملائنا في مصر».

ويؤكد أنه خلال أشهر قليلة تمكن «سوبونغ» من خلق قاعدة له بين المصريين، لا سيما فئة الشباب. ويرى في هذا دليلاً على أن المذاق الكور المقدم بمعايير الحلال وبأسعار تنافسية يجد مكانه في قلوب المصريين، مبيناً أن المطعم ينال تقييماً مرتفعاً على محرك «غوغل»؛ وهو ما شجع إدارة المطعم على الإقدام على تجهيز فرع ثانٍ له بحي مصر الجديدة.

يفتح «سوبونغ» أبوابه بين 12 ظهراً حتى 12 صباحاً، ويتسع لنحو 100 فرد، تستوعبهم مناطق جلوس خارجية وداخلية، وكلاهما يستقبل الزائر بتصميمات من البيئة الكورية، فأسوار المنطقة الخارجية تضم رسومات توضيحية لأهم الأطباق الكورية وحكاية وتاريخ كل طبق؛ ما يحول التجربة الكورية لتناول الطعام رحلةً ثقافية تعليمية.

أما التصميم الداخلي، فهو مريح وهادئ لتعزيز تجربة الزائر، وتحرص إدارة المطعم أن تكون جميع الفروع متطابقة في مفردات التصميم الأساسية؛ لضمان أن يخوض الزبون تجربة كورية أصيلة أينما كان. وتعدّ وحدات إضاءة السقف وإطاراتها الخشبية الدائرية عنصراً أساسياً في التصميم، وهي مستوحاة مباشرة من الديكورات المنتشرة في كوريا، أما وحدات إضاءة الجدران فتأتي مضاءة بألوان العَلم الكوري الأساسية، الأزرق والأحمر؛ ما يضفي عمقاً رمزياً للمكان.

كما يكثر استغلال الزراعات الخضراء في الديكور الداخلي بما يبعث بالراحة النفسية والهدوء، بينما تزين بعض الأركان بالزي الكوري التقليدي للرجال والنساء «الهانبوك». أما الموائد الخشبية البسيطة، والموسيقى الكورية الهادئة في الخلفية، فإنها تجعل الديكور لا يقتصر على الجماليات فحسب، بل يعكس الثقافة الكورية بعمق.


«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
TT

«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان

يحتل «المخلل» مكانة خاصة على المائدة الشرق أوسطية ويعتبر عنصراً أساسياً يفتح الشهية، ويوازن دسامة الأطباق.

وعلى الرغم من حضوره الدائم بوصفه طبقاً جانبياً، فإن المخلل ظل عبر العصور شاهداً على تطور الذائقة الغذائية وتبدل أساليب الحفظ؛ منذ أن استخدمته الحضارات القديمة وسيلة لتخزين الخضراوات والفواكه وحمايتها من التلف، وصولاً إلى تحوله إلى جزء أصيل من المطبخ الشعبي.

وتشير روايات تاريخية إلى أن المخللات كانت حاضرة في النظام الغذائي للحضارة المصرية القديمة، وأن النقوش الأثرية وثّقت وجودها خلال هذه الحقبة.

وفي هذا السياق الممتد عبر آلاف السنين، تطل علامة مصرية تحمل اسم «تيته عايدة»، أسستها ياسمين منير، لتعيد تقديم المخلل بوصفه منتجاً صحياً وحرفياً، يستلهم وصفات الجدات، ويعيد صياغتها بما يتوافق مع أذواق العصر ومتطلبات الغذاء المتوازن.

المخلل جزء من طقوس رمضان الغذائية

إذ تعيد «تيته عايدة» قراءة التراث الغذائي بمنطق العصر، وتمزج بين دفء الوصفات المنزلية ودقة الحرفية الحديثة؛ لتقديم تجربة مذاق تتجاوز فكرة المخلل التقليدي، وتضعه في قلب المطبخ الصحي المعاصر. وفي كل برطمان تحضر حكاية عائلة، وذاكرة مطبخ، وطموح امرأة شابة تسعى إلى تحويل الوصفات القديمة في المطبخ المصري إلى علامة تجارية تحمل بصمة لها خصوصيتها إلى موائد العالم.

تقول ياسمين منير لـ«الشرق الأوسط» إن فكرة المشروع «ولدت من ذكريات الطفولة، ووصفات الجدة التي كانت محط إعجاب كل من يتذوقها في المناسبات العائلية. كان الجميع يسأل عن المكونات ويطلب تكرارها؛ لأن طعمها كان منزلياً أصيلاً ومحبباً للجميع؛ ومن هنا بدأت الفكرة داخلي، بأن نخرج هذه الوصفات من إطار البيت إلى علامة متخصصة».

بدأت التجربة بمنتج واحد فقط، هو الزيتون التفاحي، الذي لاقى استحساناً واسعاً؛ بفضل جودة الخامات وطريقة التحضير التقليدية الدقيقة. ومع الوقت توسعت المجموعة لتشمل أصنافاً متعددة، بعد الاستماع إلى آراء العملاء ورغباتهم، حتى أصبحت العلامة تُطلب بالاسم، بعد انطلاقها في سبتمبر (أيلول) 2024. وتضيف المؤسسة الشابة أن الوصفات انتقلت عبر الأجيال، من الجدة إلى الأم ثم إليها، لكنها أعادت تطويرها بإدخال مجموعة متنوعة من الأعشاب والمكونات غير التقليدية التي تمنح النكهات عمقاً وتوازناً مختلفاً.

لكن لا يقتصر تميز «تيته عايدة» على المكونات وحدها، بل يمتد إلى فلسفة التحضير نفسها؛ إذ تعتمد العلامة على خلطات سرية تجمع بين الخضراوات والتوابل وعصير الليمون وأحياناً الكرفس والثوم، بما يخلق صلصة يمكن استخدامها في أطباق أخرى مثل الفول أو الجبن القريش؛ ليغير مذاقها جذرياً.

وتؤكد ياسمين أن الخلطة هي روح المنتج، وأنها لا تقدم الزيتون أو المخللات بشكل «سادة»، بل في تركيبات تمنح الطعام شخصية مختلفة، وتخلق تجربة متكاملة.

وتشير إلى أن المنتجات تشبه ما كانت تصنعه الأسر المصرية في البيوت قديماً، لكنها تقدم اليوم بحرفية عالية وعبوات أنيقة، مع استدعاء واضح لعنصر «النوستالجيا» وذكريات اللمة العائلية.

وفي الوقت نفسه، تلبي العلامة الطلب المتزايد على الغذاء الصحي؛ إذ تخلو منتجاتها من المواد الحافظة، وتُحضر بعض الأصناف من دون خل، ضمن فئة المخمرات الطبيعية التي تُعد مفيدة للجهاز الهضمي والقولون. كما تراعي «تيته عايدة» احتياجات الفئات الخاصة، مثل مرضى الضغط والسكري والغدة الدرقية، من خلال تقديم منتجات منخفضة الصوديوم أو باستخدام ملح صحي مثل ملح «الهيمالايا»، إلى جانب إمكانية تخصيص الطلبات وفق احتياجات العملاء، سواء من حيث مستوى الملوحة أو نوع المكونات.

ولا تقتصر الابتكارات على المخللات وحدها، بل تمتد إلى منتجات الجبن والساندويتشات والكرواسان؛ حيث يتم دمج المخللات في أنواع الجبن الكريمية والطازجة؛ لإنتاج نكهات جديدة تختلف عن الجبن الأبيض التقليدي المنتشر في السوق المصرية. وقد لاقت هذه المنتجات إقبالاً واسعاً، خصوصاً في الفعاليات والبازارات؛ حيث بدأ الجمهور يكتشف إمكانات المخلل بوصفه مكوناً أساسياً في أطباق مبتكرة.

وفي مواجهة الاعتقاد الشائع بأن المخللات غير صحية، تؤكد ياسمين أن «هذا التصور غير دقيق؛ إذ إن المخللات في جوهرها خضراوات غنية بالعناصر الغذائية، وأن الضرر يأتي من الإفراط في الملح أو إضافة المواد الحافظة الصناعية، وهو ما تحرص العلامة على تجنبه».

كما تشير إلى أن بعض الأصناف مثل الكرنب واللفت والخيار تعد مصادر مهمة لـ «البروبيوتيك» والفيتامينات، وأنها تتوافق مع فلسفة الغذاء الموسمي الذي يمنح الجسم ما يحتاجه في وقته المناسب.

بدأت رحلة «تيته عايدة» من المنزل، حيث كانت عمليات التحضير والتعبئة والتعقيم تتم يدوياً، قبل أن يتوسع المشروع ويحتاج إلى مساحة تصنيع صغيرة مجهزة بأحواض وطاولات من «الستانلس ستيل» ومعدات تعقيم، مع فريق عمل يضم مسؤولين عن المخزن والتوزيع ووسائل التواصل الاجتماعي والإعلانات، بينما تشرف المؤسسة بنفسها على جميع مراحل الإنتاج، وأحياناً تشارك في التنفيذ عند ضغط العمل.

وتقول ياسمين إنها درست الحاسبات والمعلومات، وعملت في مجالها لفترة قصيرة، قبل أن تقرر التفرغ للمشروع بعد اتساع نطاقه وزيادة الطلب على المنتجات، وهي تعمل حالياً على دراسة فرص التصدير إلى الخارج، مع الحفاظ على الجودة التي تعدها أساس الانتشار والاستدامة.

وتستمر العلامة في تطوير منتجاتها استجابة لاقتراحات العملاء، حيث أُضيف اللفت إلى القائمة بناءً على طلب الجمهور الباحث عن نكهة البيوت القديمة، كما تم تطوير أنواع جديدة من الجبن الممزوج بالمخللات والزيتون والليمون والخيار والسلمون، لتلبية أذواق مختلفة، من الفطور اليومي إلى الضيافة الراقية. وتؤكد ياسمين أنها لم تخشَ المنافسة في سوق المخللات، حتى من جانب المتاجر العتيقة الشهيرة، معتبرة أن ما تقدمه مختلف من حيث النكهة المتوازنة وجودة المكونات وغياب المواد الحافظة، فضلاً عن الطابع الحرفي الذي يمنح المنتج شخصية خاصة.

وتقول منير: «قد يبدو المخلل متشابهاً في الشكل، لكن التفاصيل الصغيرة في الخلطة والتوازن بين الحموضة والملوحة والتوابل هي ما يصنع الفارق».