الإصلاحات الاقتصادية تضغط على موائد المصريين في رمضان

الإصلاحات الاقتصادية تضغط على موائد المصريين في رمضان

الحكومة تعوّل على تحسن التصدير والاستثمار لإنهاء الأزمة
الجمعة - 1 شهر رمضان 1438 هـ - 26 مايو 2017 مـ
يعد شهر رمضان أكثر شهور العام بالنسبة للإقبال على المواد الغذائية في البلاد

شهر رمضان سيكون مختلفا هذا العام بالنسبة إلى أسرة ناهد التي سيكون عليها شد الحزام بعد أن وصلت معدلات التضخم إلى مستويات هي الأعلى منذ الحرب العالمية الثانية، بعد أن اتخذت الحكومة إجراءات تقشفية تطبيقا لتوصيات صندوق النقد الدولي.
وتقول ناهد (أربعينية)، وهي أم لطفلين وتعمل في مجال تصميم المواقع الإلكترونية، أثناء قيامها بشراء طماطم في سوق شعبية بوسط القاهرة: «قلّلنا كثيرا من الكميات التي نشتريها؛ لأن الأسعار ارتفعت جدا».
وحول سلال الفاكهة والخضراوات المعروضة في السوق، يعبّر الزبائن والباعة عن الاستياء ذاته مع اقتراب شهر رمضان الذي يبدأ خلال الأيام المقبلة.
في أبريل (نيسان) الماضي، بلغ معدل التضخم السنوي في مصر قرابة 33 في المائة، لكن قطاع المواد الغذائية والمشروبات سجل نسبة الارتفاع الأكبر التي وصلت إلى 44.3 في المائة.
وتشهد مصر ارتفاعا كبيرا في الأسعار منذ قررت السلطات تحرير سعر صرف الجنيه المصري، في إطار خطة إصلاح اقتصادي، تحصل بموجبها على قرض من صندوق النقد الدولي قيمته 12 مليار دولار على ثلاث سنوات.
وأدى تحرير سعر صرف العملة المصرية إلى تراجع قيمتها بنسبة 50 في المائة تقريبا. ووصل سعرها في المصارف أكثر قليلا من 18 جنيها للدولار، بعد أن كان 8.8 جنيه.
وفرضت الحكومة ضريبة على القيمة المضافة، كما خفضت بشكل كبير الدعم العام المخصص للطاقة، خصوصا الوقود.
وتم تأجيل هذه الإصلاحات لعقود؛ إذ كانت السلطات المصرية تخشى أن تتسبب هذه الإجراءات في اضطرابات اجتماعية.
ويعد شهر رمضان أكثر شهور العام بالنسبة للإقبال على المواد الغذائية في البلاد؛ إذ يحرص ملايين المصريين على شراء كميات كبيرة من الطعام تكفي للشهر بأكمله. كما يحرصون على شراء كميات من الياميش (المكسرات والحلويات التي ترافق مائدة رمضان) التي تضاعف ثمنها أخيرا.
وقلص هذا الوضع من مشتريات أسرة ناهد وملايين الأسر المصرية التي دخلت في مرحلة تقشف بعد ارتفاع الأسعار.
ويعد قرض صندوق النقد الدولي بمثابة شريان حياة للحكومة المصرية التي تبحث عن إنعاش السياحة واجتذاب المستثمرين الأجانب.
وكما تعاني الأسر المتوسطة تعاني الأسر الفقيرة.
تربي نعمات الدجاج والأوز والديوك الرومية في فناء منزلها الواقع في منطقة مقابر القاهرة، حيث تعيش وسط آلاف من الأضرحة وشواهد القبور وتقول إنها في حاجة إلى تربية تلك الطيور لإطعام أسرتها المكونة من عشرة أفراد في شهر رمضان.
فالزيادات الحادة التي شهدتها تكلفة المعيشة في الشهور القليلة الماضية لم تترك أي خيار لنعمات سوى تربية الدواجن بدلا من شرائها مثلما كانت تفعل من قبل.
وتتفاقم حدة المشكلة الآن بسبب ارتفاع جديد في أسعار السلع الغذائية قبيل شهر رمضان، وتقول نعمات «لا أملك من المال ما يكفي للذهاب إلى الجزار (القصاب) أو بائع الدواجن؛ لذلك فإن تربية الطيور أقل تكلفة بكثير».
وبالنسبة لنعمات أصبحت تربية الدواجن المنزلية هي السبيل الوحيد لتلبية الاحتياجات الغذائية لأسرتها في شهر رمضان.
وقال خاطر مينا، بائع الدواجن في أحد أحياء شرق القاهرة، إنه لاحظ انخفاض عدد المشترين المتوافدين على متجره مقارنة بالأعوام السابقة.
وقال: «كنت أستعين بما يصل إلى خمسة عمال في متجري (قبل شهر رمضان) والآن لا يمكنني توظيف أكثر من عامل واحد. كان المشترون يصطفون لشراء الطعام قبل الشهر الكريم، واليوم متجري خاو».
وأضاف مينا «بدلا من شراء صدور أو أوراك الدجاج أصبح البعض يطلبون الآن شراء الهياكل العظمية للدواجن أو الأرجل. كنا نلقيها لكلاب الشارع من قبل، لكن الآن نبيعها».
فتح مينا متجره قبل ثورة عام 2011 التي أطاحت بحكم حسني مبارك الذي امتد 30 عاما. وبالنسبة له كانت للقلاقل السياسية والاقتصادية التي أعقبت هذه الانتفاضة نتيجة واحدة، وهي أن أسعار الدجاج ارتفعت لأكثر من ثلاثة أمثالها منذ ذلك الحين.
ويقول رامي عرابي، الخبير الاقتصادي بشركة الخدمات المالية «فاروس»: «يمكن اعتبار العام المالي الذي ينتهي في يونيو (حزيران) الفترة الأكثر صعوبة».
ويتابع: «لن تكون الأمور سهلة بعد ذلك، لكن على الأقل ستكون الصدمة قد امتُصّت. ردّ فعل المستثمرين الأجانب إيجابي وبرنامج الإصلاح يسير على ما يرام».
وأثنى صندوق النقد الدولي على برامج المساعدات الاجتماعية الحكومية التي ستخصص لها موازنة أكبر ليصل عدد المستفيدين منها إلى قرابة ثمانية ملايين شخص.
لكن مع معدل التضخم الكبير، طالب مسؤول كبير في الصندوق في نهاية أبريل الماضي بزيادة أسعار الفائدة على الجنيه المصري، وهو إجراء يفترض أن يساعد في كبح التضخم؛ إذ يشجع المستهلكين على ادخار أموالهم بدلا من إنفاقها.
وبالفعل، أعلن البنك المركزي الأحد الماضي رفع أسعار الفائدة بنسبة 2 في المائة، وهي المرة الثانية التي تُرفع فيها؛ إذ سبق أن رفعت مصر أسعار الفائدة 3 في المائة في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.
وتستهدف هذه الخطوة خفض التضخم ليصل إلى 13 في المائة في نهاية عام 2018، وخلال الشهور الأخيرة، بدأ مستوى الارتفاع في الأسعار في التراجع؛ إذ انخفض التضخم على أساس شهري من 4.3 في المائة في يناير (كانون الثاني) إلى 1.8 في المائة في أبريل.
ويقول عرابي «من شهر إلى آخر، تتراجع الزيادة. موجة ارتفاع الأسعار التي سببها تحرير سعر الصرف وزيادة أسعار الوقود وصلت إلى قمتها، والآن ينبغي أن تعود نسبة الزيادة في الأسعار إلى معدلها الطبيعي».
وتحقق أول نجاح لبرنامج الإصلاح الاقتصادي؛ فقد سمح تحرير سعر الجنيه في تقليل عجز الميزان التجاري، وهو أمر بمثابة معجزة لبلد يستورد تقريبا كل شيء، حتى القمح؛ إذ تعد مصر أكثر بلاد العالم استيرادا له، وفي شهر فبراير (شباط) الماضي، انخفض هذا العجز بنحو 56 في المائة مقارنة مع الشهر نفسه في العام السابق.
وتسعى الحكومة إلى جذب الاستثمار الأجنبي المباشر بتقديم إعفاءات وحوافز مالية. لكن النتائج لن تكون واضحة قبل نهاية عام 2017، بحسب الخبراء.
ومع ذلك، فإن محصلة الاستثمار الأجنبي المباشر بالنسبة للفترة الممتدة من يوليو (تموز) وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2016 وصلت إلى 7.4 مليار دولار، بحسب أرقام البنك المركزي. وتُسجل هذه الأرقام زيادة عن أرقام العام المالي السابق التي بلغت 6.9 مليار دولار، لكن بالطبع أقل من 13.2 مليار دولار التي تحققت قبل عام 2011.
وتتوقع وكالة التصنيف المالي «ستاندرد آند بورز» معدل نمو «يقترب من 4 في المائة بتأثير من نمو الاستثمارات والصادرات».
وتسعى الحكومة المصرية لخفض عجز الموازنة والدين العام. ومن أجل تحقيق ذلك، من المتوقع أن تُنفذ خفضا جديدا في الدعم المخصص للوقود والكهرباء.


مصر

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة