الهند تعيد تعريف سياستها تجاه فلسطين

بدأت بالتعامل معها ومع إسرائيل ليس على أنهما توأمان ملتصقان سياسياً

رئيس الوزراء الهندي مودي مع الرئيس الفلسطيني في دلهي الأسبوع الماضي (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الهندي مودي مع الرئيس الفلسطيني في دلهي الأسبوع الماضي (أ.ف.ب)
TT

الهند تعيد تعريف سياستها تجاه فلسطين

رئيس الوزراء الهندي مودي مع الرئيس الفلسطيني في دلهي الأسبوع الماضي (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الهندي مودي مع الرئيس الفلسطيني في دلهي الأسبوع الماضي (أ.ف.ب)

لاقت الزيارة الأخيرة للرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) إلى الهند كثيرا من الانتقادات من قبل المراقبين في الشرق الأوسط؛ إذ أدت العلاقات الهندية - الإسرائيلية المتنامية إلى زيادة التكهنات بشأن تخلي الهند عن موقفها التاريخي الداعم للقضية الفلسطينية.
وفي محاولة لتهدئة المخاوف والتكهنات، قال رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، الذي سيكون أول رئيس وزراء هندي يزور إسرائيل في غضون الأسابيع القليلة المقبلة، للرئيس الفلسطيني محمود عباس إن الهند تدعم وبقوة الحل السياسي للقضية الفلسطينية، مؤكدا دعم الهند الثابت لها على أساس القرارات الدولية وحل الدولتين.
وكانت زيارة الرئيس الفلسطيني هي الزيارة الخامسة له منذ انتخابه خلفا للرئيس الراحل ياسر عرفات في يناير (كانون الثاني) عام 2005، والأولى بعد تولي ناريندرا مودي رئاسة الوزراء الهندية. ولقد التقى الزعيمان في سبتمبر (أيلول) عام 2015 خلال الجلسة السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة. وحملت الزيارة الأخيرة للرئيس الفلسطيني جميع المراسم التقليدية المرتبطة بزيارة رئيس الدولة. وعلى الرغم من الاستقبال الرسمي، والمجاملات، واللباقة الرفيعة، فإن الهند أشارت إلى منهج جديد بشأن فلسطين والصراع العربي - الإسرائيلي على نطاقه الأوسع.
على مدى سنوات، تطور الموقف الهندي حيال الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني. وفي وقت مبكر، كان التضامن الهندي مع النضال الفلسطيني راسخا لدرجة أنه على مدى أكثر من أربعة عقود رفضت الهند إقامة علاقات دبلوماسية رسمية مع إسرائيل. ولكن التحولات الجيوسياسية مع نهاية الحرب الباردة اضطرت الهند إلى وضع سياسة خارجية جديدة أسفرت عن إقامة العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل في عام 1992. ومنذ ذلك الحين، حافظت الهند على التوازن بين تنمية العلاقات الثنائية مع إسرائيل والإعراب عن تضامنها مع فلسطين.
ووفقا للبروفسور بي. آر. كوماراسوامي، أستاذ دراسات الشرق الأوسط المعاصر في جامعة جواهر لال نهرو، فلقد أعربت نيودلهي تحت سلطة حكومة مودي عن تحول سياستها حيال الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني وإعادة تعريف محددات تلك السياسة. وفي حين أن الهند حريصة على زيادة مستوى العلاقات الثنائية مع فلسطين، فإن الهند غير مستعدة لطرح سياستها تجاه إسرائيل من خلال المنظور الفلسطيني التقليدي. وفي أعقاب المحادثات الأخيرة مع الرئيس الفلسطيني، أكد مودي دعم الهند لقيام الدولة الفلسطينية المستقلة وذات السيادة والقابلة للوجود الفعلي على الأرض، والمتعاونة بشكل سلمي مع إسرائيل. وهي من العبارات الدبلوماسية القوية للغاية والمحملة بالآثار بعيدة المدى.
يقول موداسار قمر، من معهد الدراسات والتحليلات الدفاعية في نيودلهي: «البيانات القوية الداعمة لفلسطين التي صرح بها مودي خلال زيارة عباس تشير إلى أن الهند لم تعد تشعر بالحاجة إلى التقليل من شأن أي من هذه العلاقات الثنائية مع إسرائيل أو فلسطين. والهند، من جانبها، أكثر وعيا وإدراكا لدورها الخاص في منطقة غرب آسيا. وخلصت القيادة الهندية إلى أن تقاربها المتزايد من إسرائيل لا يضر مطلقا بموقفها الداعم للقضية الفلسطينية. ولقد استغرق الأمر من الهند نحو أربعين سنة لاتخاذ قرار الصداقة مع إسرائيل، ولكن استغرق الأمر منها نحو عقدين ونصف من الزمن لكي تتوقف عن اعتبار هذه العلاقات شديدة السرية».
وقال الرئيس الفلسطيني إن القيادة الهندية قد أكدت على الأهمية الكبرى للعلاقات الثنائية مع فلسطين، التي نالت كثيرا من الزخم وشهدت مزيدا من التوسع في السنوات الأخيرة. كما أعرب عن أمله في أن تزيد هذه الزيارة من أواصر التعاون الثنائي وتنويع مستويات العلاقات لما فيه صالح الشعبين. وأعرب الرئيس الفلسطيني كذلك عن سعادته بحقيقة أن أغلب المشاريع المعلن عنها خلال الزيارة سوف تأخذ صيغة التنفيذ الفعلي في المستقبل القريب.
ولقد سلم الرئيس الفلسطيني لرئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي هديتين كان اختيارهما يوحي بقدر كبير من الحكمة: صورة من الفسيفساء المؤطرة لشخصية رئيس الوزراء الهندي، وقطعة فنية مؤطرة مع اسم الزعيم الهندي محفور عليها باللغة العربية. في اعتراف بأن السيد مودي يملك الطاقة والمقدرة على المحاولة في تغيير قواعد اللعبة السياسية في النظام العالمي دائم التغير والتجدد.
في نيودلهي، وفي إشادة واضحة بالمكانة الدبلوماسية للهند، شدد الرئيس عباس على الدور الهندي في جهود السلام المرتقبة. وتؤكد تصريحات عباس، مثل تصريحات رئيس الوزراء الهندي في تأييده الواضح لدولة فلسطين المستقلة، على أن الهند قد نجحت في التأكيد على علاقاتها الثنائية بكل من إسرائيل وفلسطين.
ومن ثم، ينظر إلى الهند الآن من زاوية المحور الدولي المناسب لتفعيل المفاوضات بين الجانبين. ولقد حث الجانب الفلسطيني، في كثير من المناسبات، الجانب الهندي على تفعيل دوره مع بقية اللاعبين الدوليين في تسهيل المفاوضات الإسرائيلية - الفلسطينية. على سبيل المثال، في مقابلة شخصية أجريت مع صحيفة «هيندو» بتاريخ 16 مايو (أيار) الحالي، قال الرئيس الفلسطيني: «بالنسبة إلى الهند، ذكرنا على الدوام أننا نرغب في مشاركة هندية فاعلة، إلى جانب الدول العربية، والاتحاد الأوروبي، وروسيا وغير ذلك من دول مجموعة الـ(بريكس) الدولية». ولقد بقيت نيودلهي حتى الآن، رغم كل شيء، بعيدة كل البعد عن المشاركة الفعلية في عملية السلام.
ووفقا لتلميذ أحمد، السفير الهندي الأسبق لدى السعودية والخبير البارز في شؤون الشرق الأوسط، فإن الحماس الهندي في التواصل المباشر مع العالم العربي لا بد من أن يلقى ما يكافئه من الترحاب... «إن العلاقات الهندية مع كل من فلسطين وإسرائيل هي علاقات متمايزة تماما، وينبغي أن تلقى ما تستحقه من الأهمية على أساس وقائعها الموضوعية، فالعلاقات الهندية - الفلسطينية تستند على الدعم الثابت للقضية الفلسطينية، في حين أن العلاقات الهندية - الإسرائيلية تقوم على مبادئ المصالح الوطنية».
ويقول المحللون إنه من الخطأ الفادح التعامل مع فلسطين وإسرائيل على أنهما توأمان ملتصقان من الناحية السياسية؛ حيث أردف أحمد يقول: «لقد نجح مودي في الفصل التام بين العلاقات الهندية مع فلسطين ومع إسرائيل. وهذا هو المنهج الصحيح اللازم اتباعه. ومنهج الدبلوماسية الصفرية في حالة كهذه من الأخطاء الكبيرة بالنسبة لدولة كبرى في الثقل الدولي المتوسط كمثل الهند؛ إذ إن القوى الدولية المتوسطة لا تملك اعتماد المقاربات الدبلوماسية الصفرية في علاقاتها الثنائية الخارجية».



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended