واشنطن ستعتمد سرية المفاوضات للوصول إلى اتفاق بين الفلسطينيين وتل أبيب

الإسرائيليون مرتاحون لترمب ولزيادته المساعدات السنوية 75 مليون دولار

عنصران من الجيش الإسرائيلي يبعدان ناشطة سلام إلى خارج بوابة دمشق في المدينة القديمة بالقدس أمس (أ.ف.ب)
عنصران من الجيش الإسرائيلي يبعدان ناشطة سلام إلى خارج بوابة دمشق في المدينة القديمة بالقدس أمس (أ.ف.ب)
TT

واشنطن ستعتمد سرية المفاوضات للوصول إلى اتفاق بين الفلسطينيين وتل أبيب

عنصران من الجيش الإسرائيلي يبعدان ناشطة سلام إلى خارج بوابة دمشق في المدينة القديمة بالقدس أمس (أ.ف.ب)
عنصران من الجيش الإسرائيلي يبعدان ناشطة سلام إلى خارج بوابة دمشق في المدينة القديمة بالقدس أمس (أ.ف.ب)

تمكن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، خلال زيارته الأولى إلى إسرائيل، من تحقيق «السلام»، ليس بين الإسرائيليين والفلسطينيين، بل بين السياسيين الإسرائيليين أنفسهم، داخل الائتلاف الحاكم والمعارضة. فقد اتفق الطرفان على أن الرئيس الأميركي: «يحمل بشائر رائعة لإسرائيل». لكن الإعلام الإسرائيلي بغالبيته، عد خطابات ترمب «صهيونية فارغة». وكشف رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، عن وعد ترمب له، ببدء محادثات لضمان إبقاء إسرائيل متفوقة عسكريا على كل دول المنطقة. وأنه قدم له هدية بقيمة 75 مليون دولار، زيادة على المساعدة السنوية البالغة 3.8 مليار دولار.
وقال وزير الأمن الداخلي، غلعاد اردان: إن «ترمب قدم مقولة تاريخية حول العلاقة بين إسرائيل وأرض إسرائيل، فلم يتردد بتحديد المشكلة والعائق الحقيقي للسلام، وهو ليس الاستيطان الإسرائيلي في يهودا والسامرة (الضفة الغربية)، وإنما تنظيمات الإرهاب حماس و(حزب الله)». وقالت وزيرة الثقافة ميري ريغف: إن أهم عبارة في خطابات ترمب هي «ارتباط الشعب اليهودي بالبلاد هو قديم وأبدي». وأضافت: إنه خطاب «شجاع أعاد إلى الحوار السياسي الدولي، القيم والتاريخ والعدالة والتقدير العميق لشعب إسرائيل والصهيونية». وقال وزير المواصلات، يسرائيل كاتس: إن «الرئيس الأميركي أكد التزامه بأمن إسرائيل ومحبته للشعب اليهودي ولدولته». وأشار وزير العلوم والتكنولوجيا اوفير اوكونيس، إلى أن ترمب لم يذكر فكرة الدولتين لا في إسرائيل ولا في بيت لحم. «وهذا إنجاز ضخم، بحجم تاريخي، وانتصار كبير لكل المعارضين للفكرة الخاطئة والخطيرة الكامنة في إقامة دولة إرهاب عربية في قلب البلاد». وقال اوكونيس: «اليوم نضم عضوا جديدا إلى الليكود».
وكشف رئيس المعارضة وحزب المعسكر الصهيوني، يتسحاق هرتسوغ، عن أنه اجتمع مع الرئيس الأميركي قبل مغادرته، بمشاركة نسيب ومستشار الرئيس جارد كوشنير. ووصف رجال هرتسوغ اللقاء، بأنه كان «محادثة وداع قصيرة وعملية». وقال هرتسوغ: إن الرئيس «عاد وأوضح لي بأنه مصرّ على دفع السلام في الشرق الأوسط، وشرح لي رجال حاشيته، مدى رغبتهم في مواصلة توجه تغيير الأجواء الذي خلفته زيارة الرئيس في الشرق الأوسط. لدي انطباع بأن الرئيس وطاقمه يصرون على عدم التخلي عن رؤية السلام التي عرضها في الرياض والقدس. ويجب على القادة الآن إظهار روح قيادية والتقدم بشكل حقيقي وبقوة نحو رؤية الدولتين. أمامنا شباك فرص تاريخي يمنع تفويته».
وقالت زعيمة أخرى في المعارضة، هي النائب شيلي يحيموفيتش (المعسكر الصهيوني): إن «خطاب الرئيس ترمب هو أفضل خطاب ألقاه رئيس أميركي لصالح إسرائيل، وإلى جانب علاقاته الممتازة مع رئيس الحكومة، تولدت فرصة لا تقل تاريخية».
بالمقابل، قال مسؤول أميركي رفيع، رافق ترمب: إن واشنطن معنية بتسخين علاقات علنية بين إسرائيل والدول العربية، في إطار محاولة تحريك العملية السلمية في الشرق الأوسط. وأضاف: إن الإدارة معنية بتحديد «مبادئ متفق عليها» للعملية السلمية. و«ستكون الخطوة الأولى هي تحويل منظومات العلاقات الساخنة والقوية، التي تجري عبر قنوات هادئة، إلى علاقات علنية»، مضيفا أن «الإدارة معنية بعرض سلسلة من المبادئ المتفق عليها التي سترغب كل الأطراف في العمل وفقا لها». ولم يفصل المسؤول الرفيع المبادئ التي تفكر بها إدارة ترمب بشأن العملية السلمية. ومع ذلك، فقد أكد أن الإدارة ستحافظ على مبدأ مركزي من السرية وإدارة الاتصالات الهادئة مع الجهات المختلفة. فالسرية أهم سلاح في هذه المرحلة».
وحسب أقواله، فإن الإدارة لا تتوقع التوصل إلى اتفاق قريب بين إسرائيل والفلسطينيين. لكن هدف زيارته في الشرق الأوسط كان، في الأساس، الإصغاء ودراسة مواقف الطرفين، وسماع مواقف بقية الدول. وأوضح: «لقد كان الهدف هو محاولة خلق رافعة وتفاؤل في المنطقة بشأن فرص تحقيق السلام».
من جهة ثانية، أجمعت غالبية وسائل الإعلام الإسرائيلية، على أن الرئيس الأميركي يكتفي بالأقوال غير المضمونة. وكتبت «هآرتس»: «خطابه في متحف إسرائيل في القدس، كان صهيونيا ومؤيدا لإسرائيل بشكل كبير، لكنه كان فارغا من أي مضمون ملموس. لقد توقع المدققون من الجانب اليميني للخريطة، سماع بشائر في موضوع السفارة الأميركية في إسرائيل. لكن النتيجة صفر. السفارة يوك». وكان الحريصون من اليسار يأملون في سماع الرئيس يتعمق في «الصفقة» التي لا بديل لها: الحاجة إلى إقامة دولة فلسطينية إلى جانب الدولة اليهودية. وقد خاب أمل هؤلاء أيضا. ووجد اليسار العزاء في كون الكلمة المنسية «سلام» عادت إلى الحوار، فيما استمتع اليمين بحقيقة عدم سماعه كلمات «دولة فلسطينية» و«مستوطنات»، وفرح الجميع لسماعه يقول، إنه في ظل إدارته سيكون هناك «فارق كبير – كبير وجميل» في الشراكة الأمنية بين الدولتين، الإسرائيلية والأميركية.
وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت»: «من ذرف دمعة أمام خطاب الشعارات الذي ألقاه ترمب، اكتشف أن المنديل ضحك أيضا. بعد يومين من الإجراءات الشكلية الفارغة، التي فقط لبناء ذروة للزيارة فقط، أي الخطاب، اتضح أن كل ما يمكن تعلمه منه، هو، في الأساس، كيف لا يتم قول شيء بواسطة الكثير من الكلمات. من السهل جدا، الوقوع في الإغواء واعتباره «خطابا صهيونيا»: فقد وقف رئيس أميركي هناك، وأعلن التزامه الشخصي لإسرائيل بألا يسمح بتدميرها. أي لحظة تقشعر لها الأبدان كانت، حين توجه إلينا ترمب ووعد بأنه هو، دونالد جي ترمب، سيحافظ علينا. ما الذي تحتاج إليه أكثر من ذلك أمة تواجه الخطر، ويسيطرون عليها منذ سنوات بواسطة الخوف والتخويف. دولة مع قوة عسكرية ضخمة، لا يهددها أي تهديد وجودي فعلا، لكنها تتصرف وكأنها تقف على حافة كارثة ثانية».
وتساءلت: «ما الذي شهدناه هنا فعلا. باستثناء الكثير من الهواء: إنه لم يطرح حتى ولو مرة واحدة حل الدولتين للشعبين، لم يتحدث عن المفاوضات، ولم يذكر حتى العملية السلمية. القول: إن صنع السلام لن يكون سهلا، ولكن مع الإصرار والتسوية والإيمان يصبح هذا ممكنا» – من أجل هذا لا حاجة إلى رئيس أكبر قوة عظمى، هذا نعرفه جيدا. ولكن ما الذي تركه لنا ترمب؟ لقد ترك للسعوديين صفقة جيدة. فماذا بالنسبة لصفقتنا؟ كل ما كان هنا هو خليط من الكلمات المؤيدة جدا، التي كان يبدو لنا أحيانا، بشكل معكوس، أنه بكل بساطة، يضحك علينا. ما المفاجئ إذن، أن اليمين يشعر بالرضا. فبالكلمات لم يتمكن أحد من إقامة دولة. لقد حقق نتنياهو أيضا ما أراده: أن يتركونا لأنفسنا. لا حق للفلسطينيين بتقرير المصير، لا «دولتان»، لا «حدود 67»، ولا حتى تجميد للبناء – ما الذي كان يمكن طلبه أيضا. الأمر المدهش هو أن اليسار يشعر بالفرح أيضا، كما لو أن الهواء الساخن الذي أبقاه لنا ترمب خلفه، هو شيء يمكن التمسك به».
وحتى صحيفة «يسرائيل هيوم»، التي تعبر عن مواقف نتنياهو، لم تجد كلمات دافئة عن ترمب. وكتبت: «الحديث يتوقف الآن على تصريح نوايا فقط، بكلمات حازمة وشجاعة (وتنطوي على أهمية)، ولم يصل بعد إلى العمل. فالعمل يجب أن يشتق من خطة عمل واستراتيجية واضحتين، وهذه ليست متوافرة حتى الآن».



العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
TT

العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)

في تصعيد يمني للخطاب السياسي تجاه الحوثيين، شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي على أن جوهر الأزمة في بلاده لا يرتبط بتباينات سياسية قابلة للتسوية، بل بمشروع سياسي مسلح قائم على احتكار السلطة، وادعاء الحق الإلهي في الحكم، ورفض مبدأ المواطنة المتساوية، مؤكداً أن أي مقاربة للسلام تتجاوز هذه الحقيقة لن تقود إلى تسوية عادلة، أو استقرار دائم.

وخلال استقباله نائب رئيس مجلس النواب الألماني الاتحادي (البوندستاغ) أوميد نوميبور، أوضح العليمي أن الشعب اليمني يواجه جماعة مسلحة استولت على مؤسسات الدولة بقوة السلاح، وانقلبت على التوافق الوطني، وفتحت البلاد أمام مشروع إقليمي عابر للحدود.

ويعكس هذا التوصيف من قبل العليمي تمسك القيادة اليمنية بقراءة ترى أن الصراع مع الحوثيين معركة مرتبطة باستعادة الدولة الوطنية، وحماية النظام الجمهوري، وليس مجرد نزاع داخلي محدود الأبعاد.

حشد للحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

وأشار رئيس مجلس القيادة اليمني إلى أن المحافظات الواقعة تحت قبضة الحوثيين تحولت إلى بعض أسوأ مناطق العيش في العالم، خصوصاً بالنسبة إلى الأقليات، والمرأة، والصحافة، والعمل المدني.

وأكد أن تحقيق السلام لن يكون عبر مكافأة المتمردين، أو منحهم شرعية سياسية على حساب الدولة، وإنما عبر دعم مؤسسات الدولة الوطنية، وحماية التعددية، وردع الميليشيا، وفتح أفق سياسي عادل لكل اليمنيين يضمن الشراكة، والحقوق المتساوية.

تثمين الدعم الألماني

وفي هذا السياق، ثمن العليمي اهتمام البرلمان الألماني بالشأن اليمني، والدور الذي تضطلع به ألمانيا بوصفها شريكاً أوروبياً مهماً في دعم السلام وبناء المؤسسات، وحماية الحقوق، والحريات، معرباً عن تطلعه إلى زيادة الدعم الألماني والأوروبي خلال المرحلة المقبلة، بما يشمل استئناف حضور المؤسسات الألمانية الفاعلة، خصوصاً في مجالات التدخلات الإنسانية، وبرامج التنمية، وبناء القدرات المؤسسية.

وربط العليمي بين هذا الدعم والاستثمار المباشر في الأمن والاستقرار الوطني والإقليمي، في إشارة إلى أن تعزيز مؤسسات الدولة اليمنية يمثل -من وجهة نظر الحكومة الشرعية- المدخل الأكثر واقعية لمواجهة الانهيارات الاقتصادية والإنسانية، وخلق بيئة أكثر تماسكاً في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية التي فرضتها الحرب.

كما تطرق إلى ما وصفها بالسرديات المضللة التي تروج لها بعض المنابر بشأن الحالة اليمنية، مؤكداً أن تصوير المشهد باعتباره نزاعاً سياسياً عادياً يتجاهل حقيقة الانقلاب المسلح على الدولة، وطبيعة المشروع الذي تحمله الجماعة الحوثية.


أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
TT

أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

مع اقتراب الشهر من نهايته، يخشى الموظفون اليمنيون في مناطق الحكومة الشرعية من عدم قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم المالية، بسبب عجزهم عن الحصول على رواتبهم، نتيجة أزمة السيولة التي تعيشها المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية منذ أشهر.

ولا تُعدّ أزمة السيولة النقدية التي يواجهها اليمنيون أزمة نقود في حد ذاتها، بل أزمة أوراق نقدية تعجز البنوك عن توفيرها للعملاء، وتكتفي بمنح كل عميل يحاول السحب من رصيده أو صرف عملات أجنبية 80 ألف ريال يمني فقط يومياً (الدولار يساوي 1560 ريالاً) وسط اتهامات لها بتدمير ثقة عملائها بها.

وتعرّض الاقتصاد اليمني لأزمات متتالية بسبب الحرب المستمرة منذ أكثر من عقد، والتلاعب والمضاربة بالعملات في الأسواق الموازية وتراجع الثقة بالبنوك، واستبدال قنوات موازية غير قانونية بالقنوات المصرفية الرسمية، إلى جانب اعتداءات الجماعة الحوثية على موانئ تصدير النفط وحرمان الحكومة الشرعية من أهم مصادر الإيرادات.

ويرى عبد السلام الأثوري، الخبير الاقتصادي اليمني، أن أزمة السيولة في مناطق الحكومة اليمنية ليست نقصاً في النقد، بل نتيجة اختلالات هيكلية عميقة في إدارة المال العام والنظام النقدي؛ إذ خرجت كتل نقدية كبيرة من الجهاز المصرفي، ما أضعف قدرة البنك المركزي اليمني على التحكم بالسيولة.

القاعة الرئيسية لإجراء المعاملات بالبنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

ويشير الأثوري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى تآكل القنوات الرسمية للإيرادات، مع إيداع مؤسسات حكومية أموالها لدى شركات الصرافة بدل البنك المركزي؛ ما خلق قنوات مالية موازية، كما يبرز اختلال الإنفاق العام، خاصة في الرواتب، حيث تُصرف أموال لأسماء وهمية أو غير فعالة، وتتسرب لاحقاً إلى المضاربة وتحويل الأموال للخارج.

ومنذ أيام اتهم مسؤولان في البنك المركزي بعض السلطات المحلية والجهات الحكومية بمفاقمة الأزمة من خلال الامتناع عن التوريد لحساب الحكومة في البنك المركزي بعدن، وتجاهل قرار مجلس القيادة الرئاسي وخطة الإصلاحات الاقتصادية الشاملة المدعومة دولياً.

وحسب ما نقلت «رويترز» عن المسؤولين، فإن الحكومة لا تمتلك إيرادات كافية لتغطية نفقاتها، بسبب «هبوط حاد في الإيرادات العامة عقب توقف صادرات النفط منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022، فضلاً عن آلاف المليارات من الريالات المكدسة في مخازن شركات الصرافة ورجال الأعمال، وهي عوامل تسببت في أزمة سيولة خانقة داخل المالية العامة».

وذكر مصدر مقرب من إدارة البنك المركزي اليمني في عدن لـ«الشرق الأوسط» أن من أسباب هذه الأزمة تجميد عقود طباعة العملة وإحجام التجار عن قبول الأوراق النقدية الممزقة والتالفة، والتي تمثل أكثر من 70 في المائة من الأوراق النقدية المتداولة، مع إصرار الكثير من السكان على تخزين الأوراق السليمة في منازلهم.

ابتلاع السيولة

وتعدّ هذه الأزمة إحدى تداعيات اقتصاد الحرب الذي تتراجع فيه الإيرادات العامة، وتفقد الدولة قدرتها على تنظيم السوق.

ويخشى المراقبون أن يتراجع دور البنوك أكثر مما هو حاصل فعلاً؛ إذ يستمر بقاء معظم الكتلة النقدية خارجها، ورغم الإجراءات التي اتبعها البنك المركزي في الصيف الماضي، فإنها لم تكن كافية لإعادة الدورة النقدية إلى وضعها القانوني، ومنع الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي.

ويصف عبد الحميد المساجدي، الباحث الاقتصادي اليمني، الأزمة الحالية بالاختلال العميق في بنية الدورة النقدية ذاتها نتيجة الاكتناز خارج البنوك؛ وهو ما أدى إلى شلل فعلي في وظيفة النقود وسيطاً للتبادل داخل النظام المالي الرسمي، وخلق مفارقة اقتصادية حادة تمثلت بشح داخل البنوك مقابل فائض غير منضبط في السوق الموازية، يُستخدم في المضاربة بالعملة.

وأوضح المساجدي لـ«الشرق الأوسط» أن البنوك فقدت جزءاً كبيراً من جاذبيتها لصالح قطاع الصرافة الذي يعمل بسرعة ومرونة أعلى وبقنوات أقل تعقيداً، وفي غياب الأدوات المالية الفعالة التي تستقطب السيولة، مثل شهادات الإيداع أو أدوات الدين الداخلي، تراجعت قدرة النظام المصرفي على أداء دوره وسيطاً مالياً، وتآكلت وظيفة خلق الودائع.

محل لبيع الأسماك في مدينة سيئون شرق اليمن (أ.ب)

وتتجلى الأزمة في تفاصيل يومية حصلت «الشرق الأوسط» على شهادات ميدانية عنها، مثل تأجيل المرضى زياراتهم للأطباء، وتحذيرات مدارس خاصة لأولياء أمور الطلاب من حرمان أبنائهم من إكمال العام الدراسي لعدم سداد الرسوم، وعجز تجار عن تجديد بضائعهم، مقابل عجز المستهلكين عن شراء السلع الأساسية إلا في أضيق الحدود.

ويشير حلمي الحمادي، الباحث المالي اليمني، إلى أن الأوراق النقدية وقعت فيما يسميه «مصيدة السيولة» التي نشأت بعد إجراءات البنك المركزي خلال العام الماضي، حيث كان المتحكمون بالإيرادات يضعون الأوراق النقدية في حوزة شركات الصرافة ويضاربون بها بالعملات الأجنبية، إلا أنهم الآن يحتفظون بها في المنازل.

ويخلص في توضيحه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن أخطر ما في هذه الأزمة أن النقود لا تدخل البنوك التي لا تستطيع تمويل الاقتصاد، والذي بدوره يعمل خارج النظام المالي، وأن تجزؤ الإيرادات جغرافياً وقطاعياً، في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، تسبب في تركيز وإدارة السيولة في مناطق ولدى فئات وجهات وأفراد محددين، لينشأ ما يمكن تسميته «اختناق السيولة الموضعي».

حِزم الأوراق النقدية اليمنية تُحتجز لدى جهات تسعى للإضرار بالاقتصاد (رويترز)

وتتزايد المخاوف من أن تؤدي هذه الأزمة إلى تعطيل سلاسل الإمداد الغذائي، بصعوبة حصول التجار على أموالهم لاستيراد السلع، وعجز السكان عن الحصول على أوراق نقدية لشراء المواد الاستهلاكية.

استعادة الثقة

ولا تعدّ الأزمة الحالية مجرد تعثر مالي، بل هي «أزمة ثقة» حادة متعددة المستويات داخل المؤسسات الرسمية، وفي علاقة مختلف القطاعات بالقطاع المصرفي؛ ما يهدد بدفع الأسواق إلى الاعتماد على «المقايضة» القسرية أو الاعتماد الكلي على التحويلات الرقمية التي لا تتوفر للغالبية العظمى من السكان في الريف.

ويشدد الباحث الأثوري على ضرورة ضبط المالية العامة، وإغلاق حسابات الصرافة الحكومية، وتوحيد الرقابة على المال العام، وإصلاح الرواتب، وتدقيق القوائم الوظيفية، وإزالة الازدواجية والأسماء الوهمية، وربط الرواتب بنظام مصرفي أو رقمي مباشر.

شركات الصرافة أسهمت في تدهور القطاع المصرفي اليمني (أ.ف.ب)

كما يرى أن من أهم وسائل مواجهة هذه الأزمة، تفعيل أدوات البنك المركزي والتحول للدفع الرقمي وتوسيع المحافظ الإلكترونية والمدفوعات الرقمية، ورقمنة الرواتب لتقليل الاعتماد على النقد ومعالجة اختلالات التهربات الضريبية التي تفقد الإيرادات مبالغ كبيرة وخاصة لدى كبار المكلفين.

من جهته، يدعو المساجدي إلى إصلاح هيكلي شامل، واستخدام أدوات مالية ذكية وجاذبة، تعيد توجيه النقد إلى القنوات الرسمية بدلاً من بقائه خارجها، وتحديث القطاع المصرفي ليصبح أكثر كفاءة وسرعة وقدرة على تقديم خدمات حقيقية تعيد بناء الثقة تدريجياً بدلاً عن الاعتماد على شركات الصرافة.

ويتفق الاثنان على أهمية استعادة التوازن النقدي بالإلزام الصارم لكل الجهات بتوريد الإيرادات العامة إلى البنك المركزي، بما يعيد للدورة المالية وحدتها.


«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
TT

«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)

مع اقتراب أزمة غلق مضيق هرمز، من يومها الـ60، تتصاعد أزمة أخرى في البحر الأحمر مع حادث اختطاف ناقلة من جانب قراصنة قبالة السواحل الصومالية التي لها تاريخ كبير مع مثل تلك العمليات، قبل أن تهدأ في السنوات الأخيرة مع تحركات دولية مناهضة.

هذه العودة، حسب خبير بالشأن الصومالي والأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تعد اختباراً للممرات الملاحية، خصوصاً بالبحر الأحمر، لجس نبض إمكانية عودة نشاط القراصنة على نحو أوسع واستغلال الاهتمام الدولي بأزمة مضيق هرمز.

قرصنة جديدة

أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (يو كاي إم تي أو) أن ناقلة نفط خُطفت، الثلاثاء الماضي، قبالة سواحل الصومال الذي يحده من الشمال خليج عدن ومن الشرق المحيط الهندي، وتلك المنطقة تقع عند مدخل مضيق باب المندب بين البحر الأحمر وخليج عدن على أحد أكثر الطرق التجارية استخداماً في العالم، والرابط بين المحيط الهندي وقناة السويس.

وازدادت أهمية هذا المضيق استراتيجياً منذ إغلاق مضيق هرمز الذي كان يمر عبره قبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط 20 في المائة من إنتاج النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.

ووفقاً لما نقلته الهيئة السبت، جرى الإبلاغ عن «حادث» على بُعد نحو 90 كيلومتراً شمال شرقي ماريو، في شرق الصومال، لافتة إلى أن «أفراداً غير مصرح لهم سيطروا على الناقلة وقادوها لمسافة 77 ميلاً بحرياً جنوباً، داخل المياه الإقليمية الصومالية»، من دون ذكر مزيد من التفاصيل.

وأفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، الخميس أيضاً، باختطاف مسلح لسفينة صيد ترفع العلم الصومالي، لافتة إلى أن «هذه الأحداث مجتمعة تُشير إلى وجود تهديد حقيقي بالقرصنة».

أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (رويترز)

وفي الأشهر الأخيرة، أثارت عدة حوادث مخاوف من عودة القرصنة قبالة سواحل القرن الأفريقي، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويرى المحلل السياسي في الشأن الصومالي والأفريقي، عبد الولي جامع بري، أن ذلك الحادث يأتي في سياق إقليمي أوسع مرتبط بالتوترات في البحر الأحمر ومضيق هرمز برغم أن حادث اختطاف السفن، ليس ظاهرة جديدة لكنه الآن ينذر بتداعيات.

ويُرجِع أسباب تلك العودة إلى ضعف الرقابة البحرية رغم تحسن الوضع الأمني في مقديشو، إلا أن السواحل الطويلة ما زالت صعبة على السيطرة الكاملة، بخلاف الفراغ الأمني الدولي النسبي مع تراجع الوجود البحري الدولي مقارنة بذروة مكافحة القرصنة بين 2010 - 2015.

وبرأي الباحث الاقتصادي والاستشاري في الاقتصاد والنقل الدولي، زياد الهاشمي، فإن «القراصنة الصوماليين يستغلون انشغال العالم بمضيق هرمز ويبدأون باختطاف السفن من جديد بالقرب من منطقة البحر الأحمر».

وهذا التطور حسبما ذكره الهاشمي في منشور عبر صفحته بـ«فيسبوك»، «يأتي وسط تصاعد ملحوظ في نشاط القرصنة في منطقة باب المندب، الذي كان يستهدف في الغالب السفن الأصغر حجماً، لكن اختطاف ناقلة منتجات نفطية كبيرة يُعد مؤشراً مقلقاً، خصوصاً أن المنطقة تعاني أصلاً من ضغوطات بحرية كبيرة بسبب مخاطر الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز».

تاريخ مظلم

وبلغت أعمال القرصنة ذروتها في الصومال عام 2011، قبل أن تنخفض بشكل ملحوظ مع نشر سفن حربية دولية (من الاتحاد الأوروبي والهند ودول أخرى)، وإنشاء قوة شرطة بونتلاند البحرية.

وفي ذروتها في عام 2011، وصلت حوادث القرصنة قبالة سواحل الصومال إلى مستوى قياسي بلغ 237، ما كلف الاقتصاد العالمي 7 مليارات دولار في ذلك العام، وتم إطلاق النار على أكثر من 3863 بحاراً ببنادق هجومية وقذائف صاروخية في تلك الفترة، حسب تقرير سابق لـ«سي إن إن» الأميركية.

ويعود ظهور القراصنة، إلى تسعينات القرن الماضي، مع معاناة الصيادين المحليين من الصيد التجاري غير المنظم ، وبدأ بوصفه احتجاجاً مسلحاً ضد سفن الصيد الأجنبية التي حرمتهم من مصدر رزقهم التقليدي، الذي لطالما وفرته المياه الصومالية الغنية بأنواع الأسماك المختلفة.

ويشير عبد الولي جامع بري، إلى أن أي حادثة جديدة لا تُعد عودة كاملة للقرصنة، لكنها مؤشر قابل للتصاعد إذا توفرت الظروف، مؤكداً أن المخاوف ستتسع بعد حادث الجمعة، لأسباب بينها أن تكرار الحوادث الصغيرة قد يشير إلى اختبار الممرات البحرية، وتحول الاهتمام الدولي مع تصاعد أزمة مضيق هرمز.

وعودة نشاط القرصنة البحرية في مضيق باب المندب، حسب زياد الهاشمي، يزيد من مستوى المخاطر المرتفعة، ويضغط على شركات الشحن البحري لاستخدام المسار الأطول والأكثر تكلفة عبر رأس الرجاء الصالح، ما يعمّق مشكلة ارتفاع الأسعار في مراكز الاستهلاك الغربية.