«ترمب بلا قناع»

كتاب جمع معلوماته أكثر من 30 مراسلاً وصحافياً في «واشنطن بوست»

ترمب بين والديه
ترمب بين والديه
TT

«ترمب بلا قناع»

ترمب بين والديه
ترمب بين والديه

أسرار شخصية الرئيس الأميركي الأكثر إثارة للجدل دونالد ترمب، وخلفيات مواقفه التي حيرت العالم يمكن للقارئ أن يتعرف إليها في كتاب تستعد «دار الساقي» لإصداره نهاية الشهر الحالي تحت عنوان «ترمب بلا قناع» مع عنوان آخر فرعي هو «رحلة من الطموح والغرور والمال والنفوذ». المؤلّف صدر بالإنجليزية، لتعريف الناخب الأميركي من دونالد ترمب على مشارف الانتخابات الأميركية، وها هو يبصر النور بالعربية.
وعمل على تقصي معلومات الكتاب أكثر من 30 مراسلاً ومحرراً من جريدة «واشنطن بوست»، وقام بالتأكد من المعلومات وتنسيقها كل من مايكل كرانيش ومارك فيشر. وتمكن المراسلون من إجراء مقابلات مع ترمب لأكثر من عشرين ساعة، ولقاءات مع محاميه وبعض أعضاء حملته الانتخابية. يخلص الكاتبان إلى أن «الرجل الذي انتخب ليكون الرئيس الرابع والخمسين أكثر تعقيداً مما توحي به لغته البسيطة، وأن دوافعه وقيمه مستمدة من والديه، ومن نشأته، وانتصاراته وهزائمه، وسعيه طوال حياته إلى الحصول على الحب والقبول». وهنا مقطع محرر من الفصل الأول يتحدث عن أصول عائلة ترمب، وما دفع جدته إلى الهجرة من اسكوتلندا، وجده من المجيء من ألمانيا.
في أحد أيام يونيو (حزيران) 2008، وفي إحدى جزر أوتر هبرديس على الساحل الشمالي الغربي من اسكوتلندا، تجمَّع بعض السكان شاخصين أبصارهم نحو السماء ومحدِّقين في طائرة آتية اتجاههم. كان شكل الجزر التي يعيشون فيها أشبه بهراوة من القرون الوسطى: ضيقة عند الطرف الجنوبي وعريضة عند الطرف الشمالي، وتتوزع داخل المياه المتلاطمة الأمواج ذات اللون الأزرق المائل إلى الرمادي. كانت معظم أراضي الجزيرة، القليلة السكان البادية من بعيد، مروجاً فسيحة وحقولاً تصل إلى المنحدرات الوعرة والشطآن الصخرية المطلّة على مجموعة من الجزر الصغيرة. انتظر سكان الجزيرة في وقت كانت فيه طائرة «البوينغ 727» تنعطف صوبهم.
على طول جسم الطائرة، كُتِبَتْ كلمة واحدة بالأحرف الكبيرة: TRUMP. هدأ هدير محركات الطائرة. أفرغ مساعدو ترمب صناديق الكتب التي أحضرها والتي كان ينوي إهداءها لسكان الجزيرة لتكون بمنزلة الرموز المقدسة بالنسبة إليهم. كُتِبَ على أحد الصناديق «ترمب: كيف تصير غنياً؟»، وعلى صندوق آخر: «إياك والاستسلام».
حيّا ترمب سكان الجزيرة. كان يرتدي بدلة غامقة وقميصاً أبيض وربطة عنق زرقاء تتدلى إلى ما دون حزامه، في حين كان شعره الأشقر يتطاير مع النسيم، ثم توجّه مع مرافقيه إلى سيارة بورش Cayenne وإلى سيارتي BMW X5. سار الموكب على الطرق المتعرجة لسبعة أميال ماراً بهضاب خضر تنحدر لتصل إلى خليج، وعبر أحياء تضم منازل تشرف على الواجهة المائية، وأبنية تضم منشآت صناعية صغيرة... إلى أن وصل إلى منزل رمادي اللون، يُعرف باسم تونغ 5 5 Tong، وهو اسم القرية الموجود فيها. ترجل ترمب من سيارته واختلس نظرة إلى داخل المنزل. كان المسكن متواضعاً إلى حدّ أنه لم يحتمل البقاء داخله أكثر من سبع وتسعين ثانية. التقِطَت الصور، وبدا أن حبكة القصة قد اكتملت بكل براعة وإحكام: «ترمب يزور مسقط رأس والدته، ماري آن ماكليود Mary Anne Macleod».
قال ترمب للمراسلين المتجمهرين: «أشعر براحة تامة هنا، عندما يعود أصل والدتك إلى مكان معين، فلا بدّ أن تحب هذا المكان. أشعر بأنني اسكوتلندي، ولكن لا تطلبوا مني أن أحدّد شعوري. ثمة شيء قوي اكتسبته من والدتي»، ثم أضاف، حتى إذا كان هناك من فاتته الملاحظة: «لدي أموال طائلة».
كان ترمب قد زار المكان مرة واحدة قبل ذلك، عندما كان في الثالثة أو الرابعة من عمره، وكانت زيارته قصيرة قدر الإمكان؛ إذ لم تتعدّ ثلاث ساعات. كانت هناك أقاويل حول نية ترمب تحويل إحدى القلاع المحلية إلى فندق فخم، ثم تغير المكان إلى موقع آخر في اسكوتلندا، حيث كان ترمب يأمل أن هذا التذكار النادر لإرثه قد يساعد في إقناع السياسيين بالسماح له ببناء منتجع ضخم يضم ملاعب غولف، إضافة إلى تنفيذ مشروع إسكاني على أرض ذات حساسية بيئية تقع قرب أبيردين.
كانت حكاية والدة ترمب قصة تقليدية تحكي عن الرغبة في حياة جديدة في أرض غريبة، ويُثقِلها حلمٌ بعيد عن الواقع بالحصول على ثروة لا تخطر في البال. في حالة أسرة ترمب، كانت الثروة ستأتي آجلاً أم عاجلاً، ولكن كان من الصعب تصوُّر هذه النتيجة في حال عدنا بالزمن إلى الوراء وتأملنا المشهد الموجود في صورة باهتة المعالم التقطت قرب الموقع الذي زاره ترمب لمدة وجيزة في ذلك اليوم الصيفي.
التقطت الصورة، وهي بالأبيض والأسود، عام 1930 في تونغ 5، وتبدو فيها امرأة منحنية قليلاً إلى الأمام ترتدي ثوباً طويلاً وشعرها مربوط خلف رأسها، وقد التف نطاق حول كتفها. كان النطاق مربوطاً إلى صرة فوق ظهرها يبلغ حجمها عشرة أضعاف حجم رأسها. واستناداً إلى الجملة التي كتبتها الجمعية التاريخية في تونغ، هذه المرأة هي إحدى أسلاف ترمب، وقد تكون جدته لأمه: «تحمل على ظهرها سلة مليئة بالأعشاب البحرية». تظهر في خلفية الصورة شابة، قد تكون والدة ترمب، ماري ماكليود، وكانت آنذاك في الثامنة عشرة من عمرها، وبدأت تخطط لمغادرة جزيرتها، حيث الفقر المدقع، للذهاب إلى أميركا.
نشأت ماري في ذلك المكان البعيد وكانت تتكلم باللهجة الغاليّة Gaelic المحلية. كانت قرية تونغ هي مسقط رأس والدَي ماري وجدّيها وأسلاف جدّيها، وعدد لا يُحصى من أبناء الأعمام والأخوال والعمات والخالات. كانت الأرض المحيطة بالمنزل مجرّد حقل صغير مسوَّر، أشبه بالمزرعة الصغيرة التي كانت الأم تُعنى بها، وهو ما مكَّن الوالد من قضاء معظم وقته في صيد السمك. كانت حياة شحيحة، وصفتها إحدى الوثائق التاريخية المحلية بأنها «قذرة على نحو لا يوصف... كانت أبواب المنازل منخفضة حتى كان السكان يضطرون إلى الزحف للدخول إليها والخروج منها». كانت العائلات تكافح معاً لتتدبّر الدخل كيفما اتفق، عن طريق زراعة التربة الحمضية وتربية المواشي، والصيد في الخلجان والأنهار القريبة، وجمع الفحم لبيعه أو لاستخدامه وقودا، وجمع أعشاب البحر لاستخدامها سمادا في تلك الأرض العسيرة على الزراعة. كان من الشائع أن يغرق الرجال في مراكب الصيد التي يعملون عليها، وهو ما حدث لجد ماري، دونالد سميث Donald Smith عام 1868، وكان عمره آنذاك لا يتجاوز الرابعة والثلاثين. وبعد عقود، أطلقت ماري اسمه على ابنها، دونالد ترمب.
كانت عائلة ماكليود تُفاخر بالمواشي القوية البنية الموجودة في الجزيرة؛ وكانت الشارة المميزة للعائلة رأس ثور وشعار يقول: «ابق صامداً»، لكن الصمود صار شبه مستحيل مع بداية الكساد الكبير Depression Great. وفي خريف 1929، لم تكن تتوافر للشابات، إلا نادراً، الفرصة ليعشن حياة غير حياة المزارعات أو جامعات الأعشاب البحرية ومنجبات للأطفال. هكذا، في السابع عشر من فبراير (شباط) 1930، وفي أعقاب الثلاثاء الأسود Black Tuesday (يوم انهيار أسعار الأسهم في بورصة نيويورك) وكل ما رافق الكساد من كآبة وبؤس، صعدت ماري آن ماكليود إلى سطح سفينة ترانسلفانيا Transylvania، وهي سفينة ذات ثلاث مداخن كانت قد بنيت قبل ثلاث سنوات. كان طول السفينة، بين مقدمتها ومؤخرتها، 552 قدماً، وكان طول دعامتها الأفقية 70 قدماً، وكانت تقل 1432 راكباً.
يبدو أن ماري الشابة الجذابة ذات البشرة البيضاء والعينين الزرقاوين، كانت وحدها، فقد ورد اسمها في ملفات السفينة ضمن أسماء McIntoshes وMcGraths وMcBrides. سجلت ماري نفسها «مساعدة منزلية»، وهو تعبير فضفاض يتسع لكلمة «خادمة» أو لأي عمل آخر قد تجده لدى وصولها إلى نيويورك. أخبرت ماري المسؤولين في دائرة الهجرة، في جزيرة إيليس، أنها تخطط للإقامة في منطقة كوينز مع شقيقتها الكبرى كاترين، التي كانت قد تزوجت وأنجبت طفلاً منذ وقت قريب، وقالت ماري إنها تخطط أن تكون مقيمة دائمة، وتأمل في الحصول على جنسية البلد الذي اختارت العيش فيه.
بحلول 1929، كان الكونغرس قد أقر تشريعاً يقلص حصص المهاجرين من بلدان عدة، من بينها بعض الدول الأوروبية مثل ألمانيا. وسرعان ما طرد مئات الألوف من المكسيكيين. أما المهاجرون من الصين واليابان وأفريقيا والجزيرة العربية، فصارت فرصهم محدودة للحصول على الجنسية. وفي الوقت نفسه، رفع الكونغرس إلى الضعف تقريباً حصص المهاجرين من عدد من الجزر البريطانية. هكذا، لقي قدوم ماري، وهي المنحدرة من العرق المفضَّل من البيض البريطانيين، ترحيباً في الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة تغلق الأبواب بوجه الكثير من المهاجرين من مناطق أخرى.
بينما كانت ماري تعبر المحيط الأطلسي، واجهت سفينة ترانسلفانيا عاصفة عاتية. أخيراً، عندما وصلت السفينة إلى ميناء نيويورك، أثارت الأمطار المنهمرة بغزارة أمواجاً عاتية. وأدت الصواعق إلى انقطاع التيار الكهربائي، حتى عن مشعل تمثال الحرية، الذي كان رغم كل شيء يرحب بالفقراء وبالكادحين في العالم. في اليوم الذي وصلت فيه ماري إلى نيويورك، كانت القصة الرئيسية على الصفحة الأولى من صحيفة «نيويورك تايمز»، مطمْئِنة: «مرّت أسوأ أيام الكساد، هكذا يقول هوفر، بالتعاون نتغلب على المحنة Cooperation Lessening Distress». كان هوفر يعلق آماله على ازدهار حركة العمران، التي كان يصرّ على أنها تسارعت «أكثر مما كنا نأمل»،. لكن آماله كانت مفرطة في التفاؤل. وسرعان ما جرى إحلال حاكم نيويورك الديمقراطي فرانكلين ديلانو روزفلت Franklin Delano Roosevelt محله في البيت الأبيض، وتطلّب الأمر سنوات من التدخل الحكومي لإنقاذ أميركا من الكساد، ولكن كان هناك رجل يشارك هوفر آماله في حصول ازدهار عمراني، وهو شاب يدعى فريد ترمب Fred Trump، وكان ابناً لمهاجر ألماني، كما كان على وشك تكوين ثروة عن طريق بناء مساكن متواضعة في المنطقة نفسها من نيويورك التي أُرسلت إليها ماري ماكليود.
يبدأ الفصل الخاص بأسرة ترمب في القصة الأميركية الطويلة للعائلة من جدّ دونالد، فريدريك Friedrich. نشأ فريدريك في قرية تنتج الخمر وتقع جنوب غربي ألمانيا تدعى كالشتاد، وكانت القرية تبدو للوهلة الأولى خضراء ومزدهرة، لكنها كانت أصغر من أن تتسع لطموحات المراهق الذي سيصير جد دونالد ترمب لأبيه.
رغم ذلك، لم يكن فريدريك يرى لنفسه أي مستقبل في قرية بلاتِنت، وقرر الانضمام إلى ركب الألمان الباحثين عن حياة أفضل في الولايات المتحدة. قطع فريدريك مسافة 350 ميلاً صوب الشمال إلى بريمن، وهو ميناء يعج بالمهاجرين، وصعد إلى ظهر سفينة أيدر Eider. كانت السفينة الألمانية، ذات المدخنتين، العابرة للمحيط الأطلسي، متجهة نحو مدينة نيويورك، حيث سيلتحق بشقيقته الكبرى، كاترين، التي كانت قد تزوجت مهاجراً من كالشتاد. وصل فريدريك إلى نيويورك في التاسع عشر من أكتوبر (تشرين الأول) 1885. ورد في سجلات الهجرة أن مهنته كانت «مزارعاً»، وأن اسمه كان فريدريك ترمبف Trumpf، لكنه سرعان ما صار يُعرف باسم ترمب، وكان لا يتجاوز السادسة عشرة من العمر.



«معرض بيروت للكتاب» يعود موحداً وبلغات عدة

زوار خلال دورة سابقة لمعرض بيروت للكتاب (معهد باسل فليحان)
زوار خلال دورة سابقة لمعرض بيروت للكتاب (معهد باسل فليحان)
TT

«معرض بيروت للكتاب» يعود موحداً وبلغات عدة

زوار خلال دورة سابقة لمعرض بيروت للكتاب (معهد باسل فليحان)
زوار خلال دورة سابقة لمعرض بيروت للكتاب (معهد باسل فليحان)

عشرة أيام ثقافية جامعة، يعيشها اللبنانيون بفضل «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» في دورته السابعة والستين، الذي ينظمه هذه السنة، كما جرت العادة، «النادي الثقافي العربي». لكن هذه المرة، النادي وبعد سنوات من الانقسامات، يعود للتعاون مع «نقابة اتحاد الناشرين اللبنانيين»، وينضم إليهما «المعهد الفرنسي» ببرنامج وازن، وتشاركها «الجامعة الأميركية» في بيروت، التي كانت قد شهدت في حرمها انعقاد أول معرض لبناني في أبريل (نيسان) عام 1956، بل كان أول معرض عربي للكتاب، حقق نجاحات مشجعة. من يومها صارت المناسبة سنوية، وانطلقت في منطقتنا معارض الكتب. لهذا استحق لقب: «عميد معارض الكتب العربية».

بعد خلافات وسجالات طوال، ها هي بيروت تنعم بمعرض موحد للكتاب، يجتمع فيه المختلفون، على مشاربهم، بمبادرة من وزير الثقافة غسان سلامة. هؤلاء فرقتهم قضايا كثيرة لكن الكتاب جمعهم تحت سقف «سيسايد أرينا» على الواجهة البحرية للعاصمة، وذلك من التاسع حتى الثامن عشر من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.

يتضمن برنامج المعرض أكثر من 95 ندوة وجلسة حوارية بمشاركة 280 شخصية فكرية وأدبية، ويحتفي بشخصيات مثل كمال جنبلاط، وأحمد قعبور، وصبحي الصالح، وغسان تويني، وشوشو، وآخرين. تخصص مساحات للشباب، والرسم وفن الغرافيتي، والموسيقى التي تعود إلى رحابه. من بين أبرز المشاركين العرب في المعرض: الروائي واسيني الأعرج الذي يوقع «الريميتي... أناشيد الجمر والنار»، ورشيد الضعيف، ونجوى بركات توقّع «غيبة مي»، وتتحدث عن «كيف تكتب الرواية؟»، والحبيب السالمي يوقّع «أيتها القبرّة».

بالتزامن مع انعقاد المعرض فإن عشرات المؤلفات ابصرت النور، وستشهد الأجنحة حفلات توقيع بالجملة، في أجواء احتفالية جامعة، حيث تنشط كل دار، لتنظيم برنامجها الخاص، بالتوازي مع البرنامج العام للمعرض.

وتشهد هذه الدورة مشاركة واسعة تتجاوز مائة وثلاثة وستين دارَ نشرٍ، بينها ثلاث وعشرون داراً عربيةً. وهي المرة الأولى منذ عدة سنوات التي يجتمع فيها الكتاب الفرنسي مع العربي في معرض واحد.

الناشرة رشا الأمير صاحبة «دار الجديد» التي لا تزال تجد أن الاشتراك في معرض بيروت مكلف نسبةً إلى المبيع المحتمل، وجدت الحل الأنسب بالاشتراك مع مكتبة صديقة هي «الحلبي»، للتخفيف من الأعباء. وهي ليست الوحيدة التي لجأت إلى هذه الوسيلة.

وتقول الأمير إنها سعيدة بتأمين رعاة لهذا المعرض، وإن كل الجهات اتفقت أخيراً واجتمعت في معرض واحد. وتضيف: «نحن منذ زمن بعيد ندعو لمعرض يتحاور فيه المختلفون، وتتمثل فيه إلى جانب العربية، كل اللغات، الفرنسية والإنجليزية والإسبانية والكردية، ولغات أخرى». بالنسبة لصاحبة «دار الجديد» حين يكون البلد متعدداً يجب أن يكون معرض الكتاب على مثاله. «كنا ذات يوم قد دعونا كل الأطراف المنظمة لمعارض الكتب إلى ما سميناه (المقرأ). وهو اجتماع طالبنا خلاله بمعرض مختلف عن كل المعارض الأخرى، لأن بيروت لديها إمكانات كبرى وتعددية في اللغات والنشر والطباعة والصحافة. هذا هو دور بيروت الفعلي، لأنها منفتحة على العالم وفيها حرية. ما يتحقق الآن، هو جزء مما حلمنا به».

وتختم: «جيد أن يكون هناك معرض واحد له صدى وتأثير، بدل معارض ضعيفة. وهناك ندوات وأغانٍ، وموسيقى. أما المشهد العام فهو (كوكتيل) مفتوح، يلتقي فيه الناس. هذا شيء مفيد بحد ذاته، وربما اشترى الرواد بهذه المناسبة كتباً يقرأونها أو لا، لسنا ندري».

برنامج المعرض حافل، فيه الموسيقى، حيث تغني في حفل الافتتاح ريما خشيش، يرافقها على البيانو خوان رودريغيز. وفي اليوم التالي تُعقد ندوة عن «الرؤيوي كمال جنبلاط» بمشاركة نخبة من الباحثين، إلى جانب ندوات عن «شغف» للموسيقار عابد عازرية بحوار مع الإعلامي زاهي وهبي، وعن كتاب «رئيس الجمهورية اللبنانية: الموقع والدور»، و«عن الكتابة الإبداعية وأدب الغد» مع الكاتب عبد الرحمن جاسم. ويضم اليوم كذلك لقاءً بالفرنسية حول كتاب عن غزة.

وضمن البرنامج جلسة حول «ثلاثية رشيد الضعيف الأخيرة وإعادة تشكيل الأسطورة»، وندوة عن «رؤية موريس الجميل وتنميته»، وجلسة مع الروائي واسيني الأعرج بعنوان «التاريخ والحكاية»، وأخرى عن مذكرات مروان حمادة «لبنان عسل ودم... رحلتي في الصحافة والسياسة». وثمة محاضرة للدكتور جورج حداد عنوانها «الطب يقرأ الفن: جولة طبيب في قاعات المتاحف»، وحوار مع الفنان عادل كرم. وتُطرح أسئلة عن الجوائز وأثرها في الأدب بمشاركة واسيني الأعرج وجلال برجس. وتُستحضر ذاكرة بيروت عبر «مقهى الهورس شو» في شارع الحمراء، وجلسة عن تاريخ «دار الآداب» تتحدث فيها رنا إدريس بوصفها ناشرة، بمناسبة مرور 70 سنة على تأسيسها. وضمن البرنامج أمسيات شعرية عديدة. وميزة البرنامج أنه متنوع؛ يطول الطب والموسيقى والسير والتاريخ والنشر، كما الرواية والسياسة والاقتصاد.

والجديد هذه السنة هو انضمام «المعهد الثقافي الفرنسي» إلى معرض الكتاب العربي واضعاً إمكانات كبيرة، من أجل إنجاح المناسبة. وتحل المكتبات بدل دور النشر الفرنسية التي لم تعد تحضر إلى بيروت، كما كان الحال سابقاً. إنما تحاول المكتبات أن تعرض أحدث الإنتاجات وأهمها.

وعمل «المعهد الفرنسي» على تنظيم برنامج ثري واستقدم أدباء وفنانين ضمن برنامجه الذي كان يحتفي فيه إما في معرض خاص أو بما سماه، منذ أربع سنوات بعد تغيير الصيغة، «بيروت كتب»، حيث يحاول أن يجعل أنشطته موزعة في مناطق عدة. وتذهب الكتب والأنشطة إلى القراء حيث هم، من خلال شبكة فروع المعهد الفرنسي في لبنان. وتنظم هذه السنة لقاءات وورش عمل في جونية ودير القمر وطرابلس وزحلة إضافةً إلى بيروت.

ويحتل الشباب مكانة أساسية على امتداد الأيام العشرة، من خلال ورش للكتابة والرسم، وقراءات تفاعلية، ولقاءات مع الكتّاب والرسامين، وأنشطة حول القصص المصوّرة، وألعاب ومواعيد صُمّمت خصيصاً للقرّاء. ويشكّل الجناح المشترك للمعهد الفرنسي في لبنان والمعهد الفرنسي للشرق الأدنى، مساحة نابضة باللقاءات والنقاشات وحفلات توقيع الكتب.

يتضمن برنامج المعرض أكثر من 95 ندوة وجلسة حوارية بمشاركة 280 شخصية فكرية وأدبية

يستضيف البرنامج الفرنسي أكثر من 40 كاتباً ورسّاماً وفناناً من تسعة بلدان، بينهم ريوكو سيكيغوشي وجمانة حداد ودومينيك إدّه وشارل بيربيريان، في لقاءات وطاولات مستديرة وحفلات توقيع وأمسيات شعرية وعروض موسيقية، بالفرنسية والعربية والإنجليزية. وتأتي الدورة بروح متوسطية، ضمن «موسم المتوسط» الذي تنظّمه فرنسا خلال عام 2026.

في الثامن من أكتوبر صباحاً، تُخصص «ربع ساعة وطنية للقراءة» في مختلف أنحاء لبنان بالشراكة مع وزارة التربية والتعليم العالي تمهيداً للمعرض. ويوم الافتتاح عرض بعنوان «الاسم الضائع» (موسيقى وشعر وسرد) مع ديالا لطيف، وفريد نيفشيه، في المكتبة الشرقية بجامعة القديس يوسف، ويقام النشاط نفسه في طرابلس في معرض رشيد كرامي الدولي في اليوم التالي. وهناك أمسية شعرية مفتوحة بعنوان «حالات النفس» في مقهى-مكتبة «كافيبرايري» في بيروت، بمشاركة ريما عبد المالك وريتا باسيل وغراسيا بجاني وباميلا شرابيه وجمانة حداد ومالينا قاضي وبلانديان رينكل ومحمود وهبة. وفي البرنامج، لقاء حول الترجمة الفرنسية لكتاب «أنا حرّيتي» لناصر أبو سرور، مع رنا إدريس وستيفاني دوجول، بالشراكة مع «المنظمة الدولية للفرنكوفونية» و«مكتبة ستيفان»، في جناح المعهد الفرنسي داخل المعرض. وكذلك يُعرض عمل تركيبي فوتوغرافي بعنوان «أطوي الأرض» للفنانة كاترين كاتاروتسا، يترافق مع قراءة لريوكو سيكيغوشي، في بيت بيروت، وسط العاصمة. «ماذا يستطيع الأدب؟»، عنوان أمسية أدبية وفنية في متحف سرسق، وهناك لقاء مع ألكسندر لينو، الفائز بجائزة القارات الخمس للفرنكوفونية 2026، في المعرض. أما حفل الختام، فموسيقي-تشكيلي بعنوان «وأنت، كيف حالك؟» مع شارل بيربيريان وميشيل ستاندجوفسكي وموسيقى شيفو كيفو، في مدرّج مونتين بالمعهد الفرنسي في بيروت.


الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية
TT

الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

حقّق كتاب «نهب القرن» للبرلمانية الأوروبية سارة كنّافو، المنتمية إلى حزب «ريكونكيت» اليميني المتطرف، نجاحاً استثنائياً في السوق الفرنسية؛ إذ تجاوزت مبيعاته 160 ألف نسخة في ظرف 3 أسابيع، وفق أرقام نشرتها مصادر صحافية. غير أن نجاح كنّافو، مهما بدا لافتاً، لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه حالة منفردة. فخلال الأشهر الأخيرة، غزت واجهات المكتبات الفرنسية مجموعة من المؤلفات السياسية التي وقّعتها شخصيات تنتمي إلى اليمين المتطرف أو تتحرك في مداره الآيديولوجي، محققة أرقام مبيعات لا تُستهان بها في سوق الكتاب، التي تشهد تنافساً محتدماً.

ولفهم دلالة هذه الظاهرة، لا بد من استحضار المسار التاريخي للكتاب السياسي اليميني. فقد كان في نشأته الأولى أقرب إلى المنشور السياسي الموجه إلى النخبة، يُكتب بلغة رصينة، ويُطبع في نسخ محدودة، ويهدف إلى إقناع قارئ مثقف أو إلى تبرير موقف سياسي أمام دائرة ضيقة من المتلقين. لكن مع تحول المشهد الثقافي والإعلامي، وازدياد تأثير وسائل الاتصال الجماهيري، خضع الكتاب السياسي لتحولات عميقة، جعلته ينتقل من كونه أداة إقناع نخبوية إلى كونه منتجاً ثقافياً يُصمَّم بعناية، ويُسوَّق بمنهجية، ويُوزَّع عبر شبكات تجارية واسعة. ويرى باحثون أن هذه التحولات لم تعد تنتمي إلى الزمن الأدبي الطويل، بل إلى إيقاع صحافي سريع؛ فالكتاب السياسي أصبح «يُكتب ويُنشر ويُسوَّق في أسابيع قليلة»، ثم تتعاقب عليه العناوين الجديدة، فلا يبقى منه إلا أثر عابر في الذاكرة الثقافية. فرانسوا أنييك، المسؤول في الاتحاد المهني للناشرين والكتاب، ذهب إلى أبعد من ذلك، واصفاً إياه بأنه «كتاب ذو استهلاك سريع، غالباً ما يكتبه آخرون، ويختفي بعد 6 أشهر».

وفي صدارة هذه الشخصيات التي تسجل كتبها إقبالاً جماهيرياً يأتي جوردان بارديلا، رئيس التجمع الوطني، الذي حقق كتاباه نحو 320 ألف نسخة مجتمعين. فكتابه الأول «ما أبحث عنه» تجاوز 200 ألف نسخة، فيما اقترب كتابه الثاني «ما يريده الفرنسيون» من 100 ألف نسخة في أسابيع قليلة من صدوره. أما فيليب دو فيلييه، مؤسس حزب «الحركة من أجل فرنسا»، وأحد أبرز وجوه اليمين السيادي والمحافظ في فرنسا، فقد واصل ترسيخ حضوره في سوق الكتاب السياسي؛ إذ تجاوزت مبيعات كتابيه الأخيرين «إبادة الشعب» و«إبادة الذاكرة» 400 ألف نسخة مجتمعين، وفق تقديرات «منصة إدستات» لإحصاءات النشر. ولا يغيب إريك زيمور، الزعيم الحالي لحزب «ريكونكيت» اليميني المتطرف، عن هذه الصورة، فكتابه الأخير «القدّاس لم ينته بعد» حقّق نحو 70 ألف نسخة. وعلى الرغم من أن نيكولا ساركوزي لا ينتمي رسمياً إلى اليمين المتطرف، فإن مواقفه الأخيرة قاربته من خطاب اليمين المتشّدد. وكتابه «يوميات سجين»، الذي صدر في خريف 2025، حقق مبيعات تجاوزت 140 ألف نسخة.

ولعل أحد أسرار الإقبال على هذه الكتب يكمن في قدرتها على تحويل الحجّة السياسية إلى حكاية إنسانية قابلة للتداول. فالعناوين نفسها تؤدي وظيفة درامية واضحة: «نهب القرن»، «إبادة الشعب»، «إبادة الذاكرة»، «يوميات سجين». كلها عناوين لا تقدم فكرة بقدر ما تفتح مشهداً صراعياً، ففي هذه الكتب هناك ظالم وضحية، ومتهمون، ومحكمة، وشعب مهدد بالاختفاء. وفي حالة سارة كنّافو، لا يُقدّم الكتاب برنامجاً اقتصادياً تقنياً، بل تحقيقاً قضائياً في نهب الدولة للمواطن. فالراتب، والضرائب، والتقاعد، وأوروبا، تتحول جميعاً إلى عناصر في ملف اتهام. وتزداد فاعلية هذا الأسلوب حين تُترجم الأرقام المجردة إلى شخصية روائية، حيث نجد في فصول الكتاب شخصية «نيكولا»، الموظف المتوسط الذي يُقال إنه خسر أكثر من مليون يورو على امتداد مساره المهني. وهذه الشخصية الوهمية تمنح الحجّة الاقتصادية جسداً ووجهاً وسيرة.

لكن ما يمنح هذه الكتب وحدتها الثقافية ليست العناوين فقط، بل المعجم الذي تبنيه، والموضوعات التي تتكرر فيها عبر الحدود الوطنية. فإذا أمعنا النظر في قاموس هذه المؤلفات، وجدنا أنها تدور حول مفردات قليلة، لكنها تتميز بكثافة عاطفية شديدة: الشعب، الخيانة، الذاكرة، الحدود، الغزو، النهضة، الانحطاط، الاستعادة. كلمة «الشعب» لا تُستعمل هنا باعتبارها مفهوماً اجتماعياً متنوعاً، بل بوصفها كتلة أخلاقية متجانسة تُقابل بـ«النخبة» أو «الطبقة الحاكمة». و«الذاكرة» لا تشير إلى التاريخ فقط، بل تتحول إلى سلاح ضد الحاضر، كما في كتاب فيليب دو فيلييه «إبادة الذاكرة»، الذي يصوّر فرنسا بوصفها أمة فقدت جذورها. أما «النهب» و«الخيانة» فتضفيان على الخلاف السياسي طابعاً قضائياً وأخلاقياً، بحيث يتحول الخصم من منافس فكري إلى متهم، ويتحول القارئ من متلقٍ إلى شاهد أو ضحية.

تتقاطع هذه المفردات مع موضوعات متكررة تجعل من هذه الكتب نصوصاً ثقافية أكثر منها برامج سياسية. فأولاً، ثمة هوس بالضرائب والإنفاق العام، كما في كتاب كنّافو الذي يحول الدولة إلى جهاز جشع يستنزف جهد المواطن. ثانياً، الهجرة والهوية والحدود، التي تظهر في كتاب رونو كامو «الاستبدال العظيم» وإريك زيمور «الانتحار الفرنسي». ثم الذاكرة الوطنية والخوف من محو التاريخ، وهو موضوع يجمع دو فيلييه وبارديلا في تصويرهما لفرنسا كأمة مهدّدة بالذوبان. وهناك أيضاً الهجوم على النخب والمؤسسات. ثم التركيز على فقدان الأمن وانتشار الجريمة، اللذين يتحولان إلى علامات على فقدان السيطرة والدفاع عن الأسرة التقليدية والقيم المحافظة. وأخيراً بناء صورة الزعيم بوصفه ضحية أو منقذاً، كما في «يوميات سجين» لساركوزي، أو في صورة بارديلا الشاب الذي يستعد حسب كتاباته لإنقاذ الأمة.

بهذا المعنى، لا تعمل اللغة في هذه الكتب بوصفها وسيلة نقل للأفكار فقط، بل بوصفها جهازاً لتكوين جماعة ثقافية تتقاسم الإحساس بالخطر والحنين إلى ماضٍ متخيل. فالقارئ لا يشتري نصاً سياسياً فحسب، بل ينخرط في عالم رمزي كامل: تاريخ وطني مهدد، شعب مسلوب، نخبة خائنة، زعيم مضطهد، عودة موعودة إلى زمن يُقدَّم باعتباره أكثر صفاءً واستقراراً.

ولا يمكن فهم هذه المبيعات الاستثنائية رغم أزمة قطاع النشر من دون النظر إلى البنية الاقتصادية والإعلامية التي تحملها. فعدد كبير من هذه الكتب صدر عن دار فايار، التابعة لمجموعة يتحكم فيها رجل الأعمال فنسان بولوريه، الذي تثير توجهاته الإعلامية والسياسية جدلاً واسعاً. وترتبط هذه المنظومة بوسائل إعلام كثيرة. هنا لا يعود الكتاب منتجاً منفصلاً عن بقية السوق، بل يصبح جزءاً من سلسلة متكاملة: دار نشر، وتوزيع، وواجهات بيع، وبرامج تلفزيونية، وإذاعات، ومقالات، ومقاطع على شبكات التواصل. وقد لخّصت إذاعة فرنسا الدولية الآلية بالقول إن الكتاب المنشور لدى مجموعة كبرى يحظى بتوزيع أوسع وترويج أكبر، ما يؤدي بالتالي إلى مبيعات أعلى. ويذهب مؤرخ الإعلام ألكسيس لوفرييه إلى أبعد من ذلك، إذ يرى أن نجاح هذه النوعية من الكتب السياسية مدعوم باستخدام علامات إعلامية معروفة بوصفها منصات لتطبيع أفكار اليمين المتطرف.

ولا تقتصر الظاهرة على فرنسا. ففي الولايات المتحدة، يتصدر فيكتور ديفيس هانسون قائمة «نيويورك تايمز» لأكثر الكتب غير الروائية مبيعاً بكتابه «الثورة المضادة: سقوط وصعود دونالد ترمب وحركة ماغا»، الذي يقدمه كرواية ثقافية عن «ثورة مضادة» ضد الهيمنة الليبرالية على المؤسسات الأميركية. وفي إيطاليا، حقق الجنرال المتقاعد روبرتو فانّاتشي نجاحاً استثنائياً بكتابه «العالم بالمقلوب»، الذي صدر عام 2023، وبيع منه نحو 240 ألف نسخة في بضعة أشهر، ليتحول إلى منصة إطلاق سياسي لصاحبه الذي ترشح لاحقاً للانتخابات الأوروبية على قائمة حزب «الرابطة» اليميني المتطرف.

الأهم في هذه الظاهرة ليس الرواج التجاري والشعبي فقط، بل الكشف عن حقيقة مقلقة، وهي أن خطاب اليمين المتطرف لم يعد هامشياً في سوق الكتاب الفرنسي، وأنه نجح في الانتقال من منشورات حزبية محدودة التوزيع إلى منتجات ثقافية واسعة الانتشار، مدعومة بشبكات إعلامية وتجارية قادرة على تحويل السياسي إلى نجم، والكتاب إلى حدث، والجدل إلى مبيعات.


«بيجو 504»... الجنوب وعبث الحروب

رواية "بيجو 504" لعفيف دياب ولوحة الغلاف بريشة سكينة حويلا (الشرق الأوسط)
رواية "بيجو 504" لعفيف دياب ولوحة الغلاف بريشة سكينة حويلا (الشرق الأوسط)
TT

«بيجو 504»... الجنوب وعبث الحروب

رواية "بيجو 504" لعفيف دياب ولوحة الغلاف بريشة سكينة حويلا (الشرق الأوسط)
رواية "بيجو 504" لعفيف دياب ولوحة الغلاف بريشة سكينة حويلا (الشرق الأوسط)

في بيتٍ لبنانيّ جنوبي محاذٍ للحدود مع فلسطين والجولان المحتلَّين، تحتدم السجالات بين (مريم) و(عبدو) على وقع هدير الطيران الحربي الإسرائيلي والقصف المدفعي المتقطّع. هي ليست نقاشاتٍ زَوجيّة اعتياديّة، بل تشريحٌ لخيباتٍ تَراكمت بفِعل التمسّك بالعقائد الحزبيّة وبالقضايا الوطنيّة الكبرى.

لا تريد رواية «بيجو 504» لكاتبها عفيف دياب، الغوص في يوميّات الجنوب تحت القصف والاحتلال ولا تصوير الدمار المتعاقب عليه منذ أجيال، بِقَدر ما تبغي طرح الانعكاسات الإنسانية لتلك الأحداث، وذلك من خلال عائلةٍ في حالة غليانٍ دائم.

تنطلق أحداث «بيجو 504»، وهي الرواية الأولى في رصيد الصحافي اللبناني، من أواخر ستينات القرن الماضي وتنتهي مطلع الثمانينات، موثقة ما دار ما بين نكسة يونيو (حزيران) 1967 واجتياح بيروت عام 1982، لكنها لا تستقي من التاريخ والأحداث الميدانية، بل من شهادات أبناء المنطقة الحدوديّة، التي أمضى دياب شطراً كبيراً من عمره وهو يجمعها أو يحفظها في ذاكرته. وعندما حلّ أوانُ سكبها على الورق، اختار الراوي أبطالاً عاديين، هم أبناء الجنوب الذين آمنوا لبُرهةٍ بأنّ عشقَ الأرض كافٍ لإنقاذها من أنياب العدوّ.

الاجتياح الإسرائيلي لبيروت 1982

كان ذلك هو زمنُ الأحزاب العلمانيّة التي رفعَت، كلٌ على طريقتها، البندقيّة في وجه المُحتلّ الإسرائيلي. كانت شخصية مريم في الرواية تميل إلى أحد تلك الأحزاب اليساريّة، بينما ينتمي زوجها عبدو إلى حزبٍ عروبيّ ذي آيديولوجيا مختلفة.

وعلى خلفيّة تَقَدُّم الإسرائيليين باتّجاه القرية، ودَكّ بيوتها واحداً تلو الآخر، ترتفع النقاشات بين الزوجَين من دون أن تتحوّل إلى خلافات. يُحصّنها ضدّ ذلك كمٌ كبير من الوعي والحب والنقد الذاتي الممهور بنبرةٍ تهكّميّة. بلغَ عبدو ومريم ما يكفي من الخيبة، كي يُدركا أنّ البقاء باتَ مُحالاً. لكن كان قرار الرحيل من القرية يؤخره التعلُّق بالأرض، فمريم تشعر وكأنّ جذورها قد تنسلخ، إن هي ابتعدت عن شجرة الأكاسيا المغروسة في الحديقة. أما عبدو، الذي كان يحمل الطعام إلى الجبال الوعرة والمَغاور حيث المقاومون، فمتشبّثٌ بأطراف الحلم، بالرغم من معرفته أنه سيفلت من بين أصابعه لا محالة:

«صارت الأرض أصغر من حبّة زيتون والبلاد تحفر قبور موتاها»، «بلادُنا سفينة مثقوبة»، «البلاد تتقاتل ولن أُنجب لمطحنة الموت»... هي بعض عبارات الخيبة التي تَرِد على ألسِنة الشخصيات ممهّدةً للرحيل أو التهجير.

بدأ دياب العمل على مشروع الرواية منذ 2005 (الشرق الأوسط)

لا يسمّي دياب القرية الحدوديّة، لأنّ حالها حالُ قرىً جنوبيّة كثيرة شهدت الأحداث ذاتها وما زالت، واختبرت نفس المعاناة، وبلغ ناسُها من مرارة الواقع ما بلغَهُ مريم وعبدو وسائر شخصيات «بيجو 504». من بين هؤلاء الجارة «أم وليد» التي حمل زوجها البندقيّة متّجهاً صوب فلسطين ولم يَعُد. و«سعدى» والدة عبدو التي انتظرت حبَها عُمراً، ويوم رجع أخذه الموت منها سريعاً، ثمّ هدّم العدوّ دارها وهي آخرُ ذكرى لها منه. ولـ«راجي» شقيق مريم خيباتُه السياسية والعقائدية التي تدفعُه إلى الهجرة النهائية من الوطن. أما «رامز» شقيقُها الثاني فهو قلبُ الحكاية النابض والنازف، وأحد رموزها الأساسيين على هيئةِ طبيبٍ تَخرّج من الاتحاد السوفياتي ثم عاد ليُداويَ جروح المقاومين على جبهة القتال ضد إسرائيل.

بموازاة الأبطال العاديّين في الرواية، يسير أبطالٌ غيرُ اعتياديّين، ليست أسماؤهم غريبةً على القارئ. في إحدى الليالي، نرى الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات في بيت عبدو حيث يلجأ للتخفّي من الإسرائيليين. وتعود إطلالات عرفات لتتكرّر في الكتاب، وذلك في إطار مهمّاته التي كانت تقوده إلى الجنوب مطلع السبعينيات، وقد استقى الكاتب ذلك من وقائع حدثت فعلاً.

توثّق الرواية كذلك لنقاشاتٍ فكريّة وسياسية محتدمة دارت بين الشخصيات وبين قائدٍ فلسطيني آخر هو جورج حبش. ولقصر المختارة وسيّدِه وليد جنبلاط كذلك حصةٌ من السَرد والأحداث التي تمزج ما بين الواقعي والمتخيّل.

وحده نظام الأسد لا يُسَمّى بالاسم رغم كونه محوراً أساسياً يرمز إليه عنوان الرواية. «بيجو 504» هو طراز السيارات التي كان يتنقّل فيها عناصر الاستخبارات السوريّة جنوباً، مثيرين القلق في صفوف المقاومة اليساريّة. وهذا ما يحصل مع عبدو الذي يرفض المساومة رغم كل ما يتعرّض له من مضايقات وتحقيقات على أيدي ضبّاط «دولة القيادة العليا».

ولعلّ أكثر فصول تلك العلاقة الملتبسة بينه وبين النظام السوري حبساً للأنفاس، فصلُ الكلاشنيكوف. في موقفٍ مُذلٍّ لعبدو، يُصرّ ضبّاط النظام على استرجاع البندقيّة التي كانوا قد منحوه إياها بهدفِ مقاومة العدوّ. في رحلةٍ محفوفة بالمخاطر ومسيّجة بالرُكام، كانت مريم قد وجدت نفسها مضطرّةً إلى العودة إلى القرية المدمّرة والواقعة تحت النيران الإسرائيلية، من أجل البحث عن الكلاشنيكوف بين حُطام بيت عائلة زوجها.

يوقّع دياب روايته في الـ16 من الشهر الجاري في معرض بيروت للكتاب (إنستغرام)

ترسم رواية «بيجو 504» المرأةَ الجنوبيّة بملامحها الحقيقيّة. من خلال مريم وسائر الشخصيات الأنثوية، يستعيد دياب وجوه النساء اللواتي تربّى في كنفهنّ. هنّ أمّهات وجدّات كنّ يقُدن المظاهرات ضدّ إسرائيل وينقلن السلاح والطعام إلى المقاومين. يحرص دياب على تظهير صورة المرأة الجنوبية المثابرة والمناضلة والساعية للعلم والرافضة للقمع. فكلّ شخصيات الرواية يملكن حساً إنسانياً عالياً يتفوّق على ذكوريّة الرجل، ويفرض رومانسية شاعريّة على العلاقة الزوجية.

لكن وحدَها مريم بلغت أقصى درجات الواقعيّة فأدركت باكراً عبث الحرب والقضايا الكبرى، وفضّلت الانشغال بالقراءة وبتربية ابنها.

بأسلوبٍ أدبيّ يغلب فيه الوصف الأنيق والسرد الإنساني الأحداثَ المحوَريّة، يذهب عفيف دياب بروايته إلى فحواها: من الممكن أن تكون الحياة هانئة بعيداً عن العبث السياسي والحزبي.

رواية «بيجو 504» الصادرة عن «دار الفارابي» صالحةٌ لأيّ أوانٍ جنوبيّ. صحيحٌ أنها توثّق ليوميّاتٍ انقضى عليها أكثر من 45 سنة، إلّا أنّ مأساة الجنوب اللبناني كما هي منذ 1948؛ بما فيها من قتلٍ وتدميرٍ وتهجير وخيباتٍ متراكمة، وحرقٍ للزرع والذكريات والتاريخ.