«ترمب بلا قناع»

كتاب جمع معلوماته أكثر من 30 مراسلاً وصحافياً في «واشنطن بوست»

ترمب بين والديه
ترمب بين والديه
TT

«ترمب بلا قناع»

ترمب بين والديه
ترمب بين والديه

أسرار شخصية الرئيس الأميركي الأكثر إثارة للجدل دونالد ترمب، وخلفيات مواقفه التي حيرت العالم يمكن للقارئ أن يتعرف إليها في كتاب تستعد «دار الساقي» لإصداره نهاية الشهر الحالي تحت عنوان «ترمب بلا قناع» مع عنوان آخر فرعي هو «رحلة من الطموح والغرور والمال والنفوذ». المؤلّف صدر بالإنجليزية، لتعريف الناخب الأميركي من دونالد ترمب على مشارف الانتخابات الأميركية، وها هو يبصر النور بالعربية.
وعمل على تقصي معلومات الكتاب أكثر من 30 مراسلاً ومحرراً من جريدة «واشنطن بوست»، وقام بالتأكد من المعلومات وتنسيقها كل من مايكل كرانيش ومارك فيشر. وتمكن المراسلون من إجراء مقابلات مع ترمب لأكثر من عشرين ساعة، ولقاءات مع محاميه وبعض أعضاء حملته الانتخابية. يخلص الكاتبان إلى أن «الرجل الذي انتخب ليكون الرئيس الرابع والخمسين أكثر تعقيداً مما توحي به لغته البسيطة، وأن دوافعه وقيمه مستمدة من والديه، ومن نشأته، وانتصاراته وهزائمه، وسعيه طوال حياته إلى الحصول على الحب والقبول». وهنا مقطع محرر من الفصل الأول يتحدث عن أصول عائلة ترمب، وما دفع جدته إلى الهجرة من اسكوتلندا، وجده من المجيء من ألمانيا.
في أحد أيام يونيو (حزيران) 2008، وفي إحدى جزر أوتر هبرديس على الساحل الشمالي الغربي من اسكوتلندا، تجمَّع بعض السكان شاخصين أبصارهم نحو السماء ومحدِّقين في طائرة آتية اتجاههم. كان شكل الجزر التي يعيشون فيها أشبه بهراوة من القرون الوسطى: ضيقة عند الطرف الجنوبي وعريضة عند الطرف الشمالي، وتتوزع داخل المياه المتلاطمة الأمواج ذات اللون الأزرق المائل إلى الرمادي. كانت معظم أراضي الجزيرة، القليلة السكان البادية من بعيد، مروجاً فسيحة وحقولاً تصل إلى المنحدرات الوعرة والشطآن الصخرية المطلّة على مجموعة من الجزر الصغيرة. انتظر سكان الجزيرة في وقت كانت فيه طائرة «البوينغ 727» تنعطف صوبهم.
على طول جسم الطائرة، كُتِبَتْ كلمة واحدة بالأحرف الكبيرة: TRUMP. هدأ هدير محركات الطائرة. أفرغ مساعدو ترمب صناديق الكتب التي أحضرها والتي كان ينوي إهداءها لسكان الجزيرة لتكون بمنزلة الرموز المقدسة بالنسبة إليهم. كُتِبَ على أحد الصناديق «ترمب: كيف تصير غنياً؟»، وعلى صندوق آخر: «إياك والاستسلام».
حيّا ترمب سكان الجزيرة. كان يرتدي بدلة غامقة وقميصاً أبيض وربطة عنق زرقاء تتدلى إلى ما دون حزامه، في حين كان شعره الأشقر يتطاير مع النسيم، ثم توجّه مع مرافقيه إلى سيارة بورش Cayenne وإلى سيارتي BMW X5. سار الموكب على الطرق المتعرجة لسبعة أميال ماراً بهضاب خضر تنحدر لتصل إلى خليج، وعبر أحياء تضم منازل تشرف على الواجهة المائية، وأبنية تضم منشآت صناعية صغيرة... إلى أن وصل إلى منزل رمادي اللون، يُعرف باسم تونغ 5 5 Tong، وهو اسم القرية الموجود فيها. ترجل ترمب من سيارته واختلس نظرة إلى داخل المنزل. كان المسكن متواضعاً إلى حدّ أنه لم يحتمل البقاء داخله أكثر من سبع وتسعين ثانية. التقِطَت الصور، وبدا أن حبكة القصة قد اكتملت بكل براعة وإحكام: «ترمب يزور مسقط رأس والدته، ماري آن ماكليود Mary Anne Macleod».
قال ترمب للمراسلين المتجمهرين: «أشعر براحة تامة هنا، عندما يعود أصل والدتك إلى مكان معين، فلا بدّ أن تحب هذا المكان. أشعر بأنني اسكوتلندي، ولكن لا تطلبوا مني أن أحدّد شعوري. ثمة شيء قوي اكتسبته من والدتي»، ثم أضاف، حتى إذا كان هناك من فاتته الملاحظة: «لدي أموال طائلة».
كان ترمب قد زار المكان مرة واحدة قبل ذلك، عندما كان في الثالثة أو الرابعة من عمره، وكانت زيارته قصيرة قدر الإمكان؛ إذ لم تتعدّ ثلاث ساعات. كانت هناك أقاويل حول نية ترمب تحويل إحدى القلاع المحلية إلى فندق فخم، ثم تغير المكان إلى موقع آخر في اسكوتلندا، حيث كان ترمب يأمل أن هذا التذكار النادر لإرثه قد يساعد في إقناع السياسيين بالسماح له ببناء منتجع ضخم يضم ملاعب غولف، إضافة إلى تنفيذ مشروع إسكاني على أرض ذات حساسية بيئية تقع قرب أبيردين.
كانت حكاية والدة ترمب قصة تقليدية تحكي عن الرغبة في حياة جديدة في أرض غريبة، ويُثقِلها حلمٌ بعيد عن الواقع بالحصول على ثروة لا تخطر في البال. في حالة أسرة ترمب، كانت الثروة ستأتي آجلاً أم عاجلاً، ولكن كان من الصعب تصوُّر هذه النتيجة في حال عدنا بالزمن إلى الوراء وتأملنا المشهد الموجود في صورة باهتة المعالم التقطت قرب الموقع الذي زاره ترمب لمدة وجيزة في ذلك اليوم الصيفي.
التقطت الصورة، وهي بالأبيض والأسود، عام 1930 في تونغ 5، وتبدو فيها امرأة منحنية قليلاً إلى الأمام ترتدي ثوباً طويلاً وشعرها مربوط خلف رأسها، وقد التف نطاق حول كتفها. كان النطاق مربوطاً إلى صرة فوق ظهرها يبلغ حجمها عشرة أضعاف حجم رأسها. واستناداً إلى الجملة التي كتبتها الجمعية التاريخية في تونغ، هذه المرأة هي إحدى أسلاف ترمب، وقد تكون جدته لأمه: «تحمل على ظهرها سلة مليئة بالأعشاب البحرية». تظهر في خلفية الصورة شابة، قد تكون والدة ترمب، ماري ماكليود، وكانت آنذاك في الثامنة عشرة من عمرها، وبدأت تخطط لمغادرة جزيرتها، حيث الفقر المدقع، للذهاب إلى أميركا.
نشأت ماري في ذلك المكان البعيد وكانت تتكلم باللهجة الغاليّة Gaelic المحلية. كانت قرية تونغ هي مسقط رأس والدَي ماري وجدّيها وأسلاف جدّيها، وعدد لا يُحصى من أبناء الأعمام والأخوال والعمات والخالات. كانت الأرض المحيطة بالمنزل مجرّد حقل صغير مسوَّر، أشبه بالمزرعة الصغيرة التي كانت الأم تُعنى بها، وهو ما مكَّن الوالد من قضاء معظم وقته في صيد السمك. كانت حياة شحيحة، وصفتها إحدى الوثائق التاريخية المحلية بأنها «قذرة على نحو لا يوصف... كانت أبواب المنازل منخفضة حتى كان السكان يضطرون إلى الزحف للدخول إليها والخروج منها». كانت العائلات تكافح معاً لتتدبّر الدخل كيفما اتفق، عن طريق زراعة التربة الحمضية وتربية المواشي، والصيد في الخلجان والأنهار القريبة، وجمع الفحم لبيعه أو لاستخدامه وقودا، وجمع أعشاب البحر لاستخدامها سمادا في تلك الأرض العسيرة على الزراعة. كان من الشائع أن يغرق الرجال في مراكب الصيد التي يعملون عليها، وهو ما حدث لجد ماري، دونالد سميث Donald Smith عام 1868، وكان عمره آنذاك لا يتجاوز الرابعة والثلاثين. وبعد عقود، أطلقت ماري اسمه على ابنها، دونالد ترمب.
كانت عائلة ماكليود تُفاخر بالمواشي القوية البنية الموجودة في الجزيرة؛ وكانت الشارة المميزة للعائلة رأس ثور وشعار يقول: «ابق صامداً»، لكن الصمود صار شبه مستحيل مع بداية الكساد الكبير Depression Great. وفي خريف 1929، لم تكن تتوافر للشابات، إلا نادراً، الفرصة ليعشن حياة غير حياة المزارعات أو جامعات الأعشاب البحرية ومنجبات للأطفال. هكذا، في السابع عشر من فبراير (شباط) 1930، وفي أعقاب الثلاثاء الأسود Black Tuesday (يوم انهيار أسعار الأسهم في بورصة نيويورك) وكل ما رافق الكساد من كآبة وبؤس، صعدت ماري آن ماكليود إلى سطح سفينة ترانسلفانيا Transylvania، وهي سفينة ذات ثلاث مداخن كانت قد بنيت قبل ثلاث سنوات. كان طول السفينة، بين مقدمتها ومؤخرتها، 552 قدماً، وكان طول دعامتها الأفقية 70 قدماً، وكانت تقل 1432 راكباً.
يبدو أن ماري الشابة الجذابة ذات البشرة البيضاء والعينين الزرقاوين، كانت وحدها، فقد ورد اسمها في ملفات السفينة ضمن أسماء McIntoshes وMcGraths وMcBrides. سجلت ماري نفسها «مساعدة منزلية»، وهو تعبير فضفاض يتسع لكلمة «خادمة» أو لأي عمل آخر قد تجده لدى وصولها إلى نيويورك. أخبرت ماري المسؤولين في دائرة الهجرة، في جزيرة إيليس، أنها تخطط للإقامة في منطقة كوينز مع شقيقتها الكبرى كاترين، التي كانت قد تزوجت وأنجبت طفلاً منذ وقت قريب، وقالت ماري إنها تخطط أن تكون مقيمة دائمة، وتأمل في الحصول على جنسية البلد الذي اختارت العيش فيه.
بحلول 1929، كان الكونغرس قد أقر تشريعاً يقلص حصص المهاجرين من بلدان عدة، من بينها بعض الدول الأوروبية مثل ألمانيا. وسرعان ما طرد مئات الألوف من المكسيكيين. أما المهاجرون من الصين واليابان وأفريقيا والجزيرة العربية، فصارت فرصهم محدودة للحصول على الجنسية. وفي الوقت نفسه، رفع الكونغرس إلى الضعف تقريباً حصص المهاجرين من عدد من الجزر البريطانية. هكذا، لقي قدوم ماري، وهي المنحدرة من العرق المفضَّل من البيض البريطانيين، ترحيباً في الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة تغلق الأبواب بوجه الكثير من المهاجرين من مناطق أخرى.
بينما كانت ماري تعبر المحيط الأطلسي، واجهت سفينة ترانسلفانيا عاصفة عاتية. أخيراً، عندما وصلت السفينة إلى ميناء نيويورك، أثارت الأمطار المنهمرة بغزارة أمواجاً عاتية. وأدت الصواعق إلى انقطاع التيار الكهربائي، حتى عن مشعل تمثال الحرية، الذي كان رغم كل شيء يرحب بالفقراء وبالكادحين في العالم. في اليوم الذي وصلت فيه ماري إلى نيويورك، كانت القصة الرئيسية على الصفحة الأولى من صحيفة «نيويورك تايمز»، مطمْئِنة: «مرّت أسوأ أيام الكساد، هكذا يقول هوفر، بالتعاون نتغلب على المحنة Cooperation Lessening Distress». كان هوفر يعلق آماله على ازدهار حركة العمران، التي كان يصرّ على أنها تسارعت «أكثر مما كنا نأمل»،. لكن آماله كانت مفرطة في التفاؤل. وسرعان ما جرى إحلال حاكم نيويورك الديمقراطي فرانكلين ديلانو روزفلت Franklin Delano Roosevelt محله في البيت الأبيض، وتطلّب الأمر سنوات من التدخل الحكومي لإنقاذ أميركا من الكساد، ولكن كان هناك رجل يشارك هوفر آماله في حصول ازدهار عمراني، وهو شاب يدعى فريد ترمب Fred Trump، وكان ابناً لمهاجر ألماني، كما كان على وشك تكوين ثروة عن طريق بناء مساكن متواضعة في المنطقة نفسها من نيويورك التي أُرسلت إليها ماري ماكليود.
يبدأ الفصل الخاص بأسرة ترمب في القصة الأميركية الطويلة للعائلة من جدّ دونالد، فريدريك Friedrich. نشأ فريدريك في قرية تنتج الخمر وتقع جنوب غربي ألمانيا تدعى كالشتاد، وكانت القرية تبدو للوهلة الأولى خضراء ومزدهرة، لكنها كانت أصغر من أن تتسع لطموحات المراهق الذي سيصير جد دونالد ترمب لأبيه.
رغم ذلك، لم يكن فريدريك يرى لنفسه أي مستقبل في قرية بلاتِنت، وقرر الانضمام إلى ركب الألمان الباحثين عن حياة أفضل في الولايات المتحدة. قطع فريدريك مسافة 350 ميلاً صوب الشمال إلى بريمن، وهو ميناء يعج بالمهاجرين، وصعد إلى ظهر سفينة أيدر Eider. كانت السفينة الألمانية، ذات المدخنتين، العابرة للمحيط الأطلسي، متجهة نحو مدينة نيويورك، حيث سيلتحق بشقيقته الكبرى، كاترين، التي كانت قد تزوجت مهاجراً من كالشتاد. وصل فريدريك إلى نيويورك في التاسع عشر من أكتوبر (تشرين الأول) 1885. ورد في سجلات الهجرة أن مهنته كانت «مزارعاً»، وأن اسمه كان فريدريك ترمبف Trumpf، لكنه سرعان ما صار يُعرف باسم ترمب، وكان لا يتجاوز السادسة عشرة من العمر.



هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟
TT

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

لم يعد الكتاب الصوتي يقف على هامش عالم النشر، بوصفه نسخة أخرى من كتاب سبق أن اكتملت حياته على الورق. ففي معرض فرانكفورت للكتاب، الذي أقيم بين السابع والحادي عشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2026، احتلّ موقعاً بارزاً، لا بوصفه ابتكاراً في وسائل الإتاحة فحسب، بل بوصفه تجربة ثقافية تعيد طرح أسئلة القراءة نفسها: كيف نتلقّى الأدب حين نسمعه؟ وماذا يضيف صوت الراوي إلى النص؟ وهل تستطيع الحكاية، حين تغادر الصفحة إلى الأذن، أن تبلغ قرّاء لم تكن تصل إليهم من قبل؟

اللافت، أن المعرض منح هذا التحوّل حيّزاً أوسع ضمن «فرانكفورت أوديو»، فجمع بين مركز جديد للقاء الناشرين والمنتجين والمنصّات، ومساحات تتيح للجمهور اكتشاف الأعمال المسموعة والاقتراب من أصحابها. ولم يقتصر البرنامج على مناقشة الأسواق ووسائل الإنتاج؛ بل شمل لقاءات بين الكتّاب والرواة، وفضاءً للاستماع إلى أدب الفانتازيا.

حين يصبح الصوت جزءاً من الكتاب

ليس الكتاب الصوتي نصًّا مطبوعاً أضيف إليه تسجيل فحسب. ففي المسافة بين الكلمة المكتوبة والكلمة المنطوقة، ينشأ عمل آخر يشتغل على المعنى: نبرة تكشف التردّد، ووقفة تمنح الصمت ثقله، وإيقاع يقرّب الشخصيات أو يباعد بينها. لا يكتب الراوي الحكاية من جديد، لكنه يقترح سبيلاً إلى سماعها، ويصبح أداؤه ضرباً من التأويل؛ فقد يلتقط المستمع في جملة مألوفة سخرية خفيّة أو حزناً لم ينتبه إليه على الصفحة.

وتزداد هذه العلاقة خصوصية حين يقرأ الكاتب سيرته بنفسه. ففي النسخة المسموعة من «وأصبحت» لميشيل أوباما، التي أدّتها بصوتها، يغدو الاستماع لقاءً بين رواية الحياة والصوت الذي يستعيدها. وكانت دار «بنغوين راندوم هاوس» قد وصفت النسخة المسموعة من مذكراتها بأنها الأسرع مبيعاً بين كتبها الصوتية آنذاك.

أما الأعمال الروائية التي ارتبط بها القرّاء طويلاً، فتفتح النسخة المسموعة باباً آخر للعودة إليها. ومن الأمثلة الدالّة اهتمام «فرانكفورت» بعالم «هاري بوتر»؛ إذ تضمّن برنامجه لقاءً مع الأصوات التي أدّت الكتب بالألمانية. هنا لا يأتي الجمهور لاكتشاف الحكاية وحدها، بل للتعرّف إلى من منح شخصياتها حضورها المسموع؛ كأنّ للرواية ذاكرة صوتية تضاف إلى ذاكرتها المكتوبة.

على أن خصوصية هذه التجربة لا تجعل الاستماع أعلى منزلة من القراءة البصرية أو أدنى منها. فقارئ الورق يضبط سرعته، ويتوقّف عند عبارة، ويعود بعينه إلى صفحة سابقة، في حين يختبر المستمع زمناً يصوغه الأداء، وإن استطاع إيقافه أو استعادته. إنهما علاقتان مختلفتان بالنص، ليست امتحاناً لإثبات أفضلية أحدهما على الآخر. وتكمن جاذبية الكتاب الصوتي أيضاً في أنه يوسّع الأوقات التي يمكن للأدب أن يجد فيها مكاناً: في الطريق، وأثناء المشي، وبين الأعمال اليومية.

جمهور يتّسع... ومبيعات يصعب حصرها

تقدّم فرنسا صورة دالّة على اتّساع هذه الصلة. فحسب بارومتر «صوفيا» والنقابة الوطنية للنشر وجمعية أهل الأدب لاستخدامات الكتاب الرقمي والكتاب الصوتي، الذي أنجزه معهد «ميديامتري» ونُشر في 2026، استمع نحو 10.1 مليون شخص، أي 17 في المائة من السكان بين 6 و80 عاماً، إلى كتاب صوتي رقمي خلال الاثني عشر شهراً الماضية. وتكشف الدراسة أيضاً عن أن جمهور هذا النوع من الكتب أصغر سنًّا، في المتوسط، من جمهور الكتاب المطبوع. والأهم ثقافيًّا ليس الرقم وحده، بل ما يفتحه من سؤال: هل يصبح الصوت مدخلاً إلى الأدب لدى فئات لا تجعل القراءة الورقية عادة ثابتة؟

رأت لور ساجيه، المديرة العامة لدار «أوديوليب»، في اتّساع العرض فرصة لتجديد الجمهور. وقالت لصحيفة «لوموند»، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إن هذا التطوّر «سيجعل جمهور الكتاب الصوتي أصغر سنًّا، ويوسّع انتشاره». وربطت ذلك بإمكان تجربة مؤلّفين وأجناس مختلفة، بدلاً من حصر الاختيار منذ البداية في عنوان واحد. بهذا المعنى، قد تقود عتبة الاستماع السهلة إلى مغامرة أدبية: قصّة قصيرة لم يكن المتلقّي ليشتريها منفردة، أو كتاب للأطفال، أو كاتب يلتقيه للمرة الأولى.

غير أن عدد المستمعين لا يساوي عدد المشترين، ولا يكفي وحده لقياس مكانة الكتاب الصوتي في اقتصاد النشر. ففي مقالها «سبوتيفاي يربك عالم الكتاب الصوتي» المنشور في 26 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، أوضحت «لوموند» أن السوق الفرنسية لا تُقاس بدقّة، بسبب امتناع منصّات رئيسية عن نشر بياناتها، وقدّرتها آنذاك بنحو اثنين في المائة من قطاع النشر. وفي المقابل، تُظهر بيانات جمعية ناشري الكتب الصوتية الأميركية استمرار نموّ الإيرادات في الولايات المتحدة خلال 2025؛ إذ ارتفعت 9 في المائة لتبلغ 2.43 مليار دولار، بما يؤكّد أن الكتاب الصوتي لم يعد تجربة عابرة في أسواق النشر الكبرى. لكنّ نجاحه الثقافي يظلّ أوسع من حصيلته التجارية.

مَن يتحكّم في بوابة الاستماع؟

خلف الألفة التي يصنعها صوت الراوي، تقف وساطة أخرى أقلّ ظهوراً: المنصّة التي يكتشف عبرها المستمع كتابه. في فرنسا، رسّخت «أوديبل»، التابعة لـ«أمازون»، موقعاً مهيمناً في هذا المجال. وقدّرت صحيفة «لو فيغارو»، في مقالها «سبوتيفاي يستثمر مليون يورو لإنتاج كتب صوتية في أوروبا»، المنشور في 11 أبريل (نيسان) 2025، حصّتها آنذاك بنحو ثلثي السوق الفرنسية. وتناول المقال نفسه استثماراً أعلنت عنه «سبوتيفاي» لدعم الإنتاج في أسواق من بينها فرنسا وهولندا. وفي حديثها إلى «لوموند»، وصفت لور ساجيه عرضَي «أوديبل» و«سبوتيفاي» بأنهما «عرضان متكاملان»، يتيحان بيع كتب مختلفة. وأوضحت أن الاضطرار إلى مفاضلة حاسمة قد يدفع إلى اختيار الكتب الأشهر أو الأطول، في حين يشجّع إمكان التجربة على التنقّل بين مؤلّفين وأجناس أدبية قبل الاستقرار على عمل بعينه.

الناشرون بين توسيع الجمهور وحماية القيمة

لا يقف الناشرون خارج هذا التحوّل؛ فهم من يصنع مادّته الأدبية ويختار الأصوات التي تحملها. وفي فرنسا، تعمل دور متخصّصة، من بينها «أوديوليب» المرتبطة بهاشيت وألبان ميشيل، و«ليزي» التابعة لإديتيس، إلى جانب نشاط مجموعة «مادريغال»، على توسيع حضور الكتاب الصوتي. وقد ربط مسؤولو هذه الجهات وصول منصّات جديدة بإمكان تنويع الجمهور وإعادة تحريك أعمال من رصيدهم المنشور، لا بالاكتفاء بمرافقة الإصدارات الحديثة.

وفي هذا السياق، قال إريك ماربو، مدير المبيعات الرقمية في مجموعة «مادريغال»، لصحيفة «لوموند» إن العرض الجديد يتيح «استقطاب مستمعين عرضيّين جدد»، ولاحظ «تنوّعاً جميلاً في الأعمال المستمع إليها»، مرحّباً خصوصاً بالتفات الجمهور إلى عناوين أقدم في فهارس المجموعة. وهذه نقطة جوهرية في الرهان الثقافي: أن يمنح الصوت الكتاب حياة إضافية، وأن يعيده إلى التداول بعدما يكون قد ابتعد عن واجهات المكتبات.

وقد أعادت الكتب الصوتية إلى بعض روائع الأدب الكلاسيكي قرّاءً جدداً؛ فاستعادت «البؤساء» لفيكتور هوغو و«الكونت دي مونت كريستو» لألكسندر دوما حضورها بين المستمعين، كما سهّلت التسجيلات الصوتية الاقتراب من «البحث عن الزمن المفقود» لمارسيل بروست. وشهدت «كبرياء وهوى» لجين أوستن ارتفاعاً ملحوظاً في الاستماع، بما يثبت أن الصوت قادر على إحياء النصوص القديمة وإعادة الشباب إليها.

وبعيداً عن التفاؤل التجاري الذي يحمله هذا القول، فإن جمهور الكتاب الصوتي ليس كتلة واحدة؛ فتعدّد منافذ الوصول يمكن أن يتيح طرائق متباينة للقاء الأدب، بشرط أن يصاحبه تعدّد حقيقي في الأعمال المعروضة. ومن هنا يتّصل السؤال الثقافي بالتجاري: كيف تصل رواية أقلّ شهرة إلى الأذن التي قد تحبّها؟ وما الذي يضمن بقاء مكان للقصّة القصيرة، وللأعمال التي تحتاج إلى إصغاء صبور، حين يصبح الإقبال معياراً حاسماً في الاختيار؟ إن زيادة المعروض فرصة، لكنها لا تكفي وحدها لصون التنوّع. فليست قيمة الكتاب في قدرته على جمع ساعات الاستماع فحسب، بل في التجربة التي يتركها، ولو لدى جمهور محدود.


«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي
TT

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

يوثِّق كتاب «كتابة المذبحة... أشكال تناول صبرا وشاتيلا»، الصادر عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة، للباحثة سمية ممدوح الشامي، الكثير من وقائعها، كما يأتي مواكباً للذكرى الرابعة والأربعين لحدث اختلط فيه السياسي بالإنساني بالثقافي، وتعددت بشأنه السرديات والشهادات، لكن المؤكد أنه يظل وصمة عار على جبين كل حر، حتى لو لم يعاصر وقائع إبادة المخيمين اللذين كانا يضمان لاجئين فلسطينيين في بيروت بين يومي 16 و18 سبتمبر (أيلول) 1982.

وحسب تقارير الأمم المتحدة، دخل مسلحون من «القوات اللبنانية»، الجناح العسكري لـ«حزب الكتائب»، إلى صبرا وشاتيلا، واستمرت عمليات القتل الجماعي نحو 43 ساعة لتخلف أعداداً غير مسبوقة من الضحايا، بينهم جثامين أطفال ونساء، لكن الكتاب الذي كان في الأصل آخر رسالة علمية بالإنجليزية ناقشتها الكاتبة والأكاديمية الراحلة رضوى عاشور قبل أسابيع من رحيلها في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، يعيد تفكيك سردية المذبحة من منظور ثقافي ليرصد تجلياتها في التحليل الغربي والرواية العربية، على حد سواء.

يتوقف الكتاب، الذي ترجمته نسمة محمد دياب وياسمين أسامة الشيمي وراجعه عمرو زكريا عبد الله، بشكل خاص، عند تجارب ثلاثة مثقفين غربيين اختاروا أن ينظروا إلى المأساة الفلسطينية من خارج القوالب الجاهزة، وأن يستندوا إلى ما شاهدوه وقرأوه وعايشوه، بدلاً من الاكتفاء بإعادة إنتاج الخطاب الإعلامي السائد آنذاك.

على رأس هؤلاء يأتي الكاتب الفرنسي جان جينيه، لا سيما مقاله «أربع ساعات في شاتيلا» الذي يصف فيه، بلغة مشحونة بالألم، تفاصيل الصدمة التي خلفتها المشاهد التي رآها، كما توقف مطولاً عند إشكالية اللغة التي استخدمها الخطاب السياسي في وصف الفلسطينيين، وكيف يمكن لكلمة أو توصيف مختزل أن يحجب إنسانية الضحية ويطمس هويتها، كما ذهب إلى أن الواقعة تحولت من منظوره إلى مواجهة أوسع مع الاستبداد، بعد أن بات «يشتم رائحة الموت تنبعث من جسده»، وفق تعبيره.

وفيما يتعلق بالصحافي البريطاني روبرت فيسك، فقد اقترب من مأساة المخيم بأدوات التحقيق الصحافي الميداني، إذ توجه إلى المكان وعاين آثار المذبحة وطرح أسئلة مباشرة حول الروايات التي قُدمت لتفسير ما حدث، ومن بين ما لفت انتباهه الطريقة التي جرى بها استخدام اللغة، مثل استبدال تعبير فضفاض هو «أحداث» بكلمة «مذبحة»، أو حذف كلمة «فلسطيني» من بعض الصياغات، بما يسهم في طمس حقيقة ما جرى.

أما المفكر الأميركي نعوم تشومسكي، فيركز على الروايات الرسمية والحجج التي قُدمت حول المذبحة، محاولاً تفكيك ما اعتبره «تناقضات داخل بنيتها»، عبر أدوات التحليل والسخرية للكشف عن الفجوات بين ما قيل وما حدث على الأرض. كما توقف كذلك عند الطريقة التي يمكن أن يتحول بها الجدل السياسي إلى وسيلة لإغلاق النقاش، من خلال وضع «منتقدي الصهيونية» تلقائياً في مواجهة اتهامات بـ«معاداة السامية»، بما يصرف الانتباه عن مناقشة الظروف السياسية التي أحاطت بالمذبحة، على حد تعبيره.

في المقابل، تتوقف الباحثة عند ثلاث روايات عربية، هي: «الحب في المنفى» لبهاء طاهر، و«الطنطورية» لرضوى عاشور، و«باب الشمس» لإلياس خوري، إذ تتناول تلك النصوص المأساة من زوايا مختلفة، وتقدم سردية أدبية إبداعية لما حدث بالفعل، من خلال منظور فني يستند إلى سردية الواقع.

تضع «الحب في المنفى» الواقعة في سياق إنساني يتجاوز حدود فلسطين ولبنان، فالرواية تربط بين ما يواجهه المعارضون في العالم العربي وبين مآسٍ شهدتها شعوب أخرى، من تشيلي وغينيا إلى إسبانيا، لتصبح «صبرا وشاتيلا» واحدة من صور القمع التي يتعرض لها الإنسان عندما يتم إخضاع الآخرين وسلب حقوقهم بالقهر. وتقدم «الطنطورية» معالجة مختلفة، إذ تمتد أحداث الرواية زمنياً من نكبة 1948 إلى تحرير الجنوب اللبناني عام 2000، عبر حكايات الشخصيات وذكرياتها وما عاشته من تهجير وفقد، عبر سردية تمتزج فيها التفاصيل التاريخية مع جوانب من الحياة اليومية والتراث الشعبي الفلسطيني، مما يمنح الأحداث بعداً إنسانياً لافتاً. وتعيد «باب الشمس» بناء جانب واسع من تاريخ النكبة من خلال قصص الفلسطينيين وذاكرتهم، مثل سقوط قرى: عين الزيتون والبروة والشعب خلال عام 1948، فالكاتب هنا لا يتوقف فقط عند الأحداث الكبرى المحفورة في الوجدان العام، إنما يهتم أيضاً بالتفاصيل الصغيرة التي حفظها أصحابها، من أسماء الأماكن إلى حكايات العائلات وتجارب النزوح.


الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني
TT

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

تحت عنوان «الصراع حول أفريقيا»، صدر عن المركز القومي للترجمة في القاهرة الجزء الأول من كتاب «يوميات ويلفريد بلنت - سردية شخصية للأحداث من 1888 حتى 1914»، من تأليف الرحالة والشاعر والدبلوماسي البريطاني ويلفريد سكاون بلنت، ترجمة أسامة الغزولي.

يعد الكتاب سجلاً تاريخياً واجتماعياً يلتقي فيه الخاص بالعام، والسفر بالتأمل السياسي، عبر مفارقة نادرة لرجل انحاز للشرق وتعاطف معه ضد سياسات بلاده الاستعمارية، كما يكتسب أهمية خاصة للقارئ العربي لأنه يقدم شهادة شخصية مباشرة على مرحلة شديدة الاضطراب من تاريخ المنطقة، تمتد في الأصل إلى الفترة من 1888 إلى 1914.

عاش بلنت في الفترة من 1840 حتى 1922، وعمل في السلك الدبلوماسي البريطاني بين عامي 1858 و1869، ثم اتجه لاحقاً إلى السفر والكتابة، وارتبط اهتمامه بالشرق بعلاقته بزوجته الليدي آن بلنت، حفيدة الشاعر الإنجليزي لورد بايرون، إذ جاب الزوجان مناطق واسعة من الشرق الأوسط، وأسسا لاحقاً مزرعة لتربية الخيول العربية.

ورغم ذلك، لم يكن اهتمامه بالشرق مجرد شغف بالرحلات أو بالحياة البدوية، فقد تطور تدريجياً إلى موقف سياسي ناقد للإمبريالية البريطانية، بالتزامن مع موقف أقرب إلى الانبهار بالثقافة العربية.

وتكمن قيمة الكتاب في أن مؤلفه لم يكن مؤرخاً يكتب بعد عقود من وقوع الأحداث، وإنما رجل تحرك داخل دوائر سياسية واجتماعية متعددة، وشاهد شخصيات وأحداثاً وصراعات كانت لا تزال في طور التشكل، ولذلك تبدو اليوميات أقرب إلى كاميرا تتحرك بين لندن والقاهرة ومناطق الشرق، فتسجل الانطباعات والمحادثات والأخبار والقرارات، ثم تربطها بسياق سياسي أكبر.

ينتقل المؤلف إلى تونس وليبيا، في خطوة من شأنها توسيع زاوية النظر من مصر إلى شمال أفريقيا في الوقت الذي كانت فيه القوى الأوروبية تتنافس على المنطقة، كما أولى شبه الجزيرة العربية اهتماماً خاصاً، في إطاراهتمامه بالخيول العربية والمجتمعات البدوية، إذ انتقد النظرة الغربية المنحازة سلفاً ضد المجتمعات المحلية.

يتسع المشهد ليشمل السودان أيضاً، من خلال فصل «أم درمان وفاشودة»، حيث تدخل اليوميات في قلب التنافس البريطاني الفرنسي في أفريقيا، ضمن محطات التوتر بين القوتين في نهاية القرن التاسع عشر، مع تحول موقف المؤلف من «الاستشراق الرومانسي» في شبابه إلى بلورة موقف نقدي أكثر تماسكاً للسياسة الاستعمارية.

ولأنه شاعر في الأساس، لا يمكن فصل الحس الأدبي عن طريقة كتابة اليوميات لدى ويلفريد بلنت فحتى عندما يتناول الشأن السياسي المباشر لا يكتفي بتسجيل أسماء المسؤولين أو القرارات، إنما يهتم بالشخصيات وطباعها وعلاقاتها بما وراء التصريحات الرسمية، عبر لغة تجمع بين الصورة الأدبية ودقة المؤرخ والحس التوثيقي.

على هذه الخلفية، يصعب التعامل مع الكتاب بوصفه وثيقة محايدة فيما يتعلق بتناول الشأن المصري تحديداً، فالمؤلف نفسه شخصية سياسية ذات مواقف واضحة، فقد عاش خصماً للسياسة الإمبراطورية البريطانية، ومناصراً لثورة الزعيم الوطني أحمد عرابي، وهو ما يعني أن اختياراته لما يسجله وطريقته في وصف الشخصيات والأحداث تأثرت برؤيته الفكرية كناقد للإمبريالية ومتعاطف مع الحركة الوطنية المصرية.

من هنا تكتسب المواجهة بين بلنت واللورد كرومر، المندوب السامي البريطاني في القاهرة، أهمية خاصة لأنها تكاد تكون مواجهة بين رؤيتين متناقضتين لمصر بعيون إنجليزية، فالثاني يمثل الإدارة الاستعمارية ويدافع عن تجربتها في مستعمرات الشرق، بينما كان بلنت يرى أن الوجود البريطاني تحول إلى سيطرة سياسية تتعارض مع حق المصريين في تقرير مستقبلهم.

اللافت أن هذه اليوميات تجعل التاريخ أقل تجريداً وحيادية كما تمنحه بعداً شخصياً ملموساً، فبدلاً من أن نقرأ الاحتلال البريطاني للبلدان العربية في صورة تواريخ ومعاهدات وأسماء حكام، نراه من خلال رجل يتحرك بين لندن والشرق، ويتابع العلاقات بين القوى السياسية، ويراقب المجتمع والناس، ويكتب عن صراع الإمبراطوريات وهي تتوسع، على نحو يثبت أن الاستعمار لم يكن مجرد احتلال عسكري، وإنما شبكة من النفوذ المالي والإداري والسياسي والثقافي.