«ترمب بلا قناع»

كتاب جمع معلوماته أكثر من 30 مراسلاً وصحافياً في «واشنطن بوست»

ترمب بين والديه
ترمب بين والديه
TT

«ترمب بلا قناع»

ترمب بين والديه
ترمب بين والديه

أسرار شخصية الرئيس الأميركي الأكثر إثارة للجدل دونالد ترمب، وخلفيات مواقفه التي حيرت العالم يمكن للقارئ أن يتعرف إليها في كتاب تستعد «دار الساقي» لإصداره نهاية الشهر الحالي تحت عنوان «ترمب بلا قناع» مع عنوان آخر فرعي هو «رحلة من الطموح والغرور والمال والنفوذ». المؤلّف صدر بالإنجليزية، لتعريف الناخب الأميركي من دونالد ترمب على مشارف الانتخابات الأميركية، وها هو يبصر النور بالعربية.
وعمل على تقصي معلومات الكتاب أكثر من 30 مراسلاً ومحرراً من جريدة «واشنطن بوست»، وقام بالتأكد من المعلومات وتنسيقها كل من مايكل كرانيش ومارك فيشر. وتمكن المراسلون من إجراء مقابلات مع ترمب لأكثر من عشرين ساعة، ولقاءات مع محاميه وبعض أعضاء حملته الانتخابية. يخلص الكاتبان إلى أن «الرجل الذي انتخب ليكون الرئيس الرابع والخمسين أكثر تعقيداً مما توحي به لغته البسيطة، وأن دوافعه وقيمه مستمدة من والديه، ومن نشأته، وانتصاراته وهزائمه، وسعيه طوال حياته إلى الحصول على الحب والقبول». وهنا مقطع محرر من الفصل الأول يتحدث عن أصول عائلة ترمب، وما دفع جدته إلى الهجرة من اسكوتلندا، وجده من المجيء من ألمانيا.
في أحد أيام يونيو (حزيران) 2008، وفي إحدى جزر أوتر هبرديس على الساحل الشمالي الغربي من اسكوتلندا، تجمَّع بعض السكان شاخصين أبصارهم نحو السماء ومحدِّقين في طائرة آتية اتجاههم. كان شكل الجزر التي يعيشون فيها أشبه بهراوة من القرون الوسطى: ضيقة عند الطرف الجنوبي وعريضة عند الطرف الشمالي، وتتوزع داخل المياه المتلاطمة الأمواج ذات اللون الأزرق المائل إلى الرمادي. كانت معظم أراضي الجزيرة، القليلة السكان البادية من بعيد، مروجاً فسيحة وحقولاً تصل إلى المنحدرات الوعرة والشطآن الصخرية المطلّة على مجموعة من الجزر الصغيرة. انتظر سكان الجزيرة في وقت كانت فيه طائرة «البوينغ 727» تنعطف صوبهم.
على طول جسم الطائرة، كُتِبَتْ كلمة واحدة بالأحرف الكبيرة: TRUMP. هدأ هدير محركات الطائرة. أفرغ مساعدو ترمب صناديق الكتب التي أحضرها والتي كان ينوي إهداءها لسكان الجزيرة لتكون بمنزلة الرموز المقدسة بالنسبة إليهم. كُتِبَ على أحد الصناديق «ترمب: كيف تصير غنياً؟»، وعلى صندوق آخر: «إياك والاستسلام».
حيّا ترمب سكان الجزيرة. كان يرتدي بدلة غامقة وقميصاً أبيض وربطة عنق زرقاء تتدلى إلى ما دون حزامه، في حين كان شعره الأشقر يتطاير مع النسيم، ثم توجّه مع مرافقيه إلى سيارة بورش Cayenne وإلى سيارتي BMW X5. سار الموكب على الطرق المتعرجة لسبعة أميال ماراً بهضاب خضر تنحدر لتصل إلى خليج، وعبر أحياء تضم منازل تشرف على الواجهة المائية، وأبنية تضم منشآت صناعية صغيرة... إلى أن وصل إلى منزل رمادي اللون، يُعرف باسم تونغ 5 5 Tong، وهو اسم القرية الموجود فيها. ترجل ترمب من سيارته واختلس نظرة إلى داخل المنزل. كان المسكن متواضعاً إلى حدّ أنه لم يحتمل البقاء داخله أكثر من سبع وتسعين ثانية. التقِطَت الصور، وبدا أن حبكة القصة قد اكتملت بكل براعة وإحكام: «ترمب يزور مسقط رأس والدته، ماري آن ماكليود Mary Anne Macleod».
قال ترمب للمراسلين المتجمهرين: «أشعر براحة تامة هنا، عندما يعود أصل والدتك إلى مكان معين، فلا بدّ أن تحب هذا المكان. أشعر بأنني اسكوتلندي، ولكن لا تطلبوا مني أن أحدّد شعوري. ثمة شيء قوي اكتسبته من والدتي»، ثم أضاف، حتى إذا كان هناك من فاتته الملاحظة: «لدي أموال طائلة».
كان ترمب قد زار المكان مرة واحدة قبل ذلك، عندما كان في الثالثة أو الرابعة من عمره، وكانت زيارته قصيرة قدر الإمكان؛ إذ لم تتعدّ ثلاث ساعات. كانت هناك أقاويل حول نية ترمب تحويل إحدى القلاع المحلية إلى فندق فخم، ثم تغير المكان إلى موقع آخر في اسكوتلندا، حيث كان ترمب يأمل أن هذا التذكار النادر لإرثه قد يساعد في إقناع السياسيين بالسماح له ببناء منتجع ضخم يضم ملاعب غولف، إضافة إلى تنفيذ مشروع إسكاني على أرض ذات حساسية بيئية تقع قرب أبيردين.
كانت حكاية والدة ترمب قصة تقليدية تحكي عن الرغبة في حياة جديدة في أرض غريبة، ويُثقِلها حلمٌ بعيد عن الواقع بالحصول على ثروة لا تخطر في البال. في حالة أسرة ترمب، كانت الثروة ستأتي آجلاً أم عاجلاً، ولكن كان من الصعب تصوُّر هذه النتيجة في حال عدنا بالزمن إلى الوراء وتأملنا المشهد الموجود في صورة باهتة المعالم التقطت قرب الموقع الذي زاره ترمب لمدة وجيزة في ذلك اليوم الصيفي.
التقطت الصورة، وهي بالأبيض والأسود، عام 1930 في تونغ 5، وتبدو فيها امرأة منحنية قليلاً إلى الأمام ترتدي ثوباً طويلاً وشعرها مربوط خلف رأسها، وقد التف نطاق حول كتفها. كان النطاق مربوطاً إلى صرة فوق ظهرها يبلغ حجمها عشرة أضعاف حجم رأسها. واستناداً إلى الجملة التي كتبتها الجمعية التاريخية في تونغ، هذه المرأة هي إحدى أسلاف ترمب، وقد تكون جدته لأمه: «تحمل على ظهرها سلة مليئة بالأعشاب البحرية». تظهر في خلفية الصورة شابة، قد تكون والدة ترمب، ماري ماكليود، وكانت آنذاك في الثامنة عشرة من عمرها، وبدأت تخطط لمغادرة جزيرتها، حيث الفقر المدقع، للذهاب إلى أميركا.
نشأت ماري في ذلك المكان البعيد وكانت تتكلم باللهجة الغاليّة Gaelic المحلية. كانت قرية تونغ هي مسقط رأس والدَي ماري وجدّيها وأسلاف جدّيها، وعدد لا يُحصى من أبناء الأعمام والأخوال والعمات والخالات. كانت الأرض المحيطة بالمنزل مجرّد حقل صغير مسوَّر، أشبه بالمزرعة الصغيرة التي كانت الأم تُعنى بها، وهو ما مكَّن الوالد من قضاء معظم وقته في صيد السمك. كانت حياة شحيحة، وصفتها إحدى الوثائق التاريخية المحلية بأنها «قذرة على نحو لا يوصف... كانت أبواب المنازل منخفضة حتى كان السكان يضطرون إلى الزحف للدخول إليها والخروج منها». كانت العائلات تكافح معاً لتتدبّر الدخل كيفما اتفق، عن طريق زراعة التربة الحمضية وتربية المواشي، والصيد في الخلجان والأنهار القريبة، وجمع الفحم لبيعه أو لاستخدامه وقودا، وجمع أعشاب البحر لاستخدامها سمادا في تلك الأرض العسيرة على الزراعة. كان من الشائع أن يغرق الرجال في مراكب الصيد التي يعملون عليها، وهو ما حدث لجد ماري، دونالد سميث Donald Smith عام 1868، وكان عمره آنذاك لا يتجاوز الرابعة والثلاثين. وبعد عقود، أطلقت ماري اسمه على ابنها، دونالد ترمب.
كانت عائلة ماكليود تُفاخر بالمواشي القوية البنية الموجودة في الجزيرة؛ وكانت الشارة المميزة للعائلة رأس ثور وشعار يقول: «ابق صامداً»، لكن الصمود صار شبه مستحيل مع بداية الكساد الكبير Depression Great. وفي خريف 1929، لم تكن تتوافر للشابات، إلا نادراً، الفرصة ليعشن حياة غير حياة المزارعات أو جامعات الأعشاب البحرية ومنجبات للأطفال. هكذا، في السابع عشر من فبراير (شباط) 1930، وفي أعقاب الثلاثاء الأسود Black Tuesday (يوم انهيار أسعار الأسهم في بورصة نيويورك) وكل ما رافق الكساد من كآبة وبؤس، صعدت ماري آن ماكليود إلى سطح سفينة ترانسلفانيا Transylvania، وهي سفينة ذات ثلاث مداخن كانت قد بنيت قبل ثلاث سنوات. كان طول السفينة، بين مقدمتها ومؤخرتها، 552 قدماً، وكان طول دعامتها الأفقية 70 قدماً، وكانت تقل 1432 راكباً.
يبدو أن ماري الشابة الجذابة ذات البشرة البيضاء والعينين الزرقاوين، كانت وحدها، فقد ورد اسمها في ملفات السفينة ضمن أسماء McIntoshes وMcGraths وMcBrides. سجلت ماري نفسها «مساعدة منزلية»، وهو تعبير فضفاض يتسع لكلمة «خادمة» أو لأي عمل آخر قد تجده لدى وصولها إلى نيويورك. أخبرت ماري المسؤولين في دائرة الهجرة، في جزيرة إيليس، أنها تخطط للإقامة في منطقة كوينز مع شقيقتها الكبرى كاترين، التي كانت قد تزوجت وأنجبت طفلاً منذ وقت قريب، وقالت ماري إنها تخطط أن تكون مقيمة دائمة، وتأمل في الحصول على جنسية البلد الذي اختارت العيش فيه.
بحلول 1929، كان الكونغرس قد أقر تشريعاً يقلص حصص المهاجرين من بلدان عدة، من بينها بعض الدول الأوروبية مثل ألمانيا. وسرعان ما طرد مئات الألوف من المكسيكيين. أما المهاجرون من الصين واليابان وأفريقيا والجزيرة العربية، فصارت فرصهم محدودة للحصول على الجنسية. وفي الوقت نفسه، رفع الكونغرس إلى الضعف تقريباً حصص المهاجرين من عدد من الجزر البريطانية. هكذا، لقي قدوم ماري، وهي المنحدرة من العرق المفضَّل من البيض البريطانيين، ترحيباً في الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة تغلق الأبواب بوجه الكثير من المهاجرين من مناطق أخرى.
بينما كانت ماري تعبر المحيط الأطلسي، واجهت سفينة ترانسلفانيا عاصفة عاتية. أخيراً، عندما وصلت السفينة إلى ميناء نيويورك، أثارت الأمطار المنهمرة بغزارة أمواجاً عاتية. وأدت الصواعق إلى انقطاع التيار الكهربائي، حتى عن مشعل تمثال الحرية، الذي كان رغم كل شيء يرحب بالفقراء وبالكادحين في العالم. في اليوم الذي وصلت فيه ماري إلى نيويورك، كانت القصة الرئيسية على الصفحة الأولى من صحيفة «نيويورك تايمز»، مطمْئِنة: «مرّت أسوأ أيام الكساد، هكذا يقول هوفر، بالتعاون نتغلب على المحنة Cooperation Lessening Distress». كان هوفر يعلق آماله على ازدهار حركة العمران، التي كان يصرّ على أنها تسارعت «أكثر مما كنا نأمل»،. لكن آماله كانت مفرطة في التفاؤل. وسرعان ما جرى إحلال حاكم نيويورك الديمقراطي فرانكلين ديلانو روزفلت Franklin Delano Roosevelt محله في البيت الأبيض، وتطلّب الأمر سنوات من التدخل الحكومي لإنقاذ أميركا من الكساد، ولكن كان هناك رجل يشارك هوفر آماله في حصول ازدهار عمراني، وهو شاب يدعى فريد ترمب Fred Trump، وكان ابناً لمهاجر ألماني، كما كان على وشك تكوين ثروة عن طريق بناء مساكن متواضعة في المنطقة نفسها من نيويورك التي أُرسلت إليها ماري ماكليود.
يبدأ الفصل الخاص بأسرة ترمب في القصة الأميركية الطويلة للعائلة من جدّ دونالد، فريدريك Friedrich. نشأ فريدريك في قرية تنتج الخمر وتقع جنوب غربي ألمانيا تدعى كالشتاد، وكانت القرية تبدو للوهلة الأولى خضراء ومزدهرة، لكنها كانت أصغر من أن تتسع لطموحات المراهق الذي سيصير جد دونالد ترمب لأبيه.
رغم ذلك، لم يكن فريدريك يرى لنفسه أي مستقبل في قرية بلاتِنت، وقرر الانضمام إلى ركب الألمان الباحثين عن حياة أفضل في الولايات المتحدة. قطع فريدريك مسافة 350 ميلاً صوب الشمال إلى بريمن، وهو ميناء يعج بالمهاجرين، وصعد إلى ظهر سفينة أيدر Eider. كانت السفينة الألمانية، ذات المدخنتين، العابرة للمحيط الأطلسي، متجهة نحو مدينة نيويورك، حيث سيلتحق بشقيقته الكبرى، كاترين، التي كانت قد تزوجت مهاجراً من كالشتاد. وصل فريدريك إلى نيويورك في التاسع عشر من أكتوبر (تشرين الأول) 1885. ورد في سجلات الهجرة أن مهنته كانت «مزارعاً»، وأن اسمه كان فريدريك ترمبف Trumpf، لكنه سرعان ما صار يُعرف باسم ترمب، وكان لا يتجاوز السادسة عشرة من العمر.



الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا
TT

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية، فإنه يمارس في الوقت ذاته نوعاً من الـ«أمنيزيا» المنهجية، أو الفقدان المتعمّد للذاكرة، حين يتصل الأمر بالإسلام.

في الخطاب اليميني الشعبوي المتصاعد، يُرسم الإسلام على أنه عنصر غريب أو ظاهرة ديموغرافية طارئة، ارتبطت حصراً بموجات الهجرة بعد الحرب العالمية الثانية، أو بقوارب اللجوء التي عبرت المتوسط في العقد الأخير. هذا الاختزال ليس مجرد خطأ لناحية قراءة التاريخ، بقدر ما أنه عملية تشويه متعمد للهوية الأوروبية، تهدف إلى استئصال جزء بنيوي من تكوينها؛ لتبدو أوروبا جزيرةً مسيحية - يهودية معزولة، لم يطأها «الآخر» إلا بصفة «ضيف ثقيل» أو «وافد مضطر».

معضلة اليمين الأوروبي المتطرف تكمن في أن التاريخ لا يُكتب بالنيات، بل بالشواهد التي لا تقبل الإلغاء. يذكرنا طارق حسين في كتابه الاستقصائي المهم «أوروبا المسلمة (Muslim Europe)»، بأن الإسلام كان في أوروبا منذ عام 647 ميلادية، أي بعد 16 عاماً فقط من وفاة الرسول ﷺ. بمعنى أن الإسلام وصل إلى القارة العجوز قبل أن تصل المسيحية إلى مناطق واسعة في شمال وشرق أوروبا بقرون. ومن قبرص إلى صقلية، ومن ملقة إلى لشبونة، لم يكن المسلمون ضيوفاً عابرين، بل كانوا مجتمعات مستقرة؛ حاكمة، ومنتجة للمعرفة. في صقلية، تحت حكم المسلمين، ازدهرت نظم الريّ المبتكرة، وارتفعت معايير المعيشة لتصبح الأعلى عالمياً، لدرجة أن الملوك النورمان الذين غزوها لاحقاً لم يجدوا بُداً من تبني الثقافة والعلوم واللغة العربية لإدارة ملكهم.

وإذا كان اليمين الغربي المتطرف يحاول محو التاريخ من الكتب، فإنه لا يستطيع محوه من الحجارة أو اقتلاعه من الأفق البصري للمواطن الأوروبي. فالعمارة القوطية التي أبدعت كاتدرائيات باريس ولندن، كما تقول الباحثة ديانا دارك - في كتابها «السرقة من السراسنة (اسم أوروبي قديم يطلق على المسلمين) Stealing from the Saracens» - ليست في جوهرها الهيكلي والجمالي سوى صدىً للعمارة الإسلامية. لقد انتقلت «العقود المدببة» والتقنيات الهندسية التي سمحت ببناء تلك الصروح الشاهقة من الحواضر الإسلامية عبر صقلية والأندلس، لتمتزج بالنسيج العمراني الأوروبي، وتصبح جزءاً من هويته الثقافية الصامتة. إن الأوروبي الذي يتأمل «نوتردام» إنما يتأمل، في حقيقة الأمر، تجلياً من تجليات التلاقح الحضاري الذي كان الإسلام قطبه الأهم.

أما على جبهة السياسة والقانون، فالجدل الثقافي غالباً ما يسقط في فخ تصوير المسلم بوصفه كائناً «ما قبل حداثي». لكن الباحثين في تاريخ البلقان وشرق أوروبا (المؤرخة إميلي غريبل مثلاً) يعلمون بأن المسلمين لم يكونوا مجرد بقايا لإمبراطورية منسحبة، بل كانوا فاعلين أصليين في صياغة مفهوم المواطنة والدولة الحديثة أوروبياً، وخاضت المجتمعات المسلمة في البلقان سجالات قانونية وفلسفية لتعريف «الأوروبية» من منظور تعددي؛ مما أسهم على نحو كبير في تشكيل مفاهيم الحقوق والديمقراطية التي يفاخر بها الغرب اليوم. وبذلك، لم يكن المسلم مشكلة طرأت على الحداثة، بل كان أحد العقول التي هندست شروطها في القارة.

لا تتوقف السردية عند حدود الأطلال الأندلسية أو الروايات التاريخية القديمة، بل تمتد لتشكل النسيج الحيوي لأوروبا اليوم. لذلك؛ تصطدم محاولات اليمين لتصوير المسلمين عالة على «الرفاه الأوروبي» بواقع إسهاماتهم الجوهرية عبر مختلف المجالات الحيوية. ففي أروقة المختبرات العلمية، يقف علماء من أصول إسلامية في طليعة الابتكار؛ ولعل المثال الأنصع في الذاكرة القريبة هو الزوجان أوزليم توريجي وأوغور شاهين، اللذان أنقذا القارة والعالم بأسره عبر تطوير لقاح «بيونتيك» ضد «كورونا»، معيدين الاعتبار إلى إسهام العقل المسلم في صلب العلوم الدقيقة.

أما لناحية المجالين الثقافي والأدبي، فلم يبقَ المسلم موضوعاً للكتابة فحسب، وإنما صار الكاتبَ الذي يسهم في إعادة تعريف الأدب الأوروبي المعاصر؛ فأسماء مثل ليلى سليماني في فرنسا، وطاهر بن جلون، وصولاً إلى المبدعين في السينما والفنون البصرية، يرفدون الثقافة الأوروبية بدماء جديدة تكسر الرتابة وتفتح آفاقاً لأسئلة الهوية والوجود.

اقتصادياً، يمثل المسلمون في مدن كبرى، مثل برلين ولندن وباريس، جزءاً لا يتجزأ من منظومة الخدمات والمهن الحرة والابتكار الرقمي، مسهمين بمليارات اليوروات في الناتج المحلي الإجمالي. إنهم ليسوا جميعهم مهاجرين ينتظرون المعونات كما «يستقصد» اليمين المتطرف أن يصورهم. فأكثريتهم مواطنون دافعون للضرائب، وبناة مؤسسات، ومبدعون في الفلسفة والسياسة والرياضة، وترفع أسماؤهم رايات الدول الأوروبية في المحافل الدولية. وحضورهم اليوم هو استمرار طبيعي لتلك السلسلة التي بدأت ذات وقت من قرطبة، مؤكدين أن الإسلام داخل أوروبا هو طاقة بناء، لا عبء بقاء.

ولذا؛ فالأزمة الراهنة التي تسكن خلايا العقل الأوروبي ليست «أزمة هجرة» بقدر ما أنها أزمة «تعريف للذات». فاليمين المتطرف لدى محاولته الهروب من استحقاقات العولمة، ينكفئ نحو هوية متخيَّلة ثابتة ومغلقة، محاولاً سلب المسلم الأوروبي - سواء أكان من أصول تترية بولندية أم بوسنية أم سليل أسرة مهاجرة من الجيلين الثالث أو الرابع - حقه التاريخي في «الأصالة». إن استحضار شهادة الملك تشارلز الثالث (حين كان أميراً لويلز) ضمن خطابه الشهير عام 1993، يضعنا أمام الحقيقة الفاقعة: «الإسلام جزء لا يتجزأ من تاريخنا المشترك»، وتجاهله ليس سوى إنكار لجزء من الذات الأوروبية نفسها.

من هذا المنظور يكون الدفاع عن الحضور الإسلامي في تاريخ أوروبا دفاع عن الحقيقة التاريخية ضد التزييف السياسي وليس حِجاجاً عن طائفة أو فئة أو أقليّة. أوروبا اليوم تقف أمام مرآة ماضيها؛ فإما تتقبل تعدد وجوهها المتداخلة، وتنوع أصولها، وإما تظل أسيرة صورة مشوهة مذعورة رسمها يمينٌ إقصائي يخشى مواجهة التاريخ. فالإسلام لم يأتِ إلى أوروبا في قوارب اللجوء؛ لقد كان هناك حين بُنيت مداميكها الأولى، وسيبقى جزءاً بنيوياً من هويتها التي لن تكتمل يوماً من دونه.


البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري
TT

البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات المرتبطة بعادات قديمة وجذور تاريخية ومفاهيم خاصة تجمع بين الأساطير الجمعية والحس الطريف المبهج لدى المصريين.

ومن أبرز تلك المفردات نبات البصل الذي يعد من أقدم الخضروات التي عرفها المصري القديم وقدسها، وخلد اسمه على جدران المعابد وأوراق البردي حتى أنه كان يوضع في توابيت الموتى مع الجثث المحنطة لاعتقادهم أنه يساعد الميت على التنفس عندما تعود إليه الحياة مرة أخرى، كما ذكر أطباء الفراعنة البصل في قوائم الأغذية المقوية التي كانت توزع على العمال الذين عملوا في بناء الأهرامات بل وصفوه بأنه مغذ ومنشط ومدر للبول.

وتشير بعض الدراسات إلى أن الاسم الأول للبصل كان يعرف بـ«بدجر» أو «بصر» ثم قلبت الراء إلى لام في اللغات السامية واللغة العربية، كما ارتبط اسمه ببعض القصص والأساطير القديمة ومنها تلك التي تقول إن أحد ملوك الفراعنة كان له طفل وحيد مرض مرضاً عجز الأطباء والكهنة والسحرة في علاجه حتى أقعده عدة سنوات فاستدعى الملك الكاهن الأكبر لمعبد آمون بطيبة الذي قال له إن مرض الطفل يعود إلى وجود أرواح شريرة تسيطر عليه وتشل حركته بفعل السحر الأسود.

قام الكاهن بوضع ثمرة ناضجة من البصل تحت رأس الطفل الصغير في فراشه عند غروب الشمس بعد أن قرأ عليها بعض التعاويذ ثم شقها إلى نصفين ووضعها عند أنف الطفل ليستنشق عصيرها، كما أمر الكاهن بتعليق حزم البصل الطازج فوق السرير وعلى أبواب الغرف وبوابات القصر وبالفعل شفي الطفل وغادر فراشه وخرج ليلعب مع غيره من الأطفال، وشارك الشعب الملك أفراحه بتعليق حزم البصل على أبواب منازلهم لاعتقادهم أنه طارد الأرواح الشريرة.

وانتشرت في أساطير الفلاحين الشعبية أسطورة «النداهة»، حيث يزعم البعض أنها امرأة جميلة تظهر في الليالي المظلمة في الحقول تنادي باسم شخص ما فيقوم مسحوراً ويتبع النداء إلى أن يصل إليها وفي الصباح يتم العثور عليه ميتاً، ولاتقاء شرها يجب أن توضع حزمة من البصل على باب البيت أو عتبته. وتقول أسطورة أخرى إن أرواحاً شريرة قد تظهر في صورة قطة تغري الضحية بكنز من الذهب وبالفعل يكون الكنز حقيقياً، ويعود به إلى بيته فرحاً مسروراً، لكنه يجده في الصباح وقد تحول إلى مجموعة من البصل.

وكان لافتاً أن حاكم محمد على باشا الكبير أنشأ في القرن التاسع ميناء في الإسكندرية أطلق عليه «مينا البصل»، حيث كانت تتجمع به الكثير من المحاصيل كالقطن والبصل من محافظات مصر كافة لتصديره إلى أوروبا، كما ارتبط البصل بالكثير من المرادفات العامية المصرية التي تطلق في بعض المناسبات مثل «بيقشر بصل» للدلالة على الفقر والإفلاس، و«حاشر نفسه زي البصل» للدلالة على التدخل في شؤون الآخرين دون داع انطلاقاً من حقيقة أن البصل يدخل في العديد من الأكلات والوصفات كعنصر أساسي.

أما على صعيد الأمثال الشعبية المصرية فلا يوجد نبات من النباتات أو الخضراوات احتل مكانة مميزة كالبصل، إذ يوجد ما يقرب من مائة مثل تستشهد به وتضرب المثل ومنها «بصلة المحب خروف» كناية عن التقدير الشديد لأي شيء يأتينا من شخص نحبه مهما كان بسيطاً. وهناك أيضاً المثل الشعبي الذي لا يقل شهرة «لما أمك البصلة وأبوك التوم تجيب منين الريحة الحلوة يا شوم»، في إشارة إلى أن الأمور يجب أن تسير وفق وتيرة منطقية ومقدمات تؤدي إلى نتائج.


مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام
TT

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

يشكل السرد على ضفاف زمن قديم مرتكزاً أساسياً في المجموعة القصصية «محكمة الوحي الإلهي» للكاتب المصري أحمد فؤاد الدين، الصادرة عن «دار ديوان للنشر» بالقاهرة.

لا يستدعي المؤلف في مجموعته الزمن بوصفه زمناً مكتملاً، بل تاريخاً متعثراً، لا سيما حين يرتبط بحق الاختيار وسؤال العدالة، الذي يبدو موضع شك؛ «فهل للمسوخ أن تختار؟» كما يتساءل أحد أبطال القصص، الذين يقفون في قلبها تائهين، يفتّشون عن أصواتهم المفقودة، وربما عن لعنتهم.

في هذا الأفق، لا تبدو ثنائية الأب والابن محض رابطة عائلية، بل بنية مركزية يعيد الكاتب اختبارها عبر قصصه، بوصفها واحدة من أكثر العلاقات الإنسانية التباساً وتعقيداً، لا تُبنى فقط على الامتداد، بل على التكرار، وعلى استعادة جروح قديمة في تمثيلات جديدة.

وسرعان ما تتسع هذه الثنائية لتتحوّل إلى ثلاثية: أب، وابن، وحفيد، في سلسال لا ينقطع، تتوارث فيه الأدوار، والقسوة، وأحياناً الإقصاء، كعقاب قسري على محاولة الخروج من عباءة الأب.

يبلغ هذا التوتر ذروته في قصة «محكمة الوحي الإلهي»، حيث يترك الأب رسالة طويلة مُتوسلة، طالباً إسقاط نسب ابنه عنه، مبرِراً ذلك بما يراه جحوداً وعصياناً وفق منطقه الخاص، حيث يتحول تمرّد الابن إلى جريمة تستدعي محو رابطة البنوّة نفسها.

يستعيد الأب في رسالته الطويلة ملامح برّه بوالده التي لم يجد نظيرها مع ابنه: «لا يُلبي لي أمراً إلا بمساءلة، ولا يُقبّل يدي إلا إذا سألته: هل فعلت ذلك مع أبي؟ أبداً».

ينقل الكاتب هذه المواجهة بين الأب والابن إلى مستويات أكثر عمقاً، حيث يتجاوران في مفارقات سردية حادة داخل الواقع، ويلتقيان في فضاءات الأحلام، التي تتحرر فيها دوافع القُرب والانفصال معاً. وعبر هذا التداخل، تتكشف تدريجياً بواطن الأب، لا بوصفه سلطة غاشمة، بل كذاتٍ مرتبكة، هاربة إلى الوحي.

هاجس الصوت

لا ينفصل توتر العلاقة بين نموذج الأب والابن عن سؤال الهوية، إذ نرى البطل في قصة «صدى الصوت» في فزع فقدان صوته، يطارده هاجس أن صوته قصار هو نفسه صوت أبيه؛ صوت غنائه له في الطفولة، وصراخه وتوبيخه، فلا يعود الصوت محض وراثة، بل بنية قسرية يعيد إنتاجها الأب داخل الابن.

في هذا السياق، يفتح الكاتب هذا التماهي على أفق فانتازي، يوّظف فيه الأحلام بوصفها مساحةً موازيةً لاختبار هذه العلاقة ودفعها إلى أقصاها: «قال لي إن هيبة صوته لن تفارقني أبداً، وأن كل عصياني له سيبقى معي لنهاية عمري، وحتى في الضفة الأخرى من النهر، سيتحول معي، وسيسمعه ابني، كل كلمات ستكون ملكاً له، بكيت، وتوسلت له أن يترك لي صوتي، لم يتوقف، بدأ يغني، كل الأغاني التي أحبها، كل الكلمات التي قلتها في يوم من الأيام تلاها عليّ، حتى ضحكتي كررها، بكيت ولم يتوقف، ثم استيقظت».

من هذا المنظور، تبدو الأحلام مساحة مفتوحة على الدخول والخروج بوعي ذهني، تتكثف داخلها المواجهات المؤجلة، وتنكشف الطبقات التي يعجز الواقع عن قولها، بحيث يصبح الحلم ساحة بديلة تُعاد داخلها صياغة العلاقات، أو تُعرّى فيها على نحو أكثر قسوة.

وعلى امتداد هذه البنية، تتبدى ملامح عالمٍ يحكمه تسلسل هرمي مُجحف، ينقسم فيه البشر إلى سادة وعبيد، ففي قصة «حد السماء»، يصبح الجسد ذاته موضع إدانة، حيث يتحوّل بطلها «القِزم» إلى هدية تُقدّم إلى الحاكم، بوصفه مادة للضحك والسخرية، غير أن هذا التشوّه لا يقف عند حدود الشكل، بل يمتد إلى الوعي، حيث يحمل الابن شعوراً عارماً بالذنب تجاه الأب، كأن وجوده نفسه خطأ يستوجب التبرير: «ما اكتفى الزمان بيديّ القصيرتين حدّ الشذوذ، وقدميّ المقوّستين حدّ الضحك، ولا رأسي الكبير على جسدٍ يكاد لا تُرى له رقبة. لم يكتفِ بأبٍ عاش يحلم بذكرٍ يخلفه، فإذا به يُرزق بمسخٍ بعد خمس بنات».

عناصر الطبيعة

يوّظف الكاتب عناصر الطبيعة محطات وعتبات تُعيد الذوات المنهكة إلى نفسها، كما يتجلى في الحضور المتكرر لشجرة «الجميز»، التي يلجأ إليها أبطال القصص في لحظات إنهاكهم كهدنة مؤقتة داخل مسار مضطرب، سرعان ما تنكشف الشجرة عن خضوعها لقانون أكبر يعيد الشخصيات إلى مسارها الأول، فأحد الأبطال يُساق إليها كالمُسيّر: «مرّ الوقت حتى وصلت إلى شجرة جميز في قرية لا أعرفها»، ويتكرر هذا الحضور أيضاً في قصة «ما دون النباتات»، حيث يستريح البطل تحت ظل شجرة الجميز أمام بيته، منتظراً اصطحاب والده الضرير في رحلتهما اليومية لاكتشاف النباتات.

إلا أن هذه القصة، وفي مقابل سلطة الأب، تفتح أفقاً موازياً تهيمن عليه مملكة النباتات، التي تجمع الأب والابن في طقس يومي قائم على المعرفة الحسية، قبل أن تنتهي إلى مفارقة حادة، حيث يفقد الابن والده في إحدى تلك الرحلات، فيظل ملتصقاً بجثته، رافضاً مغادرتها.

بالموازاة، تبرز «الحِرف» في المجموعة كملاذ آخر، حيث تستعيد «اليد» قدرتها على الفهم والتشكيل خارج أنظمة السلطة والوراثة، فأغلب شخصيات المجموعة يجمعها العمل في الخزف، والنحت، والنجارة، لتنخرط في معرفة حسية تقوم على اللمس والتجربة، وتصبح الحرفة وسيلة فنية لاختبار العلاقة بين الإنسان والأشياء، بما يشكّل منظومة سردية موازية، لا تورّث عبر النسب، بل يُعاد إنتاجها عبر اليد والمهارة الفردية.

يبدو استدعاء المخيال المصري القديم بمثابة مظلة سردية تمنح القصص إيقاعها المشدود بين المقدّس والفاني، وتدفع لغتها إلى نغمية هذا الإيقاع، حيث تتداخل طقوس الموت والبعث مع إشكالات النسب والسيرورة، ففي «هوامش على متون الأهرام»، لا ينقطع الرابط بين الأب ونسله بالموت، بل يُعاد تشكيله عبر رحلة أخرى مؤجلة: «يا نابش قبري، أستجديك أن تترك للمسافر زاداً في رحلة سماوية يخوضها، وستَخوضها من بعده».