«ترمب بلا قناع»

كتاب جمع معلوماته أكثر من 30 مراسلاً وصحافياً في «واشنطن بوست»

ترمب بين والديه
ترمب بين والديه
TT

«ترمب بلا قناع»

ترمب بين والديه
ترمب بين والديه

أسرار شخصية الرئيس الأميركي الأكثر إثارة للجدل دونالد ترمب، وخلفيات مواقفه التي حيرت العالم يمكن للقارئ أن يتعرف إليها في كتاب تستعد «دار الساقي» لإصداره نهاية الشهر الحالي تحت عنوان «ترمب بلا قناع» مع عنوان آخر فرعي هو «رحلة من الطموح والغرور والمال والنفوذ». المؤلّف صدر بالإنجليزية، لتعريف الناخب الأميركي من دونالد ترمب على مشارف الانتخابات الأميركية، وها هو يبصر النور بالعربية.
وعمل على تقصي معلومات الكتاب أكثر من 30 مراسلاً ومحرراً من جريدة «واشنطن بوست»، وقام بالتأكد من المعلومات وتنسيقها كل من مايكل كرانيش ومارك فيشر. وتمكن المراسلون من إجراء مقابلات مع ترمب لأكثر من عشرين ساعة، ولقاءات مع محاميه وبعض أعضاء حملته الانتخابية. يخلص الكاتبان إلى أن «الرجل الذي انتخب ليكون الرئيس الرابع والخمسين أكثر تعقيداً مما توحي به لغته البسيطة، وأن دوافعه وقيمه مستمدة من والديه، ومن نشأته، وانتصاراته وهزائمه، وسعيه طوال حياته إلى الحصول على الحب والقبول». وهنا مقطع محرر من الفصل الأول يتحدث عن أصول عائلة ترمب، وما دفع جدته إلى الهجرة من اسكوتلندا، وجده من المجيء من ألمانيا.
في أحد أيام يونيو (حزيران) 2008، وفي إحدى جزر أوتر هبرديس على الساحل الشمالي الغربي من اسكوتلندا، تجمَّع بعض السكان شاخصين أبصارهم نحو السماء ومحدِّقين في طائرة آتية اتجاههم. كان شكل الجزر التي يعيشون فيها أشبه بهراوة من القرون الوسطى: ضيقة عند الطرف الجنوبي وعريضة عند الطرف الشمالي، وتتوزع داخل المياه المتلاطمة الأمواج ذات اللون الأزرق المائل إلى الرمادي. كانت معظم أراضي الجزيرة، القليلة السكان البادية من بعيد، مروجاً فسيحة وحقولاً تصل إلى المنحدرات الوعرة والشطآن الصخرية المطلّة على مجموعة من الجزر الصغيرة. انتظر سكان الجزيرة في وقت كانت فيه طائرة «البوينغ 727» تنعطف صوبهم.
على طول جسم الطائرة، كُتِبَتْ كلمة واحدة بالأحرف الكبيرة: TRUMP. هدأ هدير محركات الطائرة. أفرغ مساعدو ترمب صناديق الكتب التي أحضرها والتي كان ينوي إهداءها لسكان الجزيرة لتكون بمنزلة الرموز المقدسة بالنسبة إليهم. كُتِبَ على أحد الصناديق «ترمب: كيف تصير غنياً؟»، وعلى صندوق آخر: «إياك والاستسلام».
حيّا ترمب سكان الجزيرة. كان يرتدي بدلة غامقة وقميصاً أبيض وربطة عنق زرقاء تتدلى إلى ما دون حزامه، في حين كان شعره الأشقر يتطاير مع النسيم، ثم توجّه مع مرافقيه إلى سيارة بورش Cayenne وإلى سيارتي BMW X5. سار الموكب على الطرق المتعرجة لسبعة أميال ماراً بهضاب خضر تنحدر لتصل إلى خليج، وعبر أحياء تضم منازل تشرف على الواجهة المائية، وأبنية تضم منشآت صناعية صغيرة... إلى أن وصل إلى منزل رمادي اللون، يُعرف باسم تونغ 5 5 Tong، وهو اسم القرية الموجود فيها. ترجل ترمب من سيارته واختلس نظرة إلى داخل المنزل. كان المسكن متواضعاً إلى حدّ أنه لم يحتمل البقاء داخله أكثر من سبع وتسعين ثانية. التقِطَت الصور، وبدا أن حبكة القصة قد اكتملت بكل براعة وإحكام: «ترمب يزور مسقط رأس والدته، ماري آن ماكليود Mary Anne Macleod».
قال ترمب للمراسلين المتجمهرين: «أشعر براحة تامة هنا، عندما يعود أصل والدتك إلى مكان معين، فلا بدّ أن تحب هذا المكان. أشعر بأنني اسكوتلندي، ولكن لا تطلبوا مني أن أحدّد شعوري. ثمة شيء قوي اكتسبته من والدتي»، ثم أضاف، حتى إذا كان هناك من فاتته الملاحظة: «لدي أموال طائلة».
كان ترمب قد زار المكان مرة واحدة قبل ذلك، عندما كان في الثالثة أو الرابعة من عمره، وكانت زيارته قصيرة قدر الإمكان؛ إذ لم تتعدّ ثلاث ساعات. كانت هناك أقاويل حول نية ترمب تحويل إحدى القلاع المحلية إلى فندق فخم، ثم تغير المكان إلى موقع آخر في اسكوتلندا، حيث كان ترمب يأمل أن هذا التذكار النادر لإرثه قد يساعد في إقناع السياسيين بالسماح له ببناء منتجع ضخم يضم ملاعب غولف، إضافة إلى تنفيذ مشروع إسكاني على أرض ذات حساسية بيئية تقع قرب أبيردين.
كانت حكاية والدة ترمب قصة تقليدية تحكي عن الرغبة في حياة جديدة في أرض غريبة، ويُثقِلها حلمٌ بعيد عن الواقع بالحصول على ثروة لا تخطر في البال. في حالة أسرة ترمب، كانت الثروة ستأتي آجلاً أم عاجلاً، ولكن كان من الصعب تصوُّر هذه النتيجة في حال عدنا بالزمن إلى الوراء وتأملنا المشهد الموجود في صورة باهتة المعالم التقطت قرب الموقع الذي زاره ترمب لمدة وجيزة في ذلك اليوم الصيفي.
التقطت الصورة، وهي بالأبيض والأسود، عام 1930 في تونغ 5، وتبدو فيها امرأة منحنية قليلاً إلى الأمام ترتدي ثوباً طويلاً وشعرها مربوط خلف رأسها، وقد التف نطاق حول كتفها. كان النطاق مربوطاً إلى صرة فوق ظهرها يبلغ حجمها عشرة أضعاف حجم رأسها. واستناداً إلى الجملة التي كتبتها الجمعية التاريخية في تونغ، هذه المرأة هي إحدى أسلاف ترمب، وقد تكون جدته لأمه: «تحمل على ظهرها سلة مليئة بالأعشاب البحرية». تظهر في خلفية الصورة شابة، قد تكون والدة ترمب، ماري ماكليود، وكانت آنذاك في الثامنة عشرة من عمرها، وبدأت تخطط لمغادرة جزيرتها، حيث الفقر المدقع، للذهاب إلى أميركا.
نشأت ماري في ذلك المكان البعيد وكانت تتكلم باللهجة الغاليّة Gaelic المحلية. كانت قرية تونغ هي مسقط رأس والدَي ماري وجدّيها وأسلاف جدّيها، وعدد لا يُحصى من أبناء الأعمام والأخوال والعمات والخالات. كانت الأرض المحيطة بالمنزل مجرّد حقل صغير مسوَّر، أشبه بالمزرعة الصغيرة التي كانت الأم تُعنى بها، وهو ما مكَّن الوالد من قضاء معظم وقته في صيد السمك. كانت حياة شحيحة، وصفتها إحدى الوثائق التاريخية المحلية بأنها «قذرة على نحو لا يوصف... كانت أبواب المنازل منخفضة حتى كان السكان يضطرون إلى الزحف للدخول إليها والخروج منها». كانت العائلات تكافح معاً لتتدبّر الدخل كيفما اتفق، عن طريق زراعة التربة الحمضية وتربية المواشي، والصيد في الخلجان والأنهار القريبة، وجمع الفحم لبيعه أو لاستخدامه وقودا، وجمع أعشاب البحر لاستخدامها سمادا في تلك الأرض العسيرة على الزراعة. كان من الشائع أن يغرق الرجال في مراكب الصيد التي يعملون عليها، وهو ما حدث لجد ماري، دونالد سميث Donald Smith عام 1868، وكان عمره آنذاك لا يتجاوز الرابعة والثلاثين. وبعد عقود، أطلقت ماري اسمه على ابنها، دونالد ترمب.
كانت عائلة ماكليود تُفاخر بالمواشي القوية البنية الموجودة في الجزيرة؛ وكانت الشارة المميزة للعائلة رأس ثور وشعار يقول: «ابق صامداً»، لكن الصمود صار شبه مستحيل مع بداية الكساد الكبير Depression Great. وفي خريف 1929، لم تكن تتوافر للشابات، إلا نادراً، الفرصة ليعشن حياة غير حياة المزارعات أو جامعات الأعشاب البحرية ومنجبات للأطفال. هكذا، في السابع عشر من فبراير (شباط) 1930، وفي أعقاب الثلاثاء الأسود Black Tuesday (يوم انهيار أسعار الأسهم في بورصة نيويورك) وكل ما رافق الكساد من كآبة وبؤس، صعدت ماري آن ماكليود إلى سطح سفينة ترانسلفانيا Transylvania، وهي سفينة ذات ثلاث مداخن كانت قد بنيت قبل ثلاث سنوات. كان طول السفينة، بين مقدمتها ومؤخرتها، 552 قدماً، وكان طول دعامتها الأفقية 70 قدماً، وكانت تقل 1432 راكباً.
يبدو أن ماري الشابة الجذابة ذات البشرة البيضاء والعينين الزرقاوين، كانت وحدها، فقد ورد اسمها في ملفات السفينة ضمن أسماء McIntoshes وMcGraths وMcBrides. سجلت ماري نفسها «مساعدة منزلية»، وهو تعبير فضفاض يتسع لكلمة «خادمة» أو لأي عمل آخر قد تجده لدى وصولها إلى نيويورك. أخبرت ماري المسؤولين في دائرة الهجرة، في جزيرة إيليس، أنها تخطط للإقامة في منطقة كوينز مع شقيقتها الكبرى كاترين، التي كانت قد تزوجت وأنجبت طفلاً منذ وقت قريب، وقالت ماري إنها تخطط أن تكون مقيمة دائمة، وتأمل في الحصول على جنسية البلد الذي اختارت العيش فيه.
بحلول 1929، كان الكونغرس قد أقر تشريعاً يقلص حصص المهاجرين من بلدان عدة، من بينها بعض الدول الأوروبية مثل ألمانيا. وسرعان ما طرد مئات الألوف من المكسيكيين. أما المهاجرون من الصين واليابان وأفريقيا والجزيرة العربية، فصارت فرصهم محدودة للحصول على الجنسية. وفي الوقت نفسه، رفع الكونغرس إلى الضعف تقريباً حصص المهاجرين من عدد من الجزر البريطانية. هكذا، لقي قدوم ماري، وهي المنحدرة من العرق المفضَّل من البيض البريطانيين، ترحيباً في الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة تغلق الأبواب بوجه الكثير من المهاجرين من مناطق أخرى.
بينما كانت ماري تعبر المحيط الأطلسي، واجهت سفينة ترانسلفانيا عاصفة عاتية. أخيراً، عندما وصلت السفينة إلى ميناء نيويورك، أثارت الأمطار المنهمرة بغزارة أمواجاً عاتية. وأدت الصواعق إلى انقطاع التيار الكهربائي، حتى عن مشعل تمثال الحرية، الذي كان رغم كل شيء يرحب بالفقراء وبالكادحين في العالم. في اليوم الذي وصلت فيه ماري إلى نيويورك، كانت القصة الرئيسية على الصفحة الأولى من صحيفة «نيويورك تايمز»، مطمْئِنة: «مرّت أسوأ أيام الكساد، هكذا يقول هوفر، بالتعاون نتغلب على المحنة Cooperation Lessening Distress». كان هوفر يعلق آماله على ازدهار حركة العمران، التي كان يصرّ على أنها تسارعت «أكثر مما كنا نأمل»،. لكن آماله كانت مفرطة في التفاؤل. وسرعان ما جرى إحلال حاكم نيويورك الديمقراطي فرانكلين ديلانو روزفلت Franklin Delano Roosevelt محله في البيت الأبيض، وتطلّب الأمر سنوات من التدخل الحكومي لإنقاذ أميركا من الكساد، ولكن كان هناك رجل يشارك هوفر آماله في حصول ازدهار عمراني، وهو شاب يدعى فريد ترمب Fred Trump، وكان ابناً لمهاجر ألماني، كما كان على وشك تكوين ثروة عن طريق بناء مساكن متواضعة في المنطقة نفسها من نيويورك التي أُرسلت إليها ماري ماكليود.
يبدأ الفصل الخاص بأسرة ترمب في القصة الأميركية الطويلة للعائلة من جدّ دونالد، فريدريك Friedrich. نشأ فريدريك في قرية تنتج الخمر وتقع جنوب غربي ألمانيا تدعى كالشتاد، وكانت القرية تبدو للوهلة الأولى خضراء ومزدهرة، لكنها كانت أصغر من أن تتسع لطموحات المراهق الذي سيصير جد دونالد ترمب لأبيه.
رغم ذلك، لم يكن فريدريك يرى لنفسه أي مستقبل في قرية بلاتِنت، وقرر الانضمام إلى ركب الألمان الباحثين عن حياة أفضل في الولايات المتحدة. قطع فريدريك مسافة 350 ميلاً صوب الشمال إلى بريمن، وهو ميناء يعج بالمهاجرين، وصعد إلى ظهر سفينة أيدر Eider. كانت السفينة الألمانية، ذات المدخنتين، العابرة للمحيط الأطلسي، متجهة نحو مدينة نيويورك، حيث سيلتحق بشقيقته الكبرى، كاترين، التي كانت قد تزوجت مهاجراً من كالشتاد. وصل فريدريك إلى نيويورك في التاسع عشر من أكتوبر (تشرين الأول) 1885. ورد في سجلات الهجرة أن مهنته كانت «مزارعاً»، وأن اسمه كان فريدريك ترمبف Trumpf، لكنه سرعان ما صار يُعرف باسم ترمب، وكان لا يتجاوز السادسة عشرة من العمر.



محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً