يتأمل موفق العبيدي بينما يقف عند مدخل منزله، الأعداد الهائلة للفارين من المعارك، والجرافات التي تزيل الأنقاض في المكان، لكنه يفضل البقاء في منزله رغم الدمار الهائل الذي لحق بمدينة الموصل واقتراب الجبهة من عتبة داره.
يتكئ الرجل المسن على عصاه، ويبتعد عن المدرعات العسكرية المحملة بالجنود القادمين لمحاربة تنظيم داعش على بعد مئات الأمتار عنه. في الشارع، بقايا صفائح معدنية وأسلاك كهربائية متدلية هنا وهناك. وتخفي بوابة منزله المعدنية العالية واحة لا يمكن تخيلها وسط الخراب الذي حل في حي الرفاعي الواقع في القسم الشمالي الغربي لمدينة الموصل.
وحسب وكالة الصحافة الفرنسية، يضم المنزل حديقة مع أشجار نخيل باسقة تحيط بها أشجار خضراء، وفي وسط الحديقة كرسي هزاز. لكن هذه الجنة الصغيرة لم تنجُ كذلك من آثار المعارك. مكان الماء في داخل نافورة تتوسط الحديقة، بقايا قرميد محطم، بينما تمزقت المظلة التي كانت تحمي مدخل المنزل من أشعة الشمس والمطر. في إحدى زوايا الحديقة، أنقاض مغسلة وكرسي محطم. ويقول الرجل البالغ من العمر 70 عاماً الذي عمل مقاولاً ويعيش مع زوجته وابنته وكلبهم وهرة صغيرة: «منزلي هو حياتي، ووطني وكياني».
ورغم أنه عاش تحت حكم «داعش» لأكثر من عامين ثم معارك لاستعادة المدينة، فإن المغادرة ليست في الحسبان بالنسبة للعبيدي. ويقول: «لدي كسر في فقرة من ظهري، أين تريدني أن أذهب؟... حتى لو ذهبت إلى منزل أحد أشقائي، سأكون عبئاً (...). لقد بنيت منزلي بيدي في عام 1985، كنت أعمل منذ كنت مراهقاً، إنه ثمرة جهد لأكثر من ستين عاماً».
لكنه في النهاية غادر منزله 3 أيام الأسبوع الماضي بعد أن أجبره مسلحو تنظيم داعش خلال محاولتهم صد تقدم القوات العراقية التي تخوض معارك منذ 8 أشهر لاستعادة مدينة الموصل من المتطرفين. ولم يبتعد كثيراً عن منزله إنما انتقل إلى حي يقع في نهاية الشارع، وعاد في صباح اليوم الثالث، قائلاً: «كنا 140 شخصاً هناك، لا أعرف كيف نمنا، لم أستطع الانتظار حتى أعود إلى منزلي مجدداً».
ويعتبر منزل العبيدي الراقي ثمرة نجاحه في عمله الذي حققه من خلال مصنع بلاط أنشأه في منطقة قوقجلي في الضواحي الشرقية لمدينة الموصل، التي استعادت القوات العراقية السيطرة عليها في منتصف يناير (كانون الثاني)، لكن لا أخبار عن مصير معمله.
في غرفة الاستقبال، جمع العبيدي، هاوي جمع التحف، مزهريات من كل الأحجام، لكن لم ينجُ البعض منها من شظية نتيجة اختراق صاروخ سقط على السطح. وبالنسبة إلى العبيدي، هذا ليس مهماً، لأن المعركة التي تدور حول جدران منزله تعني نهاية العوز والعنف تحت سلطة المتطرفين. وقال في هذا الصدد: «لم أرَ الطماطم أو بيضة منذ 4 أشهر، وأشياء بسيطة أخرى مثل البصل. إذا توفر، يصل سعر الكيلو منه إلى 20 ألف دينار (16 دولاراً) وزجاجة الزيت إلى 35 ألف دينار (28 دولاراً)».
ولا يوفر العبيدي الشتائم لتنظيم داعش، قائلاً إنهم «أناس وقحون وحقيرون وعديمو الرحمة ولا يحترمون أحداً».
ويشير إلى أنهم استخدموا منزله العزيز مركزاً للقتال. ويروي: «عندما اضطررنا إلى المغادرة، نسيت حقيبتي مع أوراقي، جواز سفري، فعدت لأخذها كانت هناك سيارة في مرآب المنزل... أنا متأكد من أنها كانت مفخخة». بعد أيام، اكتشف كميات من الصواريخ داخل قبو منزله.
وسيطرت القوات العراقية على الجزء الأكبر من الحي الذي يقطن فيه، لكن لم يبقَ أحد من سكانه في منزله. وقال: «بكيت عندما رأيت الناس حولي يفرون، وهم يحملون جرحى بعضهم يبلغ 90 عاماً».
ووسط أزيز الأسلحة الآلية وانفجارات قذائف الهاون، يتكل موفق العبيدي على الله وعلى المثل العربي القائل «من عاف داره قل مقداره»، أي بمعنى «من ترك منزله فقد قيمته».
8:28 دقيقه
عراقي يرفض ترك منزله في الموصل رغم اقتراب المعارك
https://aawsat.com/home/article/930881/%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A-%D9%8A%D8%B1%D9%81%D8%B6-%D8%AA%D8%B1%D9%83-%D9%85%D9%86%D8%B2%D9%84%D9%87-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%B5%D9%84-%D8%B1%D8%BA%D9%85-%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%B1%D9%83
عراقي يرفض ترك منزله في الموصل رغم اقتراب المعارك
العبيدي: إنه حياتي ووطني وكياني
عراقي يرفض ترك منزله في الموصل رغم اقتراب المعارك
مواضيع
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة


