التنين الصيني سيد «طريق الحرير» الجديد

مصر انضمت... ألمانيا عارضت... وتركيا تبحث عن أوراق قوة في مواجهة الغرب

التنين الصيني سيد «طريق الحرير» الجديد
TT

التنين الصيني سيد «طريق الحرير» الجديد

التنين الصيني سيد «طريق الحرير» الجديد

قطعت الصين خطوة مهمة على طريق تنفيذ مبادرة «الحزام والطريق للتعاون الدولي» التي تتضمن إعادة إحياء «طريق الحرير» التاريخي القديم عبر «طريق الحرير» الجديد الذي يربط 68 دولة من أفريقيا إلى آسيا إلى أوروبا.
هذه المبادرة تجسد الطموح الكبير للرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي كان وراء إطلاقها في عام 2013، وواصل منذ ذلك الوقت العمل على جمع الداعمين لها والراغبين في المشاركة في المشروع الضخم، الذي يرى معارضوه في الغرب، ولا سيما ألمانيا، أنه يهدف إلى هيمنة الصين اقتصاديا على العالم.
مبادرة «الحزام والطريق» التي عرفت عند إطلاقها عام 2013 باسم «حزام واحد وطريق واحد» هي في الأساس استراتيجية تنموية ترتكز على التواصل والتعاون بين الدول، وخصوصا بين الصين ودول أورآسيا (آسيا وأوروبا)، من خلال فرعين رئيسيين، هما «حزام طريق الحرير الاقتصادي البري» و«طريق الحرير البحري». وللعلم، تنفق الصين حاليا نحو 150 مليار دولار أميركي سنويا في الدول الـ68 التي وافقت على المشاركة في المبادرة.

أهداف المبادرة
يعتبر منتدى «الحزام والطريق للتعاون الدولي» الذي عقد في العاصمة الصينية بكين يومي الأحد والاثنين الماضيين أكبر وأوسع مؤتمر احتضنته جمهورية الصين الشعبية منذ تأسيسها عام 1949، وحمل شعار «التعاون من أجل الرخاء المشترك»، واستهدف توسيع أنظمة المعايير الفنية وخطط البنية التحتية للبلدان التي تقع في طريق «الحزام والطريق»، وتعزيز النقل المتكامل، وممرات النقل البرية والبحرية والجوية على صعيد القارات.
ولقد شارك في القمة أكبر عدد من الزعماء الأجانب الذين قصدوا بكين منذ دورة الألعاب الأولمبية التي استضافتها العاصمة الصينية عام 2008؛ إذ حضر 29 من قادة الدول و250 وزيرا ووفود من 110 دول.
القادة ناقشوا التعاون في مجالات مختلفة، وعلى رأسها البنية التحتية، والنقل، والاقتصاد والتجارة، والطاقة، وتوسيع أنظمة المعايير الفنية، وخطط البنية التحتية للبلدان التي تقع في طريق «الحزام والطريق»، وكذلك تعزيز النقل المتكامل، وممرات النقل البرية والبحرية والجوية على صعيد القارات، إلى جانب اتخاذ تدابير من أجل تذليل العقبات أمام التجارة والاستثمار بين البلدان الواقعة على طريق الحزام، وتعزيز التعاون الجمركي.
هذا، ويشمل المنتدى أيضا دعم المشروعات الثقافية والتكامل المالي في أكثر من 60 بلداً في شرق آسيا ووسطها وغربها وأيضاً جنوب أوروبا وغربها، كما يبلغ حجم ميزانية «صندوق طريق الحرير» الرامي إلى دعم المنتدى 40 مليار دولار، في حين تصل ميزانية البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية إلى 100 مليار دولار.
وانغ شياوتاو، نائب رئيس مفوضية التنمية والإصلاح الوطنية الصينية، قال في حديث لوكالة «شينخوا» الرسمية الصينية: إن الغرض من القمة «هو تأسيس قاعدة أكثر انفتاحا وكفاءة للتعاون الدولي، وشبكة أكثر قوة من الشراكات مع الدول المختلفة، والدفع باتجاه إنشاء نظام دولي أكثر عدلا وعقلانية واتزانا». وحقاً، ووفرت القمة فرصا للتوقيع على اتفاقيات تعاون مع دول ومنظمات دولية في مجالات التعاون المالي والعلوم والتكنولوجيا والبيئة وتبادل الخبرات.

طرق وممرّات
يتضمن الفرع البرّي – أي «طريق الحرير» البري – من المبادرة 6 ممرات، إضافة إلى «طريق الحرير» البحري. وهذه الممرات هي: الجسر البري الأوراسي الجديد الذي يمتد من غربي الصين إلى غربي روسيا، وممر الصين - منغوليا - روسيا الذي يمتد من شمالي الصين إلى شرقي روسيا، وممر الصين - آسيا الوسطى - آسيا الغربية الذي يمتد من غربي الصين إلى تركيا، وممر الصين - شبه جزيرة الهند الصينية الذي يمتد من جنوبي الصين إلى سنغافورة، وممر الصين - باكستان الذي يمتد من جنوب غربي الصين إلى باكستان، وممر بنغلاديش - الصين - الهند – ميانمار (بورما) الذي يمتد من جنوبي الصين إلى الهند.
أما «طريق الحرير» البحري فيمتد من الساحل الصيني عبر سنغافورة والهند باتجاه البحر المتوسط. وتجدر الإشارة إلى أن كثرة من الدول التي انضمت إلى المبادرة سبق لها أن انضمت إلى البنك الآسيوي للاستثمار في البنى التحتية الذي اقترحت الصين تأسيسه عام 2013. وكانت الصين قد قالت في عام 2015: إن أكثر من 160 مليار دولار من الاستثمارات هي قيد الدراسة أو التنفيذ بتمويل من البنك.

دوافع ومخاوف

في سياق متصل، يعد فائض الإنتاج الصناعي الصيني أحد أهم الدوافع التي تقف خلف مبادرة الحزام والطريق؛ فالصين تنتج نحو 1.1 مليار طن من الفولاذ سنوياً، وهذه كمية تعادل تلك التي تنتجها كل دول العالم الأخرى، إلا أنها لا تستهلك داخليا إلا 800 مليون طن. ويقدّر اتحاد غرف التجارة الأوروبية أن المبادرة ستستوعب 30 مليون طن من هذا الإنتاج الفائض فقط.
ثم أنه في أواخر عام 2014 خصّصت الصين 40 مليار دولار لصندوق طريق الحرير؛ بهدف البدء في تمويل مشروعات المبادرة التي تتجاوز تكلفتها الإجمالية تريليون دولار. ويقول بنك التنمية الصيني إنه يتابع بالفعل أكثر من 900 مشروع في 60 دولة تبلغ تكلفتها نحو 850 مليار دولار.
وأعلن مسؤولون صينيون، أن الاستثمارات الصينية المرتبطة بمبادرة طريق الحرير، بلغت 60 مليار دولار منذ عام 2013، وسيبلغ إجمالي الاستثمارات الصينية في الخارج ما بين 120 و130 مليار دولار سنوياً على امتداد السنوات الخمس المقبلة، جانب كبير منها موجه إلى الدول المشاركة في مشروع طريق الحرير؛ ما سيكون محركا كبيراً لتعاف مطرد في الاقتصاد العالمي والتجارة الحرة والاستثمار، بحسب وجهة النظر الصينية.

تحفظ ألماني غربي
في المقابل، قادت ألمانيا تيار التحفظ الغربي على مشروع «طريق الحرير» الذي طرحته الصين يوم الأحد في قمة الحزام والطريق. واشترطت تقديم ضمانات لحرية التجارة والمنافسة الشريفة، في حين قال الرئيس الصيني شي جينبينغ: إن مبادرة مشروع طريق الحرير هي «مشروع القرن»، وتعهد بأن تقدم بلاده 124 مليار دولار لتنفيذ مشروعات المبادرة.
وزيرة الاقتصاد والطاقة الألمانية بريغيته زيبريس (من الحزب الديمقراطي الاشتراكي) قالت في تصريحات صحافية ببكين الأحد الماضي إن بلادها لن توقع البيان المشترك لمبادرة الحزام والطريق التي اقترحتها بكين ما لم تتضمن الضمانات المطلوبة، وتحدثت عن وجود تحفظات أوروبية بشأن المبادرة الصينية.
في الإطار نفسه، أعرب بعض الدبلوماسيين الغربيين عن تحفظهم بشأن القمة ومشروع طريق الحرير الصيني؛ إذ اعتبروا أنها محاولة من بكين لزيادة نفوذها عالمياً. وأبدوا قلقهم بشأن شفافية المبادرة، ومدى إتاحتها الفرصة لمشاركة الشركات الأجنبية في المشروعات المطروحة.
غير أن الصين رفضت الانتقادات الموجهة لمبادرتها وللقمة، مؤكدة أن المشروع «مفتوح أمام الجميع على أساس مبدأ الربح لكل الأطراف بهدف إشاعة الرفاهية».

البيان الختامي
هذا، وأكد المنتدى في بيانه الختامي على «اعتماد المبادرة قواعد الشفافية وعدم التمييز ونظام التجارة المفتوحة ومتعددة الأطراف، الذي توجد في صميمه قواعد منظمة التجارة العالمية».
وفوق تعهد الرئيس الصيني بأن تقدم بلاده نحو 124 مليار دولار على شكل مساهمات وقروض لمشروعات طريق الحرير الجديد، أوضح أن بلاده ستقدم قرابة 15 مليار دولار لصندوق طريق الحرير الذي يستهدف تمويل بنية أساسية وشبكة تجارية عابرة للقارات. وأردف أن مصرفي «التنمية» و«التصدير والاستيراد» الصينيين سيقدمان قروضا بنحو 55 مليارا لتلك المشروعات، كما تعهد بتشجيع المؤسسات المالية على التوسع في أنشطة التمويل باليوان في الخارج بنحو 43 مليارا.

انضمام مصر
وبما يخص الدول العربية، شاركت مصر في منتدى «الحزام والطريق الدولي» لتعلن انضمامها إلى المبادرة الصينية. وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد أكد خلال زيارته للصين في ديسمبر (كانون الأول) 2014 دعم مصر لمبادرة الرئيس الصيني لإحياء «طريق الحرير»، منوهًا بأن القاهرة «تدعم مثل هذه المبادرات الإيجابية التي تستهدف تحقيق التعاون ومصالح الشعوب».
والواقع، أن انعقاد المنتدى جاء فرصة جيدة لمصر لعرض ما لديها من فرص وحوافز استثمارية، خصوصا بعد إقرار مجلس النواب قانون الاستثمار الجديد، وفي ظل الاهتمام الكبير من جانب الشركات الصينية للاستثمار في منطقة محور تنمية قناة السويس، التي تطمح مصر إلى تحويلها إلى منطقة صناعية ولوجيستية عالمية تكون جاذبة، وليس أن تظل مجرد ممر ملاحي.
وبالفعل، يعد المنتدى بوابة لجذب الاستثمارات ودعم قناة السويس، التي تعد جزءا رئيسيا من طريق الحرير البحري للقرن الـ21، إلا أنه في الوقت نفسه، بحسب الخبراء: «يعد جرس إنذار لصانع القرار في مصر». ذلك أن آليات التعاون بين الدول في ظل مبادرة الحزام والطريق تفتح طرقا أخرى برية بين آسيا وأوروبا تمر بعيدا عن مصر. وعلى سبيل المثال، أطلقت 27 مدينة صينية 51 خطا للسكك الحديدية يربط بين الصين و28 مدينة أوروبية. وتشير الأرقام الصينية إلى أنه من مارس (آذار) 2011 إلى أبريل (نيسان) 2017 تردد أكثر من 3 آلاف قطار بين الصين وأوروبا. ونقلت هذه القطارات السلع صغيرة الحجم بين الصين وأوروبا، خصوصا الهواتف وأجهزة الكومبيوتر المحمولة. وهو ما يعني ضرورة الإسراع في مشروعات محور قناة السويس لتظل الشريان الحيوي للتواصل بين آسيا وأوروبا.

حفاوة تركية
من جانب آخر، استقبلت تركيا مبادرة الحزام والطريق بترحيب شديد وحفاوة كبيرة. وقال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان: إن مشروع «الحزام والطريق» المعروف بـ«طريق الحرير الجديد» مبادرة «من شأنها القضاء على الإرهاب المتصاعد في العالم». وعبّر في كلمته أمام المنتدى عن ثقته بأن «طريق الحرير الجديد سيكون له دور مؤثر في المستقبل، بفضل أهدافه المتمثلة بربط آسيا وأوروبا وأفريقيا وحتى أميركا الجنوبية بعضها ببعض».
وأشار إردوغان إلى أن المشروع يشمل أكثر من 60 دولة على مساحة 40 مليون كيلومتر، ويطول 4.5 مليار نسمة من سكان العالم. ومن ثم، فهناك أهمية بالغة لتفعيله وفقًا لمفهوم «اربح –اربح». ولفت إلى أن تركيا تتمتع بموقع جغرافي مهم، وتعد نقطة تقاطع آسيا بأوروبا: «ولذا؛ تعتبر من أبرز الدول في نطاق طريق الحرير الاقتصادي، وهي ترغب في التعاون مع جميع الدول في هذا الإطار».
وكان إردوغان قد توجه إلى بكين في عطلة نهاية الأسبوع الماضي لحضور «منتدى الحزام والطريق» ونشر على صفحته على «تويتر» يوم الاثنين، قبل يوم واحد فقط من زيارته إلى واشنطن ولقاء الرئيس دونالد ترمب بالبيت الأبيض، سلسلة تغريدات باللغتين الإنجليزية والتركية، أفاض فيها في مدح خطة التنمية والبنية التحتية الدولية الجديدة التي يرعاها الرئيس الصيني شي جينبينغ. وما قاله الرئيس التركي «أعتقد أن منتدى الحزام والطريق، الذي سيعيد إحياء طريق الحرير القديم، سيترك بصمته على المستقبل عبر ربط القارات بعضها ببعض».
من جهة ثانية، رأى خبراء اقتصاديون أتراك أن «الصين قوة عالمية في مجالات التجارة والاقتصاد والصناعات الدفاعية بإمكانها ملء فراغ الغرب وأن بقاء تركيا بعيدة عن هذه القوة يعد خسارة لها». كذلك قال الخبير في شؤون العلاقات الدولية، أركين أكرم، في تعليق لـ«الشرق الأوسط»، أن تركيا «تستطيع التعاون مع الصين خلال الفترة المقبلة في المجالات الاقتصادية والسياسية والأمنية، ولا سيما في ظل تضارب مصالحها أخيراً مع الغرب والولايات المتحدة. كذلك، بإمكان جذب الاستثمارات الصينية ونقل تكنولوجيا هذا البلد من خلال إقامة تعاون وثيق مع سلطات بكين».
ولفت أكرم إلى أن مشروع طريق الحرير الذي سيصل الصين بالقارة الأوروبية مروراً بدول آسيا الوسطى «يشكل أهمية استراتيجية بالغة بالنسبة لبكين، وتتوافق المصالح التركية الصينية بشأن تنفيذ هذا المشروع، ولا سيما أن تركيا تولي أهمية كبيرة لعلاقاتها مع دول آسيا الوسطى».

منظمة شنغهاي
في السياق نفسه، تبدي تركيا اهتماما بالانضمام إلى «منظمة شنغهاي للتعاون»، التي أشار إردوغان غير مرة، وسط التوتر مع الغرب وحلف شمال الأطلسي (ناتو)، إلى إمكانية أن تتوجه تركيا إلى الانضمام إلى هذه المنظمة. وفعلاً، قال السفير الصيني في أنقرة يو هونغ يانغ: إن بلاده رحبت بفكرة انضمام تركيا إلى منظمة شنغهاي، وأبدت استعدادها للتعاون مع المسؤولين الأتراك في هذا الشأن. وبناءً عليه؛ يرى خبراء ومحللون أن التحالف مع بكين سيعود بالفائدة على إردوغان أكثر من أي تحالف مع موسكو أو طهران. وأن ثمة إمكانية في ترسيخ العلاقات بينهما في الوقت الذي تعمل فيه أنقرة على تلافي اعتمادها المفرط على واشنطن، كما تتطلع بكين إلى تعزيز حضورها الاقتصادي والدبلوماسي والعسكري في منطقة تزداد أهمية لمصالحها.
جدير بالذكر، أن إردوغان حضر مع 28 زعيماً، من بينهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ولم يحضر ترمب المنتدى، وقرر في اللحظة الأخيرة إيفاد ممثّل رفيع المستوى، هو ماثيو بوتنغر، أحد المسؤولين المخضرمين في مجلس الأمن الوطني، والخبير في الشؤون الصينية.
في هذه الأثناء، يعتقد بعض المراقبين أن رفض الرئيس الأميركي ترمب بعض اتفاقيات التجارة الدولية، مثل «الشراكة عبر المحيط الهادئ»، يضر بمصالح الولايات المتحدة في الساحة العالمية. وكتب إيلي راتنر، وهو متخصص في أبحاث الشؤون الصينية بمجلس العلاقات الخارجية الأميركي، تغريدة قال فيها «يقف شي جينبينغ في الوسط، ويحيط به بوتين وإردوغان. هل يشعر معارضو الشراكة عبر المحيط الهادئ بالسعادة الآن وهم يرون مَن يقود قارة آسيا ويتحكم فيها؟».

«طريق الحرير»... الماضي والمستقبل
* «طريق الحرير» يعرف بأنه شبكة طرق برية وبحرية بطول 12 ألف كيلومتر ربطت آسيا والشرق الأوسط وأوروبا لمئات السنين بروابط تجارية وثقافية ودينية وفلسفية تم من خلالها تبادل السلع والمنتجات، كالحرير، والعطور، والبخور، والتوابل وغيرها، وكذلك تبادل الثقافات والعلوم.
ولكن «طريق الحرير» كمصطلح حديث العهد نسبيا. ففي أواسط القرن الـ19 أطلق العالم الجيولوجي الألماني البارون فرديناند فون ريشتهوفن اسم «دي سيدينستراس» (أي طريق الحرير بالألمانية) على شبكة التجارة والمواصلات. ويعود الفضل في اكتشاف طريق الحرير للجنرال زانغ كيان الذي فتح الطريق الأول بين الصين والغرب في القرن الثاني قبل الميلاد، وكان في بعثة دبلوماسية أكثر منها تجارية؛ إذ أرسل الإمبراطور ودي من سلالة الهان عام 1399 قبل الميلاد زانغ كيان إلى الغرب لعقد تحالفات ضد شعوب غيونغنو، وهم الأعداء التاريخيون للصينيين، لكنهم قبضوا عليه وسجنوه. إلا أنه أفلح في الهرب بعد 13 سنة، وتمكّن من العودة إلى الصين.
وأُعجب الإمبراطور بكثرة التفاصيل التي قدمها الجنرال وبدقة تقاريره، فأرسله في بعثة أخرى لزيارة شعوب عدة مجاورة للصين، وهكذا شقّ زانغ كيان أول الطرق الممتدة من الصين حتى آسيا الوسطى.
كان طريق الحرير يتألف من مسلك بري وطريق بحري، وعمل كلاهما على تسهيل نقل سلع وأفكار جنوب وشرق آسيا إلى أوروبا، من الشاي الصيني إلى اختراعات مثل الورق والبارود والبوصلة، فضلا عن المنتجات الثقافية، مثل النصوص البوذية والموسيقى الهندية.
وشكلت تجارة الحرير أحد الدوافع الأولى لإقامة الطرق التجارية عبر آسيا الوسطى، وكانت الصين قد احتكرت إنتاج الحرير، وأبقت على سره نحو ثلاثة آلاف سنة، حتى إنها كانت تعدم كل من يتجرأ على إفشاء سرّ إنتاج الحرير لشخص غريب.
وتطورت طرق الحرير مع الزمن، ومع تبدل السياقات الجغرافية السياسية عبر التاريخ. كما شكلت التجارة البحرية فرعاً آخر اكتسى أهمية بالغة في هذه الشبكة التجارية العالمية، واشتهرت خاصة بنقل التوابل، حتى عرفت أيضاً باسم «طرق التوابل» وزودت أسواق العالم بالقرفة والبهار والزنجبيل والقرنفل وجوز الطيب المجلوبة كلها من جزر المولوك بأرخبيل إندونيسيا المعروفة أيضا باسم «جزر التوابل».
ومن ثم توسعت شبكة الطرق في مطلع القرون الوسطى، إذ شق بحارة شبه الجزيرة العربية مسالك تجارية جديدة عبر بحر العرب وداخل المحيط الهندي، وتيسّر مع الوقت ركوب البحر لمسافات طويلة بفضل الإنجازات التقنية التي تحققت في علم الملاحة والعلوم الفلكية وتقنيات بناء البواخر مجتمعة.
ولعبت طرق الحرير دورا في تلاقي الثقافات والشعوب وتيسير المبادلات بينها، وبخاصة أنه اضطر التجار إلى تعلم لغات وتقاليد البلدان التي سافروا عبرها، واستخدم الكثير من المسافرين هذه الطرق للدخول في عملية التبادل الفكري والثقافي التي كانت عامرة بالمدن الممتدة على طولها. وساهم التجار المسلمون الذين سلكوا المسالك المختلفة لطريق الحرير، في التعريف بالإسلام ونشره، فشيدوا المساجد في عدد من القرى والمدن الصينية، وبفضلهم اعتنق صينيون كثر الإسلام. وتذكر المصادر التاريخية أن مدينة شيان Xian التي تعد بداية «طريق الحرير»، كانت أول مدينة يدخلها الإسلام على يد التجار العرب. وأيضا، لعب العرب دورا محوريا في تجارة طريق الحرير بالنظر إلى موقعهم الجغرافي الرابط بين آسيا وأوروبا.
هذا، ومن أبرز الإنجازات التقنية التي خرجت من طرق الحرير إلى العالم تقنية صناعة الورق وتطور الصحافة المطبوعة. وتهدف مبادرة «طريق الحرير» الجديد، أو مبادرة «الحزام والطريق» و«طريق الحرير» البحري للقرن الـ21 - وتعرف اختصارا باسم «عبور» - لإحياء وتطوير طريق الحرير التاريخي عن طريق تشييد شبكات من الطرق وسكك الحديد وأنابيب النفط والغاز وخطوط الطاقة الكهربائية والإنترنت ومختلف البنى التحتية.



«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء وإعادة الإعمار ودعم النازحين. وفي حين أكد الحزب أنه «يعمل على برنامج خاص بهذا الملف متى توافرت الإمكانات المالية»، برزت في المقابل مواقف نيابية معارضة رأت في هذا الطرح إقراراً بعجز الحزب عن تحمّل الأعباء، وربطت أي معالجة مستدامة بإعادة الملف كاملاً إلى الدولة وحصر السلاح بيدها. يأتي هذا السجال في ظل استمرار معاناة متضررين ونازحين من الحرب، وفي وقت لم تتبلور فيه بعد آلية شاملة لتمويل إعادة الإعمار، وسط نقاش سياسي يتجاوز مسألة تأمين الأموال إلى تحديد المسؤوليات وشروط مساهمة الدولة والجهات المانحة.

النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله يغادر البرلمان اللبناني وسط بيروت 14 يونيو 2023 (رويترز)

تكشف أرقام جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» عن أن ملف إعادة الإعمار والإيواء في لبنان لا يرتبط بأضرار حرب 2026 وحدها، بل يأتي فوق خسائر حرب 2024 التي لم يكن لبنان قد انتهى من معالجتها. ففي عام 2024، بلغت الأضرار المادية المباشرة نحو 6.8 مليار دولار أميركي، بينها 4.6 مليار دولار في قطاع السكن، في حين قُدِّرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار، قبل أن تضيف الحرب الجديدة أضراراً واسعة إلى المباني والمساكن والبنى التحتية.

في الواقع، لا تتوافر حتى الآن حصيلة وطنية نهائية لتكلفة أضرار حرب 2026 أو احتياجات إعادة الإعمار، في ظل استمرار العمليات وتأخر اكتمال التقييمات. غير أن الأرقام المرحلية التي جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» تُظهِر أن الأضرار المباشرة في المباني تجاوزت، حتى شهر أبريل (نيسان) 2026، نحو 1.745 مليار دولار في جنوب لبنان وبيروت وجبل لبنان، بينها أكثر من 1.38 مليار دولار في الجنوب وحده، وأكثر من 365 مليون دولار في بيروت وجبل لبنان. وهذه أرقام جزئية لا تمثل التكلفة النهائية للحرب، ومن ثم، لا يمكن مقارنتها مباشرة بالتقييم الوطني الشامل لأضرار 2024.

أكثر من 21 ألف وحدة سكنية مُدمَّرة

تتبيّن خطورة الأزمة بصورة أوضح في القطاع السكني. إذ بلغ عدد المباني المدمّرة بالكامل 11 ألفاً و95 مبنى في المنطقة جنوبي نهر الليطاني، إضافة إلى 146 مبنى في بيروت وجبل لبنان. كذلك أظهرت التقييمات تدمير 17 ألفاً و891 وحدة سكنية بالكامل في جنوب لبنان، و3168 وحدة في بيروت وجبل لبنان، بما يزيد على 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن المناطق التي شملتها التقييمات حتى تلك المرحلة.

وتترافق هذه الخسائر مع كمّيات ضخمة من الرّكام، بلغت نحو 3.1 مليون متر مكعب في جنوب لبنان ونحو 649 ألف متر مكعب في بيروت وجبل لبنان. ويعني ذلك أن العودة لا ترتبط بإعادة بناء المنازل فحسب؛ إذ ستحتاج مناطق واسعة أولاً إلى إزالة الركام وتأهيل الطرق وشبكات المياه والكهرباء والخدمات الأساسية، قبل أن يصبح من الممكن إعادة السكان إليها بصورة مستقرة.

النزوح يوسّع أزمة الإيواء

ويتقاطع الدمار السكني هذا مع أزمة إيواء ونزوح واسعة. إذ وفق البيانات الدولية، نزح نحو مليون شخص داخلياً في بداية التصعيد، في حين عبر نحو 100 ألف شخص إلى سوريا. وحتى الأول من شهر سبتمبر (أيلول) 2026، بقي 329 ألفاً و240 شخصاً في حالة نزوح داخلي؛ الأمر الذي يعكس استمرار الحاجة إلى حلول إيواء مؤقتة ومتوسطة الأجل، ولا سيما للعائلات التي دمّرت منازلها أو باتت بلداتها تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العودة.

بلغ عدد المباني المُدمّرة بالكامل

11 ألفاً و95 مبنى

في المنطقة جنوبي نهر الليطاني

عودة إلى الأصل أي... الدولة

في هذا السياق، طرح الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم التزام الحزب بالمساهمة في تأمين الإيواء والإعمار للمتضرّرين في الجنوب، إلى جانب حثّ الدولة على القيام بدورها، وقال إن الحزب «سيعلن قريباً عن مساهمته في مشروع للإيواء».

إلا أن النائب إبراهيم منيمنة قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» معلّقاً إن «(حزب الله)، على مدى سنوات، كان يأخذ رصيد الحكومة ويجيّره لنفسه». وأشار إلى أنه «في عام 2006 كانت الدول العربية تؤمّن القسم الأكبر من التمويل، لكن (حزب الله) استغل بعض الثغرات في أداء الدولة وحاول أن يحوّل هذا الرصيد لنفسه». وأردف منيمنة: «أما الآن، فيعود إلى الأصل، وهو الدولة. الدولة هي التي ستقوم بإعادة الإعمار... وهذا اعتراف من الحزب بأنه لن يقدر على الاستغلال».

منيمنة، وهو من نواب بيروت، توقّف أيضاً عند كلام النائب حسن فضل الله - أحد نواب «حزب الله» ومنطقة الجنوب - عن أن الدولة لديها الأموال، فقال: «المفارقة عندما يقول (فضل الله) إن الدولة لديها المال، وكأنه يحاول أن يتّهم هذه الدولة بأنها لا تقوم بواجباتها في هذا الموضوع، فيما هو يعلم أن هذا الكلام ليس صحيحاً، وهم أي الحزب ممثلون في الحكومة، وبالتالي فإن كلام الحزب غير دقيق وشعبوي».

وتابع منيمنة: «مَن يريد اليوم أن يضع ملف إعادة الإعمار، فعليه أن يدخل أولاً إلى الحكومة ويناقشه فيها، وأن ينفّذ قرارات الحكومة، أو الدولة، المتعلّقة بحصر السلاح. هذه أول خطوة حتى تكون مدخلاً إلى إعادة الإعمار».

جدير بالذكر، أن النائب فضل الله، كان في وقت سابق قد شدّد على أنه «عندما يكون هناك حكومة في لبنان، فهي المسؤولة عن شعبها وعن كل مواطن على أرضها مهما كانت أسباب الحرب، سواء كنّا معها أو معارضة لها، علماً أن لديها الإمكانات والقدرات المالية والاقتصادية».

وأضاف: «وبدل أن تصرف هذه الإمكانات في مواضع في غير أماكنها، يمكنها أن تُسخّر جزءاً من الإمكانات لموضوع إعادة الإعمار والإيواء ولدعم النازحين. وهذه مسؤولية أساسية على الحكومة، ومهما كان الخلاف معها، سنحمّلها المسؤولية، ونحن نعمل من خلالها والمجلس النيابي، لتوفير ما أمكن من موارد مالية لأجل هذا الملف».

في المقابل، أوضح منيمنة أن «التردّد في إعادة الإعمار ليس لأن الدولة لا تقوم بواجباتها»، واستطرد: «أولاً، الدول المانحة التي ستساعد على الإعمار ليست مستعدة لأن تضع أموالاً ثم تحصل حرب جديدة. ومن ناحية ثانية، النقاش حول حصر السلاح لم ينتهِ ولم يُحسم هذا الموضوع... بالتالي، هذا الكلام، ولو أن فيه اعترافاً ضمنياً بدور الدولة، فهو في الدرجة الأساسية كلام منقوص»، موضحاً أن «هناك مسؤولية على (حزب الله) بأن يدخل فعلاً إلى الدولة من خلال ملف حصر السلاح».

وعن مسؤولية «حزب الله» تجاه تعويض المتضررين، قال منيمنة: «برأيي، هو أساساً في هذا المجال لم يفِ بوعوده، والناس في حالة تذمّر لأنه لا يوجد تمويل، حتى لأعمال الإيواء، خصوصاً للناس الذين ما زالوا مهجرين... وواضح أن (حزب الله) غير قادر اليوم على القيام بهذا الملف، وبما أنه لم يعد قادراً، فقد تخلّى عنه».

الحكومة مسؤولة عن شعبها

وفي موازاة ذلك، يتردد في أوساط داخل بيئة «حزب الله» أن الحزب يعد خلال الفترة القريبة المقبلة لتقديم مساعدة نقدية للمتضرّرين، تُطرح على أنها «هدية تعويض»، من دون أن يصدر حتى الآن إعلان رسمي يحدد قيمتها أو الفئات التي ستشملها أو موعد بدء توزيعها.

وكان واضحاً في تصريح نعيم قاسم الأخير أن الحزب «سيسهِم»؛ ما يعني أنه لن يكون المموّل، بل ينتظر الدولة التي قاله إنه لن يتوقّف عن حثّها على إعادة الإعمار.

في سياق متصل، يتقاطع موقف النائب مارك ضو، النائب عن جبل لبنان، مع قراءة منيمنة لانتقال الحزب إلى التعويل على الدولة؛ إذ قال لـ«الشرق الأوسط» إن تحميل «حزب الله» الحكومة مسؤولية ملف إعادة الإعمار «يشكّل تأكيداً على عجزه»، معتبراً أن انتقاله إلى التعويل الكامل على الدولة يعكس عجزه عن تحمّل تبعات ما حصل.

وأضاف ضو: «عندما يصبح كل الاتكال على الحكومة، ويقال إن الاعتماد الآن عليها، فهذا تأكيد واضح على العجز». وتابع: «هو (أي حزب الله) يطالب الدولة والحكومة بتحمّل مسؤولية إعادة الإعمار، في حين أنه لا يتعامل معهما على هذا الأساس في ممارسته السياسية... والنتيجة، أنه يريد من الدولة أن تتولّى إعادة إعمار ما نتج عن أخطائه وأفعاله».

مسارات أخرى قبل تحميل الخزينة التكلفة

بدوره، قال النائب أديب عبد المسيح لـ«الشرق الأوسط» إن «(حزب الله) يتنصّل من مسؤوليته في ملف إعادة الإعمار، ويحاول تحميل الدولة واللبنانيين تبعات حرب كان هو سببا أساسياً في اندلاعها»، معتبراً أن أمام الحزب أكثر من مسار لمعالجة هذا الملف بدلاً من مطالبة الدولة بتحمل التكلفة كاملة.

وقال عبد المسيح، وهو من نواب شمال لبنان: «(حزب الله) ممثل في الحكومة بوزيرين، فليتفضّل وزيراه ويطالبا بقرار حكومي لإعادة الإعمار، وليحاولا تأمين إجماع حكومي على هذا الموضوع. إذا كانا قادرين على ذلك، فليفعلا».

ثم أضاف: «إذا لم يتمكّن الحزب من تأمين إجماع الحكومة على إعادة الإعمار، فهناك مسارات أخرى. أولاً، عليه أن يتحمّل مسؤوليته؛ لأنه هو من ورّط لبنان وفتح النار على إسرائيل وتسبب بهذه الحرب. وثانياً، لديه الإيرانيون، ويمكن لوزير الخارجية أن يتحرّك للمطالبة بتعويضات من الدولة الإيرانية عن الأضرار، باعتبار أن (الحرس الثوري) الإيراني حاضر على الأراضي اللبنانية عبر دعمه للحزب».

وتابع عبد المسيح: «هناك أيضاً إسرائيل، وهي المسبّب المباشر للدمار. يمكن اللجوء إلى المسارات والمحاكم الدولية للمطالبة بالحقوق والتعويضات، وعند تحصيلها تُستخدم في إعادة إعمار الجنوب. هذه حلول عملية يمكن العمل عليها».

وشدّد النائب عبد المسيح على رفضه أن تتحمّل الخزينة اللبنانية وحدها تكلفة إعادة الإعمار، قائلاً: «أما أن تتحمّل الدولة اللبنانية المسؤولية في النهاية، وأن تأخذ الضرائب من الناس، فأنا أدفع وأنت لإعادة إعمار الجنوب، فهذا لن يحدث أبداً».

ورأى أن الحزب «يتنصّل» من مسؤوليته؛ إذ «يبدأ اليوم بالمطالبات والتحركات، وقد تتحول غداً تحركات في الشارع ضد الحكومة أو ضد الجيش، بحيث يحاول، بدلاً من أن يتحمل المسؤولية، أن يحملها لغيره... هذا أمر واضح مائة في المائة. يبدأ الأمر بهذه المطالبات، ثم يجري تنظيم التحرّكات على الموجة نفسها، في محاولة للظهور كجزء من المعارضة والمطالبة بحقوق شبيهة بحقوق موظفي الدولة أو سائر اللبنانيين، في حين كان الحزب أساسياً في هذه الحرب، وليس مجرد طرف عادي فيها».

الحرب تقوّض الاقتصاد اللبناني

ختاماً، يأتي اتساع حاجات الإيواء والإعمار في وقت تراجعت قدرة الاقتصاد اللبناني والدولة على تحمل أعباء إضافية. إذ تشير الأرقام إلى توقع انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 6.4 في المائة خلال 2026، في حين تضاف احتياجات الحرب الحالية إلى فاتورة إعادة إعمار 2024 المقدرة أصلاً بنحو 11 مليار دولار.بناءً عليه؛ لم يعد الملف مقتصراً على تعويض أصحاب المنازل المتضررة، بل صار يشمل تأمين الإيواء للنازحين، وإزالة ملايين الأمتار المكعبة من الركام، وإعادة تأهيل الخدمات والبنى التحتية، ثم إعادة بناء آلاف المباني وأكثر من 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن نطاق التقييمات المُنجزة حتى الآن.


سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
TT

سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.

بعد أقل من ثلاثة أسابيع، تواجه السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز معركة الفوز بولاية سادسة في مجلس الشيوخ عن ولاين ماين، بأقصى شمال شرقي الولايات المتحدة، أمام منافسها الديمقراطي تروي جاكسون. بعد نحو ثلاثة عقود في المجلس، تدافع كولينز (73 سنة) عن سجل طويل من الخدمات والتسويات، في حين يتساءل ناخبون اعتادوا تأييدها إن كان إخراج الجمهوريين من قيادة المجلس الطريق الأجدى لتقييد الرئيس دونالد ترمب؟ وبين الحسابين، تتجاوز المعركة مستقبلها الشخصي لتطرح سؤالاً أوسع: هل تكفي الثقة بالسياسي حين يفقد الناخب ثقته بالحزب الذي ينتمي إليه؟

كولينز المولودة في السابع من ديسمبر (كانون الأول) 1952 في كاريبو، أقصى شمال ماين، واحدة من ستة أبناء لعائلة ارتبط اسمها بتجارة الأخشاب والخدمة العامة. تولّى والدها ووالدتها رئاسة بلدية المدينة، وخدم الأب في المجلس التشريعي للولاية. هناك، قرب الحدود الكندية، تشكلت صلتها بمجتمع صغير يعرف ممثليه بأسمائهم ويحاسبهم على ما يقدمونه لحياته اليومية. لكن هذه الصلة تواجه اليوم اختباراً صعباً، مع تحول مقعدها ساحة صراع على الأغلبية، وعلى مكان الوسطيين في سياسة أميركية قد تصبح فيها هوية الحزب أهم من شخصية ممثله.

من بلدة كاريبو ...إلى واشنطن

تخرجت كولينز في جامعة سانت لورانس الصغيرة الراقية بريف ولاية نيويورك عام 1975، وبدأت العمل مع النائب الجمهوري وليام كوهين (وزير الدفاع فيما بعد)، ثم انتقلت معه إلى مجلس الشيوخ.

ولاحقاً، تولت كولينز مسؤولية التنظيم المهني والمالي في حكومة ماين، ثم إدارة المكتب الإقليمي لوكالة المشاريع الصغيرة بتعيين من الرئيس جورج بوش الأب. ثم عام 1996، انتُخبت لخلافة كوهين في مجلس الشيوخ، لتبدأ مسيرة جُددت أربع مرات. وهي متزوجة من توماس دافرون، وتقيم في مدينة بانغور بولاية ماين.

بيد أن هذه التفاصيل ليست مجرد محطات في سيرة ذاتية؛ إذ تكونت سياسياً داخل «التيار التقليدي» في الحزب الجمهوري، الذي يعوّل على الخبرة التشريعية واحترام المؤسسات والتفاوض مع الديمقراطيين لإنجاز التسويات. ولم تبنِ حضورها على الخطب الصاخبة أو «التعبئة» ضد واشنطن، بل على معرفة طرقها: كيف تُكتب التشريعات، وتُجمع الأصوات، وتُنتزع المخصّصات لولاية صغيرة.

وحقاً، تلخص كولينز خلال لقاء مع الـ«واشنطن بوست»، هذه النظرة بقولها: «هناك من يعملون، وهناك من يستعرضون»، واضعة نفسها في الفئة الأولى. ثم تقول إن خطاباً نارياً يرفع شعبية صاحبه على وسائل التواصل الاجتماعي لا يغير بالضرورة النتيجة. وهذه حجة شخصية عامة مخضرمة في زمن يكافئ المواجهة العلنية، وأحياناً يعتبر التفاوض والمساومة بعيداً عن الكاميرات ضعفاً.

غير أن تداخل الأسرة والمهنة والمؤسسة، الذي منحها جذوراً وثباتاً، يسمح لخصومها أيضاً بتصويرها ممثلة لطبقة سياسية استقرت طويلاً في السلطة. فالأقدمية في حملتها رصيد يحمي مصالح ولايتها، لكنها في حملة منافسها جاكسون تطرح سؤالاً عمّا إذا كانت الخبرة ما زالت تنتج تغييراً يشعر به الناس.

استقلالية قيد المحاكمة

والواقع، أنه يصعب اعتبار كولينز «تابعاً» لترمب؛ إذ تقول حملتها إنها لم تصوّت له قط، بل كانت ضمن الجمهوريين الذين أيّدوا محاولة عزله الثانية عام 2021. كذلك خالفت إدارته في تصويتات مهمة، بينها رفض تعيين بيت هيغسيث وزيراً للحرب، ورفض النسخة النهائية من تشريع الضرائب والإنفاق الكبير عام 2025. ولها أيضاً سجلٌ يتجاوز الاعتراض؛ فقد قادت مع السيناتور جو مانشين - الذي كان آنذاك من أبرز الديمقراطيين اليمينيين قبل مغادرته الحزب -، مساراً مشتركاً لتعديل قانون فرز الأصوات الانتخابية. وأقرّ التعديل عام 2022 لمعالجة ثغرات كشفت عنها أزمة انتقال السلطة، إثر رفض ترمب الإقرار بهزيمته أمام جو بايدن وترويجه ادعاءات بتزوير انتخابات 2020. وهذه وظيفة مؤسساتية للوسط: تحويل الخلاف إلى قواعد يمكن أن يقبلها الطرفان.

لكن منتقديها يميّزون بين مخالفة الرئيس ومنعه. ووفق تحليل في الـ«نيويورك تايمز»، فإنها تعارض سياساته في التصويت أكثر من سائر الجمهوريين، لكن معارضتها نادراً ما تبدّل النتيجة. وهنا تنتقل المحاكمة من النيات إلى الفعل... فما معنى الاستقلالية إذا بقيت الإدارة قادرة على تنفيذ ما تعترض عليه؟

وتظل قضية الإجهاض الجرح الأعمق في تقييمها. فكولينز تؤيد حقوق الإجهاض، لكنها دعمت تثبيت القاضي المحافظ بريت كافانو عام 2018، قبل أن يشارك في قرار المحكمة العليا الذي ألغى الحماية الدستورية الفيدرالية لهذا الحق عام 2022. ودفاعها المستمر عن ذلك التصويت يعيد فتح مسألة الثقة لدى ناخبين يرون أن تطميناتها لم تصمد أمام النتائج.

مع ذلك، ليس كل تصويت خاسر مسرحية سياسية، كما أن ليس كل اعتراض دليلاً كافياً على المقاومة. فالشيخ لا يملك منفرداً غالبية المجلس. أما السؤال المشروع، فهو ما إذا كانت كولينز تستخدم كامل نفوذها لفرض حدود على الإدارة، أم تكتفي بمسافة محسوبة تسمح لها بالبقاء داخل ائتلافها؟ حسب المنتقدين.

ترمب على مائدة الناخب

وبالفعل، تبدو هذه المناقشة أقل تجريداً في ماين، حيث تتقاطع السياسات الرئاسية مع فواتير التدفئة والتجارة والسياحة عبر الحدود. فالحرب مع إيران رفعت تكلفة الوقود، في حين وضعت الرسوم على كندا مصالح محلية أمام ضغوط إضافية. وباتت كولينز مطالبة بمعالجة أزمات تخلقها الإدارة التي ينتمي حزبها إليها.

وفي حين ضغطت لتسريع مساعدات التدفئة للأسر محدودة الدخل، وسعت إلى استثناء الملح الذي يُرش على الطرق في فصل الشتاء من الرسوم الجمركية، حوّل منافسها جاكسون، الحطّاب والرئيس السابق لمجلس شيوخ الولاية، إنجازها إلى عبارة هجومية مؤداها أن «سكان ماين لا يستطيعون أكل ملح الطرق»، في حرصه على نقل النقاش من الاستثناءات التي تنتزعها إلى السياسات التي تجعلها ضرورية.

وفي مناظرتهما الثالثة مساء الثلاثاء، برز مجدداً ملف الهجرة بعد مقتل مهاجر برصاص أحد عناصر إنفاذ قوانين الهجرة (أيس) في بلدة بيدفورد خلال يوليو (تموز). وأقرّت كولينز بأن الإدارة نشرت أعداداً كبيرة من العناصر من دون تدقيق مناسب في اختيارهم، في حين حمّلها جاكسون مسؤولية سياسية عن التمويل.

وفي ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها مسافة عن إدارته. لكن انتقالها من تأييد الحرب في البداية إلى دعم تقييد صلاحياته العسكرية يمنح خصمها فرصة للسؤال عن توقيت الاعتراض، لا عن وجوده وحده.

في المقابل، تهاجم كولينز سجلّ جاكسون التشريعي وتحمّله مسؤولية سياسات تقول إنها رفعت تكاليف الطاقة والسكن. وبالتالي، ما عادت المواجهة بين مرشحة بلا إنجازات وخصم بلا سجل، بل بين تفسيرين للغلاء وللجهة الأقدر على تخفيفه: نفوذ جمهوري داخل الإدارة، أم غالبية ديمقراطية تراقبها وتواجهها.

غالبية أم جسر؟

عام 2020، فازت كولينز بفارق نحو 9 نقاط مئوية، في حين خسر ترمب ولاية ماين بفارق مماثل. يومها استطاع الناخب أن يرفض الرئيس ويحتفظ بالسيناتورة على ورقة الاقتراع نفسها. أما الآن، فلا انتخابات رئاسية تتيح الفصل ذاته، بل أصبح مقعدها إحدى الأدوات المباشرة لمعاقبة البيت الأبيض.

وفي تحقيقات للـ«نيويورك تايمز» والـ«واشنطن بوست»، تلتقط شهادات الناخبين هذه النقلة، حيث لا ينكرون خدماتها ولا يشككون في كفاءتها، لكنهم يريدون ببساطة مجلساً يضع قيوداً على ترمب. في المقابل، لا يزال ديمقراطيون ومستقلون يعدّونها ممثلة موثوقة، ويرفضون التضحية بها لمجرد انتمائها الحزبي. من هنا، يرى البعض أن خسارتها قد تبدو ربحاً واضحاً للديمقراطيين في حساب المقاعد، لكنها تحمل احتمال خسارة شريكة تفاوض داخل الحزب الآخر. ولا تناقض حتمياً بين الأمرين: يستطيع الديمقراطي أن يقدّر دورها، ثم يرى أن تغيير الأغلبية أرجح كفة من الاحتفاظ بذلك الدور.

وبالمثل، لن يكون فوزها هزيمة صافية لترمب؛ فهو يحتفظ للجمهوريين بمقعد بالغ الأهمية، وربما يساعدهم على حماية الغالبية. لكنه سيبرهن أيضاً على أن الفوز في بعض الولايات يتطلب الابتعاد عن الرئيس، وأن الصيغة الجمهورية القابلة للتسويق وطنياً ليست بالضرورة الصيغة الأكثر ولاءً له.

وتزداد المفارقة مع رئاسة كولينز لجنة المخصصات في مجلس الشيوخ. فهي تطلب من الناخب حماية نفوذ يصعب تعويضه سريعاً، في حين يردّ خصومها بأن النفوذ يقاس بما يمنعه أيضاً. وإذا استطاعت الإدارة تعطيل إنفاق أقره الكونغرس أو الالتفاف على أولوياته، تغدو قدرة كولينز على حماية صلاحيات الكونغرس في إقرار الإنفاق جزءاً من تقييم نفوذها نفسه.

بل حتى الطرفان اللذان يريدان حسم المعركة يجدان نفسيهما أمام حسابات متعارضة: فالجمهوريون يحتاجون إلى أصوات ناخبين ينفرون من زعيمهم، والديمقراطيون يحتاجون إلى إقناع ناخبين بأن إعجابهم بسيناتورة جمهورية لا ينبغي أن يتقدّم على تغيير اتجاه الحكم.

الوسط يبحث عن جدواه

بالتالي، لا تعني هذه المعركة أن الساحة خلت تماماً من الوسطيين، ولا أن الشعبوية احتكرت الحزبين بالقدر نفسه. كما أن الوسطية ليست مرادفاً دائماً للانتماء إلى المؤسسة. فقد يكون السياسي المخضرم شديد الحزبية، وقد يكون جديداً وقادراً على بناء تسويات. وجاكسون - نفسه الذي ينافس كولينز - يعقّد الثنائية المبسطة. فهو تقدمي طبقي، لكنه صاحب خبرة في قيادة مؤسسة تشريعية. ولذلك؛ لا يكفي وضعه في خانة الشعبوية ثم اعتبار هزيمة كولينز إذا حصلت، دليلاً تلقائياً على انتصار التطرف. فالاختبار الأهم هو ما سيقدمه الفائز من سياسات، وكيف سيتعامل مع حدود السلطة وخصومه.

مع ذلك، تكشف كولينز عن أزمة حقيقية في نموذج الوساطة القديم. فحين يُطالب الناخب بمنع قرار يمس حقوقه أو معيشته، لا تكفيه الإشارة إلى حوار مستمر مع صانعيه. بل يحتاج المعتدل إلى شرح الرابط بين قدرته على الوصول إلى المسؤولين وقدرته على تغيير ما يفعلونه، وإلّا بدت التسوية امتيازاً لأهل السياسة لا منفعة للمواطنين.

وفي صورة ساخرة من الحملة، وصل خطأً إعلان يهاجم جاكسون، موَّلته مجموعة جمهورية، إلى مدينة بورتلاند بولاية أوريغون بدلاً من مدينة بورتلاند في ماين. ثم صحح الخطأ وأعيدت الأموال، لكنه أتاح لخصوم كولينز التشكيك في اتصال حلفائها بالولاية. وهذه واقعة صغيرة في سباق يختبر صدقية القرب من الناس.

الأرجح، أن انتخابات ماين لن تحسم مصير الاعتدال الأميركي، لكنها ستكشف عن الشروط الجديدة لبقائه. فنجاة كولينز ستعني أن الرصيد الشخصي والخدمات والاستقلال النسبي ما زالت قادرة على مقاومة الاستقطاب. وخسارتها ستشير إلى أن ناخبين باتوا يفضّلون تغيير ميزان السلطة على الاحتفاظ بوسيط داخلها.


وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
TT

وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)

لا يواجه جميع المعتدلين نسخة مطابقة لاختبار السيناتورة سوزان كولينز في ولاية ماين؛ إذ بعضهم يحاول النجاة في دوائر تميل إلى الحزب الآخر، وبعضهم الآخر يدافع عن استقلاليته أمام قاعدته. ومن أبرز هؤلاء من دون افتراض أن فرصهم الانتخابية ومواقفهم متساوية، الساسة التالية أسماؤهم:

• النائب الجمهوري براين فيتزباتريك في بنسلفانيا، الذي يمثل الدائرة الأولى ويواجه الديمقراطي بوب هارفي، المفوض في مقاطعة باكس والمدرّس السابق. يبني العضو السابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي صورته على العمل عبر الحزبين ومخالفة ترمب في ملفات محددة. لكن خصمه يسعى إلى تحويل الاقتراع من تقييم لشخص النائب إلى حكم على الغالبية الجمهورية. ومع ذلك، لا يصح افتراض أن مجرد تشابه مأزقه مع كولينز يجعل حظوظهما متطابقة.

• النائب الجمهوري مايك لولر في نيويورك، يخوض مواجهة مع الديمقراطية كيت كونلي، صاحبة الخبرة العسكرية والأمنية، في الدائرة السابعة عشرة التي فازت فيها كامالا هاريس عام 2024. لولر يقدم نفسه جمهورياً براغماتياً قادراً على العمل مع الديمقراطيين، لكنه يحتاج إلى الاحتفاظ بالقاعدة الجمهورية أيضاً. امتحانه هو إقناع الناخب بأن استقلاله يترك أثراً ملموساً، في حين تسعى منافسته إلى جعل العلاقة بترمب محور الاختبار.

• النائبة الديمقراطية ماري غلوسنكامب بيريز في ولاية واشنطن، التي تواجه الجمهوري جون براون في الدائرة الثالثة، وتقدم نموذجاً معكوساً لكولينز؛ فهي ديمقراطية تحاول الاحتفاظ بدائرة أيدت ترمب، وتستند إلى خطاب محلي واهتمام بالمهن والتكاليف اليومية، وتخالف حزبها في بعض القضايا. لكن استمالة المحافظين لا تضمن رضا الديمقراطيين، وقد وثّقت الإذاعة العامة المحلية استياء ناخبين من خيارات السباق. ويكشف اختبارها أن بناء ائتلاف عابر للحزبين يحتاج إلى بقاء قاعدة متحمسة، لا مجرد الوصول إلى الطرف الآخر.

• النائب الديمقراطي دون ديفيس في نورث كارولينا، يواجه الجمهورية لوري باكهاوت في الدائرة الأولى، بعدما جعلت إعادة ترسيم الخريطة الانتخابية التي فرضها الجمهوريون، الفوز فيها أكثر صعوبة على الديمقراطيين. ديفيس يروّج لوسطيته، لكن الخريطة تضع حدوداً لما تستطيع السمعة الشخصية تحقيقه.

توضح هذه الحالات أن بقاء الوسط لا يعتمد فقط على اعتدال الناخبين، بل هو يتأثر بحدود الدوائر، وصورة الرئيس، وتعبئة القواعد، وقدرة المرشح على تحويل المخالفة الحزبية إلى منفعة مفهومة... ثم إن فوز معتدل من حزب قد يعني هزيمة معتدل من الآخر، لا انتصاراً تلقائياً على التطرف. لذلك قد يكون الاختبار الأعمق بعد الانتخابات: هل يملك الناجون استعداداً ونفوذاً لبناء تشريعات مشتركة، أو تفرض معركة الغالبية عليهم العودة إلى الاصطفاف الذي وعدوا ناخبيهم بتجاوزه؟