التنين الصيني سيد «طريق الحرير» الجديد

مصر انضمت... ألمانيا عارضت... وتركيا تبحث عن أوراق قوة في مواجهة الغرب

التنين الصيني سيد «طريق الحرير» الجديد
TT

التنين الصيني سيد «طريق الحرير» الجديد

التنين الصيني سيد «طريق الحرير» الجديد

قطعت الصين خطوة مهمة على طريق تنفيذ مبادرة «الحزام والطريق للتعاون الدولي» التي تتضمن إعادة إحياء «طريق الحرير» التاريخي القديم عبر «طريق الحرير» الجديد الذي يربط 68 دولة من أفريقيا إلى آسيا إلى أوروبا.
هذه المبادرة تجسد الطموح الكبير للرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي كان وراء إطلاقها في عام 2013، وواصل منذ ذلك الوقت العمل على جمع الداعمين لها والراغبين في المشاركة في المشروع الضخم، الذي يرى معارضوه في الغرب، ولا سيما ألمانيا، أنه يهدف إلى هيمنة الصين اقتصاديا على العالم.
مبادرة «الحزام والطريق» التي عرفت عند إطلاقها عام 2013 باسم «حزام واحد وطريق واحد» هي في الأساس استراتيجية تنموية ترتكز على التواصل والتعاون بين الدول، وخصوصا بين الصين ودول أورآسيا (آسيا وأوروبا)، من خلال فرعين رئيسيين، هما «حزام طريق الحرير الاقتصادي البري» و«طريق الحرير البحري». وللعلم، تنفق الصين حاليا نحو 150 مليار دولار أميركي سنويا في الدول الـ68 التي وافقت على المشاركة في المبادرة.

أهداف المبادرة
يعتبر منتدى «الحزام والطريق للتعاون الدولي» الذي عقد في العاصمة الصينية بكين يومي الأحد والاثنين الماضيين أكبر وأوسع مؤتمر احتضنته جمهورية الصين الشعبية منذ تأسيسها عام 1949، وحمل شعار «التعاون من أجل الرخاء المشترك»، واستهدف توسيع أنظمة المعايير الفنية وخطط البنية التحتية للبلدان التي تقع في طريق «الحزام والطريق»، وتعزيز النقل المتكامل، وممرات النقل البرية والبحرية والجوية على صعيد القارات.
ولقد شارك في القمة أكبر عدد من الزعماء الأجانب الذين قصدوا بكين منذ دورة الألعاب الأولمبية التي استضافتها العاصمة الصينية عام 2008؛ إذ حضر 29 من قادة الدول و250 وزيرا ووفود من 110 دول.
القادة ناقشوا التعاون في مجالات مختلفة، وعلى رأسها البنية التحتية، والنقل، والاقتصاد والتجارة، والطاقة، وتوسيع أنظمة المعايير الفنية، وخطط البنية التحتية للبلدان التي تقع في طريق «الحزام والطريق»، وكذلك تعزيز النقل المتكامل، وممرات النقل البرية والبحرية والجوية على صعيد القارات، إلى جانب اتخاذ تدابير من أجل تذليل العقبات أمام التجارة والاستثمار بين البلدان الواقعة على طريق الحزام، وتعزيز التعاون الجمركي.
هذا، ويشمل المنتدى أيضا دعم المشروعات الثقافية والتكامل المالي في أكثر من 60 بلداً في شرق آسيا ووسطها وغربها وأيضاً جنوب أوروبا وغربها، كما يبلغ حجم ميزانية «صندوق طريق الحرير» الرامي إلى دعم المنتدى 40 مليار دولار، في حين تصل ميزانية البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية إلى 100 مليار دولار.
وانغ شياوتاو، نائب رئيس مفوضية التنمية والإصلاح الوطنية الصينية، قال في حديث لوكالة «شينخوا» الرسمية الصينية: إن الغرض من القمة «هو تأسيس قاعدة أكثر انفتاحا وكفاءة للتعاون الدولي، وشبكة أكثر قوة من الشراكات مع الدول المختلفة، والدفع باتجاه إنشاء نظام دولي أكثر عدلا وعقلانية واتزانا». وحقاً، ووفرت القمة فرصا للتوقيع على اتفاقيات تعاون مع دول ومنظمات دولية في مجالات التعاون المالي والعلوم والتكنولوجيا والبيئة وتبادل الخبرات.

طرق وممرّات
يتضمن الفرع البرّي – أي «طريق الحرير» البري – من المبادرة 6 ممرات، إضافة إلى «طريق الحرير» البحري. وهذه الممرات هي: الجسر البري الأوراسي الجديد الذي يمتد من غربي الصين إلى غربي روسيا، وممر الصين - منغوليا - روسيا الذي يمتد من شمالي الصين إلى شرقي روسيا، وممر الصين - آسيا الوسطى - آسيا الغربية الذي يمتد من غربي الصين إلى تركيا، وممر الصين - شبه جزيرة الهند الصينية الذي يمتد من جنوبي الصين إلى سنغافورة، وممر الصين - باكستان الذي يمتد من جنوب غربي الصين إلى باكستان، وممر بنغلاديش - الصين - الهند – ميانمار (بورما) الذي يمتد من جنوبي الصين إلى الهند.
أما «طريق الحرير» البحري فيمتد من الساحل الصيني عبر سنغافورة والهند باتجاه البحر المتوسط. وتجدر الإشارة إلى أن كثرة من الدول التي انضمت إلى المبادرة سبق لها أن انضمت إلى البنك الآسيوي للاستثمار في البنى التحتية الذي اقترحت الصين تأسيسه عام 2013. وكانت الصين قد قالت في عام 2015: إن أكثر من 160 مليار دولار من الاستثمارات هي قيد الدراسة أو التنفيذ بتمويل من البنك.

دوافع ومخاوف

في سياق متصل، يعد فائض الإنتاج الصناعي الصيني أحد أهم الدوافع التي تقف خلف مبادرة الحزام والطريق؛ فالصين تنتج نحو 1.1 مليار طن من الفولاذ سنوياً، وهذه كمية تعادل تلك التي تنتجها كل دول العالم الأخرى، إلا أنها لا تستهلك داخليا إلا 800 مليون طن. ويقدّر اتحاد غرف التجارة الأوروبية أن المبادرة ستستوعب 30 مليون طن من هذا الإنتاج الفائض فقط.
ثم أنه في أواخر عام 2014 خصّصت الصين 40 مليار دولار لصندوق طريق الحرير؛ بهدف البدء في تمويل مشروعات المبادرة التي تتجاوز تكلفتها الإجمالية تريليون دولار. ويقول بنك التنمية الصيني إنه يتابع بالفعل أكثر من 900 مشروع في 60 دولة تبلغ تكلفتها نحو 850 مليار دولار.
وأعلن مسؤولون صينيون، أن الاستثمارات الصينية المرتبطة بمبادرة طريق الحرير، بلغت 60 مليار دولار منذ عام 2013، وسيبلغ إجمالي الاستثمارات الصينية في الخارج ما بين 120 و130 مليار دولار سنوياً على امتداد السنوات الخمس المقبلة، جانب كبير منها موجه إلى الدول المشاركة في مشروع طريق الحرير؛ ما سيكون محركا كبيراً لتعاف مطرد في الاقتصاد العالمي والتجارة الحرة والاستثمار، بحسب وجهة النظر الصينية.

تحفظ ألماني غربي
في المقابل، قادت ألمانيا تيار التحفظ الغربي على مشروع «طريق الحرير» الذي طرحته الصين يوم الأحد في قمة الحزام والطريق. واشترطت تقديم ضمانات لحرية التجارة والمنافسة الشريفة، في حين قال الرئيس الصيني شي جينبينغ: إن مبادرة مشروع طريق الحرير هي «مشروع القرن»، وتعهد بأن تقدم بلاده 124 مليار دولار لتنفيذ مشروعات المبادرة.
وزيرة الاقتصاد والطاقة الألمانية بريغيته زيبريس (من الحزب الديمقراطي الاشتراكي) قالت في تصريحات صحافية ببكين الأحد الماضي إن بلادها لن توقع البيان المشترك لمبادرة الحزام والطريق التي اقترحتها بكين ما لم تتضمن الضمانات المطلوبة، وتحدثت عن وجود تحفظات أوروبية بشأن المبادرة الصينية.
في الإطار نفسه، أعرب بعض الدبلوماسيين الغربيين عن تحفظهم بشأن القمة ومشروع طريق الحرير الصيني؛ إذ اعتبروا أنها محاولة من بكين لزيادة نفوذها عالمياً. وأبدوا قلقهم بشأن شفافية المبادرة، ومدى إتاحتها الفرصة لمشاركة الشركات الأجنبية في المشروعات المطروحة.
غير أن الصين رفضت الانتقادات الموجهة لمبادرتها وللقمة، مؤكدة أن المشروع «مفتوح أمام الجميع على أساس مبدأ الربح لكل الأطراف بهدف إشاعة الرفاهية».

البيان الختامي
هذا، وأكد المنتدى في بيانه الختامي على «اعتماد المبادرة قواعد الشفافية وعدم التمييز ونظام التجارة المفتوحة ومتعددة الأطراف، الذي توجد في صميمه قواعد منظمة التجارة العالمية».
وفوق تعهد الرئيس الصيني بأن تقدم بلاده نحو 124 مليار دولار على شكل مساهمات وقروض لمشروعات طريق الحرير الجديد، أوضح أن بلاده ستقدم قرابة 15 مليار دولار لصندوق طريق الحرير الذي يستهدف تمويل بنية أساسية وشبكة تجارية عابرة للقارات. وأردف أن مصرفي «التنمية» و«التصدير والاستيراد» الصينيين سيقدمان قروضا بنحو 55 مليارا لتلك المشروعات، كما تعهد بتشجيع المؤسسات المالية على التوسع في أنشطة التمويل باليوان في الخارج بنحو 43 مليارا.

انضمام مصر
وبما يخص الدول العربية، شاركت مصر في منتدى «الحزام والطريق الدولي» لتعلن انضمامها إلى المبادرة الصينية. وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد أكد خلال زيارته للصين في ديسمبر (كانون الأول) 2014 دعم مصر لمبادرة الرئيس الصيني لإحياء «طريق الحرير»، منوهًا بأن القاهرة «تدعم مثل هذه المبادرات الإيجابية التي تستهدف تحقيق التعاون ومصالح الشعوب».
والواقع، أن انعقاد المنتدى جاء فرصة جيدة لمصر لعرض ما لديها من فرص وحوافز استثمارية، خصوصا بعد إقرار مجلس النواب قانون الاستثمار الجديد، وفي ظل الاهتمام الكبير من جانب الشركات الصينية للاستثمار في منطقة محور تنمية قناة السويس، التي تطمح مصر إلى تحويلها إلى منطقة صناعية ولوجيستية عالمية تكون جاذبة، وليس أن تظل مجرد ممر ملاحي.
وبالفعل، يعد المنتدى بوابة لجذب الاستثمارات ودعم قناة السويس، التي تعد جزءا رئيسيا من طريق الحرير البحري للقرن الـ21، إلا أنه في الوقت نفسه، بحسب الخبراء: «يعد جرس إنذار لصانع القرار في مصر». ذلك أن آليات التعاون بين الدول في ظل مبادرة الحزام والطريق تفتح طرقا أخرى برية بين آسيا وأوروبا تمر بعيدا عن مصر. وعلى سبيل المثال، أطلقت 27 مدينة صينية 51 خطا للسكك الحديدية يربط بين الصين و28 مدينة أوروبية. وتشير الأرقام الصينية إلى أنه من مارس (آذار) 2011 إلى أبريل (نيسان) 2017 تردد أكثر من 3 آلاف قطار بين الصين وأوروبا. ونقلت هذه القطارات السلع صغيرة الحجم بين الصين وأوروبا، خصوصا الهواتف وأجهزة الكومبيوتر المحمولة. وهو ما يعني ضرورة الإسراع في مشروعات محور قناة السويس لتظل الشريان الحيوي للتواصل بين آسيا وأوروبا.

حفاوة تركية
من جانب آخر، استقبلت تركيا مبادرة الحزام والطريق بترحيب شديد وحفاوة كبيرة. وقال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان: إن مشروع «الحزام والطريق» المعروف بـ«طريق الحرير الجديد» مبادرة «من شأنها القضاء على الإرهاب المتصاعد في العالم». وعبّر في كلمته أمام المنتدى عن ثقته بأن «طريق الحرير الجديد سيكون له دور مؤثر في المستقبل، بفضل أهدافه المتمثلة بربط آسيا وأوروبا وأفريقيا وحتى أميركا الجنوبية بعضها ببعض».
وأشار إردوغان إلى أن المشروع يشمل أكثر من 60 دولة على مساحة 40 مليون كيلومتر، ويطول 4.5 مليار نسمة من سكان العالم. ومن ثم، فهناك أهمية بالغة لتفعيله وفقًا لمفهوم «اربح –اربح». ولفت إلى أن تركيا تتمتع بموقع جغرافي مهم، وتعد نقطة تقاطع آسيا بأوروبا: «ولذا؛ تعتبر من أبرز الدول في نطاق طريق الحرير الاقتصادي، وهي ترغب في التعاون مع جميع الدول في هذا الإطار».
وكان إردوغان قد توجه إلى بكين في عطلة نهاية الأسبوع الماضي لحضور «منتدى الحزام والطريق» ونشر على صفحته على «تويتر» يوم الاثنين، قبل يوم واحد فقط من زيارته إلى واشنطن ولقاء الرئيس دونالد ترمب بالبيت الأبيض، سلسلة تغريدات باللغتين الإنجليزية والتركية، أفاض فيها في مدح خطة التنمية والبنية التحتية الدولية الجديدة التي يرعاها الرئيس الصيني شي جينبينغ. وما قاله الرئيس التركي «أعتقد أن منتدى الحزام والطريق، الذي سيعيد إحياء طريق الحرير القديم، سيترك بصمته على المستقبل عبر ربط القارات بعضها ببعض».
من جهة ثانية، رأى خبراء اقتصاديون أتراك أن «الصين قوة عالمية في مجالات التجارة والاقتصاد والصناعات الدفاعية بإمكانها ملء فراغ الغرب وأن بقاء تركيا بعيدة عن هذه القوة يعد خسارة لها». كذلك قال الخبير في شؤون العلاقات الدولية، أركين أكرم، في تعليق لـ«الشرق الأوسط»، أن تركيا «تستطيع التعاون مع الصين خلال الفترة المقبلة في المجالات الاقتصادية والسياسية والأمنية، ولا سيما في ظل تضارب مصالحها أخيراً مع الغرب والولايات المتحدة. كذلك، بإمكان جذب الاستثمارات الصينية ونقل تكنولوجيا هذا البلد من خلال إقامة تعاون وثيق مع سلطات بكين».
ولفت أكرم إلى أن مشروع طريق الحرير الذي سيصل الصين بالقارة الأوروبية مروراً بدول آسيا الوسطى «يشكل أهمية استراتيجية بالغة بالنسبة لبكين، وتتوافق المصالح التركية الصينية بشأن تنفيذ هذا المشروع، ولا سيما أن تركيا تولي أهمية كبيرة لعلاقاتها مع دول آسيا الوسطى».

منظمة شنغهاي
في السياق نفسه، تبدي تركيا اهتماما بالانضمام إلى «منظمة شنغهاي للتعاون»، التي أشار إردوغان غير مرة، وسط التوتر مع الغرب وحلف شمال الأطلسي (ناتو)، إلى إمكانية أن تتوجه تركيا إلى الانضمام إلى هذه المنظمة. وفعلاً، قال السفير الصيني في أنقرة يو هونغ يانغ: إن بلاده رحبت بفكرة انضمام تركيا إلى منظمة شنغهاي، وأبدت استعدادها للتعاون مع المسؤولين الأتراك في هذا الشأن. وبناءً عليه؛ يرى خبراء ومحللون أن التحالف مع بكين سيعود بالفائدة على إردوغان أكثر من أي تحالف مع موسكو أو طهران. وأن ثمة إمكانية في ترسيخ العلاقات بينهما في الوقت الذي تعمل فيه أنقرة على تلافي اعتمادها المفرط على واشنطن، كما تتطلع بكين إلى تعزيز حضورها الاقتصادي والدبلوماسي والعسكري في منطقة تزداد أهمية لمصالحها.
جدير بالذكر، أن إردوغان حضر مع 28 زعيماً، من بينهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ولم يحضر ترمب المنتدى، وقرر في اللحظة الأخيرة إيفاد ممثّل رفيع المستوى، هو ماثيو بوتنغر، أحد المسؤولين المخضرمين في مجلس الأمن الوطني، والخبير في الشؤون الصينية.
في هذه الأثناء، يعتقد بعض المراقبين أن رفض الرئيس الأميركي ترمب بعض اتفاقيات التجارة الدولية، مثل «الشراكة عبر المحيط الهادئ»، يضر بمصالح الولايات المتحدة في الساحة العالمية. وكتب إيلي راتنر، وهو متخصص في أبحاث الشؤون الصينية بمجلس العلاقات الخارجية الأميركي، تغريدة قال فيها «يقف شي جينبينغ في الوسط، ويحيط به بوتين وإردوغان. هل يشعر معارضو الشراكة عبر المحيط الهادئ بالسعادة الآن وهم يرون مَن يقود قارة آسيا ويتحكم فيها؟».

«طريق الحرير»... الماضي والمستقبل
* «طريق الحرير» يعرف بأنه شبكة طرق برية وبحرية بطول 12 ألف كيلومتر ربطت آسيا والشرق الأوسط وأوروبا لمئات السنين بروابط تجارية وثقافية ودينية وفلسفية تم من خلالها تبادل السلع والمنتجات، كالحرير، والعطور، والبخور، والتوابل وغيرها، وكذلك تبادل الثقافات والعلوم.
ولكن «طريق الحرير» كمصطلح حديث العهد نسبيا. ففي أواسط القرن الـ19 أطلق العالم الجيولوجي الألماني البارون فرديناند فون ريشتهوفن اسم «دي سيدينستراس» (أي طريق الحرير بالألمانية) على شبكة التجارة والمواصلات. ويعود الفضل في اكتشاف طريق الحرير للجنرال زانغ كيان الذي فتح الطريق الأول بين الصين والغرب في القرن الثاني قبل الميلاد، وكان في بعثة دبلوماسية أكثر منها تجارية؛ إذ أرسل الإمبراطور ودي من سلالة الهان عام 1399 قبل الميلاد زانغ كيان إلى الغرب لعقد تحالفات ضد شعوب غيونغنو، وهم الأعداء التاريخيون للصينيين، لكنهم قبضوا عليه وسجنوه. إلا أنه أفلح في الهرب بعد 13 سنة، وتمكّن من العودة إلى الصين.
وأُعجب الإمبراطور بكثرة التفاصيل التي قدمها الجنرال وبدقة تقاريره، فأرسله في بعثة أخرى لزيارة شعوب عدة مجاورة للصين، وهكذا شقّ زانغ كيان أول الطرق الممتدة من الصين حتى آسيا الوسطى.
كان طريق الحرير يتألف من مسلك بري وطريق بحري، وعمل كلاهما على تسهيل نقل سلع وأفكار جنوب وشرق آسيا إلى أوروبا، من الشاي الصيني إلى اختراعات مثل الورق والبارود والبوصلة، فضلا عن المنتجات الثقافية، مثل النصوص البوذية والموسيقى الهندية.
وشكلت تجارة الحرير أحد الدوافع الأولى لإقامة الطرق التجارية عبر آسيا الوسطى، وكانت الصين قد احتكرت إنتاج الحرير، وأبقت على سره نحو ثلاثة آلاف سنة، حتى إنها كانت تعدم كل من يتجرأ على إفشاء سرّ إنتاج الحرير لشخص غريب.
وتطورت طرق الحرير مع الزمن، ومع تبدل السياقات الجغرافية السياسية عبر التاريخ. كما شكلت التجارة البحرية فرعاً آخر اكتسى أهمية بالغة في هذه الشبكة التجارية العالمية، واشتهرت خاصة بنقل التوابل، حتى عرفت أيضاً باسم «طرق التوابل» وزودت أسواق العالم بالقرفة والبهار والزنجبيل والقرنفل وجوز الطيب المجلوبة كلها من جزر المولوك بأرخبيل إندونيسيا المعروفة أيضا باسم «جزر التوابل».
ومن ثم توسعت شبكة الطرق في مطلع القرون الوسطى، إذ شق بحارة شبه الجزيرة العربية مسالك تجارية جديدة عبر بحر العرب وداخل المحيط الهندي، وتيسّر مع الوقت ركوب البحر لمسافات طويلة بفضل الإنجازات التقنية التي تحققت في علم الملاحة والعلوم الفلكية وتقنيات بناء البواخر مجتمعة.
ولعبت طرق الحرير دورا في تلاقي الثقافات والشعوب وتيسير المبادلات بينها، وبخاصة أنه اضطر التجار إلى تعلم لغات وتقاليد البلدان التي سافروا عبرها، واستخدم الكثير من المسافرين هذه الطرق للدخول في عملية التبادل الفكري والثقافي التي كانت عامرة بالمدن الممتدة على طولها. وساهم التجار المسلمون الذين سلكوا المسالك المختلفة لطريق الحرير، في التعريف بالإسلام ونشره، فشيدوا المساجد في عدد من القرى والمدن الصينية، وبفضلهم اعتنق صينيون كثر الإسلام. وتذكر المصادر التاريخية أن مدينة شيان Xian التي تعد بداية «طريق الحرير»، كانت أول مدينة يدخلها الإسلام على يد التجار العرب. وأيضا، لعب العرب دورا محوريا في تجارة طريق الحرير بالنظر إلى موقعهم الجغرافي الرابط بين آسيا وأوروبا.
هذا، ومن أبرز الإنجازات التقنية التي خرجت من طرق الحرير إلى العالم تقنية صناعة الورق وتطور الصحافة المطبوعة. وتهدف مبادرة «طريق الحرير» الجديد، أو مبادرة «الحزام والطريق» و«طريق الحرير» البحري للقرن الـ21 - وتعرف اختصارا باسم «عبور» - لإحياء وتطوير طريق الحرير التاريخي عن طريق تشييد شبكات من الطرق وسكك الحديد وأنابيب النفط والغاز وخطوط الطاقة الكهربائية والإنترنت ومختلف البنى التحتية.



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.