قانون الانتخاب اللبناني: أزمة ديموغرافية سياسية

آخر مليون ناخب دخلوا القوائم كان بينهم 800 ألف مسلم

قانون الانتخاب اللبناني: أزمة ديموغرافية سياسية
TT

قانون الانتخاب اللبناني: أزمة ديموغرافية سياسية

قانون الانتخاب اللبناني: أزمة ديموغرافية سياسية

تلعب القوى السياسية اللبنانية لعبة «حافة الهاوية» في مسعاها لإنتاج قانون انتخاب جديد على بعد شهر من انتهاء ولاية البرلمان في 20 يونيو (حزيران) المقبل. وعلى الرغم من وجود شبه إجماع على ضرورة إعداد قانون جديد للانتخاب، فإن الطروحات المتناقضة للقوى السياسية تؤشر إلى استحالة التوافق على قانون مماثل، في ظل تحكم عاملين أساسيين في إنتاج أي قانون انتخاب جديد: أولهما رضى كل الأطراف اللبنانية عليه، وثانيهما حصول هذه القوى على ما تعتبره «حقا» لها من عدد النواب في البرلمان.
وفي ظل التعنت الحاصل في المواقف، يبدو أن كل الطروحات الانتخابية لن تنجح في الحصول على الرضى المطلوب. هذا الوضع يضع البلاد أمام خيارين كلاهما مر، أي الفراغ في السلطة التشريعية، أو العودة إلى «قانون الستين» الذي أجريت الانتخابات على أساسه في عام 1960، ثم ألغي بعد «اتفاق الطائف» ليعود فيطل برأسه بعد «اتفاق الدوحة» عام 2008، والأخير هو الاتفاق الذي جرت «شيطنته» من قبل غالبية الطبقة السياسية؛ ما يجعل من اعتماده كارثة على شعبيتها.
تتلخص أزمة قانون الانتخاب في لبنان، باعتماد البلاد المناصفة في مقاعد البرلمان بين المسيحيين والمسلمين، كما أقره «اتفاق الطائف»، على الرغم من التفاوت في أعداد الناخبين بين المسلمين والمسيحيين الذين باتوا يشكلون فقط نحو ثلث عدد السكان.
أما الخلاف المفصلي، فهو فيما تطرحه القوى المسيحية الرئيسية، وفي مقدمها فريق الرئيس اللبناني ميشال عون، وهو انتخاب النواب المسيحيين بأصوات المسيحيين أنفسهم؛ ما يخلق الكثير من التعقيدات، لعل أبرزها صعوبة تقسيم الدوائر لتحقيق هذه الغاية، ومحاذير اعتماد طرح انتخاب كل طائفة لنوابها، وتأثيراتها السلبية على التعايش بين الطوائف.
يقول مرجع لبناني رفيع لـ«الشرق الأوسط»: إن الخوف المسيحي مما يجري في المنطقة من حروب واستهداف المسيحيين في سوريا والعراق ومصر، يجعل من هؤلاء أكثر ميلا لاعتماد الحلول المتطرفة؛ بحثا عن مشاركتهم في السلطة. لكن المرجع يشير إلى أن ما يثير المخاوف هو العامل الديموغرافي، ذلك أن آخر مليون لبناني دخلوا في سجلات الناخبين (بلغوا الـ21 من العمر) كان من بينهم 800 ألف مسلم؛ وهو ما يؤشر إلى مخاطر كبيرة على التوازن الديموغرافي».
ويشكو المسيحيون من أنه منذ إقرار «اتفاق الطائف»، جرى تهميش قواها الأساسية، فأطيح بالعماد ميشال عون إلى المنفى عام 1990، ووضع قائد «القوات اللبنانية» سمير جعجع في السجن عام 1993، وبات التمثيل المسيحي في عهدة القوى الإسلامية التي تستطيع أن تأتي بأكثر من نصف النواب المسيحيين في مناطق الجنوب والبقاع والشمال وبيروت. وبعد عودة الطرفين إلى الساحة السياسية بقوة إثر خروج نظام الوصاية السوري من لبنان، يسعى الطرفان إلى استعادة هذه «الحقوق».
الحقيقة أن قصة السعي إلى قانون انتخاب قصة «إبريق الزيت» التي لا تنتهي. ففي كل مرة كان يجري فيها إجراء الانتخابات، كان يقال إن أولوية البرلمان الجديد هي إقرار قانون انتخاب جديد، وهو ما لم يحصل، إلا في عام 2008 عندما ذهب السياسيون اللبنانيون إلى الدوحة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه جراء انجرار البلاد إلى حرب أهلية مصغرة في 6 مايو (أيار) 2008. يومها وصل الصدام السياسي بين القوى السياسية إلى صدام عسكري تمثل في اجتياح «حزب الله» بيروت ومحاولته اقتحام مناطق في الجبل. وعندها تم التوافق على العودة إلى قانون «الستين» (1960) الذي يعتمد الدوائر الصغرى بدلا من القوانين التي أقرت بعد الطائف، والتي كانت تميل إلى الدوائر الكبرى.، وإلى تقسيم هذه الدوائر بشكل يخدم بعض القوى على حساب القوى الأخرى. وأجريت هذه الانتخابات عام 2009 على أساس «الستين» مع تعهد من قبل البرلمان بأن يكون إقرار قانون جديد للانتخاب من أولويات البرلمان الجديد. ومن ثم مددت ولاية البرلمان الذي انتخب في ذلك العام مرتين، من دون طرح قانون فعلي لمناقشته والتصويت عليه.

الخوف المسيحي
ولمراعاة تصاعد الخوف المسيحي، كانت مبادرتان، الأولى قدمها رئيس الحكومة الحالي سعد الحريري في عام 2013، تنبثق من نص «اتفاق الطائف» الذي يقول بإلغاء الطائفية السياسية، وأنه مع انتخاب أول برلمان خارج القيد الطائفي يجري استحداث مجلس للشيوخ يمثل الطوائف. ولكن طرح الحريري كان بإنشاء مجلس للشيوخ مع المحافظة على المناصفة بين المسلمين والمسيحيين في مجلس النواب. وفي أوائل العام الحالي طرح رئيس مجلس النواب نبيه برّي فكرة مشابهة تتمثل بإلغاء المذهبية في البرلمان، مع الاحتفاظ بالمناصفة بين المسلمين والمسيحيين، أي بإلغاء تمثيل المذاهب، مقابل إقرار مجلس للشيوخ.
وكانت ذروة ما تم التوصل إليه مسيحياً هو ما بات يعرف بـ«القانون الأرثوذكسي» الذي ينص على انتخاب كل طائفة نوابها في المجلس؛ الأمر الذي لاقى اعتراضا إسلامياً واسعاً، بالإضافة إلى معارضة قوى مسيحية له. لكن هذا القانون كان يمثل ذروة الخوف المسيحي، وقد وافق عليه «حزب الله» تضامنا مع حليفه عون، لكن لم يكتب له النجاح.
وللرد على القانون الأرثوذكسي، صعد نجم القانون «التأهيلي» الذي يعتمد التأهيل الطائفي، ثم الانتخاب على المستوى الوطني. وكان أول من طرحه الرئيس برّي «تجاوباً مع حجة الفريق المسيحي بأن عدداً من النواب المسيحيين يفوزون بأصوات غير المسيحيين، فإنه يرى أن يتأهل للمنافسة من يحصل على 10 في المائة من الأصوات في المرحلة الأولى، بدلاً من حصرها بالمرشحَين الأولين»، ولكن برّي تراجع عن تأييده للتأهيلي بعد اقتراح وزير الخارجية جبران باسيل قانوناً يجري بموجبه انتخاب النواب طائفياً في المرحلة الأولى، ثم اختيار اثنين منهم للتصويت على المستوى الوطني، وقال برّي معللا رفضه «أنا اقترحته لينتج نقانق وغيري أخرج منه خنزيراً».
ومع تراجع برّي عن تأييده التأهيلي، اتخذ الحريري موقفاً لافتاً؛ إذ تراجع عن موافقته على تمديد ولاية البرلمان لسنة كما تفاهم مع برّي؛ ما دفع بالوضع مجددا إلى التأزم الفعلي، بعودة رئيس مجلس النواب و«حزب الله» إلى النسبية الكاملة على أساس الدوائر الكبرى، بينما عاد الفريق المسيحي إلى مربع «الأرثوذكسي».
وهكذا عاد الحوار إلى «المربع الأول»، فكلما كان الحريري ماضيا في خيار تمديد ولاية البرلمان خوفا من الفراغ، كان بري يتشدد في التمسك بموقفه، فيما كان باسيل يحاول تقديم الاقتراحات، لكن مع تراجع الحريري عن التمديد حصل العكس.

الاحتمالات الواردة
وحول الاحتمالات التي ينتظرها قانون الانتخاب، يقول وزير الداخلية السابق زياد بارود لـ«الشرق الأوسط» في حوار معه «نحن أمام احتمال من اثنين: إما إنضاج القانون، وبالتالي الذهاب إلى مجلس النواب بعد انقضاء الشهر لإقراره. وإما نعود إلى المربّع الأول، وحينها، إذا قرّر مجلس النواب التمديد لنفسه للمرة الثالثة، فالأرجح أن الرئيس لن يوقّع قانون التمديد، وسيستعمل صلاحياته بردّ القانون إلى المجلس النيابي لمناقشة ثانية. وإذا أصرّ المجلس بأكثرية 65 صوتاً على التمديد، يصبح القانون نافذاً، إنما يعود للرئيس أن يطعن به أمام المجلس الدستوري». وتابع: «في أي حال، صحيح أن ما يُعرف بقانون الستين لم يُلغَ بقانون، ولكن نفاذه لا يعني أنه قابل للتطبيق. فالمهل التي نص عليها سقطت كلها، ولم يتم تعيين رئيس وأعضاء هيئة الإشراف على الحملة الانتخابية التي يعطيها القانون صلاحيات جوهرية».
ويؤكد بارود أن العودة إلى قانون «الستين» الذي يعتبر نافذا ليست أمراً بسيطاً. وبالتالي، هو «نافذ نظرياً فقط، وهو غير مأسوف عليه. فمنذ انقضت مهلة نشر مرسوم دعوة الهيئات الناخبة الذي لم يوقّعه رئيس الجمهورية، لم يعد بالإمكان تنظيم انتخابات على أساسه. إضافة إلى عدم تشكيل مجلس الوزراء هيئة الإشراف على الحملة الانتخابية، التي ترتبط بها مهل وإجراءات جوهرية»، مضيفا: «بالمختصر، حتى إذا أرادوا العودة إلى قانون الستين، فإن ذلك يستوجب قانوناً يمدّد المهل ويعدّلها».
وهكذا، عمليا تبدو مواقف الكتل السياسية الأساسية كما يعبر عنها نوابها لـ«الشرق الأوسط» كالتالي:

«التغيير والإصلاح»: معارضة للفراغ ـ و«الستين»
يقول النائب نبيل نقولا عضو تكتل «التغيير والإصلاح» (التيار العوني) أن الاتصالات بين الأفرقاء التي تبحث بسبل الخروج من أزمة قانون الانتخاب لا تزال قائمة، ولكن بعيدا عن الإعلام، مذكرا بموقف وزير الخارجية جبران باسيل الذي قال: «إننا لم نعد بعيدين عن الاتفاق على قانون جديد».
ويوضح نقولا، أن «التيار الوطني الحر» حاليا «في موقع المستمع والمتلقي بعدما كان طوال الأشهر الماضية في موقع المبادر»، مشيرا إلى أنه قدّم أكثر من 20 طرحا انتخابيا، وتم رفض كل هذه الطروحات. ويضيف «حتى أنهم رفضوا طروحات كانوا هم من عرضوها بوقت سابق؛ فقط لأننا تبنيناها ووافقنا عليها، وهو ما حصل تماما بموضوع القانون التأهيلي الذي كان رئيس المجلس النيابي نبيه بري هو من خرج به، وبات اليوم يعارضه».
وينبّه نقولا من أن المعطيات الراهنة تشير إلى أن «لا شهية لدى عدد كبير من القوى السياسية على الاتفاق على قانون جديد، وكأن الأغلبية إما تريد الفراغ أو العودة إلى قانون الستين، وهما خياران نعارضهما تماما». ويستطرد «نحن لا نتمسك حاليا بطرح معين، إنما بمبدأ القانون العادل الذي يؤمّن تمثيل كل الأفرقاء. وبالتالي، لن نقدم المزيد من الاقتراحات وننتظر ما سيعرضونه هم علينا لنعطي رأينا بمشروعاتهم».

برّي: النسبية الكاملة
النائب ميشال موسى، عضو كتلة «التنمية والتحرير»، التي يرأسها الرئيس نبيه برّي يقول إن «مطلب برّي واضح فيما يتعلّق بقانون الانتخاب، وهو ما كان قد عبّر عنه في الطرح الذي قدّمه قبل ذلك، وهو يستند بشكل أساسي على النسبية واتفاق الطائف إنما لم يلق تجاوبا، ويمكن القول إنه جمّد إنما لم يطو». ويضيف إن «المطلوب اليوم هو البدء ببحث الطروحات النهائية بعدما قدّم كل فريق رؤيته... كذلك ننتظر أي طرح جديد شرط أن يكون مقبولا ومنطقيا للبحث به».
ويعتبر موسى أن سبب عدم التوصل إلى اتفاق لغاية اليوم هو «الانقسام بين الأطراف اللبنانية التي يسعى كل منها إلى مصالحه السياسية الخاصة». ولا ينفي موسى أنه لغاية الآن ليس هناك بوادر أو إشارات إيجابية يمكن البناء عليها بشكل كبير للتوصل إلى اتفاق قبل جلسة مجلس النواب في 29 مايو الحالي، مؤكدا في الوقت عينه أن الأمل يبقى موجودا حتى اللحظة الأخيرة، ولا سيما في لبنان، حيث اعتدنا على هذا الأمر.

«المستقبل»: أي قانون يحصل التوافق عليه نسير به
عضو كتلة المستقبل النائب محمد الحجار يشير لـ«الشرق الأوسط» إلى أن رئيس الحكومة سعد الحريري «على موقفه الرافض للتمديد لمجرد التمديد لمجلس النواب، أما إذا كان الهدف وقف الفراغ وإفساح المجال أمام التوافق على قانون انتخابي فهذا أمر آخر، فالتوافق مطلب أساسي بالنسبة إلينا».
ويتابع الحجار «موقف تيار المستقبل من الصيغ الانتخابية التي تُطرح لن يكون علنياً ومباشرا، وسيكون محصوراً في الغرف المغلقة تسهيلاً للتوافق وتجنباً للمساجلات الإعلامية. الصيغة التي تجمع مجلس الشيوخ مع مجلس النواب على أساس نسبي وفقاً لطروحات الطائف إنما كانت من طرح الرئيس الحريري منذ عام 2013، لكنها لم تلق صدى آنذاك، وبعد إعادة طرحها من قبل الرئيس نبيه برّي اليوم، يبدو أنها تحتاج إلى إجماع».
ويختم: «أما عن مرحلة ما بعد 19 يونيو ومصير الانتخابات في حال تعذّر التوافق، عندئذ فالتنسيق مع رئيس المجلس على مرحلة ما بعد حزيران قائم... والفراغ أمر مرفوض، وأي قانون يتم التوافق عليه نسير به»، مشيراً إلى «أن (قانون الستين) نافذ على الأقل من الناحية القانونية».

«القوات»: للعودة إلى «الستين» إذا تعثر التفاهم
فيما يخص حزب «القوات اللبنانية» يعتبر العميد المتقاعد وهبة قاطيشا، مستشار رئيس الحزب، أن تعثر المباحثات في موضوع قانون الانتخاب «سببه الرئيسي تمسك كل فريق بشروطه وجلوسه على سلاحه، منتظرا من الفريق الآخر تقديم التنازلات التي من شأنها المساهمة في التوصل إلى اتفاق حول القانون الجديد»، منبهاً إلى أن «الوقت والمهل باتت داهمة، وبالتالي المطلوب من كل فريق القيام بخطوة إلى الأمام كي نتلاقى عند منتصف الطريق».
ويشدد قاطيشا على أن موافقة «القوات اللبنانية» على السير بـ«النسبية الكاملة» مشروط باعتماد الضوابط اللازمة التي من شأنها أن تسمح للمسيحيين بانتخاب العدد الأكبر من نوابهم في ظل الاختلال الديموغرافي الحاصل، لافتا إلى أن «هناك أفرقاء وضعوا يدهم على حقوق فريق آخر يرفضون اليوم التخلي عنها». ويرى قاطيشا أن «(قانون الستين) لم يمت ليعود من بين الأموات»، مضيفا: «في حال لم تنجح القوى السياسية بالاتفاق على قانون جديد قبل موعد 19 يونيو المقبل، سنتجه مجدداً لانتخابات نيابية على أساس القانون النافذ، ألا وهو (الستين) لننتظر سنوات بعد التفاهم المنشود على قانون عصري جديد».

«الكتائب»: أكثري بدوائر صغرى... أو نسبي ودوائر متوسطة
عضو كتلة حزب الكتائب النائب إيلي ماروني، قال لـ«الشرق الأوسط» عندما التقيناه: «سبق وطرحنا قانوناً انتخابياً يتمثل بالدوائر الصغرى، لكن ذلك لم يحظ بقبول الكتل النيابية الأخرى. وتمنينا لدى طرحنا هذا القانون أن يكون ذا معيار واحد. إضافة إلى أننا دعونا أيضاً إلى اعتماد قانون حكومة الرئيس الأسبق نجيب ميقاتي الذي يُعتبر قانوناً مقبولاً، ويعتمد النسبية على الدوائر المتوسطة والصغرى».
ويرى ماروني أن العودة إلى اعتماد القانون الحالي هو «فضيحة الفضائح». ويسأل «هل يُعقل بعد أن مددنا إلى المجلس النيابي في عامي 2013 و2014 والمهل الدستورية على وشك الانقضاء، نعود إلى طرح (الستين)؟!... إن ما يجري هو سيناريو يُعدّ من قِبل البعض، في حين أن من رفضوا هذا القانون، ولا سيما من المسيحيين، يعودون اليوم للموافقة عليه عبر تنازلات ليتبين أن الهدف هو الحصص والدخول في المحاصصة، فتلك فضيحة لا مثيل لها».

جنبلاط: قانون «الستين» هو الأكثر واقعية
عن تكتل «اللقاء الديمقراطي» الذي يرأسه النائب وليد جنبلاط، يقول النائب فؤاد السعد: إن «محاولات التوافق على قانون انتخاب يرضي الجميع، باتت أشبه بحكاية إبريق الزيت التي لا نهاية لها ولا قرار؛ وذلك لأن صياغة قانون انتخاب في دولة متعددة الطوائف والمذاهب كالدولة اللبنانية مهمة غير سهلة، لا بل معقدة، وتحتاج إلى كاسحات ألغام طائفية غير متوافرة حاليا في لبنان». متابعاً «(قانون الستين) يبقى في ظل الاختلاط الطائفي والمذهبي في الأقضية والمحافظات، هو القانون الأكثر واقعية مقارنة مع ما هو مطروح من مشروعات قوانين يمكن وصفها بالإلغائية لطائفة أساسية في التركيبتين السياسية والطائفية».
ويلفت السعد إلى أن تأمين إجماع وطني في لبنان على قانون انتخاب يرضي جميع الأطراف «يحتاج إلى ثقافة وطنية علمانية... أي إلى سنوات من البحث والمشاورات والمناقشات المضنية لتجاوز الألغام والأفخاخ الطائفية». ويختم السعد مشيراً إلى أن «(الستين)... يبقى القانون الأفضل مقارنة مع المختلط والنسبية الكاملة؛ كونه أكثر تماشيا مع الواقع الطائفي والمناطقي في لبنان، ناهيك من أنه استطاع خلال الحرب الأهلية الحفاظ على جوهر وتقسيمة الكيان اللبناني، وأظهر حسناته الوفيرة، وإلا لما كان قد استمر منذ الاستقلال حتى اليوم... اللقاء الديمقراطي لم يكن يوماً معرقلاً لإنجاز والتوافق على أي قانون انتخابي، إنما ما عُرِض أخيراً من مشروعات قوانين مثل الأرثوذوكسي والتأهيلي يؤدي إلى ضرب التعايش الإسلامي – المسيحي والوطني بشكل عام».



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.