الملفات الخارجية تنتظر توجهات حكومة العهد الجديد في فرنسا

الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والساحل والإرهاب تتصدر الاهتمامات

الرئيس ماكرون (وسط) مع رئيس الوزراء إدوار فيليب و11 وزيرة (إ.ب.أ)
الرئيس ماكرون (وسط) مع رئيس الوزراء إدوار فيليب و11 وزيرة (إ.ب.أ)
TT

الملفات الخارجية تنتظر توجهات حكومة العهد الجديد في فرنسا

الرئيس ماكرون (وسط) مع رئيس الوزراء إدوار فيليب و11 وزيرة (إ.ب.أ)
الرئيس ماكرون (وسط) مع رئيس الوزراء إدوار فيليب و11 وزيرة (إ.ب.أ)

اكتمل الطاقم الحكومي الفرنسي الذي ستوكل إليه مهمة إدارة السياسة الخارجية للعهد الفرنسي الجديد مع تعيين جان إيف لو دريان، وزير الدفاع السابق الذي شغل هذا المنصب طيلة خمس سنوات وزيرا للخارجية، وتعيين النائبة في البرلمان الأوروبي سيلفي غولارد، وزيرة للدفاع. وسبق للرئيس إيمانويل ماكرون أن عين السفير فيليب أتيان، مستشارا دبلوماسيا له يساعده الدبلوماسي أورليان لوشوفاليه. ومن جانبه، عمد لو دريان إلى تعيين سفير فرنسا لدى لبنان إيمانويل بون الذي يجيد العربية وله خبرة واسعة في شؤون الشرق الأوسط والعالم العربي بفضل منصبه السابق في رئاسة الجمهورية في عهد الرئيس هولاند، مديرا لمكتبه.
ثمة إجماع على أن تعيين لو دريان في وزارة الخارجية بعد أن تم تداول اسمه رئيسا للحكومة، يمثل مكسبا أساسيا للرئيس الجديد. فلو دريان الذي سيبلغ السبعين من عمره نهاية الشهر المقبل، نجح بصفته وزيرا للدفاع في تنفيذ كل المهمات التي أوكلت إليه في الداخل «ملف الإرهاب» وفي العمليات العسكرية الخارجية «مالي، وأفريقيا الوسطى، والعراق، وسوريا، ومحاربة الإرهاب».
وحظي لو دريان في مهامه السابقة بإطراء اليمين واليسار، لأنه نجح من جهة في «إمساك» القوات المسلحة، ومن جهة ثانية في الحصول على التمويل اللازم في زمن التقشف، وأخيرا لأنه كان «تاجر سلاح» من الطراز الأول، إذ نجح في بيع طائرة «الرافال» الفرنسية المقاتلة، حيث فشل جميع من سبقه، كما أنه «اخترق» أسواقا «مثلا أستراليا التي وقع معها (صفقة القرن) لبيعها 12 غواصة» كانت مقفلة بوجه الشركات الدفاعية الفرنسية.
بيد أن الأهم من ذلك كله أن لو دريان، بفضل تكتمه ومهنيته، أفلح في بناء شبكة واسعة من العلاقات الشخصية مع كثير من قادة العالم، خصوصا في منطقة الخليج والشرق الأوسط وأفريقيا. وكان وزير الخارجية الجديد دائم السفر والترحال وزار 66 بلدا وقام بـ233 رحلة وقطع مئات الآلاف من الكيلومترات.
ولعب لو دريان دور «المرشد» للمرشح ماكرون في الشؤون الدفاعية والاستراتيجية والسياسية خلال حملته الانتخابية. ويقول دبلوماسي كبير مقرب منه إن الخطاب الذي ألقاه ماكرون في 18 مارس (آذار) الماضي وخصصه للمسائل الدفاعية والشؤون الخارجية «من صناعة لو دريان»، الأمر الذي يدفعه للقول إن وجوده في وزارة الخارجية «يشكل ضمانة لاستمرارية الدبلوماسية الفرنسية».
من بين جميع الرؤساء الفرنسيين، كان هولاند الأكثر نزوعا للجوء إلى القوة العسكرية. وفي أكثر من مناسبة، سرد الرئيس السابق كيف أن طائرات «الرافال» الفرنسية كانت «جاهزة» للانطلاق لمعاقبة النظام السوري وضرب مطارات ومواقع عسكرية له أواخر سبتمبر (أيلول)، ردا على استخدام السلاح الكيماوي في الغوطتين الشرقية والغربية صيف عام 2013. ولم يتردد هولاند في إرسال القوات الفرنسية إلى مالي بداية العام المذكور وإلى أفريقيا الوسطى في العام الذي تلاه وأن ينضم إلى التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية لمواجهة «داعش» في العراق وسوريا فضلا عن العمليات الخاصة التي قامت «أو تقوم» بها قوات الكوماندوز الفرنسية في ليبيا وسوريا والعراق ومالي وبلدان الساحل.. وبمواجهة هذه «السهولة» في اللجوء إلى القوات المسلحة، فإن للرئيس الجديد «فلسفة» مختلفة عنوانها ما يلي: «إن أي عمل عسكري لن يكون له معنى ما لم يندرج في إطار دبلوماسية أو (خطة) سياسية». أما المبدأ الثاني الذي ركز عليه ماكرون في مناسبات سابقة فيقوم على ضرورة وجود «إطار جماعي» يحظى بغطاء شرعي من أجل التدخل العسكري. وعندما اندلعت أزمة استخدام السلاح الكيماوي في خان شيخون والضربة الأميركية التي تلتها، أعرب ماكرون عن استعداده للمشاركة في «عملية عسكرية»، ولكنه اشترط أن تكون «جماعية» ولها «سند قانوني». وفي حديث مطول لصحيفة «ميديا بارت» الإلكترونية، انتقد ماكرون اللجوء المتكرر للقوة العسكرية الفرنسية، بل إنه ذهب إلى وصفها بـ«ترجمة لنظريات المحافظين الجدد»، ذاكرا منها التدخل الفرنسي في ليبيا «في عهد ساركوزي وتدخلات أخرى لم يفصلها، لكن يفهم منه أنها حصلت إبان عهد هولاند». ويؤكد ماكرون أن فلسفته تستوحي خط الجنرال ديغول والرئيس ميتران. وبحسب ما قاله للصحيفة المذكورة، فإن «عدو باريس بعد (الجهاديين) والإرهابيين الإسلاميين هو الدول الفاشلة». ويضيف في جملة غامضة: «سأقوم بكل ما أستطيعه من أجل ضمان استقرار الدول وأفكر خصوصا بسوريا».
يقوم تشخيص الرئيس ماكرون للوضع القائم في سوريا على ملاحظة أن فرنسا «لا يمكن أن تبقى خارج اللعبة» التي تقودها حاليا روسيا وقوى إقليمية مثل تركيا وإيران، وهي أطراف آستانة التي رعت الاتفاق الأخير حول إيجاد مناطق تخفيف النزاع وقبلها اتفاق وقف النار. وتقول أوساط قريبة من ماكرون إن التغير «المحتمل» في المواقف الفرنسية في عهد ماكرون ستكون بدايته التخلي عن المطالبة بتنحي الرئيس السوري منذ انطلاقة المرحلة الانتقالية، وهو ما كانت تطالب به باريس التي كانت الأكثر التصاقا بمواقف المعارضة السورية. ويندرج هذا التوجه، كما تقول هذه المصادر، في إطار «قراءة براغماتية» لحقيقة الوضع السوري وللتحولات الميدانية التي حصلت منذ بداية التدخل الروسي المكثف صيف عام 2015.
لا تزال محاربة «داعش» أولوية فرنسية. لكن أولويتها الثانية اليوم تقوم على المحافظة على بناء الدولة السورية «حتى لا نقع على عراق آخر أو ليبيا أخرى». وما يشغل فرنسا وسيشكل لها بمثابة تحد يتناول مستقبل العراق بعد هزيمة «داعش» في الموصل. وفي حديث لصحيفة «لوفيغارو» الشهر الماضي، طالب مسعود بارازاني الرئيس الرئيس الفرنسي بالاعتراف بالدولة الكردية عندما ستعلن أو على الأقل بعدم ممانعتها. وتبدي باريس مخاوف إضافية بالنسبة لمعركة الرقة التي دعت منذ البداية بإطلاقها بموازاة معركة الموصل. وتتساءل باريس التي لها قوة كوماندوز ومستشارون في شمال سوريا عن الجهة التي ستفرض سيطرتها على المدينة بعد تحريرها وعن «التسويات» التي يتم التحضير لها حول تقاسم النفوذ في شمال وشمال شرقي سوريا بعد دحر «داعش».
لا تتوقف تحديات السياسة الخارجية للعهد الجديد عند سوريا والعراق. ذلك أن باريس مدعوة لصياغة سياسة جديدة إزاء ليبيا، فيما سياستها الحالية تتأرجح بين دعم حكومة الوفاق ومساندة الجنرال خلفية حفتر. كذلك سيتعين على الدبلوماسية الفرنسية أن تعبر عن موقف واضح من الملف الفلسطيني وموضوع الاعتراف بالدولة الفلسطينية مثلما كانت قد تعهدت حكومات هولاند المتعاقبة. وبالطبع، سيكون على ماكرون أن يتبنى مقاربة مختلفة للتعامل مع روسيا تتيح للطرفين التعاون في ملفات أساسية مثل ملف الإرهاب من غير أن يعني ذلك غض النظر عن سياسات موسكو في مناطق أخرى مثل أوكرانيا.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».