غضب القوميات غير الفارسية يقوّض شرعية الانتخابات الإيرانية

«الشرق الأوسط» تستطلع آراء قيادات بارزة حول تصريحات المسؤولين عن علاقتها بالنظام

لوحة اعلانية لمرشحات في انتخابات مجالس البلدية في حديقة وسط تبريز عاصمة إقليم آذربايجان شمال شرق إيران (مهر)
لوحة اعلانية لمرشحات في انتخابات مجالس البلدية في حديقة وسط تبريز عاصمة إقليم آذربايجان شمال شرق إيران (مهر)
TT

غضب القوميات غير الفارسية يقوّض شرعية الانتخابات الإيرانية

لوحة اعلانية لمرشحات في انتخابات مجالس البلدية في حديقة وسط تبريز عاصمة إقليم آذربايجان شمال شرق إيران (مهر)
لوحة اعلانية لمرشحات في انتخابات مجالس البلدية في حديقة وسط تبريز عاصمة إقليم آذربايجان شمال شرق إيران (مهر)

يهدد الغضب المتصاعد في صفوف القوميات غير الفارسية في إيران، إثر تدهور أوضاعها المعيشية وتنامي سياسات التمييز التي تستهدفها، بتقويض شرعية الانتخابات الرئاسية الإيرانية المقررة غداً. ولم يكن غريباً أن يحتل ملف القوميات حيزاً لافتاً من أجندة المعركة الانتخابية التي ركزت هذا العام على ملفات ساخنة عدة، تصدرتها الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والأمن القومي. لكن العناوين البارزة في المزايدات الانتخابية بين المرشحين الأساسيين ركزت على الحريات والفساد ومشكلة القوميات غير الفارسية وحقوق الأقليات الدينية، في تطور غير مسبوق، ما دفع المرشد الإيراني علي خامنئي إلى التحذير من مغبة تحريك «الفوالق العقائدية والجغرافية والقومية واللسانية»، معتبراً انه يعرض البلاد إلى «زلزال كبير» قد يؤدي إلى انهيار الداخل الإيراني.
وتردد صدى دعوة خامنئي في خطب الجمعة الماضية، ففي طهران دعا خطيب جمعتها كاظم صديقي إلى عدم تكريس القضايا القومية والطائفية في خطابات المسؤولين الإيرانيين، وقال إنه «بمعزل عن المسؤولين الذين تم تعيينهم أو عزلهم، فإن الشعب البلوشي كان دائماً إلى جانب النظام». وقال إن «البلوش في شرق البلاد يعانون من الفقر، ومن أجل حل مشكلاتهم لجأوا للتهريب، ولو كنا نهتم بحل مشكلة الفقر لما حدث ذلك».
قبل أربع سنوات، اختار الرئيس الإيراني حسن روحاني تعيين مساعد خاص بشؤون القوميات والأقليات الدينية، ووقع الاختيار على وزير الأمن السابق علي يونسي.
خلال السنوات الأربع الماضية، حاولت حكومة روحاني حصر مطالب العرب والكرد والبلوش والترك برفع القيود عن بعض البرامج الثقافية وتنظيم المهرجانات تحت إشراف فريق يونسي والمخابرات الإيرانية، وبتنسيق مع الحرس الثوري، في محاولة لنزع فتيل التوتر والسيطرة على المارد الذي خرج من القمقم في زمن الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد. وفي مجموعها تُعتَبَر تطلعات الشعوب غير فارسية أكبر تحدٍّ يواجه دوائر صنع القرار في طهران كشف المستور عنه المزايدات الانتخابية والتناقضات بين المرشحين.
وخلال خطابه اتهم الرئيس المنتهية ولايته حسن روحاني قبل أيام المحافظين الذين انتقدوا سياسات حكومته في أزمة البطالة، بـ«منع توظيف أهل السُنّة وأبناء القوميات». بدوره، قال المرشح المحافظ إبراهيم رئيسي إن «طاقات القوميات والمذاهب الإيرانية تسمح لهم بدخول الهيكل الإداري في إيران».
روحاني الذي راهن على الحريات، لتخفيف الانتقادات عنه في الملف الاقتصادي، رفع وتيرة وعوده لتلك القوميات، وكان لافتاً إصرار حملته الانتخابية على مخاطبة تلك الأطياف بإدراج متحدثين باللغات المحلية في برامجه الانتخابية، وذلك في محاولة لكسب ودهم قبل المواجهة الكبيرة مع رئيسي.
وأياً كان الرئيس الإيراني المقبل وتوجهاته السياسية، فإنه مُطالَب بوضع الملف الساخن للقوميات على صدر جدول أعماله. ملف لا يحتمل التأجيل في ظل الأوضاع الإقليمية الراهنة التي لعبت إيران دوراً كبيراً فيها خلال السنوات القليلة الماضية. «الشرق الأوسط» استطلعت آراء قيادات بارزة من الأحزاب المعارضة للنظام الإيراني، لبحث ما شهدته الحملات الانتخابية وآفاق الصدام بين النظام السياسي والمجموعات العرقية.

* الأحواز تعاني تمييزاً عنصرياً وحرماناً من التنمية
شهدت المناطق العربية في جنوب إيران عودة الروح القومية أكثر من أي وقت مضى، بموازاة تنشيط الذاكرة والانفتاح الإعلامي العربي على شكوى الأحوازيين من التمييز العنصري وحرمان مناطقهم.
وتعليقاً على تحذيرات خامنئي من إثارة القضايا القومية، قال رئيس حركة النضال العربي لتحرير الأحواز حبيب جبر لـ«الشرق الأوسط» إن «إيران تمرّ اليوم بمرحلة حرجة لم تعهدها منذ تأسيسها كدولة حديثة على حساب الشعوب المحتلة عام 1936، أزمة تستهدف كيانها كدولة وتهددها بالتفكُّك، فعلى الصعيد الخارجي تواجه إيران عزلة سياسية على المستويين الإقليمي والدولي، رغم التوافق الحاصل بينها وبين دول (5 + 1)، بشأن الملف النووي، وبفضل سياسة أوباما المتواطئة مع هذه الدولة المارقة».
ويلفت حبيب جبر إلى أن «مشروع طهران التوسعي الذي صرفت من أجله المليارات، بدأ في الانكفاء والتقهقر والانحسار، بعد (عاصفة الحزم) بقيادة المملكة العربية السعودية، وبروز التحول المفاجئ في الموقف الأميركي من دور إيران في المنطقة بعد مجيء الرئيس دونالد ترمب واعتبارها من أكبر الدول الراعية للإرهاب في العالم، وهي مصنَّفَة سلفاً من ضمن دول محور الشر، وسبق الموقف الأميركي، مواقف دول إقليمية كبيرة، مثل المملكة العربية السعودية وحتى تركية لمواجهة سياسات إيران التوسعية والحد من دورها التخريبي في المنطقة، وهذا ما لمسناه من تصريحات ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الأخيرة، حول العزم على نقل المعركة إلى العمق الإيراني، ليكون الجزاء من جنس العمل».
وعلى الصعيد الداخلي، يوضح حبيب جبر أن «ما تواجهه إيران ليس أزمة شرعية النظام فحسب، بل يتعدى ذلك إلى أزمة وجود، تهدد الدولة الفارسية ككيان هش قائم على شرعية مزيفة فُرِضَت بالقوة لصالح الفرس على شعوب كانت قائمة بكياناتها المستقرة، في مقدمتها الشعب العربي الأحوازي. على الرغم من رفض هذه الشعوب مخطط القوى الاستعمارية في مطلع القرن الماضي، الهادف إلى إلحاقها قسراً في كيان مستحدَث سُمِّي لاحقاً بـ(إيراني)، تكون السلطة فيه للفرس، إلا أن المصالح الاستعمارية كانت تقتضي ذلك. قاومت هذه الشعوب هذا الكيان منذ اليوم الأول من فرضه على كل الأصعدة والمستويات. ولكن الفرس وجدوا دعماً غير محدود لضمان بقاء هذا الكيان».
ويشدد حبيب جبر على أن «الآونة الأخيرة مَكَّنَت الظروف السياسية التي تمر بها المنطقة هذه الشعوب من تصعيد وتيرة نضالها لتحقيق أهدافها السياسية، وتجلى ذلك في العمليات العسكرية التي طالت هذه الدولة في بلوشستان قبل أيام وفي الأحواز التي تعددت فيها المواجهات ومظاهر الرفض، كان أحدثها المواجهات التي اندلعت فجر يوم أمس، وكذلك في كردستان. فمقاومة هذه الشعوب باتت تؤرق النظام وترهبه، بل أصبحت تحركات هذه الشعوب في الوقت الراهن بمثابة الترددات الأولية التي تسبق الزلزال الكبير الذي حذر منه خامنئي في تصريحاته الأخيرة، التي طالَبَ فيها مرشحي الانتخابات الرئاسية بعدم التطرق إلى حقوق الشعوب المحتلة حتى في إطار ما ينص عليه الدستور الإيراني».
ويؤكد جبر أن «الأمر الذي يؤكد الهلع والخوف الكبيرين اللذين يعيشهما هذا النظام من خطورة حراك هذه الشعوب والمجهول المقبل لا محالة. الشعوب المحتلة اليوم تتطلع إلى دور مهم وكبير لها في مواجهة الدولة الإيرانية، خصوصاً أنها الآن تحاول أن تجمع قواها الفاعلة في إطار عمل منسق ينسجم مع تطلعات ومصالح الدول المؤثرة إقليمياً ودولياً، ويحقق أهداف الجميع. لذلك جميع القوى الفاعلة لدى هذه الشعوب دعت إلى مقاطعة مسرحية (الانتخابات) في إيران، بل دعت لمواجهتها بكل السبل، مثل ما دعت له حركة النضال العربي لتحرير الأحواز عبر بيانها. فالانتخابات في إيران عموماً، وانتخابات الرئاسة على وجه التحديد، تُعتَبَر مسرحية سياسية رديئة الإخراج لبيع الوهم للداخل وخداع الخارج، للظهور بمظهر الديمقراطية أمام العالم وكسب الشرعية المفقود أصلاً».

* اليأس يدفع الأكراد إلى مقاطعة الاقتراع
شهدت المناطق الكردية في إيران ظروفاً مشابهة لتلك التي عاشها إقليم كردستان العراق في ظل نظام «البعث». لكن عادت الحيوية إلى نشاط الأحزاب السياسية الكردية، أخيراً، فضلاً عن عودة أكبر الأحزاب إلى حمل السلاح بوجه «الحرس الثوري»، بعد يأس الأكراد من التوصل إلى حلول عادلة لمطالبهم.
وقال نائب أمين عام الحزب الديمقراطي الكردستاني حسن شرفي لـ«الشرق الأوسط» إن المرشحين لم يقدموا وعداً للشعوب غير الفارسية في إيران «جديراً بالاهتمام أو إعلان موقف» من الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني. وأوضح أن «كل فترة من مسرحية الانتخابات في إيران يطلقون وعوداً نظراً للحقائق الموجودة على الأرض من تجاهل لحقوق الشعوب غير الفارسية. وفي الأوضاع العادية التطرق للنقاش من هذا النوع محظور، ويستحق العقاب، لكن في أيام الانتخابات يتحدثون بطريقة سطحية وهابطة عن حقوق القوميات وحصرها في الملابس المحلية وحق التحدث باللغة الأم، ويستخدمون تلك الوعود كأداة للحصول على أصوات الشعب الكردي»، وتابع: «المرشحون أدلوا بتصريحات لا أهمية لها، وهذا القليل أغضب المرشد الإيراني علي خامنئي، فمنع المرشحين حتى من استخدامها كأداة انتخابية، وحذر من الدخول إلى هذا النقاش».
وحول تحذير خامنئي قال شرفي إن «موقف الحزب الديمقراطي الكردستاني من تحذير خامنئي تجاه تحريك الفوالق القومية والوطنية في إيران واضح ونعرف جيداً أن قضية الشعوب غير الفارسية من المشكلات التي لم تُحلّ بعد في إيران، في وقت يستمر فيه بشكل واضح كفاح تلك الشعوب من أجل الحفاظ على الهوية، وتأمين الحقوق الوطنية والسياسية، وقادة النظام يعتبرون هذا الكفاح تهديداً للنظام والوحدة الإيرانية وهي حقيقة يحاولون دائما إنكارها وإبقاءها طي الكتمان. خامنئي لا يطيق التطرق لأبسط قضايا الشعوب غير الفارسية من قبل المرشحين أو أي تلميح يعترف بمشكلة الشعوب في إيران، حتى لو اختُصِرَت باللغة والملابس».
وحول الرسالة التي يوجهها الحزب الديمقراطي الكردستاني إلى الكرد في إيران، قال شرفي إن رسالة حزبه هي الرسالة التي أعلنها الحزب بالاشتراك مع الأحزاب الكردية الخمسة، ودعوا فيها الشعب الكردي إلى مقاطعة صناديق الاقتراع، موضحاً أن «المشاركة في المسرحية الانتخابية تُعد نوعاً من اللامبالاة، وعدم الاحتجاج على تصرفات النظام في كردستان. فضلاً عن ذلك، فإن المسرحيات الانتخابية لم تؤدِّ إلى الاستجابة للمطالب السياسية والقومية للشعب الكردي، والتغيير في كرسي الرئاسة لم يؤدّ إلى تغيير في السياسة والنهج المعادي للكرد وضياع حقوق الشعب الكردي».
وعن موقف الكرد إذا ما حدث صدام بين إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، قال شرفي إن الصدام بين النظام وواشنطن «لا يبدو قريباً، واحتمالاته ضعيفة». وأضاف أن هذا الصدام إذا ما حدث فإنه خاضع لإرادة الشعوب في إيران حتى يقوموا بدور في هذه المواجهة، وفق تصوراتهم، لكن المؤكد أن مواقف هذه الشعوب ستكون وفق مصالحها».

* الدستور الإيراني لا يعترف بحقوق البلوش
تعد القومية البلوشية ذات الأغلبية التي تقطن في جنوب شرقي إيران من أكثر مناطق معاناة من الحرمان. وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط» يرى ناصر بليده القيادي في حزب الشعب البلوشي ورئيس منظمة «يو إن بي أو» (منظمة الشعوب الأصلية) أن «الدستور الإيراني لا يوجد فيه مجال لحل القضية القومية للشعب البلوشي»، موضحاً أن الدستور «لا يعترف باللغة البلوشية، وأن أهل السنة لا يُسمَح لهم بالترشح والتنافس على منصب الرئيس. عندما لا يحق لأحد أن يترشح، فمن الطبيعي أنه لا يوجد دليل على مشاركته في الانتخابات انطلاقاً من ذلك، فإن الوعود التي يقدمها المرشحون لن تؤدي إلى نتائج ملموسة».
وتابع بليده أنه «وفق الدستور، فإن مهمة رئيس الجمهورية تفعيل القانون الأساسي، لكن أيّاً من رؤساء الجمهورية حتى الآن لم يفعل المواد المتعلقة بحقوق القوميات، وعندما لا ينفذ الرئيس القانون الأساسي، فكيف يمكنه العمل بوعوده؟! لا معنى لوعود المرشحين». وأضاف أن «المرشد الإيراني يخشى من إسقاط النظام أو أن تخرج الأمور من قبضته إذا ما نزلت الشعوب إلى الشوارع ولا ننسى أن الشعوب هم الأكثرية في إيران، وفي حال وجود نزاع داخلي فبإمكانهم إسقاط سلطة ولاية الفقيه».
وقال بليده إن «النظام الإيراني الحالي منح المشروعية للظلم ضد الشعب البلوشي، ويستخدم الدين أداةً سياسيةً، من أجل ذلك يجب ألا ينخدع الشعب البلوشي على يد النظام الظالم».
وأشار بليده إلى أن «الشعوب بإمكانها أن تلعب دور قوة تريد تقسيم السلطة، وتساعد على صعود نظام براغماتي، وأن تمنع صعود نظام مركزي يتبع سياسة الهيمنة القومية والطائفية في السياسة الداخلية، وأن تمنع نظاماً يتبع السياسة الإمبريالية لفرض الهيمنة في السياسة الإقليمية التي أدّت إلى حروب داخلية في لبنان والعراق وسوريا واليمن، مثل نظام ولاية الفقيه. للشعب الإيراني مصالح مشتركة مع شعوب المنطقة لتغيير النظام في إيران».

* الترك منزعجون من التكتم على قضاياهم
يتطلع الترك الذين يشكلون أكبر مجموعة عرقية في إيران بعد الفرس، إلى تحقيق مطالب أبرزها الاعتراف باللغة الأم والملابس والحقوق الثقافية.
القيادي في الحركة الوطنية لأذربيجان الجنوبية صالح كامراني يوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه من خلال تصريحات المسؤولين الإيرانيين في الانتخابات الرئاسية «لاحظنا رسم خطين أحمرين من السلطة لم يجرؤ أي من المرشحين، حتى الذين تجاوزوا (فلتر الفقهاء)، من الاقتراب منهما، والخط الأول هو الخوض في النشاط العسكري والخارجي للحرس الثوري الإيراني، والثاني الدخول إلى قضايا الشعوب غير الفارسية، خصوصاً الترك والعرب. من الخصائص الأخرى في الانتخابات أنها محصورة بالفرس، وأن كل المرشحين الستة منهم، وهذا يعني أنهم لا يثقون بالمرشحين من غير الفرس ممن خسروا أنفسهم وذابوا في نظام ولاية الفقيه، ويريدون حصر السلطة 100 في المائة بيد القومية الفارسية».
وحول الوعود التي أطلقها المرشحون في المجالات الاقتصادية والاجتماعية، قال كامراني: «يجب القول إنها مجرد شعارات واستراتيجيات انتخابية لا أكثر، وليس بإمكانها تغيير الوضع الحالي، خصوصاً إذا أخذنا موقع رئيس الجمهورية السياسي والقانوني الذي لديه إمكانيات محدودة في البنية السياسية الإيرانية. من أجل ذلك أنا كشخص من الشعب التركي في أذربيجان الجنوبية بتعداد سكاني 35 مليوناً، أطالب بمقاطعة ما تسمى بالانتخابات في إيران، حتى لا توجد حجج داخلية ودولية لاستمرار النظام». ويضيف كامراني أن «النظام لديه الوعي الكامل بأن الوعي بين الشعوب غير الفارسية بلغ مستوى لا يمكن السيطرة عليه. مناقشة المطالب الوطنية في أيام الحملات الانتخابية على لسان أصحاب السلطة يؤكد أن هندسة هذه المطالب لن تخرج من الحالة السائدة لدى النظام. يمكن أن نرى هذا الضعف بوضوح في تحذير خامنئي من الدخول إلى قضايا الشعوب غير الفارسية، لأن النظام استخدم القضايا القومية في انتخابات الماضية للخداع والحصول على المشروعية، فالكذب والخداع أصبحا مفضوحين، من أجل ذلك في هذه الفترة يريد أن يرد على سيف المطالب القومية بالمدفعية والصواريخ. هذا في وقت يُظهِر الأمرُ ضعفَه أكثر».
وطالَب كامراني الشعوب غير الفارسية بأن «تقاطع الانتخابات الشكلية وعدم المشاركة في مسرحية الدمى المتحركة»، وأضاف: «إذا أساء النظام لثلاثة أرباع المجتمع بحصر الترشح في الفرس فيجب تحقيره بمقاطعة صناديق الاقتراع»، وحول آفاق الصدام بين إيران وأميركا وموقف الشعوب الإيرانية يوضح قائلاً: «من لا يعرف أن النظام ليس بإمكانه الاستمرار لشهر في حال مواجهة خارجية مع النظام من دون حضور ودعم غير الفارسيين. من لا يعرف أنه من دون الأذريين والأحوازيين وغيرهم لا تبقى قوات عسكرية للدفاع عن النظام».



فتح «هرمز»... إجماع دولي وتهديد أميركي

نيران ودخان يتصاعد من رصيف بجزيرة قشم صباح الخميس (شبكات التواصل)
نيران ودخان يتصاعد من رصيف بجزيرة قشم صباح الخميس (شبكات التواصل)
TT

فتح «هرمز»... إجماع دولي وتهديد أميركي

نيران ودخان يتصاعد من رصيف بجزيرة قشم صباح الخميس (شبكات التواصل)
نيران ودخان يتصاعد من رصيف بجزيرة قشم صباح الخميس (شبكات التواصل)

تبلور إجماع دولي على فتح مضيق هرمز فوراً ومن دون شروط، فيما لوّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بمواصلة ضرب إيران «بعنف شديد»، وربط إنهاء الحرب مجدداً بفتح الممر البحري، بينما توعدت طهران بالردّ على ضربات جزيرة قشم.

وأكدت مصادر رسمية سعودية أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين شدّد، خلال اتصال هاتفي مع الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، على دعم موسكو لحفظ سيادة السعودية وأمن أراضيها، فيما بحث الجانبان التصعيد العسكري في المنطقة وتداعياته على أمن الملاحة البحرية والاقتصاد العالمي.

وفي لندن، شدّدت 40 دولة على ضرورة «إعادة فتح مضيق هرمز فوراً ومن دون أي شروط»، معتبرة أن إغلاقه من جانب إيران يشكل «تهديداً مباشراً للازدهار العالمي»، وانتهاكاً لحرية الملاحة وقانون البحار.

وجدّد ترمب أمس دعوة إيران إلى عقد اتفاق «قبل فوات الأوان». وأشاد بقصف جسر قيد الإنشاء بين طهران وكرج، قائلاً إن «أكبر جسر في إيران» انهار، «ولن يُستخدم مجدداً أبداً». وقبل ذلك بساعات، توعد بمواصلة ضرب إيران «بعنف شديد» خلال الأسبوعين أو الثلاثة المقبلة، بما في ذلك ضرب محطات الطاقة إذا لم تستجب طهران لفتح مضيق هرمز، مهدداً بإعادة طهران إلى «العصر الحجري».

وردّت طهران بتشدد، فقالت هيئة الأركان إن تقدير واشنطن وتل أبيب لقدراتها «غير مكتمل»، فيما قال قائد الجيش أمير حاتمي إن أي هجوم بري «لن ينجو منه أحد».

وأعلن «الحرس الثوري» أن توسيع الحرب «يوسع بنك الأهداف»، متوعداً بالردّ على ضربات طالت رصيف جزيرة قشم. كما أعلن مقتل العميد محمد علي فتح علي زاده، قائد وحدة النخبة «فاتحين» التابعة لـ«الباسيج».


وسائل إعلام إيرانية رسمية: مقتل 8 وإصابة 95 في هجوم على كرج

دخان قصف يتصاعد في سماء طهران يوم الأول من أبريل (أ.ف.ب)
دخان قصف يتصاعد في سماء طهران يوم الأول من أبريل (أ.ف.ب)
TT

وسائل إعلام إيرانية رسمية: مقتل 8 وإصابة 95 في هجوم على كرج

دخان قصف يتصاعد في سماء طهران يوم الأول من أبريل (أ.ف.ب)
دخان قصف يتصاعد في سماء طهران يوم الأول من أبريل (أ.ف.ب)

أفادت وسائل إعلام إيرانية رسمية بأن 8 أشخاص قُتلوا وأصيب 95 آخرون في هجوم على جسر «بي1» في كرج.

وقد تعرض هذا الجسر الرئيسي في مدينة كرج الواقعة إلى الغرب من طهران، لضربات إسرائيلية - أميركية على مرحلتين، الخميس.

وأوردت القناة التلفزيونية الرسمية أن «العدو الأميركي - الصهيوني استهدف مجدداً جسر (بي 1) في كرج»، المتاخمة للعاصمة.

وأوضحت أن الجسر كان قد استهدف قبل ذلك بساعة، مشيرة إلى أن «الهجوم الجديد وقع بينما كانت فرق الإنقاذ تعمل لتقديم المساعدة للضحايا» بعد الضربة الأولى.


مهلة ترمب لطهران تقترب... وهرمز في قلب الاشتباك

صورة انتشرت من جسر قيد الإنشاء بعد غارة جوية في كرج غرب طهران (شبكات التواصل)
صورة انتشرت من جسر قيد الإنشاء بعد غارة جوية في كرج غرب طهران (شبكات التواصل)
TT

مهلة ترمب لطهران تقترب... وهرمز في قلب الاشتباك

صورة انتشرت من جسر قيد الإنشاء بعد غارة جوية في كرج غرب طهران (شبكات التواصل)
صورة انتشرت من جسر قيد الإنشاء بعد غارة جوية في كرج غرب طهران (شبكات التواصل)

اقتربت المهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإعادة فتح مضيق هرمز، بينما أكد أن قواته ستواصل ضرب إيران «بعنف شديد» خلال الأسبوعين أو الأسابيع الثلاثة المقبلة، وأن الأهداف العسكرية الأميركية ستُنجز «قريباً جداً». وفي المقابل، تمسكت طهران بإغلاق المضيق أمام «الأعداء»، وردت بتهديدات بتوسيع الضربات.

وتزامن ذلك مع جولة جديدة من الغارات داخل إيران، ورشقات صاروخية إيرانية متكررة على إسرائيل، وتحركات دبلوماسية متسارعة حول مستقبل الملاحة في المضيق.

واستمرت الضربات على منشآت ومواقع داخل إيران، من مشهد شمال شرقي البلاد إلى أصفهان وسط والعاصمة طهران وبضواحيها كرج وعبادان ومعشور في جنوب غربي البلاد، وبندر عباس وبجواره جزيرة قشم أكبر الجزر المأهولة في الخليج العربي قبالة مضيق هرمز، بينما أعلن الجيش الإسرائيلي استهداف قاعدة للقوات البرية التابعة لـ«الحرس الثوري» ومركز قيادة متنقل وموقع لتخزين الصواريخ الباليستية في منطقة تبريز شمال غربي البلاد.

وفي المقابل، واصل «الحرس الثوري» والجيش الإيراني إصدار بيانات عن موجات جديدة، شملت هجمات صاروخية ومسيّرة على أهداف إسرائيلية، وأخرى في دول المنطقة، بدعوى أنها مرتبطة بالولايات المتحدة، منها استهداف قاعدة الأزرق الجوية في الأردن.

وأشاد ترمب بقصف جسر«B1» الرابط بين طهران وكرج، قائلاً إن «أكبر جسر في إيران» انهار «ولن يُستخدم مجدداً أبداً»، مجدداً دعوة طهران إلى إبرام اتفاق «قبل فوات الأوان». وجاء ذلك بعد إعلان التلفزيون الرسمي الإيراني أن الجسر تعرّض لضربات إسرائيلية - أميركية على مرحلتين الخميس، أسفرت، بحسبه، عن مقتل شخصين على الأقل. وأضاف ترمب أنه حان الوقت لإيران لعقد اتفاق «قبل ألا يبقى شيء» مما يمكن أن يصبح «بلداً عظيماً».

ونائب الشؤون الأمنية لحاكم محافظة البرز إن الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على الجسر في كرج أسفر عن مقتل 8 مدنيين وإصابة 95 آخرين.

وأضاف أن القتلى من سكان قرية بيلقان ومن مسافرين عابرين وعائلات كانت موجودة في محيط المنطقة لقضاء يوم الطبيعة وقت وقوع الهجوم، واصفاً ما جرى بأنه «جريمة مروعة»، وفقاً لوكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري».

وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن استهداف منشآت مدنية، بما في ذلك الجسور غير المكتملة، «لن يجبر الإيرانيين على الاستسلام»، معتبراً أن ذلك يعكس «هزيمة وانهياراً أخلاقياً» لدى الخصم.

وأضاف، في منشور على منصة «إكس»، أن كل جسر ومبنى متضرر «سيعاد بناؤه بصورة أقوى»، لكنه قال إن ما «لن يتعافى» هو الضرر الذي لحق بمكانة الولايات المتحدة.

الخيار المطروح

وقال ترمب، في خطاب استمر نحو 20 دقيقة من البيت الأبيض مساء الأربعاء، إن العملية الجارية منذ 32 يوماً «استثمرت في مستقبل الأميركيين»، معتبراً أن إيران «لم تعد في الأساس تشكل تهديداً». وأضاف أن الولايات المتحدة لا تزال تسعى إلى اتفاق دبلوماسي، لكنه شدد على أنه إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق «فسنضرب كل محطة من محطات توليد الكهرباء لديهم بعنف شديد، وعلى الأرجح في وقت واحد».

وقال أيضاً إن واشنطن لم تستهدف النفط الإيراني حتى الآن، رغم أنه «الهدف الأسهل على الإطلاق»، لأن ذلك «لن يمنحهم حتى فرصة صغيرة للبقاء أو إعادة البناء»، لكنه أبقى هذا الخيار مطروحاً.

ساعة الإنذار

فصّل ترمب في خطابه ملامح الضغط الأميركي في هذه المرحلة، قائلاً إن الولايات المتحدة ستواصل ضرب إيران «بعنف شديد» خلال الأسبوعين أو الثلاثة أسابيع المقبلة، وإن بلاده «في طريقها إلى استكمال جميع الأهداف العسكرية الأميركية قريباً، قريباً جداً». وأضاف أن أي عدو في تاريخ الحروب «لم يتعرض لخسائر واسعة النطاق واضحة ومدمرة بهذا الشكل خلال أسابيع»، معتبراً أن النجاح العسكري تحقق وأن ما تبقى هو إنهاء المهمة.

وقال أيضاً إن إيران ستُدفع «إلى العصر الحجري»، وإن الولايات المتحدة ستضربها «بعنف شديد» إذا لم تستجب. وكرر أن هدفه الأساسي من الحرب كان ضمان ألا تمتلك إيران «سلاحاً نووياً أبداً»، مضيفاً أن اليورانيوم عالي التخصيب المدفون تحت الأنقاض الناتجة عن ضربات سابقة «تحت مراقبة وسيطرة مكثفتين بالأقمار الاصطناعية». وقال: «إذا رأيناهم يتحركون، حتى مجرد التحرك نحوه، فسوف نضربهم بالصواريخ بعنف شديد مرة أخرى. نحن نمسك بكل الأوراق. وهم لا يملكون شيئاً».

ولم يبد ترمب ميلاً لإرسال قوات برية لتأمين اليورانيوم المخصب، قائلاً إن الوصول إليه «سيستغرق أشهراً» لأنه مدفون تحت الأنقاض. لكنه أبقى الباب مفتوحاً أمام ضرب البنية التحتية للطاقة والنفط إذا لم تخضع طهران للشروط الأميركية.

وفي هذا السياق، ربط مجدداً أي نهاية للحرب بإعادة فتح مضيق هرمز، قائلاً إن الولايات المتحدة تريد اتفاقاً قبل مهلة 6 أبريل (نيسان) التي حددها بعد تمديد مهلة سابقة كانت قد اقتصرت على 48 ساعة لإعادة فتح المضيق.

جاء ذلك بعدما قال ترمب إن من هم الآن في السلطة في إيران «أقل تطرفاً وأكثر عقلانية بكثير» بعد الضربات الأميركية والإسرائيلية، لكنه لم يحدد بصورة واضحة وضع المفاوضات أو جدولاً زمنياً لإنهاء الحرب. كما لم يوضح كيف يمكن إنهاء الاضطراب في أسواق الطاقة إذا استمرت إيران في تعطيل الملاحة. لكنه قال إن مضيق هرمز «سينفتح تلقائياً» بمجرد انتهاء القتال، لأن الإيرانيين «سيريدون بيع النفط». ودعا الدول التي تعتمد على النفط المار عبر المضيق إلى «بناء بعض الشجاعة المتأخرة» و«الذهاب وأخذ المضيق»، قائلاً: «احموه، واستخدموه لأنفسكم».

رسائل التصلب

جاءت الردود الإيرانية واسعة وموزعة بين المؤسسة العسكرية والقيادة السياسية والخطاب التعبوي. فقال المتحدث باسم عمليات هيئة الأركان إن تقدير الولايات المتحدة وإسرائيل للقدرات العسكرية الإيرانية «غير مكتمل»، وقال إن إيران تحتفظ بمخزونات سرية من الأسلحة والذخائر ومنشآت الإنتاج، مضيفاً أن «إنتاجنا العسكري الاستراتيجي يجري في مواقع لا علم لكم بها ولن تصلوا إليها أبداً» وإن «المراكز التي تظنون أنكم استهدفتموها غير ذات أهمية». وتوعد بأن العمليات المقبلة ستكون «أكثر سحقاً واتساعاً وتدميراً». مضيفاً أن الحرب ستستمر حتى «ندم» الخصوم و«استسلامهم».

ورد مجيد موسوي، قائد الوحدة الصاروخية في «الحرس الثوري»، على تهديدات «العصر الحجري» بالقول إن «من قد يُدفنون تحت الأنقاض هم جنودكم، لا إيران»، مضيفاً أن «الأوهام الهوليوودية» دفعت الأميركيين إلى تهديد حضارة يزيد عمرها على ستة آلاف عام. وفي رسالة بالعبرية إلى الإسرائيليين، قال إن صفارات الإنذار والاهتزازات في الملاجئ تحت وابل الصواريخ الإيرانية تمثل «جزءاً من هدية نتنياهو» للإسرائيليين في العيد.

وفي بيان مماثل، قال «الحرس الثوري» إن الضربات الأميركية والإسرائيلية لم تدمر مراكز إنتاج الصواريخ ولا الطائرات المسيّرة بعيدة المدى ولا الدفاعات الجوية ولا أنظمة الحرب الإلكترونية. وأضاف أن الولايات المتحدة وإسرائيل «لا تعرفان شيئاً عن قدراتنا الهائلة والاستراتيجية».

كما قالت قيادة الوحدة البحرية في «الحرس الثوري» إن توسيع الحرب «يوسع بنك الأهداف» ويُسرع «إخراج أميركا من المنطقة»، مشيرة إلى أهداف تشمل منشآت صلب وألمنيوم في المنطقة.

صورة نشرها المتحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية بعد تدمير معهد باستور العلمي في منطقة تحمل الاسم نفسه وتضم مراكز صنع القرار بما في ذلك مكتب المرشد الإيراني ومجلس الأمن القومي وديوان الرئاسة

أما رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، فاختار خطاباً تعبوياً مباشراً، قائلاً إن مهاجمة إيران تعني مواجهة «العائلة كلها». وقال إنه حمل السلاح في سن الثامنة عشرة، وإن شقيقه قُتل في الحرب، قبل أن يضيف أن الإيرانيين «ليسوا دعاة حرب»، لكن «كل فرد يصبح جندياً عندما يحين وقت الدفاع عن الوطن». وأضاف أن حملة وطنية جارية أظهرت استعداد نحو سبعة ملايين إيراني لحمل السلاح والدفاع عن البلاد.

ومن جانبه، قال قائد الجيش الإيراني اللواء أمير حاتمي إن أي قوة معادية تحاول تنفيذ عملية برية «لن ينجو منها أحد»، في حين قال رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف إن مهاجمة إيران تعني مواجهة «العائلة كلها»، مشيراً إلى أن نحو سبعة ملايين إيراني أعلنوا استعدادهم لحمل السلاح والدفاع عن البلاد.

وقال حاتمي إن مقر العمليات الإيراني يجب أن يراقب تحركات العدو «بأقصى درجات الحذر والدقة»، وأن يكون مستعداً لمواجهة أي شكل من أشكال الهجوم.

وأضاف، في توجيه إلى القيادات العملياتية، أن «شبح الحرب» يجب أن يُرفع عن البلاد، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن أي عملية برية معادية ستُقابل برد لا ينجو منه أحد. وأظهرت وسائل إعلام إيرانية حاتمي مع عدد من القادة العسكريين في غرفة عمليات، في رسالة أرادت طهران من خلالها إظهار الجاهزية والقيادة المباشرة.

ومن جانبه، قال سعيد جليلي، ممثل المرشد الإيراني في مجلس الأمن القومي، إن تسلسل التصريحات الأميركية عن مضيق هرمز يمثل «سجل التراجع التدريجي للولايات المتحدة وانهيار أوهام رئيسها». واستعرض ما قال إنها مواقف أميركية متبدلة: من الحديث عن فتح المضيق وفرض مهلة 48 ساعة ثم تمديدها خمسة أيام، إلى مطالبة «الناتو» بالمساعدة، ثم دعوة الدول المحتاجة إلى النفط لأن «تذهب وتفتحه بنفسها».

وبدوره، قال حسام الدين آشنا، أحد كبار الخبراء في وزارة الاستخبارات ومستشار الرئيس الأسبق حسن روحاني، إن إيران «لم تأتِ في يوم ما من العصر الحجري حتى يمكن إعادتُها إليه بالقصف».

دبلوماسية المضيق

بقي مضيق هرمز في صلب الاشتباك السياسي والعسكري. فإيران واصلت استخدامه أداة ضغط استراتيجية، بينما تعاملت معه واشنطن والدول الغربية بوصفه عنواناً رئيسياً للنزاع. وقال نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي إن بلاده تعمل مع سلطنة عمان على إعداد نظام جديد للملاحة في المضيق، على أن يبدأ تطبيقه بعد انتهاء الحرب، مشيراً إلى أن المشروع بلغ مراحله النهائية. وأضاف أن إيران ترى ضرورة منع سفن «المعتدين وحلفائهم»، التجارية والعسكرية، من عبور المضيق إذا كانت تشارك في العمليات العسكرية أو تدعمها.

دخان يتصاعد من بلدة صناعية تضم ورشات لصناعة السجاد بمدينة أصفهان (شبكات التواصل)

وأوضح غريب آبادي أن التصور الإيراني يقوم على إلزام جميع السفن العابرة، حتى في أوقات السلم، بالحصول مسبقاً على الموافقات والتصاريح اللازمة من إيران وعُمان، بما يضمن أمن الممر وسلامة العبور. وقال إن العمل يتركز حالياً على بروتوكول مشترك مع سلطنة عُمان لا يستهدف فرض قيود بل تنظيم المرور وتقديم الخدمات وضمان الأمن.

في المقابل، قالت باكستان إنها مستعدة لاستضافة محادثات مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران للمساعدة في إنهاء الصراع، من دون تحديد موعد بعد. وقالت وزارة الخارجية الباكستانية إن إسلام آباد تواصل بذل «جهود دبلوماسية بنشاط» لوقف الأعمال العدائية، وإن دول المنطقة تدعم إمكان عقد محادثات محتملة في إسلام آباد. وأضافت أن رئيس الوزراء شهباز شريف بحث المبادرة مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وشدد على ضرورة بناء الثقة لتسهيل التفاوض والوساطة.

كما تحدثت بريطانيا عن اجتماع افتراضي يضم نحو 30 إلى 35 دولة لبحث تدابير دبلوماسية وسياسية لاستئناف الملاحة في المضيق بعد انتهاء الحرب. لكن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قال إن أي عملية عسكرية لـ«تحرير» هرمز ستكون «غير واقعية».

ودعت الصين إلى وقف فوري لإطلاق النار، وقالت إن استعادة الاستقرار في المضيق هدف مشترك للمجتمع الدولي، محملة العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية مسؤولية تعطيل الملاحة. كما حصلت الفلبين على تأكيد إيراني بسلامة مرور سفنها ووارداتها النفطية وبحارتها عبر المضيق. وأبدت روسيا استعداداً للمساعدة في تسوية الحرب، فيما حذر وزير الخارجية الإيطالي من أن استمرارها قد يؤدي إلى زيادة تدفقات الهجرة.

خرائط النار

ميدانياً، أعلن الجيش الإسرائيلي توسيع بنك أهدافه داخل إيران ليشمل، إلى جانب القواعد ومراكز القيادة والمخازن الصاروخية، البنية المالية التي يعتمد عليها النظام الإيراني في تمويل قواته المسلحة ووكلائه في المنطقة. وقال إنه استهدف قاعدة للقوات البرية التابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني، إلى جانب مركز قيادة متنقل يستخدمه قادة في النظام، مشيراً إلى أنه أنجز الأربعاء موجة واسعة من الضربات استهدفت بنى تحتية تابعة للنظام في أنحاء طهران.

وأضاف أن هذه الضربات شملت أيضاً موقعاً لتخزين الصواريخ الباليستية تابعاً للوحدة الصاروخية في منطقة تبريز، وأن النظام الإيراني بدأ في الأيام الأخيرة نقل بعض مراكز قيادته إلى وحدات متنقلة، فجرى استهداف أحد هذه المراكز بينما كان القادة بداخله.

وفي تطور موازٍ، قال الجيش الإسرائيلي إنه نفذ في طهران ضربة دقيقة أسفرت عن مقتل جمشيد إسحاقي، الذي وصفه بأنه قائد «مقر النفط» التابع لقوات النظام الإيراني، مضيفاً أن هذا المقر يمثل جزءاً أساسياً من بنية التمويل العسكري عبر عائدات بيع النفط.

وقال إن إسحاقي كان يدير الذراع المالية لقوات النظام، إلى جانب الصناعات العسكرية المسؤولة عن إنتاج الصواريخ الباليستية وآليات القمع الداخلي، كما كان يشرف على تخصيص أموال لتمويل وكلاء إيران في الشرق الأوسط، وفي مقدمهم «حزب الله» والحوثيون.

وأضاف الجيش الإسرائيلي أن سلاح الجو استهدف كذلك في طهران مقار عسكرية مركزية يستخدمها «الحرس الثوري» لإدارة موازنات الأجهزة الأمنية وتمويل الأنشطة العسكرية والعمليات الخارجية، بما في ذلك ما قال إنها تحويلات بمليارات الدولارات إلى «حزب الله» و«حماس» والحوثيين.

وفي تحديث عملياته خلال عطلة عيد الفصح، قال الجيش الإسرائيلي إنه استهدف أكثر من 50 هدفاً من منظومة الصواريخ الباليستية في إيران، مضيفاً أن سلاح الجو نفذ خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية أكثر من 20 غارة في وسط طهران وغربها، استهدفت عشرات منصات الإطلاق ومواقع تخزين الصواريخ الباليستية باستخدام أكثر من 140 ذخيرة.

وأضاف أن مقاتلة من طراز «إف - 35 آي أدير» رصدت عملية إطلاق صاروخ باليستي من داخل موقع لتخزين الصواريخ، وبعد تحديد الموقع جرى استهداف منصة الإطلاق وإحباط هجوم صاروخي كان موجهاً إلى إسرائيل. وقال إن سلاح الجو نفذ، طوال عملية «زئير الأسد»، مئات الضربات على منظومات الصواريخ الباليستية والدفاعات الجوية التابعة لـ«الحرس الثوري» بهدف إضعاف قدراته الصاروخية ومنع إطلاق مزيد من الصواريخ نحو إسرائيل.

وعلى الجبهة المقابلة، أبلغ الجيش الإسرائيلي عن رصد صواريخ أُطلقت من إيران باتجاه الأراضي الإسرائيلية خمس مرات على الأقل حتى لحظة إعداد التقرير، قبل أن يعلن السماح بمغادرة الأماكن المحمية، فيما تحدثت بياناته عن عمل فرق الإنقاذ في مواقع سقوط بوسط إسرائيل ثم في شمالها.

وقالت «وكالة الصحافة الفرنسية» إن الجيش الإسرائيلي أعلن التصدي لأربع رشقات صاروخية خلال ست ساعات صباح الخميس. كما وردت تقارير عن إصابات طفيفة في منطقة تل أبيب.

نيران ودخان يتصاعد من رصيف بجزيرة قشم صباح الخميس (شبكات التواصل)

أما داخل إيران، فطالت الضربات، الخميس، منشآت عسكرية وبنى تحتية ومرافق لوجيستية في عدد من المحافظات. ففي مشهد، اندلع حريق كبير قرب المطار بعد إصابة خزان وقود أو منشأة مرتبطة به، من دون تسجيل ضحايا. وفي قشم، لحقت أضرار بأجزاء من ميناء بهمن التجاري ورصيف الصيادين في قشم، كما وردت تقارير عن أضرار في ميناء لنجة. فيما امتدت الهجمات إلى عبادان ومعشور وسيرجان وخرم آباد وتبريز.

وفي أصفهان، أظهرت صور وتقارير متداولة استهداف مخزن ذخيرة تابع لـ«الحرس الثوري» في بهارستان، بالتزامن مع استمرار الحديث عن ضربات سابقة على «فولاد مباركة».

وفي طهران، أعلن المتحدث باسم وزارة الصحة أن الهجوم ألحق أضراراً واسعة بمعهد باستور، واصفاً ذلك بأنه «هجوم مباشر على الأمن الصحي الدولي».وفي المقابل، قالت بيانات «الحرس الثوري» والجيش الإيراني إن الموجة التسعين من عملية «الوعد الصادق 4» استهدفت صناعات صلب وألمنيوم أميركية في أبوظبي والبحرين.

كما أعلن «الحرس الثوري» إسقاط مسيّرة «هيرميس 900» في شيراز، فيما قال الجيش الإيراني إن دفاعاته دمرت طائرتين من طراز «إم كيو 9» هناك، ما رفع عدد المسيّرات التي أسقطتها الشبكة المشتركة إلى 154. وأعلن الجيش أيضاً، في بيانه رقم 52، أنه شن هجوماً بمسيّرات استهدف موقع تمركز المقاتلات الأميركية المتطورة في قاعدة الأزرق الجوية بالأردن.

حسابات المعركة

قال قائد القيادة المركزية الأميركية الأميرال براد كوبر إن تقديره العملياتي، مع دخول الحملة أسبوعها الخامس، يشير إلى «تقدم لا يمكن إنكاره». وأضاف أن البحرية الإيرانية لم تعد تظهر في البحر، وأن الطائرات الإيرانية لم تعد تحلق، مشيراً إلى أن منظومات الدفاع الجوي والدفاع الصاروخي الإيرانية «دُمّرت إلى حد كبير».

وأعلنت «سنتكوم» أن عملية «ملحمة الغضب» ضد إيران، التي بدأت بتوجيه من الرئيس الأميركي في 28 فبراير (شباط) عند الساعة 1:15 فجراً، لا تزال مستمرة. وقالت إن عدد الأهداف التي ضُربت تجاوز 12300 هدف، فيما تجاوز عدد الطلعات القتالية 13 ألف طلعة، إضافة إلى تضرر أو تدمير أكثر من 155 سفينة إيرانية.

وأضافت أن بنك الأهداف شمل مراكز القيادة والسيطرة، ومقار «الحرس الثوري»، ومواقع الاستخبارات، ومنظومات الدفاع الجوي، ومواقع الصواريخ الباليستية، والسفن والغواصات، ومنشآت تصنيع الصواريخ والمسيّرات، ومخابئ إنتاج الأسلحة وتخزينها، والبنية التحتية العسكرية المساندة. كما قالت إن العملية اعتمدت على قدرات جوية وبحرية وبرية واسعة، شملت قاذفات ومقاتلات وطائرات حرب إلكترونية واستطلاع وتزود بالوقود ومسيّرات هجومية، إلى جانب حاملات طائرات وغواصات ومدمرات ومنظومات «باتريوت» و«ثاد » و«هيمارس».

وفي إيران، أعلن إعلام «الحرس الثوري» مقتل العميد محمد علي فتح علي زاده، قائد وحدة «فاتحين»، أمس الأربعاء. وتُعد «فاتحين» من قوات النخبة في «الباسيج» التابعة لـ«الحرس الثوري»، وتضم عناصر تتلقى تدريباً عسكرياً خاصاً في القتال البري والانتشار السريع والعمليات الخاصة المحمولة جواً والعمل في البيئات الحضرية، وشاركت في الحرب السورية واستخدمت في مهام الأمن الداخلي قبل أن تتحول إلى تشكيل قتالي منظم داخل بنية «الحرس».

صورة نشرها إعلام «الحرس الثوري» من قائد وحدة «فاتحين» في جهاز «الباسيج» بعد تأكيد مقتله في ضربة استهدفته الأربعاء

وفي بوشهر جنوب البلاد، استمر تشييع قائد بحرية «الحرس الثوري» علي رضا تنغسيري، الذي قُتل في غارة إسرائيلية الأسبوع الماضي، بعدما أقيمت له الأربعاء جنازة في طهران سبقتها مراسم أخرى في بندر عباس.

وعلى الصعيد النووي، قال سفير إيران لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية رضا نجفي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن بلاده لم تستأنف تخصيب اليورانيوم بعد الضربات الإسرائيلية والأميركية التي استهدفت بعض منشآتها النووية في يونيو (حزيران) 2025، واصفاً الاتهامات الأميركية بأنها «كذبة كبيرة».

كما قال إن الهجمات على محطة بوشهر النووية تمثل «انتهاكاً فاضحاً للقانون الدولي» و«جريمة حرب»، محذراً من أي تسرب إشعاعي قد يؤدي إلى تلوث المياه وإجبار السكان على الإخلاء. وفي الداخل الإيراني، أعلنت السلطة القضائية تنفيذ حكم الإعدام شنقاً بحق أمير حسين حاتمي، المدان بتنفيذ أعمال لصالح إسرائيل والولايات المتحدة خلال اضطرابات سابقة هذا العام، بينها محاولة اقتحام مركز عسكري وتدميره والاستيلاء على أسلحة وذخائر.

وبحسب الأرقام المتداولة حتى الآن، قُتل أكثر من 1900 شخص في إيران منذ بدء الحرب، فيما أُبلغ عن مقتل 19 شخصاً في إسرائيل. كما قُتل أكثر من عشرين شخصاً في دول الخليج والضفة الغربية المحتلة، إضافة إلى 13 من أفراد القوات المسلحة الأميركية. وفي لبنان، قُتل أكثر من 1200 شخص ونزح أكثر من مليون، كما قُتل 10 جنود إسرائيليين هناك.