الترف بمفهومه الحالي... منتجعات صحية لتدليل النفس والجسد

جيل «السيلفي» يرغب في تجارب مختلفة تُجمل الصورة من كل الزوايا

الآن أصبح الكل مقتنعاً بأن الجسم والشكل السليم في العقل السليم  -  العارضة كارلي كلوس وغيرها تعرف أن الموضة مهمة لكن الأهم هو الراحة والثقة وهو ما أنعش الأسلوب السبور أيضاً وليس فقط الحميات الصحية  -  جمال المظهر بات مرادفاً للصحة
الآن أصبح الكل مقتنعاً بأن الجسم والشكل السليم في العقل السليم - العارضة كارلي كلوس وغيرها تعرف أن الموضة مهمة لكن الأهم هو الراحة والثقة وهو ما أنعش الأسلوب السبور أيضاً وليس فقط الحميات الصحية - جمال المظهر بات مرادفاً للصحة
TT

الترف بمفهومه الحالي... منتجعات صحية لتدليل النفس والجسد

الآن أصبح الكل مقتنعاً بأن الجسم والشكل السليم في العقل السليم  -  العارضة كارلي كلوس وغيرها تعرف أن الموضة مهمة لكن الأهم هو الراحة والثقة وهو ما أنعش الأسلوب السبور أيضاً وليس فقط الحميات الصحية  -  جمال المظهر بات مرادفاً للصحة
الآن أصبح الكل مقتنعاً بأن الجسم والشكل السليم في العقل السليم - العارضة كارلي كلوس وغيرها تعرف أن الموضة مهمة لكن الأهم هو الراحة والثقة وهو ما أنعش الأسلوب السبور أيضاً وليس فقط الحميات الصحية - جمال المظهر بات مرادفاً للصحة

عندما ابتكرت دار «هيرميس» فكرة لائحة الانتظار لحقيبتيها «ذي بيركين» و«كيلي» غيرت مفهوم الترف، وهكذا بين ليلة وضحاها أصبح كل ما هو بعيد المنال ويصعب الحصول عليه ترفا تلهث وراءه المرأة ويبحث عنه الرجل.
ولا يختلف اثنان حول ذكاء تجربة «هيرميس»، سواء كانت الحقيبة فعلا تتطلب كل هذه الأشهر لإنجازها وتنفيذها أم لعبة ترويجية وتسويقية، المهم أنها التزمت بالحرفية لتسويقها تحت شعار «صنع باليد». وقد حاولت مجموعة من بيوت الأزياء والإكسسوارات الأخرى أن تحذو حذوها، إلا أنها لم تنجح بالقدر نفسها، وهو ما أوحى لهم بخلق أفكار مبتكرة مماثلة، نذكر منها مثلا «صنع على المقاس» أو «حسب الطلب»، أي أن الزبون يستطيع أن يحصل على منتج ليس على مقاسه فحسب، بل أيضا بمواصفات تحمل بصماته الخاصة، ويكون له فيها رأي مباشر، من حيث اختيار اللون والخامة، وما شابه من أمور لا يقدر عليها أيا كان.
فالترف بمعناه التقليدي كان ولا يزال مرادفا لقدرات شرائية عالية للزبون، إلى جانب الوصول على شيء لم يسبقه إليه أحد، أو لا يمكن لغيره الحصول عليه. والطريف أنه كلما اجتهد صناع الترف في مواكبة متطلبات هذا الزبون، تغيرت أولوياته ومفهومه للترف. لكن ربما يكون التحدي أكبر حاليا مع جيل الألفية وعصر «السيلفي» والصورة. هذا الجيل يريد أن تكون متكاملة، إذ ما فائدة حقيبة لا مثيل لها إذا كانت من تحملها لا تتمتع بمواصفات الرشاقة والثقة والإبهار؟
وإذا كان هذا الأمر يؤرق حاليا صناع الجمال والأناقة والساعات، وغيرهم ممن تعودوا على التعامل مع زبون مقتدر يبحث عن التفرد بأي ثمن، فإنه يُثلج صدور كل من دخلوا خلال السنوات الأخيرة على الخط ببيعهم الترف على أنه راحة جسدية ونفسية، لا سيما أنه بإمكانهم مخاطبة شرائح أكبر. وهذا ما يفسر انتعاش الأماكن السياحية البعيدة التي لا يصل إليها السائح العادي الذي يستعمل الطيران الاقتصادي، كما توفر له نشاطات مبتكرة لإغرائه إلى جانب علاجات صحية بات يشعر أنه في أمس الحاجة إليها في زمن يتسارع إيقاعه ويكاد يقطع أنفاسه. ومن هذا المنظور تغير الترف، فهو الآن حالة نفسية وجسدية على حد سواء، لا يكتمل الثاني من دون الأول والعكس.
لهذا ليس غريبا أن تصبح لائحة الانتظار لبعض هذه الوجهات أو الفنادق بطول لائحة الانتظار لحقائب «هيرميس» أو أكثر. ففي بعض الحالات تحتاج إلى وساطات وتدخلات للحصول على غرفة، وليس أدل على هذا من فندق «لاريزيرف» La Reserve بباريس الذي فتح أبوابه منذ سنتين تقريبا، ومن الصعب الحصول على غرفة فيه من دون حجز مسبق قد يطول أشهرا. والسبب ليس قربه من قصر الإليزيه أو «لو غران باليه»، وبالتالي من أماكن التسوق التي يوفرها كل من «أفينو مونتين» وشارع «سانت أونوريه» فحسب، بل أيضا بسبب معماره الكلاسيكي الأرستقراطي، وخدماته المتطورة التي تجعل الزائر يشعر بأهميته وبراحة نفسية. فهو يمنحه تجربة لا مثيل لها وكأن الزمن عاد به إلى عصر إدوارد الثامن وزوجته لايدي سيمسون، الذي تخلى عن عرش بريطانيا من أجلها، وذلك بفضل فخامته وسريته وديكوراته التي صممها المهندس المعروف جاك غارسيا.
وفي حال شعور الزائر لهذا الفندق أن إيقاع باريس متسارع هو الآخر، وفضل الابتعاد عنه ومعانقة الطبيعة الخلابة والهواء النقي فإن الفندق له فروع أخرى، واحد منها في جنيف، والثاني في أنترلاكن، ينام تحت أقدام بحيرتين: The Victoria Junfrau Grand Hotel. وهذا الأخير تحديدا يُعطي للترف جرعة صحية عالية، خاصة أنه يتوجه لمن يريدون شحذ طاقتهم وإنقاص أوزانهم وتحسين صحتهم النفسية والجسدية دون التخلي عن المتعة التي توفرها تلال وأنهار إنترلاكن ومطاعم الفندق الصحي المتنوعة. لكنك إذا كنت هناك لغرض صحي فإن كل لقمة تتناولها فيه ستخضع لتحليلات الطبيب ومراقبته.
فالجناح المخصص للعلاج والعناية بالبشرة والجمال مثلا «دي فيكتوريا جافراو غراند أوتيل آند سبا» يحتل مساحة لا يستهان بها، وبالإضافة إلى المناظر البانورامية التي تشد الأنفاس وتحفز على المشي لساعات، سيتمكن الزائر من اتباع حمية صحية تحت إشراف مختص يشخص حالته ومتطلباته، ما إذا كانت للتخلص من التوتر والاسترخاء أو إنقاص الوزن أو فقط تحسين الطاقة ونضارة البشرة. وفي آخر الزيارة يعود الزائر إلى حياته وهو مُسلح بكل ما تعلمه واستفاد منه خلال إقامته. ورغم أن هذه البرامج الصحية والجمالية تناسب كل الطبقات فإنها مفصلة على مقاس رجال وسيدات الأعمال أكثر لكونهم أكثر عرضة للتوتر والضغوط.
ونظرا لكون صاحب هذه السلسلة من الفنادق الصحية، ميشال ريبييه، من أغنى فرنسي يعيش في سويسرا، فهو يعرف معنى الاستمتاع بثمار نجاحه ومدى الحاجة التي يحتاج إليها أمثاله لشحذ الطاقة. متعته تكمن أيضا في البحث عن كريمات ومواد تجميلية تُبعد شبح الشيخوخة عن الوجه والجسم، ما يفسر أن كل المنتجات التي تستعمل في منتجعاته ومصحاته من ابتكاره. بيد أنه يعرف تماما أنه لا يمكن الاعتماد عليها وحدها للحصول على النضارة والشباب، بل من الضروري إرفاقها ببرامج صحية يُشرف عليها خبراء تغذية ومتخصصون.
وتعد تجربة المليونير الفرنسي ميشال ريبييه من بين العشرات من المصحات والمنتجعات، التي دخلت صناعة الترف وتروج لها الطبقات الأرستقراطية ونجوم هوليوود مثل غوينيث بالترو. كما أن كتاب «10 أسباب تجعلك تشعر عجوزاً وبديناً: دليلك للحفاظ على الشباب والرشاقة والسعادة» للدكتور فرانك ليبمان يؤكد التوجه الجديد بأن الصحة والشباب هما منبع السعادة وعنوان الترف الجديد.
فالدكتور ليبمان بمثابة الأب الروحي للمصممة دونا كاران وأريانا هفنغتون، وكيفين بيكن، وبوبي براون وغيرهن. وتبلغ قيمة الاستشارة المبدئية لنحو ساعة ونصف معه بـ800 دولار، ومع ذلك فإن هذا اللقاء يعتبر ذروة الترف بالنسبة لمن يبحثون عن السكينة النفسية وما يترتب عنها من ثقة وإحساس بالجمال. فعالم الموضة جرب كل شيء من الـ«هيروين شيك» إلى النحافة المفرطة، مرورا ببيع قطع تحاكي التحف الفنية تفردا وجمالا، وفي النهاية اكتشف أن منبع السعادة الحقيقي يكمن بداخل كل واحد منا، وأن جمال المظهر يتطلب رضا ذاتيا أولا وأخيرا، وهذا يحتاج إلى عمليات تغذية وإنعاش وتدليل. بعبارة صحيحة، فإن الحياة «صحية» أصبحت موضة قائمة بذاتها تُبرر صرف مبالغ كبيرة للوصول إليها، مقارنة بالإكسسوارات والأزياء. فالموضة عموما أصبحت تُرحب بمزج الغالي والرخيص بفضل توفر محلات كبيرة مثل «زارا» وبالتالي لم تعد تتطلب مبالغ باهظة للحصول على الأناقة. كما أصبح من الممكن استئجار حقيبة من «هيرميس» أو «شانيل» لمدة قصيرة لإشباع الرغبة فيها أو للتباهي، بل أصبح من الممكن التظاهر بامتلاك سيارة فاخرة بسائق خاص بفضل خدمة «أوبر» وهكذا. لكن كل هذا اللهاث وراء المظاهر وآخر الصيحات والصرعات لم يُشف الغليل، لأن إيقاع الحياة تغير مع جيل الألفية ومعه تغير مفهوم الترف. وبما أن هذا الجيل هو الذي يحاول صناع الترف استقطابه حاليا فإنهم باتوا يحتاجون إلى لغة مختلفة لمخاطبته، لا سيما أنهم أدركوا أنه يعتبر شراء منتج بسعر يضاهي شراء سيارة أو شقة صغيرة من الكماليات التي يفضل عليها ما يجعل حياته أفضل، مثل السفر إلى مكان بعيد، والإقامة في فندق لا يستقبل أيا كان حتى يحصل على تجربة فريدة من نوعها يؤرخها من خلال صور «سيلفي». وبعد أن كانت هذه الأمور تجري في سرية بالنسبة للجيل السابق، من عمليات التجميل أو تخسيس الوزن إلى التخلص من السلوليت أو مكافحة علامات التقدم في العمر، أصبحت الآن علانية من خلال فيديوهات حية أو تغريدات مرفقة بصور، وطبعا «هاشتاغ» خاص بالفترة التي يتم قضاؤها في المنتجع. فهذه الصور باتت ترمز لمكانة اجتماعية مثل حمل حقيبة من هيرميس تماما.



عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
TT

عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)

لم يكن عرض إيرديم مواليوغلو لخريف وشتاء 2026 عادياً. كان احتفالاً بتأسيس علامة أطلقها شاب في الـ28 عاماً، وكبرت معه لتتحول إلى قصة نجاح بلغت الـ20 عاماً. أعاد المصمم حكاية هذه القصة وعنوانها «المحادثة المتخيلة» بوصفها تحية لكل النساء اللواتي ألهمنه وساهمن من خلال قصصهن وإنجازاتهن في استمراريته وضمان استقلاليته، ولو بشكل رمزي. عاش حياتهن وتخيَّل ما يُمكن أن يُفكِرن فيه وصاغ لكل واحدة تشكيلات تحمل اسمها عبر السنوات.

من هذا المنظور لم يكن العرض الأخير استرجاعاً للذكريات بالمعنى التقليدي، بل مجموعة حوارات ومحادثات مع كل واحدة من ملهماته، مثل ماريا كالاس، دوقة ديفونشر، العالمة النباتية ماريان نورث، راقصة الباليه مارغو فونتين، الشاعرة رادكليف هول، وغيرهن. نساء غير عاديات، من حيث أنهن يُمثلن التقاليد ويتمرّدن عليها في آن واحد.

فستان «بانير» باللون الأحمر من الدانتيل المطرز تزينه خيوط أزهار وشرائط متدلية (إيرديم)

هذه الازدواجية بين التقليدي وغير المألوف، شكَّلت أسلوبه منذ بداياته. ورغم أنها تخلق بعض التوتر لدى الناظر أحياناً، أثبتت مع الوقت أنها مكمن قوته، لأن نتيجتها دائماً تصاميم مطرزة برومانسية غُرست في مخيلته منذ طفولته، وهو يرى والدته في فساتين أنيقة وأحمر شفاه قاني وقارورة عطر شاليمار لا تفارق طاولتها.

كل هذا ظهر في إطلالات أعاد تخيَّلها للحاضر، تارة في فساتين غير مكتملة الأطراف جمع فيها الدانتيل بالجاكار والنعومة بالصرامة، وتارة في معاطف خاصة بالأوبرا تستحضر ماريا كالاس، لكنها أكثر تحرراً، إلى جانب أخرى بقصات وخطوط وزخارف منمقة.

افتتح العرض بمعطف مفصل من الجاكار بلون زهري ومزين بساتان أزرق يُرتدى مع قميص بوبلين أبيض وياقة مبتكرة (إيرديم)

افتتح العرض بمعطف مفصل من الجاكار بلون زهري مزين بساتان أزرق، يُرتدى مع قميص بوبلين أبيض وياقة من الدانتيل يربط بحزام على شكل فيونكة من القماش نفسه. بكل تناقضاته جاء متناغماً على المستوى الفني. واختتمه بفستان غير متماثل مركب من الساتان فضي مطبوع وتول أسود، تخترقه قطع من الساتان الأصفر والوردي تزينه فيونكة مطرزة الحدود.

فستان غير متماثل من الساتان الفضي المطبوع والتول الأسود مع أجزاء من الساتان الأصفر والوردي اختتم به العرض (إيرديم)

يشرح إيرديم أنه قلب في الدفاتر القديمة على تيمات مألوفة وفككها ليُعيد ابتكارها بما يناسب العصر والخبرات التي اكتسبها طوال الـ20 عاماً. فستان زفاف من عرضه الأول مثلاً يعود في عام 2026 بتنورة تبدو صاخبة ومتحدية، وكأنها تستعرض ماضيه ومستقبله.

48 إطلالة لم تكن استنساخاً لما سبق وقدمه، فكل إطلالة هنا تحكي قصتها الخاصة، وفي كل حوار يدور بين هذه الشخصيات تأخذ التصاميم أشكالاً ربما تعكس عصرها السابق، لكنها تأخذ أيضاً بعين الاعتبار المرحلة الحالية. يقول المصمم أن هذه الخيالات أو التخيلات التي عاد فيها إلى أرشيفه الخاص، حرَرته وأطلقت العنان لخياله. وانطلاقاً من هذا الإحساس بالحرية، جعل الكاتبة مثلاً تميل إلى راقصة، وعالمة النباتات تُنصت إلى ممثلة باهتمام، وهكذا. لا يتفقن دائماً في الهوى والثقافة والذوق، لكن المصمم غزل اختلافهن بخيوط من ذهب وفضة، ما أضفى على التشكيلة تماسكاً.

استوحى المصمم العديد من تصاميمه مجموعات سابقة مثل هذا المعطف الذي يستحضر صورة ماريا كالاس والأوبرا (إيرديم)

يضيف إيرديم في بيانه الصحافي: «قبل عشرين عاماً، بدأت هذه المحادثة المتخيلة. لم تكن مونولوغاً ولا صوتاً واحداً فقط، بل تبادل أفكار وآراء، مستمر بين الماضي والحاضر، وبين الذاكرة والخيال، ركَّزت فيه على نساء لا يزال صداهن يتحدى الزمن ويتجاوز الحدود». لكنه يُصر أن المجموعة ليست عن الحنين بل عن الاستمرارية، وتلك القدرة الفطرية لدى ملهماته على مواجهة النكسات والأزمات، وهو ما ينعكس أيضاً على مسيرته الشخصية.

فستان «بانير» يجمع بين الهندسية الكلاسيكية والأناقة المعاصرة (إيرديم)

فنجاح تجربته مقارنة بغيره من أبناء جيله، تؤكد أنه نجح في اختبار الزمن، بدليل أنه تجاوز الأزمات الاقتصادية التي شهدها العقد الماضي، ونكسات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وإفلاسات الحاضر التي أودت بمحلات كبيرة كان لها فضل كبير في عرض إبداعاته حتى قبل أن يُصبح اسماً لامعاً، مثل «بارنيز» و«ساكس» وموقع «ماتشز» وغيرها. والآن يقف صامداً مع الكبار مثل «بيربري» في أسبوع أصبح ضعيفاً مقارنة بسنوات المجد في التسعينات وبداية الألفية.

فستان غير متماثل من الساتان الفضي المطبوع والتول الأسود مع أجزاء من الساتان الأصفر والوردي اختتم به العرض (إيرديم)

يتذكر أنه عندما أطلق مشروعه الخاص في عام 2005 كانت ساحة الموضة في لندن تعج بالمواهب والإبداع. أسماء كثيرة كانت تجذب أنظار العالم للعاصمة البريطانية، منهم جايلز ديكون، جوناثان أندرسون، روكساناد إلينشيك، ريتشارد نيكول، كريستوفر كاين، ماريوس شواب، وآخرون. كانوا مثله في ذلك الزمن، يُسجلون بداياتهم، لكن العديد منهم تعامل مع أسبوع لندن بوصفه مسرحاً يستعرضون فيه جرأتهم الفنية. هؤلاء كانوا يؤمنون أن الإبداع، حتى في أقصى حالات جنونه، فن غير عابئين لجانب التسويق. في هذا المشهد الفائر بروح الشباب، دخل إيرديم مُفضِلاً مساحة جمالية آمنة نسبياً: أكثر أنوثة تعتمد على الورود والتفاصيل الرومانسية أكثر من اعتمادها على الجلود والأساليب القوطية أو «الغرانجية» وما شابه.

جعل الأزهار والورود تيمة تتكرر في أغلب مجموعاته حيث طبعها حتى على الجلود (إيرديم)

وفي الوقت الذي كان فيه أقرانه يختبرون هذه الأساليب إضافة إلى بداية تجاربهم مع «الجندرية» بدمج الأنثوي بالذكوري، وفي كل موسم يزيدون الجرعة، آمن إيرديم أن المرأة لها وجود خاص وقائم بذاته في أعماله، فسخّر لها كل إمكاناته وخبرته في تطريز ورود تتفتح على صدور الفساتين وأذيالها وأكمامها وياقاتها. لم تكن نيته أن تُحدث تصاميمه الصدمات. أرادها فقط أن تحمل بصمة يمكن التعرف عليها من بعيد من دون صراخ «اللوغوهات».


كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
TT

كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)

خلال أسبوع الموضة بميلانو، كشفت «لورو بيانا» داخل «كروتيله ديلا سيتا»، وهو مقرها الرئيسي، عن مجموعة خريف 2026 وشتاء 2027. حوَّلت الدار المساحة مسرحاً يُجسّد فكرة السفر، ليس إلى وجهات جغرافية فحسب، بل أيضاً إلى ثقافات بعيدة مركّزة على الشرق. فهناك إطلالات كثيرة تستحضر الدراويش الرحالة وتنانيرهم المستديرة بطبقاتها المتدفقة والطرابيش العالية، بينما تستحضر أخرى فخامة القصور الأوروبية والعثمانية من خلال قماش البايزلي ونقشته المعروفة.

إيحاءات شرقية واضحة ظهرت في القبعات والكثير من التصاميم (لورو بيانا)

منذ اللحظة الأولى التي يبدأ فيها العرض، يدخل الضيوف عالَماً مُتخيَّلاً رسمته الدار الإيطالية بكل تجليات ألوان «البايزلي»، في حين غطَّت الأرض بسجاد بني وكأنه بساط الريح الذي يعبر الزمن والمحيطات.

تم تتوالى الإطلالات وتتفتَّح كـ«حلم رحال»، وهو عنوان المجموعة؛ لتمنح الضيوف انطباعاً كما لو أنهم يسافرون على متن قطار الشرق السريع ويتابعون العالم وهو يمر أمام أعينهم. عند المدخل، يستقبلهم صوت رخيم يقرأ سلسلة من قصائد قصيرة تتغنى بتبدُّل الفصول وتحوّل الألوان. كان هذا الصوت يتردد في المكان على صدى إيقاع ديناميكي يشبه صوت عجلات القطار. يتصاعد الإيقاع في الممر الضيق المؤدي إلى القاعة الرئيسية، ليجد الحضور أنفسهم في مكان يحاكي في تصميمه مقصورة قطار. تصطف على جوانبها نوافذ تكشف عن مشاهد ضبابية تتلاشى مسرعة، لتظهر المجموعة بتسلسل متناغم يتكرر فيه البايزلي بدرجات دافئة.

نقشة «البايزلي» تكررت في أغلب التصاميم (لورو بيانا)

البايزلي... بطل المجموعة

فهذا القماش بنقشته الشهيرة على شكل دمعة، يغطي الفضاء بأكمله تقريباً. كمية السخاء في استعماله لا تترك مجالاً للشك بأن الدار تريد استعراض مهارتها في تنفيذه رغم ما يشكله من تحديات. تعترف بأن زخارفه معقدة وتتطلب خبرة عالية في الطباعة للحفاظ على نعومة الكشمير وخفة الأقمشة، التي تفخر «لورو بيانا» بأنها متفردة في غزله. فقد قدَّمت للعالم قبل عرضها بأسابيع قليلة آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». استغرق تطويره عامين من البحث والعمل في مشاغلها الواقعة في روكا بييترا وكوارونا الإيطالية، ليأتي إنجازاً استثنائياً جديداً ينضم إلى إنجازاتها السابقة.

بعض الإطلالات تستحضر تنورات الدراويش المستديرة والمتدفقة (لورو بيانا)

ورغم أن اهتمامها بالصوف وتطوير أليافه يبقى على رأس أولوياتها دائماً، فإن الأمر لم يختلف عندما اختارت البايزلي بطلاً لهذه المجموعة، لا سيما وأن علاقته به ليست وليدة الأمس القريب. فمنذ أواخر الستينات والسبعينات وهي تستلهم من زخرفاته وتتفنن في نقشته، ليُصبح مع الوقت توقيعاً مألوفاً على شالاتها وعنصراً مهماً في تصاميمها. نظرة على ما تم طرحه في مجموعتها للخريف والشتاء المقبلين، يؤكد أنها حقَّقت الهدف في تطويعه ومن ثم ترسيخ مهاراتها في التلاعب بالأقمشة. فتأثير البايزلي هنا كان أقوى من ذي قبل؛ نظراً للمعتة الهادئة وخفته، لكن أيضاً لأنه يحمل طابعاً شرقياً وتاريخياً يأخذنا إلى قصور المَهَارَاجَات وبلاطات أرض فارس وغيرهم.

الألوان كانت البوصلة التي حددت رحلة هذه المجموعة من الشرق إلى الغرب (لورو بيانا)

رحلة إلى الشرق

فالمجموعة بنسختيها النسائية والرجالية تتكشَّف كما لو أنها تُرى بعين مسافر على متن قطار يعبر تضاريس متنوعة وثقافات مختلفة. يحطّ لوقت في الشرق قبل أن يتوجه إلى أوروبا، وهو ما يُفسّر أن بعض الإطلالات تعيد إلى الذهن صور الدراويش الذين يسافرون خفيفي الحركة، ليتواصلوا مع المكان والزمن والروح. إلى جانب أهمية الأقمشة، كانت الألوان هي البوصلة هنا. تبدأ بدرجات التراكوتا والأصفر المائل إلى البني ثم البيج والرمادي والبني العميق قبل أن تتعمَّق في الأخضر والأزرق الغامق. لم يغب الأبيض ولا الأسود، فهما ثنائية عابرة للزمن، لكن الدار اقتصرت عليهما في أزياء المساء والسهرة.

تصاميم خفيفة تترك مساحة بينها وبين الجسم لضمان راحته وحركته (لورو بيانا)

مرة أخرى حضر الكشمير وصوف الميرينو والكشمير وصوف الميرينو وألياف «بيكورا نيرا» الطبيعية التي تفخر بها الدار، إلى جانب التويد وخيوط المولينيه وقماش الشانيل الناعم. خامات تلامس الجسد بخفة وتمنحه كل الدفء الذي يحتاج إليه، لكن المسافة بينها وبين الجسد تبقى واسعة إلى حد ما؛ لتتيح له التنفس والانطلاق وفي الوقت ذاته لتعكس مدى خفتها ونعومتها، سواء كانت معاطف طويلة منسدلة، بنطلونات واسعة يصل بعضها إلى نصف الساق أحيانا، أو تنورات تم تنسيقها مع بنطلونات..تناسق الأحجام مع هذه الخامات والألوان زاد من جمالها ورقيِها، رغم غرابة بعض الإكسسوارات المثيرة للنظر.

أزياء السهرة والمساء تميزت هي الأخرى برغبة في أن تمنح الجسد راحة وانطلاق (لورو بيانا)

أزياء المساء

حتى في المساء لا تفقد هذه التصاميم تحررها وانطلاقها. بالعكس، تبقى راقية عبر قصات واسعة وألوان كلاسيكية تعتمد على الأبيض والأسود، في حين ازدانت بدلات التوكسيدو والمعاطف الطويلة بتفاصيل من الساتان، وحلت الياقة العالية محل القميص. وجاءت النتيجة أزياء كلاسيكية بلغة شبابية معاصرة تؤكد أنها هي الأخرى عابرة للزمن وتخاطب كل المواسم.


نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
TT

نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)

قبل أن تقدم «لورو بيانا» مجموعتها لخريف وشتاء 2026 - 2027 بأسابيع، قدَّمت للعالم آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». نسيج يجمع خفة غير مسبوقة ولمعة هادئة.

يتكوّن خيط Royal Lightness Yarn من مزيجٍ من حرير التوت المعروف باسم «رويال سيلك» وأجود أنواع صوف الميرينو (لورو بيانا)

في صيغته الأولى، يأتي خيطاً بالغ الرقة يمزج الحرير بصوف الميرينو، وفي صيغته الثانية يتحول قماشاً فاخراً يجمع الحرير بالكشمير بعد أن تم التعامل معهما في ورشاتها بعناية فائقة. تشرح الدار بأن أهمية هذا الخيط تكمن في رقته. فهي تكاد تكون شفافة؛ ما يجعله إنجازاً جديداً رغم أن حياكته تُعدّ تحدياً لحرفيي الدار، وذلك أن التعامل مع هذه الألياف يتطلّب مهارةً استثنائيةً لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها.

مرحلة الخياطة النهائية تتم بتقنية Fell Stitching وهي من أندر أساليب الخياطة إذ تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط (لورو بيانا)

نسيج من حرير التوت والميرينو

يتكوّن خيط Royal Lightness Yarn من مزيجٍ من حرير التوت المعروف باسم «رويال سيلك»، وأجود أنواع صوف الميرينو، بسُمْكٍ بالغ الرقة يبلغ 13.5 ميكرون فقط. ولا تتجاوز نسبة هذا المستوى من النعومة 0.05 في المائة من إجمالي الإنتاج السنوي العالمي لصوف الميرينو، ضمن نطاقٍ يتراوح بين 13.0 و13.8 ميكرون.

يأتي النسيج في البداية خيطاً بالغ الرقة يمزج الحرير بصوف الميرينو قبل أن يتحول قماشاً فاخراً يجمع الحرير بالكشمير (لورو بيانا)

تبدأ عملية ابتكاره بتمشيط الألياف وغزلها بعناية، ثم لفّ خيطين معاً وفق قياساتٍ بالغة الدقة. وتُسهِم هذه التقنية في إبراز الخصائص الطبيعية لكل ليفة، تٌنتج بعدها خيطاً فائق الرقة لا يتميّز بخفّةٍ عالية فحسب، بل أيضاً بقدرة على عكس الضوء.

بعدها يتحول إلى قماش Royal Lightness Fabric، بوزن لا يتجاوز 350 غراماً للمتر الواحد، وقابل للارتداء على الوجهين بين حرير الأورغانزينو بسُمْك 21 دنيراً، وكشميرٍ طويل الألياف بسُمْك 15 ميكروناً.

عندما تصبح قطع الملابس جاهزةً للحياكة تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط لضمان لمسةٍ نهائيةٍ متقنةٍ وسلسةٍ من الداخل والخارج (لورو بيانا)

في المراحل النهائية، يخضع القماش المنسوج لعملية تمليسٍ دقيقةٍ تمنحه ملمساً زغبياً ناعماً يحمل بصمة «لورو بيانا» المميّزة. وعندما تصبح قطع الملابس جاهزةً للحياكة، تُفصل طبقات القماش وتُعزّز حوافها بشريطٍ رفيع، قبل أن تمرّ بأكثر مراحل التصنيع تعقيداً واستغراقاً للوقت، وهي مرحلة الخياطة بتقنية Fell Stitching، وتُعدّ هذه التقنية الحرفية القديمة من أندر أساليب الخياطة؛ إذ تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط، لضمان لمسةٍ نهائيةٍ متقنةٍ وسلسةٍ من الداخل والخارج.