«انقطاع الكهرباء» في مصر أزمة تتعاقب عليها الحكومات

دخلت مفردات الصراع السياسي.. والآمال معقودة على الرئيس القادم

جانب من القاهرة القديمة يظهر فيه أثر انقطاع الطاقة الكهربائية جزئيا بينما يتلألأ مسجد محمد علي بالأنوار (أ.ب)
جانب من القاهرة القديمة يظهر فيه أثر انقطاع الطاقة الكهربائية جزئيا بينما يتلألأ مسجد محمد علي بالأنوار (أ.ب)
TT

«انقطاع الكهرباء» في مصر أزمة تتعاقب عليها الحكومات

جانب من القاهرة القديمة يظهر فيه أثر انقطاع الطاقة الكهربائية جزئيا بينما يتلألأ مسجد محمد علي بالأنوار (أ.ب)
جانب من القاهرة القديمة يظهر فيه أثر انقطاع الطاقة الكهربائية جزئيا بينما يتلألأ مسجد محمد علي بالأنوار (أ.ب)

«حالنا واقف.. الكهرباء أصبحت تنقطع أكثر من خمس مرات يوميا، وكل مرة أكثر من ساعة، لا يمكنني أن أطبخ ولا أستريح، ولا الأولاد يمكنهم أن يستذكروا دروسهم».. وبحسم تابعت حسنية، وهي ربة بيت في عباءة الخمسين: «الرئيس الذي سيقدم حلولا واقعية لمشكلة الكهرباء سأنتخبه فورا».. ثم أردفت بغضب: «أنا لا أصدق كلام الحكومة، وزير الكهرباء قال إن الكهرباء ستنقطع ساعة واحدة في الصيف. وقلنا إننا سنحتمل، لكن الساعة أصبحت أربع وخمس ساعات يوميا».
وتفاقمت أزمة انقطاع التيار الكهربائي في مصر على نحو لافت في عهد الرئيس السابق محمد مرسي، وكانت أحد أسباب الغضب الشعبي العارم ضده، حتى أطيح به في 30 يونيو (حزيران) من العام الماضي، لكن الأزمة استمرت أيضا في ظل الإدارة الحالية للبلاد.
وعلى غرار قصة شهيرة في الثمانينات، عرفت باسم «فأر السبتية»، الذي حملته وزارة الكهرباء في مصر آنذاك مسؤولية انقطاع التيار الكهربائي عن منطقة «السبتية» الشعبية بالقاهرة، مؤكدة أن الفأر قام بقطع الأسلاك بأسنانه المدببة، وهو بالتالي المتهم عن إغراق المنطقة في الظلام الدامس لعدة أسابيع، سخر المصريون من الرئيس المعزول مرسي، حين حاول تسييس المشكلة، مشيرا في إحدى خطبه إلى أنها مفتعلة من قبل خصومه ومعارضيه، وأنهم يقومون برشوة عمال المحطات، وأنه «بعشرين جنيها، الولد ينزل السكينة (المفتاح الرئيس في محطات الكهرباء) ويقطع الكهرباء».
يضحك أحمد، وهو شاب تخرج حديثا في الجامعة ويدير مقهى راقيا بحي الزمالك بالقاهرة، قائلا: «المشكلة لم تعد مقصورة على فأر السبتية ولا العامل الذي يشد السكينة، مصر كلها أصبحت تغرق في الظلام، تقريبا أكثر من ثلاث ساعات اليوم، هناك قرى في الصعيد والمحافظات تنقطع عنها الكهرباء أكثر من سبع ساعات على مدار اليوم.. لا بد من الشفافية ومصارحة الناس بحجم المشكلة، حتى يكونوا جزءا من خطط الحكومة لحلها، أو على الأقل يدعمون هذا الخطط عن وعي واقتناع».
من جانبها، قررت الحكومة المصرية، العودة إلى العمل بالتوقيت الصيفي مجددا، والذي يتيح العمل به استغلال ساعة زائدة من النهار، كحل وقتي لخفض معدلات استهلاك الطاقة. وذلك بعد ثلاث سنوات من اعتماد الدولة التوقيت الموحد على مدار العام عقب ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011.
وأعلن مجلس الوزراء في بيان على موقعه الرسمي أمس أنه سيعود إلى العمل بالتوقيت الصيفي بدءا من الخميس المقبل، الموافق 15 مايو (أيار) الحالي، مع استثناء شهر رمضان المبارك، وذلك «نظرا للظروف الاقتصادية التي تمر بها البلاد، وما تعانيه من نقص في مصادر الطاقة، بما يترتب عليه من اضطرار وزارة الكهرباء إلى قطع التيار الكهربائي في أوقات الذروة لتخفيف الأحمال وذلك من أجل المساهمة في تقليل استهلاك الكهرباء».
ودخلت أزمة انقطاع الكهرباء على أجندة المرشحين لخوض الانتخابات الرئاسية في مصر المقرر إجراؤها يومي 26 و27 من الشهر الحالي، المشير عبد الفتاح السيسي، وحمدين صباحي، ويؤكد القائمون على حملتيهما أن أزمة الطاقة والكهرباء هي أحد أهم الأزمات التي سيركز عليها كل منهما، وطرح حلول جذرية لها.
ومن ضمن هذه الحلول السريعة استخدام «اللمبات الموفرة للطاقة» بدلا من اللمبات العادية، وهو الاقتراح الذي يراه السيسي بمثابة عتبة تمهيدية لحل الأزمة، لافتا إلى أن طاقة المنازل تستهلك نحو 15 ألف ميغاواط، منها ستة آلاف ميغاواط للمبات الإضاءة فقط، طارحا استبدال لمبات الإضاءة بأخرى ستوفر أربعة آلاف ميغاواط، موضحا أن برنامج توفير الطاقة حاسم وسيجري تطبيقه بالقانون، قائلا: «ليس لدي خيار آخر».
وأشار السيسي في حوار تلفزيوني له أذيع أول من أمس إلى أن مصر تنتج 30 ألف ميغاواط، ولا يمكن الاعتماد على الفكر التقليدي بإنشاء محطات كهرباء، وأنه - في الأجل القصير - لا بد من ترشيد استخدام الطاقة وفقا لخطة محددة. ونوه السيسي بمشروعات الطاقة الشمسية التي ستسهم في حل مشكلات الطاقة في مصر، قائلا: «أحتاج إلى تفهم المصريين للإجراءات التي سيجري اتخاذها».
يضيف أحمد: «المشكلة أن التصريحات الحكومية المتعاقبة حول أزمة انقطاع الكهرباء لا تتغير، وتراوح في مكانها، مع بعض الرتوش الشكلية من وزير لآخر، فتارة تحمل المواطنين مسؤولية عدم ترشيد الاستهلاك، وأخرى تلقي بها على نقص الوقود، وهو ما يوسع من هوة نقص الثقة بين الحكومة والمواطنين، فتصبح مجرد اقتراحات على ورق. الناس بحاجة لحلول عملية يلمسونها على أرض الواقع».
ومثل سابقاتها، تعزو الحكومة الحالية المشكلة إلى نقص الوقود، ونقص توافر السيولة الكافية لاستيراده، وخروج بعض وحدات توليد الكهرباء للصيانة، مطالبة المواطنين بترشيد الاستهلاك، وكذلك قلة جدية البدائل المطروحة لحل المشكلة، والمتمثلة في استخدام الفحم الذي لاقى اعتراضا من قطاعات كبيرة في المجتمع، وخاصة وزارة البيئة، وكذلك الاستعانة بالطاقة الشمسية؛ والتي يقول خبراء، إنها الأمثل والأكثر مواءمة للبيئة، والأقل تكلفة، لكنها ستستغرق بضع سنوات.
وزادت تصريحات صحافية أخيرا لوزير الكهرباء والطاقة المتجددة، المهندس محمد شاكر، من غضب المواطنين، خصوصا أنه أكد فيها أن التيار قد ينقطع ما بين ثلاث إلى ست ساعات يوميا في فصل الصيف، إذا ما حدث عجز بالوقود المتوفر بنسبة تتراوح بين 10 و20 في المائة، لكن رئيس جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك، حافظ سلماوي قال إن «تصريحات الوزير بشأن انقطاع الكهرباء، يقصد بها تحضير الناس للسيناريو الأسوأ، لكن هناك إجراءات تجري لتجنب حدوث هذا الأمر».
وتعمل مصر على استيراد كميات من السولار والغاز المسال لتقليل انقطاع التيار في فصل الصيف من خلال التفاوض للوصول إلى اتفاق مع «إحدى الدول العربية»، وفقا لما أكده سلماوي، لكنه أشار إلى أن نفس معدل الدعم القائم لن يستمر، إذ ليس متوقعا أن يجري الانتهاء من الأزمة قبل عام 2017. ولفت سلماوي إلى أن استخدام الفحم ضمن منظومة الطاقة لن ينفذ قبل عام 2020، ولا سيما أن المحطات الحالية لا تعمل بالفحم، وقد يتغير الوضع في هذا التوقيت.
وفي كلمته أول من أمس أمام المؤتمر الدولي للتقاضي الإلكتروني، قال إبراهيم محلب، رئيس الوزراء المصري، إن الحكومة تتخذ الكثير من الإجراءات من أجل المواطن، لعل أبرزها الحرص على وصول الدعم لمستحقيه بشكل كامل، مؤكدا أنه «لا دعم للأغنياء من اليوم».
وتشهد مصر جدلا واسعا حول زيادة أسعار الطاقة والوقود من فترة، بعد قرار مجلس الوزراء المصري رفع أسعار الغاز الطبيعي للمنازل اعتبارا من الشهر الحالي، وهي الخطوة التي رأى البعض أنها بداية لرفع الدعم عن الوقود. وما بين هذه الوعود والإجراءات، يخشى المصريون - الذين هدد الكثيرون منهم بالامتناع عن دفع فاتورة الكهرباء - أن يتحول انقطاع الكهرباء إلى هم آخر يطاردهم، بعدما عانوا سنوات طويلة من قائمة هموم لا تنتهي، كان أبرزها الحصول على رغيف العيش.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.