وسائل التواصل الاجتماعي صارت ديوان العرب

شعراء ملأوا الدنيا وشغلوا الناس ثم خفت بريقهم

وسائل التواصل الاجتماعي صارت ديوان العرب
TT

وسائل التواصل الاجتماعي صارت ديوان العرب

وسائل التواصل الاجتماعي صارت ديوان العرب

نشرنا في العدد الماضي، آراء عدد من الكتاب والنقاد عن أسباب خفوت حضور شعراء، مثل نزار قباني، ومحمد مهدي الجواهري، وبدر شاكر السياب، وعبد الوهاب البياتي، وصلاح عبد الصبور، ونازك الملائكة، وفدوى وإبراهيم طوقان، ولميعة عباس عمارة، الذين ملأوا الدنيا وشغلوا الناس يوما، ثم صاروا أقرب للنسيان منهم من الحضور. فما الأسباب التي أدت إلى ذلك؟ ننشر في هذه الحلقة آراء عدد آخر من الكتاب والنقاد والأكاديميين العرب..
من السعودية، يقول الناقد يونس البدر، المحاضر في كلية الآداب بجامعة الملك فيصل، وعضو النادي الأدبي بالأحساء: الشعر والأدب عموماً أصبح حبيس الدراسات الجامعية، وباتت قصائد نزار ونازك وعبد الصبور نماذج تُلقى في قاعات الدرس فقط، ولا شك هم نماذج تستحق الحضور؛ لأنهم شعراء مرحلة مهمة في تاريخ الأدب العربي، ولا يمكن أن يكونوا مرحليين بالمعنى الحرفي لهذه الكلمة؛ فلهم الريادة التي أسست لرؤية جديدة في الشعر على مستوى الشكل؛ إذ يعود لهم الفضل في ظهور وتطور قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر. أما ضعف الاهتمام بقراءة الدواوين والمتون الأدبية هذه الأيام فهو بسبب الحضور الطاغي لوسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت هي القناة المعرفية الجاذبة، والمؤثرة، صارت هي ديوان العرب وسجلهم، مع الأسف. وبقيت الدراسات الأكاديمية مخلصة للصرامة العلمية؛ فهي أيضاً محكومة ببعض الضوابط الفنية والآيديولوجية التي قد تقرب شاعراً وتقصي آخر، ولا سيما بعد أن اتضحت آيديولوجيات هؤلاء الشعراء واتجاهاتهم الفكرية. وفي ظل نظرية «موت المؤلف» توغلت الأبحاث في المنهجية الصارمة وتقصّي ما هو جديد في المناهج النقدية واللسانيات على حساب المدونات، وأصبح التوجه للدراسات السردية بشكل أكبر؛ وصارت السرديات هي محور الدرس في أدبية الأدب، لتأكيد أن هذه الأدبية لا تنحصر في الشعر فقط. فاستحوذت الموضوعات السردية على نصيب الأسد في الدراسات الأكاديمية، وقد لاحظت ذلك من خلال تواصلي مع الكثير من طلبة الدراسات العليا في الجامعات السعودية، فالقصة القصيرة والرواية والسيرة الذاتية والحكايات الشعبية موضوعات باتت محل الاهتمام الأكاديمي، وهذا بدوره قلّل من حظ الشعر في هذه الدراسات، وإن كان ثمة دراسات تأخذ الشعر مدونة لها فهي قليلة.
* بن يوسف المبارك: مشكلة ظروف محيطة
أما الشاعر السعودي عبد اللطيف بن يوسف المبارك، فيقول: من ينظر إلى التاريخ يكتشف أن لكل شخصية خالدة ولادات كثيرة بعد الموت، تستدعى حسب الحاجة، فمن الطبيعي جداً أن ترى كتابات أمل دنقل على جدران ميدان التحرير في 2011؛ لأن حالة الثورة تحتاج إلى نص أمل دنقل، كما تجد تراجعا لكتابات نزار قباني في زمن الحرب الأهلية؛ لأنه في الأصل شاعر للحب وليس للحرب. ولكن ما يلفت الانتباه حقاً هو أن نسيان شخصية لا يعني موتها بالضرورة، فربما ستعود، لكن الظروف ليست سانحة، ومن ناحية أخرى سنجد أن هناك أصواتا تنسى، بل غالبية الأصوات الشعرية منذ الزمن الجاهلي تنسى إلا إذا كانت جديرة حقاً بالخلود. وسؤال الخلود يعتبر من أكثر الأسئلة المرهقة للمبدعين، فكما يقال إن المبدع يكتب نصه لولد سيولد بعد مائة عام، يبقى السر في الخلطة السحرية التي تسعف النص في الصمود أمام عوامل التعرية والزمن، والمضحك المبكي أنه لا يمكن التكهن بكيفية الخلود؛ لذلك قال محمود درويش «تنسى كأنك لم تكن… إلى آخر القصيدة»، وتناول هذا الموضوع ميلان كونديرا بتفصيل أكبر في روايته (الخلود)، ووصل إلى نتيجة محبطة، وهي أن الخلود مجرد حدث عابر لا يمكن التكهن به، ولا السعي إليه، ويظهر ذلك جلياً في الحوار الافتراضي بين همنجواي وغوته، حيث بقي من همنجواي أنه سكير يمشي في شوارع باريس، وغوته رجل كبير يغازل صبية صغيرة تدعى بينيتا بينما كل الأعمال الإبداعية تذهب أدراج الرياح.
لذلك؛ لا يمكن وضع اللوم على النقاد أو على ظهور فن آخر أكثر رواجاً، وما يمكننا فعله هو التعامل مع كل تجربة على حدة، فشعراء القرن العشرين لا يمكن التعامل معهم بصفتهم مجموعة وحالهم كحال الجاهليين، فلا نجمع بين امرئ القيس صاحب المعلقة والسليك بن سلكة الصعلوك؛ لذلك نرى أن شخصية مثل نازك الملائكة أهم ما قدمته هو التنظير للقصيدة الحديثة، لذلك ستراها حاضرة بين أروقة الأكاديميات، تغيب وتحضر حسب الاهتمام النقدي، وشاعر مثل عبد الوهاب البياتي سيحضر إذا عادت الفكرة الشيوعية؛ لأنه حضر من خلالها أصلاً، ونزار قباني حالة غنائية حضورها مرتبط بتردي الأعمال الغنائية أو تساميها؛ لذلك لا أظن أن هذه الشخصيات تعاني مشكلة نسيان، ولكن مشكلة ظروف محيطة فقط، وما يشغلني حقاً هي الأصوات المعاصرة التي تخوض في كم هائل من الضوضاء، ولا أظن أن صدر التاريخ سيتسع لها، بل ستنسى كأنها لم تكن خبراً ولا أثراً.. وتنسى!
* عساكر: لماذا خلد المتنبي؟
ويقول الشاعر السعودي جاسم عساكر: الزمن يتآكل فيتآكل شعراء كل حقبة بتآكلها، ليس الشعراء فقط فيما أحسب، فالفنانون التمثيليون والمسرحيون والرسامون مثلا ليسوا أحسن حالا، والشعراء هم ضمن هذا النسيج المتداخل عدا ما يملّح منهم ويعلّب للحفظ في أكياس الذاكرة وثلاجة الزمن، ليس عبر إنتاجه الشعري فقط وإنما عبر التواصل المباشر مع نصوصه في أمور الحياة؛ فالمتنبي مثالاً لماذا خلد؟ خلد لأن أبياته الحكيمة تضرب في صميم المشهد في كل سياقاته التاريخية؛ لأنها تلامس واقع الحياة وتواكبها في كثير من متغيراتها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى أن المناهج الدراسية والأكاديمية لا تكاد تخلو من نصوصه المفروضة التي تدرس للطلاب سواء نصوص شعرية أو دراسات في هذه النصوص. وبالعودة إلى الأسماء المذكورة وسواهم من الشعراء، فأعتقد أيضا أن الجيل الحالي وبعد الانفجار الرقمي الرهيب الذي جعل الثقافات تنفتح على بعضها بعضا فقد وجد ما يسد رمقه بعد تشبعه من هؤلاء الشعراء وكأن طاقاتهم الاستيعابية استنفدت ما لديها فلم تعد قادرة على تلبية نهم الحاضر بمتغيراته، ولا إشباع جوعه اليومي وهمومه الطارئة والمستجدة، وإن ما كان عسير المنال من دواوينهم يوما ما أصبح اليوم يجلب بضغطة أزرار وكأنما كلما ازداد الإنسان قربا سهلا لمن يحب خفتْ بريق معشوقه في نفسه وضمر إشعاعه، هذا عدا ما للصورة اليوم من منافسة قوية هزمت حضور الشعر وبروز الفنون الأخرى كالرواية التي تباع أضعاف أضعاف ما يباع الديوان الشعري الذي أصبح أكثر من يتداوله الشعراء أنفسهم.
وبهذا؛ لم يصبح الشاعر هو النجم وهو الرمز، فليس من «سوق عكاظ» جديد يضرب له الناس آباط دوابهم ليستمعوا للشنفري ولبيد والنابغة، وما من أحمد شوقي ولا الجواهري ولا البردوني، جدد تمتلئ في أمسياتهم القاعات ويدوي التصفيق، كيف وحتى الأطفال الذين كانوا قديما يتأثرون بحضورهم مع آبائهم هذه الأماسي ويرددون قصائد الشعر التي يسمعونها في الأقراص المضغوطة (السيديهات) وأشرطة الكاسيت، أصبح الاهتمام بالقراءة اليوم يتناقص بحكم ما طرأ على المجتمعات الحديثة من آليات تقنية كالآيباد وسواه الذي يفضله الأطفال لما يحويه من أفق شاسع للألعاب والمسليّات، كل هذا مضاف إليه ما أنتجه الزمن والتعليم والإعلام من فجوة بين الفصحى وأبنائها اليوم وتسيد الشعبي والمحكي والسهل الذي تعشقه الذهنية العربية المشغولة بالأحداث فليس لديها الوقت لتفكيك تقعيرات اللغة وحل رموزها ومحسناتها البديعية والبلاغية، إلى أن أصبحت الصورة أكثر رفاهية وراحة نفسية ومشاهدة فيلم واحد أصبحت تغني عن ألف قصيدة.
* البريكي: الشعر لا يزال له حضوره الطاغي
من الشارقة، يقول مدير بيت الشعر محمد عبد الله البريكي: معظم الشعراء الذين ذكرهم التحقيق، ما زالوا إلى وقتنا هذا يحظون بالمتابعة وقراءة نتاجهم الأدبي ودراسته عبر ندوات فكرية تتطرق إلى السمات الفنية في أعمالهم، وتسليط الضوء على تلك المرحلة باعتبارها تمثل مرحلة انتقالية للتطور والتجديد، وما تبعها من رفض وقبول وتأكيد حضور في الواقع من عدمه.
لكن بطبيعة الحال ومع العدد الكبير من الشعراء الشباب الذين استفادوا من تجارب الرواد عبر الوسائل التي سهلت وصول المعلومة وعبر الكثير من المؤسسات الثقافية والمنابر التي أتاحت لهم التعبير عن خلجات نفوسهم، وكذلك عبر وسائل التواصل الاجتماعي والسوشيل ميديا أصبح من الطبيعي أن يقل التركيز على أسماء بعينها، ومنحها الزخم نفسه التي كانت تحظى به، أضف إلى ذلك أن الشاعر إنسان يتغير مزاجه حسب الظروف المحيطة به وهي كثيرة مثل المرض والإحباط وقلة الرغبة والتي تؤثر بشكل كبير في علاقته بالكتابة، وربما هي طبيعية من أجل أن تظهر طاقات جديدة تناسب أو تتفهم الواقع وتتعاطى مع الزمن والمكان بلغة ووجدان أقرب إلى التعبير؛ نظرا للتماس مع الحدث. أما فيما يتعلق بأثر الأجناس الأخرى على قلة الحضور الشعري لدى البعض فأعتقد ألا علاقة لها بهذا؛ فالشعر له حضوره الطاغي.
ومن وجهة نظري فإنه لا منافس له بحكم أنه سماعي أكثر منه قرائي فتجده في الأمسيات الشعرية والاحتفالات المختلفة، وتسمعه في الأغنية وعبر وسائل التواصل المتعددة، ويردده الناس في مجالسهم ويتمثلون بأبياته في الكثير من حالاتهم بينما تقتصر بعض الأجناس الأدبية على القراءة وهي مضطرة إلى الطباعة حتى تصل إلى الناس، ولهذا أرى أن الشعر علاقته معها علاقة تكامل وتراسل وتواصل.



اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي. وهو يخاطب العقل والوجدان والحواس صاهراً إياها في سبيكة واحدة محملة بالدلالات والإيحاءات.

لكن الكتاب الذي نتوقف عنده هنا يطرح سؤالاً؛ هل الشعر مقصور على الأفكار العالية والعواطف السامية واللغة الجليلة؟ ويجيب؛ إن فيه مكاناً للثقافة الشعبية والمصطلح العامي ضارباً أمثلة لذلك من الشعر الإنجليزي في مختلف عصوره.

إنه كتاب «مهنة سامية»، أو «رسالة سامية»، أو «من أين تحصل على أفكارك؟» (A High Calling? Or: where do you get your ideas from?) من تأليف جون غريننغ (John Greening) وقد صدرت منه طبعة ورقية الغلاف عن دار النشر «مطبعة رينارد» (Renard Pressing) في 224 صفحة.

نحن هنا نبحر مع المؤلف في عوالم شعرية شتى، قديماً وحديثاً، مع الإشارة إلى الروابط بين فن الشعر وفن الموسيقى. فقد كان المؤلف مولعاً بالموسيقى الكلاسيكية، خاصة أعمال المؤلف الموسيقي الفنلندي جان سيبليوس صاحب القصيد السيمفوني «فنلنديا» (1900). ويقول غريننغ عن سيبليوس: «لقد كان سعيداً بأن ينتج منمنمات شعبية (أعمالاً صغيرة) إلى جانب روائعه المتميزة بالقوة والحدة والكثافة». ويخصص نصف الفصل المعنون «العبقرية» للحديث عن موسيقيين.

ويلخص غريننغ وجهة نظره في قوله: «تستطيع العبقريات الحقة أن تتغنى علواً وسفلاً». ويضرب مثلاً لذلك شكسبير الذي جمع بين الجدّ والهزل، والفكر العميق والتهريج الرخيص: «لقد كانت عظمته تتجلى أكثر ما تتجلى حين بدأ؛ العالي والواطئ يندمجان لديه، كما في شخصية الملك لير ومهرجه».

ففي مأساة «الملك لير» (1605 - 1604) نجد أن الملك العجوز، وقد دبّ إليه الخرف، يرتكب غلطة مأسوية حين يتنازل عن عرشه وكل سلطاته لابنتيه جونريل وريجان، غافلاً عما تنطوي عليه نفساهما من شرّ وقسوة، ويحرم من الميراث ابنته الصغرى كورديليا، وهى البارة بأبيها حقاً، لأنها أبت أن تجامله بمعسول القول كما فعلت أختاها المنافقتان. وتنتهى المسرحية بمصرع كورديليا والبهلول (مضحك الملك أو مهرج البلاط) فينطق لير بهذه الكلمات:

«ومضحكي المسكين قد شنق. ليس، ليس، ليس من حياة؟

لِمَ تكون للكلاب والجواد والفأر حياة

وأنت بلا أنفاس البتة؟ لن تفيق مرة أخرى.

هيهات هيهات هيهات هيهات هيهات

أرجوكم حلّوا هذا الزر. شكراً يا سيدي».

ت. س. إليوت

إن اللغة في هذه الانفجارة الانفعالية لغة بسيطة تخلو من أي صور شعرية بعيدة المنال. فهي تعبير تلقائي، في لحظة صادمة، لا يلجأ إلى التفنن والإغراب. الحيوانات المذكورة هنا (الكلب والجواد والفأر) كلها حيوانات مألوفة وليست كالحيوانات الأسطورية (عنقاء مغرب أو طائر الرخ أو الجواد بجاسوس الذي يطير أو القنطور الذي يجمع بين رأس رجل وبدن جواد). ويتكرر حرف النفي ذو المقطع الواحد (no). كما تتكرر كلمة «هيهات» (never) 5 مرات وهى من أشيع الكلمات في الحديث اليومي.

مثل آخر يضربه المؤلف هو شعر ت. س. إليوت في قصيدته «الأرض الخراب» (1922)، خاصة الحركة الثانية المعنونة «مباراة شطرنج». فمسرح القصيدة هنا مشرب من المشارب الرخيصة (pubs) التي تعج بها مدينة لندن وغيرها من المدن والبلدات والقرى البريطانية. إن المتكلم يتحدث إلى امرأة تدعى ليل، سرّح زوجها من الجيش، وهو الآن بصدد العودة إلى بيته. وينصحها المتكلم بأن تعنى بمظهرها، وأن تركب «طقم أسنان» جديداً حتى تحلو في عيني زوجها الذي قضى 4 أعوام في الخدمة العسكرية، وهو الآن يتطلع إلى قضاء وقت ممتع. ويحذرها المتكلم أنها إن لم توفر لزوجها هذا الوقت فسيبحث عن امرأة غيرها تلبي حاجاته. والمصطلح اللفظي الذي يستخدمه إليوت هنا، بعكس سبحاته الشعرية العالية في مواضع أخرى من القصيدة، مصطلح عامي دارج يعكس بيئة متواضعة وحظاً ضئيلاً من التعليم. ونجد إشارات إلى ظواهر من الحياة المعاصرة كأقراص منع الحمل، وما يمكن أن يكون لها من أثر في صحة المرأة:

«قالت هي تلك الأقراص التي تناولتها لأجهض طفلي

(كانت أماً لخمسة أطفال وقد كادت تموت يوم ولادة جورج الصغير)

وقد زعم الصيدلي أني لن ألبث أن أعود إلى حالتي الطبيعية

ولكنى ما عدت قط كما كنت».

يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة وفكرة قويتين، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية

مثال ثالث للشعر الذي يدنو من لغة الحياة اليومية هو و. هـ. أودن، الذي يصفه المؤلف بأنه «يذكرنا بالمجال المتاح أمام شاعر ذي عبقرية». ففي قصيدته المسماة «سأحصل على وظيفة» (1932) نقرأ:

«سأحصل على وظيفة في مصنع

سأعيش مع الأولاد العمال

سألاعبهم لعبة لوحة السهام في المشرب العام

سأشاركهم أحزانهم وأفراحهم

ولن أعيش في عالم ولى زمنه».

ويؤكد غريننغ أن الشعر يمكن أن يجد جمهوراً مهما جاء مخالفاً للتصورات التقليدية بما يجب أن يكون عليه من سمو وجلال: «يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة إنسانية قوية أو يعبر عن فكرة مستحوذة على الأذهان، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية».

ومسيرة الشعر منذ النصف الثاني من القرن العشرين حتى يومنا هذا (عندنا كما عند غيرنا) تشهد بصواب نظرة غريننغ (وهو ذاته شاعر إلى جوار كونه ناقداً). فنحن حين نقرأ قصائد شاعر معاصر كالشاعر اليوناني يانيس رتسوس مثلاً (ترجم رفعت سلام قصائده إلى العربية) نجده يستوحي مفردات الحياة اليومية وينأى عن أي إغراب. وكذلك الشأن مع محمد الماغوط في قصائد نثره، كما أوضح دانيل بيهار في كتابه «الشعراء السوريون وحداثة اللغة المحكية»، أو صلاح عبد الصبور الذي يحدثنا أنه رتق نعله وشرب شاياً في الطريق ولعب دور نرد أو دورين، أو أحمد عبد المعطي حجازي الذي يتحدث بصوت بائع ليمون: «العشرون بقرش - بالقرش الواحد عشرون». ويبلغ هذا الاستخدام للغة الحياة اليومية أبعد نقطة له في شعر العامية المنحدر من ابن عروس إلى فؤاد حداد، وعبد الرحمن الأبنودي، وصلاح جاهين، مروراً ببيرم التونسي. إن البساطة ليست نقيض العمق. وفي الشعر مكان لكل تنوعات الخبرة الإنسانية من أعلاها إلى أدناها.


«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

مشهد من مسرحية «عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني، بإخراج توم موريس
مشهد من مسرحية «عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني، بإخراج توم موريس
TT

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

مشهد من مسرحية «عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني، بإخراج توم موريس
مشهد من مسرحية «عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني، بإخراج توم موريس

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023» والملقب بـ«شيخ المترجمين العرب» نظراً لإسهاماته التي تجاوزت 130 كتاباً في هذا السياق.

يشير عناني في مقدمته النقدية التي يستهل بها ترجمته الكاملة، والمزودة بهوامش وشروحات مع ذكر القائمة التفصيلية للمراجع والمصادر، إلى أن العمل ينتمي إلى المسرح الشعري، وطابع الشعر هنا لا يقتصر على ظاهرة النظم، بل يتعداها إلى صلب الرؤية الفنية التي تستمد قوتها من طاقة الاستعارة بأشكالها التي تتراوح ما بين الصور الجمالية بشتى أنواعها والرمزية، إلى جانب ما يتمتع به فن الشعر من تكثيف في الصياغة والضغط في التعبير، وهو ما تؤكده خصوصية البناء المسرحي الفريد في «عطيل».

ويجمع الدراسون على أن شكسبير قد استقى الحبكة من قصة وردت في مجموعة من مائة قصة طويلة مقسمة إلى عشرات تحمل عنوان «القصص المائة»، ومؤلفها هو جوفاني باتستا جيرالدي تشنثيو، وتقع في العشرة الثالثة، وقد نشرها في البندقية باللغة الإيطالية عام 1566، كما نُشرت في باريس باللغة الفرنسية عام 1584 من ترجمة جابريل شائوي. ولم يستطع الباحثون أن يعثروا على ترجمة إنجليزية لها قبل عام 1753، وربما يكون أحد المترجمين قد أصدر لها ترجمة معاصرة لشكسبير فاطلع عليها قبل نفاد نسخها، وربما يكون قد أطلع عليها بالإيطالية بدليل وجود أصداء لفظية مباشرة في النص لتلك اللغة، وهو ما بينه الكثيرون، أو أن يكون قد قرأها بالفرنسية.

تتحدث القصة عن قائد مغربي يتخذ لنفسه زوجة من بنات مدينة البندقية، رغم معارضة والديها واسمها «دزدمونة» ويعيشان معاً زمناً طويلاً في سعادة، ثم يقرر مجلس الحكم في البندقية تغيير نظام حامية قبرص وإرسال المغربي «عطيل» قائداً لها، دون تحديد أسباب لتغيير القديمة. وبعد معارضة طفيفة يقبل المغربي أن تصحبه زوجته؛ فالرحلة يسيرة، والسفينة مأمونة ومتينة البناء.

وبعد الوصول يقدم تشنثيو ثلاث شخصيات أخرى أهمها «ياجو» الشرير الذي يشغل منصب حامل العلم، ويقع في حب «دزدمونة»، ويتمنى الظفر بها، ويحاول بشتى الوسائل إغواءها فلا يجد أذناً مصغية، فهي تحب المغربي حباً جارفاً ولا تتصور خيانته مطلقاً، وهنا يتساءل الشرير عن ذلك ويوحى إليه ذهنه الفاسد بأنها لم تتمنع عليه إلا لأنها تحب ضابطاً آخر هو «كاسيو»، ومن ثم يتحول الحب الذي يكنه لها إلى كراهية مرة.

يُقنع ياجو «عطيل» بأن زوجته خائنة، فيصر الأخير على طلب دليل عيني، ويرد «ياجو» قائلاً إنه كان يمكنه تحقيق مطلبه لولا أن الرجل قد فقد منصبه ولم يعد يأتي إلى منزل «عطيل»، ومع ذلك فهو يعده بتلبية طلبه بأن يأتي بدليل حاسم. ويتذكر «ياجو» أمر المنديل المغربي النادر الذي أهداه «عطيل» إلى زوجته ويسرقه ياجو بنفسه في أثناء زيارته مع زوجته وابنته الصغيرة لـ«دزدمونة»، ويرميه في منزل «كاسيو»؛ تمهيداً لاتهام الزوجة الغافلة البريئة بأنها أهدته ذلك المنديل.

يناقش «عطيل» مع «ياجو» أمر قتل زوجته والرجل الذي يتهمه بالخيانة معها، ويقرر من ثم تكليف الشرير بقتل الرجل وفعلاً يفاجئه «ياجو» ذات ليلة وهو خارج من منزل فتاة ليل، ويعاجله بضربة تكسر ساقه ولكن «كاسيو» يتحامل بشجاعة على نفسه وينهض للدفاع شاهراً سيفه فيفر «ياجو» في ظلام الليل، ويصيح «كاسيو» طالباً للنجدة، ويهتف قائلاً: «لقد قُتلت»، ثم يعود «ياجو» وسط الظلام ويواجه بالشرطة التي هرعت إلى مكان الحادث.

تعلم «دزدمونة» بما حل بـ« كاسيو» فتحزن حزناً عميقاً، ويرى «عطيل» أن ذلك دليل لا يقبل الشك على خيانتها، ويدبر له حامل العلم أمر قتلها، بحيث لا يتهم أحد بارتكاب الجريمة، ويتفقان على أن يضرباها حتى الموت بجورب مملوء بالرمال، وأن يسقطا سقف الغرفة الخشبي المتهالك عليها؛ حتى يبدو الحادث كأنه قضاء وقدر، وينجحان في تحقيق ذلك، ويعتري المغربي حزن شديد على زوجته، وكراهية عميقة لحامل العلم، لكنه لا يجرؤ على قتله فيفصله من منصبه.

هنا يدبر «ياجو» خطة لقتل المغربي فيقنع «كاسيو» بالعودة معه إلى البندقية ويقول له إن «عطيل» هو الذي ضربه بالسيف فكسر ساقه بدافع الغيرة، ثم قتل زوجته، ويتقدم «كاسيو» بالشكوى إلى مجلس الحكم، ويُستدعي «ياجو» شاهداً، ويؤيد كل ما ذهب إليه في دعواه، وتلقي الشرطة القبض على المغربي وتعيده إلى البندقية، حيث يتعرض للتعذيب حتى يعترف، لكنه يصر على الإنكار، فيصدر المجلس الحكم بالنفي المؤبد عليه، ولكن أسرة «دزدمونة» تقتله، ويواصل حامل العلم «ياجو» حياة الشر فيكون له المزيد من الضحايا، لكن يُقبض عليه في نهاية الأمر، ويعذّب حتى الموت.

ويشير الدكتور عناني إلى أن الانهيار السريع الذي يتسبب في النهاية المفجعة لا تبرره على المستوى الواقعي المحض نظرتنا إلى المسرحية بوصفها مأساة زوج يغار أو يشك في زوجته أو حتى مأساة بطل جندي مغوار وشاعر يمثل صورة «العاشق المحارب» التي ورثتها أوروبا من العصور الوسطى.

والفكرة هنا أن «ياجو» يشارك «عطيل» عدم انتمائه طبقياً إلى البندقية بوصفها دولة غنية تعتمد على التجارة وثراء الأعيان من ذوي الحسب والنسب، فضلاً عن امتياز البحارة المقاتلين أو الأفذاذ في صنعة الحرب من القادة والأعلام. و«ياجو» لا يتمتع بالثراء ولا الحسب والنسب، ولا هو من السادة، ولا يأمل حقاً في أن ينافس ابن المجتمع الراقي «كاسيو» الذي تلقى التعليم، ويتمتع بمزايا الأعيان من ذوي الشعر المهدل، ويحظى بإعجاب بنات الطبقة الراقية، ويعرف موقعه في السلم الاجتماعي فهو يغار غيرة حقد وحسد من «كاسيو» أولاً، ومن «عطيل» ثانياً.


سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا
TT

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا بعدّها رمزاً تاريخياً فريداً من نوعه، لكنه لم ينل ما يستحق من الشهرة أو الذيوع رغم عمق المعاني التي يتضمنها.

كانت فاتنة الجمال، راجحة العقل، جامحة الخيال، نهلت من الفكر المصري ونزعته الصوفية وكانت من أكثر المعبرين عنه، كما قال عنها المؤرخ الأميركي الشهير ول ديورانت، إنها بزت جميع فلاسفة زمانها، ولما عُينت أستاذة للفلسفة هرع لسماعها عدد كبير من الناس من شتى الأقطار.

وقد بلغ من حبها للفلسفة أنها كانت تقف في الشوارع تشرح لكل من يسألها عن النقاط الصعبة في كتب أفلاطون وأرسطو ما أكسبها احترام الناس.

ولدت عام 370م وكان أبوها «ثينون» فيلسوفاً عمل بالفلسفة والجبر والهندسة، ثم مديراً لمكتبة الإسكندرية، أخذت عنه حب التفكير والفلك والرياضيات كما دربها على الخطابة والتدريس، وعندما كتب شرحاً لكتاب بطليموس اعترف بالدور الذي قامت به في تأليفه، كما كانت أبحاثها تشمل الفلك والرياضة وصنعت أجهزة لتقطير المياه وقياس منسوبها، كما صنعت «إسطرلاب» وجهازاً لقياس كثافة السوائل.

وفى الثلاثين من عمرها صدر الأمر الإمبراطوري بتعيينها أستاذة بالمكتبة، وغدت فيلسوفة من أتباع أفلاطون وتزعمت مدرسة «الأفلاطونية الجديدة» ذات النزعة الصوفية، وكانت بعثاً للفكر المصري القديم، تميزت به مدرسة الإسكندرية منذ القرن الثالث قبل الميلاد، وازدهر على يد أفلوطين كآخر المدارس اليونانية الفلسفية الكبرى.

كانت تقول إن «من يقدر على خلع بدنه وتكسير حواسه ووساوسه وحركاته، يستطع الرجوع إلى ذاته والصعود إلى العالم العقلي، كما أن الامتناع عن الشهوات وعدم أكل اللحوم عوامل مساعدة لصفاء النفس، وعلى الإنسان أن يمارس العبادات لتطهير النفس والزهد، فقيمة الإنسان ليست في جمال ملامحه ولكن في جمال أخلاقه».

عدّها المتعصبون دينياً واحدة من ألد أعدائهم بسبب جمالها وروعة منطقها وحداثة أفكارها، فهجموا عليها في أثناء عودتها من إلقاء إحدى المحاضرات وأنزلوها من عربتها وجروها إلى منطقة نائية. وهناك جردوها من ملابسها، وأخذوا يرجمونها بقطع القرميد حتى قتلوها، بل أكثر من ذلك قطعوا جسدها إرباً، وحرقوا بعضه، كانوا يفعلون كل ذلك بمرح وحشي شنيع لتذهب أسطورة هيباتيا ضحية للصراع بين الفكر والعلم من ناحية، والتعصب الديني من ناحية أخرى وعمرها 45 سنة.

لم يعاقب الجناة على فعلتهم البشعة واكتفى الإمبراطور بتقييد حرية المتطرفين في الظهور أمام الجماهير، مع حرمان الوثنيين من المناصب العامة، وأغلق المعابد والمدارس لتنطفئ شعلة العلم في الإسكندرية وينطفئ دورها الحضاري، ويرحل أساتذتها إلى أثينا خوفاً من مصير هيباتيا.