معارض الكتب العربية... ضغط الاقتصاد ومطالب السياسة

مفهومها تغير بمجرد دخولها الأفق الثقافي العربي

جانب من معرض أبوظبي للكتاب 2017
جانب من معرض أبوظبي للكتاب 2017
TT

معارض الكتب العربية... ضغط الاقتصاد ومطالب السياسة

جانب من معرض أبوظبي للكتاب 2017
جانب من معرض أبوظبي للكتاب 2017

في معارض الكتب العربية عدد من الأسماء الخاطئة والهموم العالقة: هي أولاً ليست معارض؛ بل أسواق كتب. فكما هي معظم عناصر الحياة العربية بوجوهها المختلفة: السياسية والثقافية... إلخ، ولدت معارض الكتاب لأن لها نموذجا مسبقا في الغرب، أوروبا تحديداً. لكن مفهوم معرض الكتاب تغير بمجرد دخوله الأفق الثقافي العربي؛ واقع النشر والتأليف، وواقع توفر الكتاب، وما يحيط ذلك كله من سياسات وتوجهات فكرية ومذهبية وظروف اقتصادية وغيرها. معرض الكتاب في الإنجليزية هو Book Exhibit ومعارضنا، ربما باستثناء معرض أو معرضين، ليست لعرض الكتب، كما يشير اسمها، وإنما لتسويقها وشرائها، أو العرض بغرض التسويق. حتى معرض فرنكفورت الأكبر من نوعه في العالم، كما يقال، يسمى Book fair أي «سوق الكتاب» لكن ليس لأن الكتاب يباع فيه ويشترى، وإنما لأن المكان والمناسبة يتيحان للناشرين عرض إنتاجهم وللمؤلفين عرض أعمالهم والتعاقد مع الناشرين، أي إن المكان والمناسبة، بغض النظر عن الاسم، ليسا لشراء الكتاب كما هو معرض الرياض أو القاهرة أو الشارقة، وإنما هو لتحقيق فعالية اقتصادية ثقافية تتيح للكتاب أن ينشر وينتشر. البلاد التي لا توجد بها عوائق أمام توفر الكتاب لا تحتاج إلى معرض لبيعه أو تسويقه. لكن تلك هي أزمة الكتاب العربي والناشر العربي والقارئ العربي أيضاً.
سمة البيع والشراء للكتاب بوصفه سلعة جاهزة تعرفها معارض الكتب العربية ولم ترد في ذهن من طور فكرة معرض للكتاب في الغرب، ويعني هذا أن الناشرين يأتون إلى معارض الكتب ليساً بحثاً عن كتاب لينشر وإنما عن كتاب يمكن نشره. يأتون لأن ثمة مشكلة في التسويق، مشكلة اقتصادية وسياسية في الآن نفسه، وهي نموذج لتوحد الاقتصاد والسياسة في هم واحد. واضعو السياسات في الحكومات العربية يهمهم ضبط سوق المعرفة والثقافة التي يتم فيها تداول الأفكار والرؤى، لذا هناك دائماً مكتب للمراقبة ومقص للرقيب. الكتب قابلة للسحب والمنع من العرض في أي لحظة وحسب تقدير موظف قد لا يكون مؤهلاً (مع أن البعض يرى أن التأهيل - أي الشهادة العليا والثقافة - قد يكون أسوأ أثراً أحياناً)، فهو يخشى إن هو تسامح من سلطة أعلى منه تحاسبه فيستسهل محاسبة الناشر والكتاب ومعهما القارئ. غير أن الطريف والمؤلم في الآن ذاته أن الرقيب قد لا يعمل على نحو مباشر. الرقيب يكون قد جرى استيعابه من قبل الجميع ومنهم الناشر الذي يعرف أي الكتب يأتي بها وأيها يتركه في مخازنه لمعرض آخر تختلف معايير الرقابة فيه. وقد سمعت بعض الناشرين يقولون بالحرف الواحد إنهم يعرفون أي الكتب تصلح للرياض وأيها لأبوظبي وأيها للقاهرة وهكذا، أي إننا نتحدث عن رقيب داخلي ليس لدى الكاتب المؤلف وحده وإنما لدى الناشر المسوّق أيضاً. ذلك الرقيب يتدخل بطبيعة الحال عند الموافقة على نشر كتاب وقبل ذلك - بطبيعة الحال أيضاً - عند تأليفه.
الجانب الآخر الذي يسترعي الانتباه في معارض الكتب العربية، وكنت مؤخراً في أحد تلك المعارض، هو النشاط الثقافي المصاحب، النشاط المعروف بالفعاليات التي تتألف عادة من ندوات ومحاضرات وإبراز لشخصيات على نحو لا يخلو من رسائل سياسية تكرس توجهاً أو شخصاً بعينه. معارض الكتب العربية جميعاً تتسم بهذه السمة السياسية التي لن نجدها مطلقاً في لندن أو باريس أو فرنكفورت، تماماً مثلما أننا لن نجد الكتاب المعروض للبيع (إلا في أضيق الحالات). تلك الفعاليات ذات طابع ثقافي وفكري غالباً وتشمل نشاطاً تقيمه الدولة المستضافة (وهو تقليد غربي أيضاً) إلى جانب النشاط الرئيسي الذي يصاحب المعرض وتعده عادة لجنة مشرفة تقترح الموضوعات والمتحدثين. وفي ذلك ما يثري الناس بكل تأكيد. لكن المشكلة هي أن الفعاليات لا علاقة لها في الغالب بالكتب التي أتى بها الناشرون، لأن الناشرين لا علاقة لهم أصلاً بتلك الفعاليات التي تعدها جهات معنية في الدولة التي يقام المعرض على أرضها. فباستثناء التوقيع على الكتب، فإن الفعاليات في الغالب لا تناقش كتاباً صدر حديثاً أو موضوعاً صدرت فيه كتب حديثة معروضة. الفعاليات، بتعبير آخر، تطرح قضايا عامة ليست في المجمل موصولة بالكتب التي أقيم المعرض أساساً لعرضها وتسويقها. ثمة نشاطان منفصلان إذن، نشاط الناشرين والمؤلفين ونشاط المؤسسة الراعية والمشرفة على المعرض.
بين هاذين الجانبين يقع الطرف الثالث وربما الأهم: القراء أو الزوار الذي يعدون زبائن يتطلع الطرفان الآخران إلى اجتذابهم، إما بشراء الكتب أو حضور الفعاليات، لأنه من دون أولئك لن يكون هناك معرض أو فعاليات. لكن لأن الفعاليات تقام في فترات ومناسبات أخرى، فإنها في الغالب ليست ما يبحث عنه زوار المعرض. هم هناك من أجل الكتب بغض النظر عن نوعها أو مستواها. الزوار يعلمون أنه في الوطن العربي لا تتوفر الكتب بالكمية أو بالسهولة أو التنوع الذي يجدونه في معارض الكتب. الرقابة أشد ما تكون عادة على ما يأتي إلى «المكتبات» (الوراقون أو دكاكين الكتب بتعبير أدق)، لكنها تخف كثيراً في المعارض، لذا يتاح للقارئ في تلك المعارض الحصول على كتب يتعذر عليه الحصول عليها في الظروف العادية. أما لماذا تكون الرقابة ثقيلة هناك وخفيفة هنا؟ فلأسباب عملية في المقام الأول: لو شددت الرقابة لما أمكن للمعرض أن تكون له قيمة، لما جاء الزوار ولا الناشرون، ولما حقق المعرض مكاسب تجارية كالتي يحققها نتيجة تأجير المساحات للعارضين وللمستثمرين. أي إن للمعرض جانبه التجاري في عالم تطغى عليه النزعة الاستهلاكية ويتحول إلى سوق تحكمه عقلية الأرباح. البعد الاقتصادي عامل رئيس في تخفيف الرقابة.
العامل الآخر في تخفيف الرقابة هو أن السيطرة على انتشار الكتاب لم تعد بالسهولة التي كانت عليها قبل عقد أو عقدين. فمع العولمة الإنترنتية وتداخل الأسواق وسهولة التنقل لم يعد ممكنا السيطرة على حصول الناس على الكتب، مع أن جهوداً تبذل للاحتفاظ بأكبر قدر من تلك السيطرة. الكتب تأتي بالبريد المتعدد الوسائط وبالإنترنت عن طريق التنزيل ومع المسافرين الذين يصعب ضبط كل ما يحملون. إنه تنازل عملي واقعي، اعتراف بواقع متغير وبإمكانات محدودة. طبعاً لا تزال بعض المعارض العربية تحكم بعقلية الرقابة المشددة، وهي عقلية دون كيخوتية بالتأكيد، لكن هذا يدفع بالناس للذهاب إلى معارض أخرى للحصول على الكتب أو الاعتماد على الوسائل الإلكترونية المختلفة (يمكن تحميل آلاف الكتب على «فلاش ميموري» كما هو معروف).
باختصار: معارض الكتاب العربية تختصر واقع الثقافة العربية، وهي تتشكل تحت ضغوط الاقتصاد والسياسة، فتستجيب حيناً لمتغيرات العالم، وتصر حيناً آخر على أن تختلف فتستجيب لثوابت عربية يعرفها الجميع.



«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
TT

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)

بعد 15 عاماً من الدعايات الحماسية للكتاب الإلكتروني بأنه سيقضي على الورق، ويحول المكتبات التقليدية إلى مجرد مدافن لمحتويات تأكلها الغبار ولا يريد أحد العودة إليها، كل النتائج تثبت العكس. يتبين بالأرقام، أن الكتاب الورقي يحافظ على مكانته في الصدارة، ويربح المعركة في أميركا وأوروبا والعالم العربي أيضاً، وأن الكتب الرقمية توقف سوقها عن النمو، وهي تصارع من أجل أن تتقدم دون كبير جدوى. ما الذي فرمل حيويتها الأولى؟ وهل المستقبل سيكون مختلفاً؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه.

10 أعوام من الجمود

تحدثت دول غربية عن نمو كبير في عدد قراء الكتب الرقمية ابتداءً من عام 2011 حيث ازدادت نسبة قراءة الكتب الإلكترونية بين الأميركيين 11 نقطة مئوية خلال 3 سنوات فقط، أي أنها قفزت من 17 في المائة عام 2011 إلى 28 في المائة عام 2014. لكن للغرابة فإن هذه النسبة لم تشهد بعد ذلك تزايداً يذكر، لا في أميركا عقر دار التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ولا في دول أوروبية، رصدت أحوال القراء، ورغباتهم. وبدل أن يفقد الكتاب الورقي مكانته بسرعة كما كان متوقعاً، توقف مدّ الكتاب الإلكتروني، طوال السنوات العشر الماضية، واحتفظ كل شكل من أشكال القراءة، بنسبة محددة لا تتزحزح.

أميركا تقرأ ورقياً

في دراسة أصدرها «مركز بيو للأبحاث»، في أبريل (نيسان) من العام الحالي، تبين أن الكتب الورقية لا تزال هي المفضلة لدى الأميركيين، وأن ثلث القراء فقط هم من قرأوا كتاباً إلكترونياً واحداً على الأقل خلال السنة الماضية، فيما وصل عدد الذين قرأوا كتاباً ورقياً إلى 64 في المائة، أي بانخفاض 10 في المائة فقط عن النسبة قبل 14 عاماً، بينما لجأ 26 في المائة إلى كتاب صوتي واحد على الأقل العام الماضي.

الدراسة تثبت أن الكتب الورقية هي الصيغة الوحيدة التي يستخدمها أغلبية الأميركيين، وأن النمو الرقمي جاء مكملاً لها ولم يحلّ مكانها. وهذه ملاحظة عامة في دول أوروبية عديدة، حيث أن نسبة قراء الكتاب الرقمي تجمدت بالفعل في السنوات الأخيرة. بالتالي، وبعكس التوقعات الأولى، فإن قارئ الكتاب الإلكتروني يجد فيه مكملاً لدور الكتاب الورقي، ولم يعتبره بديلاً عنه، خصوصاً في ما يتعلق بكتب الروايات والمغامرات والكتب المخصصة للأطفال، فيما الكتب الأكاديمية لها شأن آخر.

لماذا العودة إلى التقليدي؟

قد يكون سبب بقاء القراء مخلصين لعاداتهم الورقية متأتياً من الحاجة إلى الابتعاد عن إجهاد الشاشات الذي يرهقهم طوال اليوم، وقد أصبح استخدام الهاتف يستغرق يومنا ونحتاج إلى استراحة منه. هناك أيضاً الدراسات التي تحذر باستمرار من القراءة الإلكترونية حيث يصبح الإنسان أقرب إلى التشتت وعدم التركيز منه إلى حالة التفكر. ولا ننسى وسائل التواصل والمنصات التي لعبت دوراً إيجابياً في لفت الانتباه إلى الكتب كمنتجات مغرية، عبر مؤثرين، تمكنوا من التعريف بالمؤلفات واجتذاب المهتمين، كما لم يفعل أحد من قبل. كما يبدو أن القارئ وجد في النهاية، في كل صيغة، سواء الورقية أو الرقمية أو الصوتية، ما يناسب الظرف الذي يعيشه، إن كان مسافراً أو مسترخياً في منزله، أو يزاول رياضة المشي، فلكل حالة كتابها.

ونحن هنا لا نتحدث عن صور «بي دي إف» المقرصنة والمصورة التي يتداولها القراء بالعربية وفي شتى اللغات، بحيث يصعب معرفة عدد من يتناقلونها أو يستفيدون منها، وتبقى في منطقة من الظلال الكثيفة. إنما الدراسات تأخذ بعين الاعتبار الصيغ المختلفة للكتاب التي تباع وتشترى في سوق الكتب، ويمكن للجهات المختصة مراقبتها، ومعرفة مسارها.

بريطانيا تنتصر للنشر الكلاسيكي

في بريطانيا، بحسب الرابطة التجارية لصناعة النشر، النتائج مشابهة لما أعلنته الولايات المتحدة حيث لا تزال الطباعة الورقية هي الشكل الأقوى للنشر الاستهلاكي، وقد بلغت إيراداتها 2.1 مليار جنيه إسترليني من إجمالي 2.6 مليار جنيه إسترليني، بزيادة قدرها 2 في المائة عن العام الماضي. وحققت الصيغ الرقمية إيرادات لم تصل إلى أكثر من 558 مليون جنيه إسترليني، بينما بلغت إيرادات الكتب الصوتية 255 مليون جنيه. ما يعطي الورق تقدماً كبيراً على كل ما عداه.

العرب غياب للتوثيق الدقيق

أما العرب، ورغم غياب الإحصاءات الشاملة والموثوقة، فإن تقارير معارض الكتب والناشرين، تتحدث عن بيع ملايين النسخ الورقية. وهبوط القدرة الشرائية التي أثرت على سوق الكتب لا يوازيه ارتفاع في بيع الكتاب الإلكتروني، لأسباب تتجاوز تلك التي نراها في الغرب، على رأسها تعثر النشر الإلكتروني العربي تقنياً خاصة في البدايات، في الوقت الذي كانت فيه الكتب باللغات الأجنبية في عزّ انطلاقتها. ولا بد من التذكير بأن تطويع الخط العربي ليصبح مناسباً للنشر الإلكتروني والقراءة على الشاشات تأخر، عن باقي اللغات، ولا تزال المشاكل التقنية حاضرة ولم تذلل جميعها. كما أن ضعف البنية التحتية لحماية حقوق الملكية الفكرية الرقمية لم يشجع على الاستثمار في منصات النشر. وحسب إحدى الدراسات، فإن سوق النشر بكليته في العالم العربي يقدر بنحو 13.4 مليار دولار، أما النشر الإلكتروني فلا يشغل سوى 791 مليون دولار من هذا المبلغ، ما يدل على أنه لا يزال ضعيفاً جداً، بل أضعف من معدله في أماكن أخرى في العالم.

أوروبا لا تشذّ عن القاعدة

أوروبا لا تشذ عن غيرها، ففي فرنسا وإسبانيا لا تزال الكتب الورقية في المقدمة، وفي ألمانيا القراءة بخير، حيث إن أكثر من نصف الألمان يشترون الكتب الورقية ولا يستعيرونها فقط. والأمر نفسه من حيث الإقبال على النشر الورقي في الهند وكوريا الجنوبية.

وتسجل الصين اختلافاً بيناً في صفوف قرائها، إذ إن الصينيين هم من أكثر المستهلكين للكتب الإلكترونية، نسبة إلى الشعوب الأخرى. عدد قراء الكتب الورقية يكاد يوازي عندهم عدد قراء الكتب الرقمية، يليهم في ذلك اليابانيون، مع فارق كبير بين الشعبين لصالح الصينيين. هذا النوع من الإحصاءات يأخذ بعين الاعتبار إجابات من يتم طرح السؤال عليهم، وعدد الكتب المباعة بصيغها المختلفة. وغالباً ما يكون القراء أنفسهم هم الذين يلجأون إلى الوسيلتين معاً، مع ملاحظة أن الشباب أميل قليلاً إلى الكتاب الإلكتروني من الأكبر سناً.

سوق النشر بكليته في العالم العربي تقدر بنحو 13.4 مليار دولار، أما النشر الإلكتروني فلا يشغل سوى 791 مليون دولار

دراسة

مشاكل رقمية غير مشجعة

الكتاب الورقي يقاوم ويثبت مكانته، رغم أن مغريات الكتاب الإلكتروني أصبحت كثيرة، منها ارتفاع سعر الحبر والطباعة والورق، ما جعل سعر الكتاب التقليدي باهظاً بالنسبة للبعض، كما أن الحصول عليه يحتاج وقتاً أطول حتى لو طلب من منصة، إضافة على أن الاحتفاظ بالكتب يشكل عبئاً على أصحابها في المنازل الصغيرة. لكنه في المقابل يبقى عملياً بعد الحصول عليه، فلا يحتاج كهرباء ولا تشريجاً أو جهازاً للعودة إليه، كما يسهل التعليق على هوامشه والتعامل مع معلوماته.

ومن العوائق، التي لا تزال ترجّح الرغبة في الحصول على الكتب ورقياً، أنها بعد شرائها تصبح ملكية لا يمكن استردادها، بينما تدفع ثمن كتاب إلكتروني وتشعر أنه لديك على سبيل الإعارة. كما تحدد بعض المنصات للمكتبات العامة عند شراء الكتب الرقمية عدداً محدداً للإعارات المسموح بها والمدة الزمنية المتاحة، وهناك قيود أخرى بدأت تزعج القراء وتشعرهم بأنها تحدّ من حريتهم، بل ملكيتهم.

من هنا، لا غرابة، ليس بالبقاء على الكتاب الورقي للشعور بالأمان فقط، ولكن هناك أيضاً عودة إلى الكتب القديمة بطبعات محفوظة في المخازن لأنها لم تبع في حينه.

الكتب المستعملة ذخائر للمستقبل

وقد قُدّر نمو سوق الكتب المستعملة عالمياً بأنه ارتفع من 25.32 مليار دولار عام 2024 إلى 27.13 مليار دولار عام 2025، بسبب تراجع أسعار هذه الكتب، وتوسع المنصات الإلكترونية التي تتيح وتعرض هذا النوع من المطبوعات، كما أن المغرب لديه معرض خاص للكتب المستعملة، ما يدلّ على نمو جمهورها.

إن ميل «المستجد» يشجع أصحاب المكتبات على إخراج قديمهم وعرضه للبيع، كما شراء المكتبات الشخصية التي تعرض بعد رحيل أصحابها. فهذه الكنوز، بحسب ما أخبرني صاحب أحد المكتبات في لبنان، تتيح كتباً بأسعار خيالية، وطبعات نادرة أو نافدة من السوق. تخزين هذه المقتنيات لدى أصحاب المكتبات بات شائعاً، إذ ثمة رهان على أن الكتب الورقية ستكون غداً أغلى من اليوم، وأكثر أهمية وقيمة مما كنا نتصور.


«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان
TT

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

صدر للروائي والناقد السوري نبيل سليمان كتاب جديد بعنوان «أرواحهم في المفكرة»، وقد افتتحه بالاقتباس التالي: «إذا كانت المفكرة تنادي الكتابة والكتاب، فليكن للأرواح أن تخفق بالمحبة والصداقة والفقدان، وبالثقافة».

وجاء في تقديم الناشر: لا يكتب نبيل سليمان مراثيَ تقليدية، بل ينسجُ خيوطاً مضيئةً من الذاكرة لأسماءٍ سكنت وجدانه وأعماله قبل أن تسكن صفحات هذا الكتاب. إنه ليس مجرد كتابٍ عن الراحلين، بل هو معرضٌ حيٌّ لـ«أقمارٍ» من الثقافة والأدب العربي والعالمي؛ من ممدوح عدوان وبوعلي ياسين، إلى نزار قباني وعبد الرحمن منيف، وصولاً إلى إبراهيم أصلان، وأديب غنم، وأروى صالح، وغيرهم الكثير ممن تركوا بصمة لا تُمحى في المشهد الثقافي.

يأخذنا سليمان في رحلةٍ وجدانية، يتنقل فيها بين أضرحةٍ صارت منارات، وبين لقاءاتٍ عابرةٍ تحوّلت إلى صداقاتٍ أبدية. الكتاب يتجاوز حدود الرثاء إلى «الاحتفاء» الفلسفي والإنساني. إنها مفكرةٌ لا تحفظ الأسماء فحسب، بل تحفظ «الحرارة» التي تركتها تلك الأرواح في عالمنا. يكتب سليمان بلغةٍ تتقطر شجناً وعمقاً، يمزج فيها بين تفاصيل الحياة اليومية: ضحكاتٍ، جلساتِ مقاهٍ، لحظاتِ انكسار، وبين قراءات نقدية رصينة لتجارب هؤلاء المبدعين. ما يجعل الكتاب مشوقاً هو صدقُ الألمِ وعمقُ الحب. سليمان لا يستعرضُ سِيراً ذاتيةً باردة، بل يفتحُ أبوابَ قلبهِ ليُرينا كيف يتفاعلُ المثقفُ مع فجيعة الفقدان. هو يتساءل: كيف نعيشُ بعد رحيلهم؟ كيف نحمي إرثهم من النسيان؟ الكتاب دعوةٌ للتأمل في جوهر الكتابة، وفي قوة الكلمة التي تقهرُ الموتَ وتجعلُ الغائبين حاضرين في وعينا، في كل سطرٍ وفي كل حكاية.

الكتاب هو تذكرةٌ لكل قارئٍ بأن الكتابة ليست مجرّد حرفٍ على ورق، بل هي محاولةٌ يائسةٌ ونبيلةٌ لتخليد اللحظاتِ النادرةِ التي تمنحنا إياها الحياة. حين تقرأ هذا الكتاب، ستشعرُ أنك تجلسُ مع كل هؤلاء العظماء، تسمعُ أصواتهم، وتتقاسمُ مع الكاتبِ مرارةَ الغيابِ وحلاوةَ الذكرى.


مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
TT

مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)

قال المخرج حسام أبو دان، إن فيلماً درامياً فلسطينياً صُوّر بالكامل في غزة يهدف إلى إطلاع العالم على الصعوبات اليومية التي يواجهها الفلسطينيون، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويروي فيلم «غزة 13»، الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي يوم الثلاثاء، قصة رغد، وهي فتاة عمرها 13 عاماً بلغت حديثاً مرحلة البلوغ، وتحاول التأقلم مع الحياة برفقة والدها في قطاع غزة، سعياً إلى العثور على مساحة آمنة وسط حيرتها وحاجتها الماسة إلى الرعاية والدعم.

وقال المخرج أبو دان إن من المهم بالنسبة له أن تُروى القصة من منظور شخص عاش تجربة الحياة في غزة.

وأضاف في مقابلة مع «رويترز»: «كنت أقول دائماً إن الناس يمكنهم أن يرووا قصتك، لكن عندما ترويها أنت بطريقتك الخاصة وبلغتك الخاصة، يصبح الأمر مختلفاً. وهذا مهم جداً».

قُتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، معظمهم مدنيون، في الهجوم العسكري الإسرائيلي الذي دمّر أجزاء واسعة من القطاع، وتسبب في أزمة جوع ونزوح جميع سكان غزة داخل القطاع.

واندلعت الحرب عقب الهجوم الذي شنته حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والذي أسفر عن مقتل 1200 شخص، معظمهم مدنيون.

وقال المخرج الفلسطيني إن التصوير استغرق 12 يوماً واعتمد على طاقم صغير بسبب قيود لوجستية.

وأضاف: «عادة ما يكون طاقم التصوير كبيراً، لكننا تعمدنا إبقاء طاقمنا صغيراً جداً حتى نتمكن جميعاً من التنقل في سيارة واحدة والتحرك بسهولة».

ولم يتمكن أبو دان، الذي تحدث إلى «رويترز» من منزله في غزة، من السفر إلى تورونتو لحضور المهرجان بسبب استمرار القيود المفروضة على السفر الدولي.

ورغم أنه كان يتمنى المشاركة شخصياً في الاحتفال بالفيلم، قال إنه فخور بصنع فيلم ذي مغزى.

وقال: «ربما يعتقد كثيرون أن غزة لم يعد لديها ما تقدّمه، لذا علينا أن نذكرهم باستمرار بأننا نستحق الحياة ولدينا أحلام ولدينا كل شيء. كل ما نريده حقاً هو أن نعيش حياة طبيعية، تماماً كما يعيش الآخرون في العالم».