«الصوت العربي» في فرنسا يصب غداً لصالح ماكرون

«الشرق الأوسط» تستطلع آراء وتطلعات ومخاوف ناخبين من أصول عربية

صوفي طاهري مع ماكرون وهي خبيرة في الاقتصاد وناشطة في حركة «إلى الأمام»
صوفي طاهري مع ماكرون وهي خبيرة في الاقتصاد وناشطة في حركة «إلى الأمام»
TT

«الصوت العربي» في فرنسا يصب غداً لصالح ماكرون

صوفي طاهري مع ماكرون وهي خبيرة في الاقتصاد وناشطة في حركة «إلى الأمام»
صوفي طاهري مع ماكرون وهي خبيرة في الاقتصاد وناشطة في حركة «إلى الأمام»

لا يسمح القانون الفرنسي بإجراء إحصائيات أو استطلاعات للرأي على أساس عرقي أو ديني. ولذا، من الصعب التوصل إلى نتائج موثوق بها تماما حاسمة فيما خص كيفية تصويت الناخبين من أصول عربية أو مسلمة. والمتعارف عليه أن هناك ما بين خمسة إلى ستة ملايين مواطن من هذه الأصول، ما يعني أن صوتهم له تأثيره في الانتخابات الرئاسية الفرنسية. لكن ما يقلل من وزنه أن نسبة المسجلين على القوائم الانتخابية وخصوصا نسبة المشاركة لمن يسمون بالجيل الثاني أو الثالث ضعيفة قياسا للنسبة العامة رغم حملات التوعية والتعبئة التي تحصل في أوساطهم كلما اقترب استحقاق انتخابي.
وخلال عقود، كان «الصوت العربي» يصب لصالح اليسار الشيوعي والاشتراكي. وعقب هزيمة الرئيس السابق نيكولا ساركوزي في الانتخابات عام 2012. روج مناصروه أن أحد أسباب الهزيمة أن «الصوت العربي» انصب بكثافة لصالح فرنسوا هولاند. وفي العام 2002، خرج المرشح الاشتراكي، رئيس الحكومة الأسبق ليونيل جوسبان من المنافسة منذ الدورة الأولى بفارق ضئيل بينه وبين مرشح اليمين المتطرف جان ماري لوبان لأن «الصوت العربي» انصرف عنه بسبب تصريحات له اعتبرت مغالية في الولاء لإسرائيل. أما في الدورة الأولى من الانتخابات الحالية، ووفق معلومات توافرت لصحيفة «لو بليرين»، فإن هذه الفئة من الناخبين كانت معقودة الولاء لمرشح اليسار المتشدد و«ظاهرة» الحملة الانتخابية جان لوك ميلونشون. وبخروجه من المنافسة وخروج مرشح الحزب الاشتراكي بونوا هامون، وبقاء المنافسة بين مرشح ليبرالي اقتصاديا واجتماعيا هو مانويل ماكرون ومرشحة اليمين المتطرف، المعروفة طروحاتها بالنسبة للمهاجرين والعرب والإسلام وجد الناخبون أنفسهم في وضع حرج.
من هنا، رأت «الشرق الأوسط» أن تستطلع آراء عدد منهم وأن تجمع شهادات لناخبين ينتمون إلى أجيال وأديان وأعمار مختلفة ولكنهم يشتركون في جذورهم العربية. وكان الغرض تبيان خياراتهم والأسباب التي تدفعهم للاختيار بين إيمانويل ماكرون ومارين لوبان. وفي أي حال، تتعين الإشارة إلى أن ثمة قواعد عامة تنطبق على الناخبين من أصول عربية أو مسلمة كما تنطبق على الآخرين بمعنى أن الأصل ليس بالضرورة هو المحرك الوحيد أو حتى الأول بل إنه أحد عوامل الخيار.
يقول جان مسيحة وهو مواطن فرنسي من أصل مصري يتمتع بمؤهلات علمية ومهنية مرتفعة ويشغل دورا مهما لدى مرشحة اليمين المتطرف لأنه المشرف على برنامجها الاقتصادي، إن «العرب في فرنسا يؤمنون أكثر فأكثر بأفكار الجبهة الوطنية وبرنامجها والدليل على ذلك هو تزايد عدد المنخرطين الذي ارتفع الْيَوْمَ إلى 6 في المائة بعد أن كان لا يتعدى 2 في المائة لسنوات خلت».
وفي معرض تحليله لمسار «الصوت العربي» يؤكد مسيحة «أن العرب في فرنسا ينتظرون رد اعتبار. ومشروعنا قائم بالأساس على رد الاعتبار للمواطنة ولهؤلاء الأشخاص الذين نعتبرهم مواطنين بغض النظر عن عرقهم أو ديانتهم». ويبرر مسيحة انجذاب أصوات عربية لصالح لوبان بالقول إن برنامجها يقوم على إعادة الاعتبار أولا لفرنسا، للغتها ونشيدها الوطني وثقافتها وحدودها. والعرب يجدون أنفسهم في هذا البرنامج المخالف تماما لمشروع المرشح المستقل إيمانويل ماكرون الذي ينفي فكرة المواطنة وينفي وجود ثقافة فرنسية. وبنظره، فإن ماكرون يرى صوت العربي الفرنسي جزائريا أو لبنانيا أو مغربيا ويؤكد على فكرة الفصل بين الناس على أساس جذورهم «أما نحن فنرى أصواتهم أصواتا فرنسية». يعكس كلام مسيحة رأي أقلية ضئيلة داخل «الصوت العربي».
فبين لوبان وماكرون، تذهب الأكثرية الساحقة باتجاه الثاني رغم عدم قناعة الكثيرين بطروحاته بل إن غرضهم الرئيسي قطع الطريق على مرشحة اليمين المتطرف. وتقول صوفي طاهري وهي فرنسية مغربية، خبيرة في الاقتصاد وناشطة في حركة «إلى الأمام» إن ما يبرر مساندتها لماكرون عدة أسباب تتعلق ببرنامجه وأسلوبه وشخصيته مضيفة أنها «تدافع عن الأفكار التقدمية لماكرون «لأنني أؤمن بالحرية وبمجتمع منفتح على العالم ومتمسك بوحدته الأوروبية وبتطور الفرد من خلال قيمة العمل». وبرأيها، فإن أفكار ماكرون «تتجاوز التصنيف التقليدي للتيارات السياسية بين يمين ويسار» وهو ما جعل الحياة السياسية رهينة على امتداد ثلاثين عاما وإلى شلل قطاعات كثيرة. وتجزم بأن ماكرون يريد أن يحول هذا النموذج الاقتصادي الاجتماعي إلى نموذج يتماشى مع التحديات الجسيمة التي تواجهنا في هذا القرن كالقفزة الرقمية.
وتعبر طاهري عن إعجابها بأسلوب ماكرون «القائم على التروي وحسن الإنصات للآخر، والاحترام». والأهم من كل ذلك برأيها، أنه يرغب في إدماج ناشطين من المجتمع المدني واعتماد مبدأ الكفاءة والخبرة ويسعى لجمع أكبر عدد من الناشطين السياسيين من كل الأقطاب ومن المؤمنين بأوروبا كخيار رئيسي. وخلاصتها أنها تدافع عن ماكرون لأنه «شخصية معطاءة، ديناميكية ويتحلى بروح المبادرة والعفوية».
يختزل هذان الموقفان لمسيحة وطاهري غالبية المواقف والتبريرات. نوفل إبراهيمي الميلي، وهو فرنسي جزائري، باحث وأستاذ جامعي في معهد العلوم السياسية بباريس يؤكد أنه سيصوت لماكرون: «دون إحساس عارم بالفرح ولأن جذوري الجزائرية تمنعني من أن أمنح صوتي لابنة قائد من دعاة الجزائر - فرنسية». كذلك يرى أن خطاب مارين لوبان عن الإسلام «يتضمن تهديدا حقيقيا للسلم الاجتماعي في فرنسا خصوصا أن الدين الإسلامي موضوع شديد الحساسية في فرنسا، ولهذا لا يجب الاندفاع في طرحه بطريقة فيها كثير من التهور والهستيريا».
وتسوق حنين برازي وهي فرنسية سورية أستاذة في جامعة السوربون، الحجج نفسها لتفسير تصويتها لصالح ماكرون رغم تحفظاتها على برنامجه: منع مرشحة اليمين المتطرف من الوصول إلى الحكم، ماكرون وجه سياسي جديد مفعم بالحيوية تدعمه فئة الكوادر الشابة وأصحاب الشهادات العليا. ومن الممكن أن يوفر لفرنسا تجربة جديدة بعيدة عن برامج رجال السياسة التقليديين كما أنه يقوم بتجربة رائدة أساسها تشجيع أصحاب الكفاءات والمهارات من المجتمع المدني بعيدا عن الانتماءات الحزبية وإشراكهم في العمل معه لو تم انتخابه. ولا تنسى أن تشيد بشجاعته بالاعتراف بأن فرنسا الدولة المستعمرة ارتكبت أخطاء بعضها يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية. ويقول فرج معتوق وهو فرنسي - تونسي أستاذ جامعي ومؤرخ، إنه مع ماكرون «من دون تردد، رغم أنني لا أتفق مع برنامجه الليبرالي». ويرى أنه «من الضروري الوقوف ضد خطاب الكراهية وتمزيق فرنسا والخروج من أوروبا». وبرأيه، فإن خروج فرنسا من الاتحاد الأوروبي «سيعود بالدمار على فرنسا وأوروبا على حد السواء، اقتصاديا وسياسيا وأمنيا». وفي أي حال: «يتعين أن نتوحد حول فكرة القيم الجمهورية التي لا تستقيم فرنسا من دونها، قيم الحرية والمساواة والأخوة» وخلاصته أن الصوت العربي الفرنسي «سيكون جمهوريا وضد العنصرية».
ثمة ناخبون لن يعطوا صوتهم لماكرون رغم كرههم لمرشحة اليمين المتطرف بل سيفضلون إما الامتناع عن التصويت أو التصويت بورقة بيضاء. فإيلي القاضي مثلا، وهو فرنسي - لبناني صاحب مطعم باريسي يقول إنه اختار فرنسوا فيون في الدورة الأولى لكن بعد هزيمته «لن أعطي صوتي لا لماكرون حليف العولمة والبنوك ولا لمارين لوبان التي توظف الكراهية لتفوز بأكثر عدد ممكن من الأصوات. سأمتنع عن التصويت هذه المرة». وهو حال سحر إبراهيم، فرنسية - مصرية ربة بيت إذ تؤكد أنه بعد خروج ميلونشون من المنافسة «سأضع ورقة بيضاء. فبرنامج لوبان يتعارض مع أفكاري ومشروع ماكرون يتناقض مع مبادئي». وترى في الأخير «وريثا» لفرنسوا هولاند الذي أخفق في النهوض بفرنسا منذ توليه الحكم.
واضح مما سبق أن الأكثرية الساحقة لـ«الصوت العربي» ستذهب الأحد القادم لصالح ماكرون. لكن هناك من سيصوت للوبان. وقال نسيم ق. وهو فرنسي - لبناني اتصلت به «الشرق الأوسط» بالهاتف إنه سيصوت لمرشحة اليمين المتطرف «لأن فرنسا بحاجة إلى رئيس قوي يعيد الأمن ويضرب الإرهاب والإرهابيين بيد من حديد ويعيد فرض قيم العلمنة ويسمح للناس بالعيش بأمان خصوصا في المدن الكبرى والضواحي». ويختم نسيم قائلا إن هذه القيم «تمثلها لوبان وليس ماكرون».



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...