من المسؤول عن الحرب الباردة الجديدة؟

محرر «ذي صنداي تايمز» البريطانية في قراءة مغايرة للعلاقة بين روسيا والغرب

«من أضاع روسيا؟»  - المؤلف: بيتر كونرادي - الناشر: وون وورلد، لندن، 2017
«من أضاع روسيا؟» - المؤلف: بيتر كونرادي - الناشر: وون وورلد، لندن، 2017
TT

من المسؤول عن الحرب الباردة الجديدة؟

«من أضاع روسيا؟»  - المؤلف: بيتر كونرادي - الناشر: وون وورلد، لندن، 2017
«من أضاع روسيا؟» - المؤلف: بيتر كونرادي - الناشر: وون وورلد، لندن، 2017

لا يبدو اختيار بيتر كونرادي، محرر الدوليّات لدى صحيفة «ذي صنداي تايمز» البريطانيّة، مراسل «رويترز» في موسكو عدة سنوات، للعنوان الرئيس الذي وضعه على كتابه الصادر حديثاً «من أضاع روسيا؟»، عن دار «وون وورلد)» موفقاً، أقله مقارنة بالعنوان الفرعي «كيف دخل العالم في حرب باردة جديدة؟». فـ«من أضاع روسيا؟» يشي بنظرة مركزيّة غربيّة، تتعامل مع كيان شديد التعقيد، وأكبر دول العالم مساحة، وإحدى أهم الأمم في تاريخ البشريّة المعاصر، وكأنها شيء يمكن إضاعته، أو أنها مجرد موضوع للفعل، وضحيّة سلبيّة لسياسات غربيّة جانبها الصّواب.
لكن إذا غفرنا للكاتب، وتجاوزنا العنوان إلى المضمون، فلا شك أنه يقدم صورة عامة تتسم بالشمول والتوازن - النسبي - عن كيفية تحول العلاقات بين الغرب وروسيا لتكون أشبه بحرب باردة جديدة، رغم زوال خطر الشيوعيّة، وسقوط الاتحاد السوفياتي، وتحوّل جمهوريّة روسيا الاتحاديّة إلى دولة رأسماليّة ذات نظام على النمط الغربيّ.
يبدأ كونرادي كتابه من أيام «بيروسترويكا» ميخائيل غورباتشوف، التي شهدت انفراط عقد الأنظمة الشيوعيّة في أوروبا الشرقيّة (1989)، وانتهاء الاتحاد السوفياتي نفسه (1991)، وما تلاها من فوضى التسعينات في عهد بوريس يلتسين، أول رئيس لروسيا المعاصرة.
نظريّة كونرادي في سرديته التاريخيّة هي أن مناخ الحرب الباردة المتجدد، الذي استيقظ العالم عليه في القرن الحادي والعشرين، لم يطلقه الرئيس بوتين تحديداً، وإنما تعود جذوره إلى إدارة الغرب الفاشلة للعلاقة مع روسيا في تلك المرحلة. ويصف كونرادي بتفصيل الأزمة الاقتصاديّة العنيفة التي ضربت روسيّا وقتها، فأفقرت ملايين المواطنين، بينما رفعت إلى قمم ثراء غير مسبوق مجموعة رجال جشعين سرقوا مقدرات الدولة، وحولوها إلى أملاك خاصة، وتحالفت فيما بينها لتشكل منظومة حكم أوليغاركيّة مغلقة عليهم، بينما كان الغرب وقتها منتشياً يحتفل بالنصر، ويطلق حملة لتوسيع حلف شمال الأطلسي نحو عتبات موسكو، ويثني على رجال العصابات الذين نهبوا روسيا، ويكتفي بمجرد تقديم مساهمات مالية تافهة للتخفيف من معاناة المواطنين الروس العاديين، مرفقة بجعجعة إعلامية فارغة.
يلقي كونرادي الضوء على الفساد المستشري في أعلى مستويات النخبة الحاكمة الجديدة بروسيا في تلك المرحلة، تلك النخبة التي أوصلت رئيساً عديم الكفاءة مثل بوريس يلتسين لمنصب الرئيس، مقابل حصص سخية من صناعات الدولة العظمى السابقة بيعت لهم بأثمان بخسة، بينما كانت إدارة الرئيس كلينتون تصف ما يحدث بأنه «انتصار حاسم للديمقراطية»، وتسمي سياسات عمليات النهب الممنهج بأنها «إصلاحات للسوق الروسية، وإعادة تأهيل لها».
يقول كونرادي في معرض تدليله على نوعية الحكم الروسي الجديد - الذي كان يحظى بتقريظ الغرب - إن رجال الأمن الأميركيين الموكلين بحماية الرئيس يلتسين، إبان إحدى زياراته للولايات المتحدة، فوجئوا به سكراناً لا يرتدي سوى ملابسه الداخلية وهو يحاول أن يستقل سيارة أجرة إلى محل بيتزا قريب من البيت الأبيض.
لقد كان الغرب وقتها يعتبر يلتسين وزمرته ضمانة لمواجهة بقايا المتشددين الروس في الحزب الشيوعي الروسي، الذين كانت تزداد شعبيتهم على نحو مضطرد مع ازدياد معاناة المواطنين الروس العاديين، وإحساسهم المرير بالإهانة من سياسات الغرب المتسمة بالصلف تجاه بلادهم.
ويعتبر الكاتب هذه المرحلة بمثابة التأسيس لروسيا الرأسمالية الحالية، تحت حكم الرئيس فلاديمير بوتين، التي كرست خلال عقدين تقريباً شكلاً أكثر استقراراً من مرحلة يلتسين بالتأكيد، لكنه امتداد لتحكم الأليغاركيّة - في جناحها الشوفيني هذه المرّة - مع قبضة حديديّة على السلطة، وتشدد أكبر فيما ذهبت إليه قيادات المؤسسة العسكريّة الروسيّة في عهد يلتسين من التململ والامتعاض تجاه توسع «الناتو»، شرقاً باتجاه الحدود مع روسيا، وهو الأمر الذي اعتبرته إدارة الرئيس كلينتون وقتها أمراً «سخيفاً»، ولا يستحق كبير اهتمام، ورفضت بعناد كل توسلات يلتسين للتخفيف حتى من علانيته على الأقل.
وينبه كونرادي كذلك إلى أن سياسات بوتين للدفاع عن مناطق النفوذ التاريخي لروسيا في آسيا الوسطى وأوكرانيا ليست جديدة بدورها، ويدلل على ذلك بأن عدة مسؤولين من الليبراليين الموالين ليلتسين أبلغوا نظراءهم الأميركيين في مناسبات عدّة بأن تلك المناطق خطوط حمراء، بل ونقل عن سفير يلتسين لدى واشنطن نصيحته لستروب تالبوت - كبير خبراء الشأن الروسي في إدارة كلينتون - باعتبار العلاقة بين روسيا وأوكرانيا كما لو أنها تلك العلاقة «المتداخلة» بين نيويورك ونيوجيرسي.
النقطة الهامة الأخرى التي يذكرنا بها كونرادي هي أن روسيا بوتين التزمت بنوع من الانخراط الإيجابي في العلاقة مع الغرب، سواء في الاجتماعات الأولى لبوتين مع الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش، ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير، وحتى مع الأمين العام لحلف «الناتو»، جورج روبرستون.
وتذكر الوثائق من تلك الفترة أن الخطاب الرسمي الروسي كان يعتبر روسيا جزءاً من الغرب، لدرجة أن الرئيس بوتين فاجأ مستمعيه في أحد الاجتماعات بدعوته لضم روسيا إلى حلف الناتو، وقد كان شخصياً من أوائل المتصلين بالبيت الأبيض تضامناً بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، ووفر فعلياً مساندة لوجيستية مهمة للقوات الأميركيّة في حربها لإسقاط حكم «طالبان» في أفغانستان.
ماذا كان رد الغرب على مبادرات روسيا - بوتين الإيجابية تلك؟ لم يكتف الرئيس بوش وقتها بالتخلي عن معاهدة 1972 المشتركة للحد من الأسلحة الاستراتيجية، ولا بتجاهل روسيا التام في غزو العراق، ولا حتى بضم دول البلطيق الثلاث المجاورة لروسيا إلى حلف الناتو. لا، بل اندفعت المنظمات الأميركيّة والأوروبيّة إلى دعم مباشر وغير مباشر للثورات الملونة داخل حزام نفوذ روسيا الداخلي، في جورجيا، وبعدها أوكرانيا، مترافقة مع تصفيق عواصم الغرب الصريح.
كانت الثورات الملونة تلك، وفق وصف كونرادي، بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير في علاقة روسيا الجديدة بالغرب. لقد اعتبر بوتين أن دعم الغرب لتلك الحراكات بمثابة طعنة في قلب روسيا، تحت غطاءات من الشعارات الفارغة عن نشر الديمقراطيّة، واحترام حقوق الإنسان. ولذا، عندما اتهم بوتين - في خطاب له عام 2007 - الولايات المتحدة بمحاولة فرض قيمها الخاصة على العالم، ونشر عدم الاستقرار والقلاقل، ارتفعت شعبيته بشكل غير مسبوق في روسيا، واعتبره كثير من مواطنيه بمثابة استعادة لروح الأمة الروسية، بعد عقد تسعينات يلتسين المتخم بالإهانة والذّل وخيبات الأمل.
تدفقت على روسيا في العقد الأول من القرن الحالي مداخيل هائلة، نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز حينها، وقد وجهت بعض هذه المداخيل لتطوير الصناعات العسكريّة الروسيّة، وتحسين كفاءة الجيش، الأمر الذي أعطى السلطة الروسيّة الثقة للشروع في مواجهات حاسمة مع الغرب، سواء بسحق الجيش الجورجي عام 2008، وبعدها في المواجهة مع أوكرانيا، ومن ثم ضم شبه جزيرة القرم، ولاحقاً التدخل المباشر في سوريا.
ووفق المشهد الكلي الذي ذهب في رسمه كونرادي، لا تساعد السياسات الغربيّة المستمرة في عدوانيتها تجاه روسيا سوى على مزيد من استعداء الأمة الروسيّة - الفخورة رغم كل شيء - وهو لا يرى في العقوبات الاقتصاديّة التي فرضت عليها بعد ضم القرم، والجدل اللاحق بتدخل مفترض لها في الانتخابات الأميركيّة، إلا تصعيداً في شعبيّة السياسات الروسيّة المعادية للغرب، وتكريساً لهيمنة الأوليغاركيّة الحاكمة على السلطة في روسيا.
كتاب كونرادي ليس تبرئة تامة لبوتين من إشعال نار العداوة مع الغرب، لكنه يضع النقاط على الحروف بشأن السياسات قصيرة النظر الغالبة في تعامل العواصم الغربية مع موسكو. لقد أضاعت حكومات الغرب المتعاقبة، كما يرى، فرصة استيعاب روسيا إيجابياً بسبب من سوء التقدير والعمى الآيديولوجي، والحاجة الدائمة لإنتاج أعداء خارجيين في مواجهة الداخل غير المستقر، وهي لا تبدو في وارد تغيير نهجها ذلك في أي مدى منظور.



محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً