احتفلوا بعيد العمال بصمت... فاللبنانيون يتألمون

تعليقات حول عيد العمال في لبنان (تويتر)
تعليقات حول عيد العمال في لبنان (تويتر)
TT

احتفلوا بعيد العمال بصمت... فاللبنانيون يتألمون

تعليقات حول عيد العمال في لبنان (تويتر)
تعليقات حول عيد العمال في لبنان (تويتر)

«بعد ست سنوات من الكد والتعب، تخرجت من الجامعة اللبنانية ببيروت، كلية الهندسة المعمارية، بدرجة جيد. وكنت أعمل كنادل في أحد المطاعم الشهيرة في الحمرا كي أتمكن من دفع مستلزمات الجامعة والاختصاص. وبعد كل ساعات العمل المزعجة وليالي الدراسة المريرة، قررت طبعا ترك المطعم بحجة أني مهندس شاب جدير، وذهبت باحثاً عن عمل يتلاءم وحجم طموحاتي وشهادتي».
هكذا يروي جاد، المهندس الذي لف لبنان بقطبيه الشمالي والجنوبي، طالباً وظيفة تليق بسنوات الدراسة المريرة، قصته مع البطالة، «أُغلقت بوجهي كل الأبواب. لم أترك باباً إلا وطرقته، علّني أجد عملاً يغنيني الحاجةَ وسؤال الناس، وسؤالي اليومي الروتيني لوالدي، ليعطيني ثمناً لباكيت الدخان (ونستون لايت) الذي أدخنه، وثمن بطاقات الخلوي التي استخدمها لجوالي، كي أتواصل مع من تبقى من الشركات التي لم أسمع منها رفضا قاطعا».
حاول جاد، مثل الآلاف من الشباب اللبناني، ملازمة وطنه والبقاء إلى جانب أسرته وأصدقائه، لكنه لم يجد أملا لو بسيطا في دولة ومؤسسات تتبع الطائفية والمحسوبيات خطة واضحة وعلنية لها.
ولأن اللبنانيين لا يضيعون فرصة للتعبير عن امتعاضهم الكبير من وضعهم الاجتماعي والسياسي، تتصدر مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة «تويتر»، هاشتاغ «عاطل_عن_العمل»، بمناسبة حلول اليوم العالمي للعمال.
يرتبط عيد العمال عموما بالحركات اليسارية والعمالية بل والشيوعية منها. إلا أنه تعداها بمرور الزمن، ليصبح رمزاً لنضال الطبقة الكادحة من أجل حقوقها.
ويعود عيد العمال في أصله إلى عام 1869، حيث شكل عمال صناعة الملابس بفيلادلفيا الأميركية، ومعهم بعض عمال الأحذية والأثاث، وعمال المناجم، منظمة «فرسان العمل» كتنظيم نقابي يكافح من أجل تحسين الأجور، وتخفيض ساعات العمل. وقد اتخذوا من 1 مايو (أيار) يوماً لتجديد المطالبة بحقوق العمال.

*امتعاض وتهكم
«#عاطل_عن_العمل في عيد العمال وعم ينعمل بهالبلد يللي ما بينعمل ولمزيد من المعلومات اتصلوا بالاشتراكي التيار القوات حزب الله الكتائب وأمل»، هكذا عبر حسن حكيم عن موقفه، محملا الأحزاب اللبنانية كافة، مسؤولية البطالة. أما غالية، فاعتبرت أن العاطل عن العمل الحقيقي في لبنان، هو النائب والوزير: «كل وزير وكل نائب بهالبلد #عاطل_عن_العمل». وهذا ليس رأي غالية فقط، فغرد شادي فرج التالي: «#عاطل_عن_العمل مجلس النواب لأنو أقل شي النقاشات لقانون انتخابي لازم تكون في مش براتو». وأضافت رانيا علاء الدين: «صباحكم عيد وبمناسبة هالعيد بعايد كل مسؤول وزعيم وصاحب واسطة عامل فينا العمايل وتاركنا بلا شغل». وحث صديقهم فادي على أقوالهم قائلا: «الكل بهل بلد يعمل أو يُحاول أن يعمل إذا لقي عمل إلا النائب #عاطل_عن_العمل من سنوات ويقبض كل مستحقاته من الجد إلى الحفيد ولا يشتكي إلى الله ضيقاً».
وتعلو أصوات الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي حول هيمنة «الواسطة» على معظم القطاعات والمؤسسات العامة والخاصة، الأمر الذي بات حقيقة باعتراف الجميع، فأتت التغريدات على هذا الشكل:
* د. حسن سرور: #عاطل_عن_العمل عادي، ما زال المسؤول وابنو وخيو وصهرو عم يشتغلو شو بدك بالعمل أنت؟
* شادي مفرج: شو اسمك شو عيلتك من وين آه أوك الله معك فهمك كفاية #عاطل_عن_العمل
* صفحة «النقل المشترك»: #عاطل_عن_العمل لأنو ما تركتوا لنا محل نتوظف فيه نحنا يلي ما في عنا ضهر مدعوم غير شهاداتنا
* أدهم جابر: #عاطل_عن_العمل لأن ممنوع عليك تتوظف بشهادتك الجامعية إذا لم تكن مدعومة بواسطة
* جنى م.: #عاطل_عن_العمل لأنو كل سياسي مسؤول عن التوظيفات بالبلد

* اللاجئون كعائق
ومن اللافت جداً، أنه تزامنا مع الحملات المناهضة لتوظيف عمال غير لبنانيين، خصوصاً السوريين منهم في مناطق لبنانية عدة، لم تحمل معظم التغريدات قضية اللجوء السوري، كوسيلة لتبرر أزمة البطالة وضعف الدولة على التخطيط الفعال والاستثمار بطاقات الشباب. فتغريدات قليلة تناولت تأثير أزمة اللجوء على الاقتصاد اللبناني، في هذا اليوم بالتحديد. ومن أشهر هذه التعليقات: «أيها السوريون، احتفلوا بالعيد بصمت فهناك لبنانيون يتألمون». كما نشر الكثير من المغردين هذه العبارة دون ربطها باللاجئين مباشرة.

* توعك التخطيط الحكومي
بحسب أرقام «البنك الدولي»، يدخل 23 ألف فرد سوق العمل اللبنانية سنوياً، ويحتاج الاقتصاد لاستيعابهم إلى خلق أكثر من 6 أضعاف عدد الوظائف الموجودة أساساً، علماً أن متوسط صافي فرص العمل التي كانت المتاحة بين عامي 2004 – 2007 يبلغ 3400 وظيفة فقط.
خلصت دراسة أعدتها «مجموعة البنك الدولي»، أنه قبل ظهور الأزمة السورية، كانت أكثر من 11 في المائة من القوى العاملة عاطلة عن العمل في لبنان، مما يجعل من متوسط فترة البطالة طويلة نسبياً، ويبلغ 13 شهراً للرجال و10 أشهر للنساء. فيما تبلغ معدّلات البطالة الخاصة بالنساء نسبة 18 في المائة، ومعدّلات البطالة الخاصة بالشباب نسبة 34 في المائة.
تشير هذه الدراسة إلى ارتفاع النسب بشكل كبير بسبب بطء النمو الاقتصادي وتأثيرات النزوح السوري على الاقتصاد، وزيادة نسبة العمالة غير الرسميّة، إذ ارتفعت قوة العمل بنسبة 35 في المائة نتيجة تدفق أعداد كبيرة من النازحين، (مليون ونصف مليون نازح)، علماً أن معظم قوة العمل المُضافة تفتقر إلى المهارة بسبب تدني مستوى التعليم. وتضيف الدراسة أن 50 في المائة من العمّال النازحين يعملون في الزراعة والخدمات المنزليّة، و12 في المائة منهم يعملون في قطاع البناء، مما يجعل المنافسة بين العمال اللبنانيين والسوريين، على مستويات مختلفة من المهارات، غير مرتفعة نسبياً، وتحتاج لتخطيط حكومي متماسك.
يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور كمال حمدان، لدراسة تابعة لاتحاد نقابات العمال والمستخدمين في لبنان الشمالي، أن البطالة المقنعة في لبنان وصلت إلى حدود الخمسين في المائة، مؤكداً أن عدد المهاجرين من الشباب والشابات بلغ أكثر من مليون مهاجر خلال خمسة وعشرين عاما.
ويضيف حمدان أن مشكلة البطالة ناتجة عن خلل على الصعيدين الكمي والنوعي في العرض والطلب. وزادت الأزمة حدة جراء اعتماد الاقتصاد اللبناني على قطاعي السياحة والخدمات، الأكثر تأثراً بالأحوال الأمنية والسياسية، مما أدى إلى تسريح آلاف العمال في الآونة الأخيرة.

«في #عيد_العمال من عمل يأخذ استراحة.... ومن يرتاح طيلة العام يحتفل ويخطب بالعمال»، هكذا عبر الناشط عمار بركات عن رأيه حول تغريدات بعض السياسيين.
فتعقيبا على يوم العمال، غرد رئيس الجمهورية السابق، ميشال سليمان عبر صفحته الخاصة على «تويتر» قائلا: «أقصر الطرق لإعطاء العمال حقوقهم هو العمل على تحقيق الدولة المدنية، دولة القانون #عيد_العمال». أما المرشح الرئاسي السابق، سليمان فرنجية، فاكتفى بمعايدة لبنان: «كل عام ووطننا بخير بفضل خيرة عمّاله #عيد_العمال» متغاضياً عن الوضع الاقتصادي والنقابي المتدهور في البلد.
وعد رئيس الحكومة سعد الحريري بتخفيف آلام اللبنانيين: «#عيد_العمال: سنبذل ما في وسعنا لتحسين مستوى سوق #العمل وسنخفف قدر الإمكان من معاناتكم».
ولم نجد حتى الساعة أي تعليق أو تغريدة لسياسي يطرح مشروعا مناسبا أو حلا واضحا ولو جزئيا للتخفيف من معاناة الناس. وربما، يكمن السبب في كون اليوم عطلة رسمية يحتفل فيها اللبنانيون، والمسؤولون المعنيون طبعا، باعتبارها فرصة للنقاهة والاستجمام.
بعيدا عن الواقع المأساوي والخطابات التي تعودنا على سماعها في مختلف المناسبات، من هنا وهناك، ألف تحية لسواعد العمال وعرق جبينهم. تحية لجاد، المهندس الكفء الذي جمع ذكرياته، وصورة لوالديه، في حقيبة متعبة خائبة، وتوجه للعمل بإحدى الدول الأفريقية. فالسعي وراء لقمة العيش، هربا من الجوع والخوف والحروب المتجددة، يدفع بهؤلاء إلى هجرة وطن لم يسع طموحاتهم. بل ويرغمهم على التفكير بمشاريع مربحة لكن مشبوهة، غير عابئين بالتضحيات التي عبرت عن صمودهم في ظل أعقد الأزمات، بالفترات السابقة. والأهم، ألا يتحول وضع الشباب اللبناني من «عاطل عن العمل» إلى «عاطل عن الأمل»!



عبد الله الخطيب: كواليس إنتاج «وقائع زمن الحصار» كانت استثنائية

تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)
تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)
TT

عبد الله الخطيب: كواليس إنتاج «وقائع زمن الحصار» كانت استثنائية

تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)
تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)

حصد فيلم «وقائع زمن الحصار» للمخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب جائزة «أفضل عمل أول» في مهرجان «برلين السينمائي» بنسخته الـ76 التي اختتمت مؤخراً، وهو الفيلم الذي أنتج بتمويل جزائري - فلسطيني - فرنسي، وتحدث مخرجه في حفل الختام رافعاً العلم الفلسطيني عن معاناة أبناء وطنه تحت وطأة الحصار والاحتلال.

يقول الخطيب لـ«الشرق الأوسط»، إنه بصفته مخرجاً فلسطينياً - سورياً، كان يدرك أن الطريق لن يكون سهلاً، لكن إيمانه بالمشروع دفعه للاستمرار، موضحاً أن المشاركة في «برلين» كانت بالنسبة إليه خطوة طبيعية لأي صانع أفلام يؤمن بعمله، لأن المهرجانات الكبرى ليست ترفاً، بل جزء من منظومة صناعة السينما، خصوصاً في العالم العربي، حيث يشكل حضور الفيلم في مهرجان دولي بوابة أساسية لانتشاره.

وعن توقعاته قبل إعلان النتائج، قال إنه كان يتوقع أن يذهب الفيلم بعيداً في المنافسة، لأن المخرج، إذا لم يؤمن بعمله، فلن يُقنع به لجنة التحكيم ولا الجمهور، مؤكداً أنه تمنى الفوز بالجائزة الكبرى، ليس فقط لقيمتها المعنوية، بل أيضاً لما تمثله من دعم مادي مهم في ظل الظروف الإنتاجية الصعبة التي أحاطت بالفيلم.

الفيلم عُرض للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

وفي حديثه عن العمل نفسه، أوضح الخطيب أن «وقائع زمن الحصار» يتناول فكرة الحصار بوصفها حالة إنسانية متكررة في التاريخ الفلسطيني، وليس حدثاً مرتبطاً بمكان واحد أو زمن محدد، مشيراً إلى أن التصوير تم في الجزائر والأردن وفرنسا، بسبب تعذر العمل في مناطق النزاع المباشر، سواء في سوريا أو غزة.

وأضاف أنه اختار مواقع قريبة بصرياً من بيئة المخيمات المحاصرة، حتى لو لم تكن القصة تدور صراحة في مخيم اليرموك، لأن جوهر الحكاية مستمد من تجربة شخصية عاشها هناك، لافتاً إلى أن جزءاً كبيراً من الفيلم صُوّر في أماكن داخلية، ما سهّل العملية نسبياً، فيما أُنجزت المشاهد الخارجية في الجزائر والأردن.

وعن اختيار الممثلين، قال الخطيب إن «الفيلم يقوم على خمس حكايات تتقاطع، ويضم عشرة ممثلين رئيسيين، والاعتبارات الإنتاجية لعبت دوراً حاسماً في الاختيار، لأن الفيلم أُنجز بميزانية محدودة جداً، مع اعتماد كبير على استثمار شخصي من المنتج، إضافة إلى دعم أصدقاء وفريق عمل آمنوا بالمشروع واشتغل بعضهم بشكل تطوعي أو بأجور رمزية».

وأضاف أن «فريق التمثيل ضم فنانين فلسطينيين وأردنيين وسوريين وجزائريين، وحاول، خصوصاً في الجزائر، العمل على اللغة واللهجة بحيث تبدو قريبة من (الفلسطينية)، لتخدم وحدة العالم الدرامي»، مؤكداً أن الاختيارات، رغم ظروفها، جاءت موفقة فنياً، لأن الممثلين لم يكونوا مجرد مؤدين، بل شركاء حقيقيون في بناء الشخصيات.

وتحدث الخطيب بصراحة عن صعوبة إنجاز فيلم روائي طويل بلا تمويل مسبق، مشيراً إلى أن كل مرحلة من مراحل التصوير شهدت فريقاً مختلفاً تقريباً، باستثناء مدير التصوير الذي بقي ثابتاً، لافتاً إلى أن اختلاف الطواقم بين بلد وآخر فرض تحديات تقنية في ما بعد الإنتاج، سواء على مستوى توحيد اللون أو الصوت أو الإيقاع العام، لكنه رأى في الوقت نفسه أن هذا التنوع لم ينعكس سلباً على روح العمل، لأن الجميع اشتغل بحب وإيمان.

وأضاف أن الفيلم مثال عملي على ما يسمى بـ«السينما المستقلة»، لكنه انتقد في الوقت ذاته المفهوم الشائع للاستقلالية، موضحاً أن «كثيراً من المخرجين يكتبون نصوصهم وهم يفكرون مسبقاً في شروط صناديق الدعم، ما يحدّ من حريتهم الإبداعية. أما في حالته، فقد بدأ التصوير من دون أي تمويل، ولم يتقدم إلى الصناديق إلا بعد انتهاء التصوير، حين كان قد سيطر بالكامل على السرد والشكل النهائي للفيلم».

وعن عملية الكتابة، قال إنه لا يميل إلى النصوص المغلقة، بل يترك مساحة واسعة للتطور أثناء التصوير، موضحاً أن الحوارات وبعض التفاصيل بُنيت في موقع التصوير، لأن اعتماده على تجربة شخصية مع الحصار منحه مرونة لتعديل الأحداث وفق المعطيات المتاحة في كل بلد، من دون المساس بروح القصة.

وأكد الخطيب أن الممثلين أضافوا إلى الشخصيات أكثر مما كان يتوقع، وأن الفيلم نتاج عمل جماعي حقيقي، شارك فيه الجميع، من مدير التصوير إلى المنتج الذي لم يكتف بدوره الإداري، بل كان حاضراً في الموقع، يساهم في تجهيز الديكورات والملابس وحتى التفاصيل التقنية، بسبب محدودية الميزانية.

وفيما يتعلق بعلاقته بالمهرجانات، قال إن الحديث عن عدم الاكتراث بها ليس دقيقاً، لأن المهرجانات الكبرى تشكل منصة أساسية للعرض والتوزيع، مشيراً إلى أن كثيراً من المهرجانات العربية تختار أفلامها بناء على مشاركاتها الدولية، ما يجعل الوجود في مهرجانات مثل «برلين» خطوة استراتيجية لأي فيلم عربي مستقل.

Your Premium trial has ended


الإعلان عن موعد الدورة الثالثة من بينالي الفنون الإسلامية

صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)
صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)
TT

الإعلان عن موعد الدورة الثالثة من بينالي الفنون الإسلامية

صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)
صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)

يعود بينالي الفنون الإسلامية في دورته الثالثة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2027 لصالة الحجاج الغربية في مدينة جدة، ليبني على النجاحات التي حقّقها في دورتيه الأولى والثانية.

وكانت الدورات السابقة من البينالي قد نجحت في خلق ظاهرة فنية عالمية مدعومةً بعدد من الشراكات الاستراتيجية مع مؤسسات ثقافية سعودية، من بينها الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، ومجمع الملك عبد العزيز للمكتبات الوقفية، ومركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء). وقد أسهمت هذه الشراكات في تقديم قطع أثرية وأعمال فنية للجمهور للمرة الأولى، أبرزها عرض كسوة الكعبة المشرفة كاملةً في الدورة الثانية عام 2025، فيما يؤكد التزام المؤسسة بإتاحة الأعمال النادرة ذات الأهمية الثقافية الاستثنائية للجميع.

جائزة المصلى تعود مع الدورة الجديدة لبينالي الفنون الإسلامية بجدة (الشرق الأوسط)

جائزة المصلى

كما شكّل البينالي منصةً لإطلاق مبادرات طموحة، من أبرزها جائزة المصلى، المسابقة المعمارية الدولية التي أطلقتها المؤسسة عام 2024، بهدف تطوير مقاربات مبتكرة في مجال تصميم أماكن العبادة، تعيد تصوّر مستقبل هذه الأماكن كمساحات مؤقتة ومتنقلة، قابلة للتفكيك وإعادة التركيب بسهولة، وقادرة على تجاوز حدود التصميم والتقنيات المستدامة.

المدار... منصة عالمية

ويحتل «المدار» أهمية محورية في هذا التوسّع، وهو مبادرة رائدة ابتكرتها مؤسسة بينالي الدرعية لتحويل البينالي من معرض دوري إلى منصة عالمية مستدامة للفنون الإسلامية، وتجسّد التزام المملكة بالتعاون الثقافي على المستوى الدولي وعبر مختلف التخصصات. أُطلق «المدار» مع الدورة الأولى للبينالي، ويعكس فهماً للتراث الإسلامي باعتباره مجالاً حياً ومتجدداً، حيث يعيد تصوّر آليات جمع كنوز الحضارة الإسلامية من مختلف العصور والجغرافيات ودراستها وتقديمها للجمهور للتفاعل معها.

وتشمل الخطط الجديدة تحويل «المدار» إلى مبادرة فاعلة على مدار العام، ترتكز على 4 محاور رئيسية، هي: «معرض المدار»، الذي يُقام في كل دورة من بينالي الفنون الإسلامية، وتصاحبه برامج ثقافية عامة، و«منصة المدار الرقمية»، التي توظف أحدث التقنيات في أعمال البحث والتبادل الثقافي وصياغة السرديات المتعلّقة بالفنون والثقافة الإسلامية، و«مبادرات المدار»، التي تُعنى بتنظيم الندوات وجلسات الحوار وورش عمل تدعم البحث وتطوير الممارسة الإبداعية، و«مجتمع المدار»، وهو شبكة متخصصة تجمع أهم المؤسسات الدولية بهدف تعزيز تبادل المعرفة وبحث فرص التعاون المشترك.

جانب من قسم «المدار» في بينالي الفنون الإسلامية بجدة (الشرق الأوسط)

الفريق الفني

وقد تم اختيار فريق تقييم فني دولي ليقود بينالي الفنون الإسلامية 2027 بعد عملية اختيار دقيقة، بدأتها المؤسسة بطرح دعوة مفتوحة لتقديم المقترحات، تلتها مراحل تقييم واختيار نهائي من قبل لجنة مختصة. وسيضم فريق القيمين الفنيين كلاً من البروفيسورة أزرا أكشاميا، وندى رضا، وويليام روبنسون بصفته القيّم الفني الرئيسي، ويجمع هذا الفريق خبرات تجمع بين الممارسات الفنية المعاصرة، والأبحاث التاريخية، والقيادة المؤسسية، ما يعزّز دور المؤسسة الريادي في حفظ ودراسة وعرض التراث الثقافي الإسلامي على المستوى الدولي.

جانب من جناح المدينة المنورة في الدورة الثانية لبينالي الفنون الإسلامية بجدة (الشرق الأوسط)

ومن المقرّر أن تقام الدورة الثالثة من بينالي الفنون الإسلامية، والدورات المقبلة من بينالي الدرعية للفن المعاصر في نهاية كل عام، ما يتيح للمؤسسة التركيز على تعميق الشراكات المؤسسية ومواءمة البيناليات مع التقويم الثقافي الأوسع للمملكة. وسيبني بينالي الفنون الإسلامية في نسخته المقبلة على ما حقّقته الدورتان الأولى والثانية من نجاح، نتج عنه عرض ما يزيد عن 500 قطعة أثرية من أكثر من 40 مؤسسة، تمثل أكثر من 20 دولة، حيث ضاعفت الدورة الثانية عدد المؤسسات المشاركة 3 مرات مقارنةً بالدورة الأولى.


«حي الجرادية»... دراما الانتقام من قلب المكان الشعبي

الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)
الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)
TT

«حي الجرادية»... دراما الانتقام من قلب المكان الشعبي

الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)
الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)

تمتلك الأحياء الشعبية قدرة خاصة على احتضان الحكايات، وإعادة إنتاجها عبر الزمن، ومن هذا الفضاء ينطلق المسلسل السعودي «حي الجرادية»، الذي يتخذ اسمه من أحد أحياء العاصمة الرياض، حيث يتقدّم الماضي بوصفه عنصراً فاعلاً في تشكيل الحاضر، وتتقاطع مصائر الشخصيات على إيقاع ذاكرة جماعية مثقلة بالتجارب.

تتناول قصة العمل عودة رجل كبير بالسن (إبراهيم الحساوي) إلى الحي بعد سنوات طويلة، محملاً بشعور متراكم من الظلم وذاكرة تحتفظ بتفاصيل قاسية، وتتحوّل هذه العودة إلى مشروع انتقام من أهل الحي الذين يرى أنهم كانوا سبباً فيما آل إليه مصيره، وذلك بتنفيذ مباشر من ابنه (محمد القس)، وتعاونه في خططه أخته (نيرمين محسن).

إبراهيم الحساوي ومحمد القس في مشهد يجمع الأب وابنه لتنفيذ خطط الانتقام (شاهد)

خيار التحوّل الفني

وفي قلب المكان المليء بالمكائد، والخطط الإجرامية، تبرز شخصية «منيرة» التي تؤديها الممثلة نيرمين محسن بوصفها الابنة الصغرى للأب المظلوم، في دور يمثّل محطة مهمة في مسار نيرمين التي قدّمت خلال السنوات الماضية أدواراً تميل إلى الكوميديا، والأعمال الخفيفة، قبل أن تختار مؤخراً الانتقال إلى مساحة درامية أكثر كثافة، وتعقيداً.

وفي حديثها لـ«الشرق الأوسط»، تعبّر نيرمين عن سعادتها بهذه التجربة، وترى أن «حي الجرادية» منحها فرصة حقيقية لإظهار جانب آخر من أدواتها التمثيلية. وتوضح أن بداياتها في الكوميديا، وأعمال التقليد جعلت معظم العروض التي تصلها تدور في الإطار نفسه، وهو ما جعلها تنتظر النص الدرامي الذي يفتح أمامها خطاً مختلفاً في مسارها الفني.

من المسرح الجاد إلى الشاشة

تشير نيرمين إلى أنها اشتغلت على هذا النوع من الأداء سابقاً في المسرح الروائي الجاد، وحقّقت فيه حضوراً لافتاً، وكانت تتطلع إلى نقل هذه التجربة إلى الدراما التلفزيونية عبر نص يمنحها مساحة أوسع للتعبير. وتضيف أنها في موسم دراما رمضان قدّمت شخصيتين مختلفتين درامياً، «منيرة» في «حي الجرادية» و«عهود» في مسلسل «أنا ولا أنا»، وهو ما تعتبره خطوة مهمّة في مسيرتها، لأنه يوسّع خياراتها، ويضعها أمام تحديات تمثيلية جديدة.

وبالسؤال عن انجذابها إلى شخصية منيرة، توضّح أن ما لفتها هو طبيعة هذا التكوين النفسي المركّب، مبينة أن الشخصية تقوم على فكرة «شرّ مخفي» يظهر عبر التفاصيل الدقيقة أكثر مما يظهر عبر الملامح، أو السلوك المباشر، وينبع هذا الشر من صدمة طفولة، ومن رغبة دفينة في الانتقام، بينما تحافظ الشخصية في الظاهر على صورة هادئة، ومترددة. وتشرح أنها قرأت الشخصية أكثر من مرة، وحاولت أن تتعرّف عليها بعمق، وأن تفهم ردود فعلها، وأن تقترب منها بوصفها إنسانة تحمل صراعاً داخلياً بين جانب طيب حاضر في تكوينها، ودافع داخلي يدفعها إلى خيارات قاسية.

نيرمين محسن من قلب تصوير المسلسل (انستغرام الممثلة)

بناء المسار النفسي

كما تؤكد نيرمين أن التحضير للشخصية جاء ضمن عمل جماعي عبر بروفات الطاولة التي جمعت فريق العمل تحت إشراف المخرج منير الزعبي. وفي هذه الجلسات، جرى النقاش حول أبعاد الشخصية، وتفاصيلها النفسية، ومسارها داخل الحكاية، وهو ما ساعد على تثبيت ملامحها الداخلية، وضبط إيقاعها النفسي.

وعن أكثر الجوانب التي شكّلت تحدياً لها في تجسيد منيرة، توضّح نيرمين أن طبيعة الدوافع والانفعالات تمثّل المحور الأساسي لهذا التحدي، فالشخصية تعتمد في حركتها الدرامية على ما يجري في الداخل أكثر مما يظهر في الخارج، وذلك من خلال لغة جسد هادئة، ونبرة محسوبة، بينما الداخل مزدحم بالصراعات، والذكريات التي تواصل تأثيرها في قراراتها.

وينسجم حديث نيرمين محسن مع طبيعة «حي الجرادية»، إذ يقوم العمل على بناء توتّر تدريجي يتكشّف عبر الزمن، وتظهر الشخصيات طبقة بعد أخرى، لتتحوّل العلاقات اليومية إلى مساحات مشحونة بالقلق، والخوف، ما بين عالم تجّار المخدرات، وجرائم القتل، والابتزاز، دون أن يكون هناك حد رادع لهوس الانتقام، والرغبة في تدمير سكان الحي.

وبالسؤال عن التفاعل الجماهيري، تقول نيرمين إن الأصداء التي وصلتها تحمل طابعاً مشجّعاً، وتعبّر عن سعادتها برؤية هذا التفاعل مع العمل، ومع الشخصيات. وترى أن الجمهور السعودي اليوم يتمتّع بوعي فني، ونضج في تلقّي الأعمال الدرامية، ويقدّر الجهد حين يُقدَّم بصورة احترافية، وفي ختام حديثها، وجّهت حديثها للمشاهدين بالقول: «إن الأحداث المقبلة تحمل تصاعداً أكبر بكثير».