رحيل جوناثان ديمي الباحث في الحلم الأميركي الزائل

أشهر أعماله فيلم إنساني وآخر مرعب

جودي فوستر وأنتوني هوبكنز في «صمت الحملان» - جوناثان ديمي
جودي فوستر وأنتوني هوبكنز في «صمت الحملان» - جوناثان ديمي
TT

رحيل جوناثان ديمي الباحث في الحلم الأميركي الزائل

جودي فوستر وأنتوني هوبكنز في «صمت الحملان» - جوناثان ديمي
جودي فوستر وأنتوني هوبكنز في «صمت الحملان» - جوناثان ديمي

يمكن وصف فيلم «صمت الحملان» (1991) بكثير من التعريفات. هو فيلم رعب. وهو اقتباس روائي (عن كتاب للتوماس هاريس). وهو فيلم احتوى على موهبتين لامعتين أمام الكاميرا (أنتوني هوبكنز وجودي فوستر)، وهو فيلم ناجح جداً بمعيار زمانه (273 مليون دولار عالمياً بتكلفة لم تتجاوز 20 مليون دولار).
لكن لا يمكن استكمال أي من هذه المواصفات من دون الإشارة إلى المخرج جوناثان ديمي (Demme) الذي قام بتحقيق هذا الفيلم وجلب إليه مدير تصويره المفضل (الياباني الأصل تاك فوجيموتو) للغاية.
فبقدر ما هو فيلم رعب وفيلم مقتبس عن نص منشور وبقدر ما يحتفي بممثلين موهوبين وبنجاح تجاري كبير، هو فيلم من صنع مخرج مارس السينما بحب وتنوّع منذ عام 1974 وتوفي في السادس والعشرين من هذا الشهر مخلفاً وراءه نحو 90 فيلما سينمائيا وفيلم فيديو أولها «حرارة في قفص» Caged Heat وآخرها «جوستن تمبرلايك وتنيسي كيدز» في العام الماضي.
* حرارة في قفص
لجانب نشاط لا ينقطع، بحث جوناثان ديمي، في مهنته السينمائية، عن قيمتين: فنية وإنسانية. لم يستطع ممارستهما معاً على الدوام، لكنه ما كان يترك إحدى هاتين القيمتين حتى يلتقط الأخرى، وفي أفلام مثل «فيلادلفيا» و«ملڤِن وهوارد» و«صمت الحملان» ونسخة 2004 من «المرشح المنشوري»، التقط الجانبين معاً.
وُلد سنة 1944 وأحب باكراً فن الموسيقى وفن السينما. بدأ ناقداً سينمائياً بعدما فشل في دراسته الجامعية. والده عرّفه على المنتج الراحل جوزف ليڤين الذي ضمّـه إلى موظفي شركة «أڤكو إمباسي» (إحدى شركات الإنتاج المتوسطة التي سادت في الستينات والسبعينات) كملحق صحافي. خلال عمله ذاك تعرّف على المنتج والمخرج روجر كورمان وعبره حقق أول فيلم من ثلاثة أنتجها كورمان له وهو «حرارة في قفص» (أو «حرارة حبيسة» Caged Heat).
البعض كان يخلط بينه وبين جوناثان آخر انطلق في الفترة ذاتها هو جوناثان كابلان، ذلك لأن كليهما عمد إلى الفيلم التجاري المحض كبداية. كابلان في «ممرضات ليليات» سنة 1972 وديمي في «حرارة في قفص»، لكن كابلان استمر في هذا المنهج طوال سنوات عمله بينما تحوّل ديمي إلى الفيلم المؤطر فنياً بعد تجربته الثلاثية مع روجر كورمان.
لكن بالعودة إلى تلك الأعمال المبكرة، وبل إلى فيلمه الأول ذاك، نجد أن جوناثان ديمـي كانت لديه النية في التعامل نقدياً مع المحيط الاجتماعي ضمن التوليفة التي كان يوفرها له المنتج التجاري كورمان. «حرارة في قفص» كان، في جانب أساسي، عن نساء سجينات لم تتح لهن فرصة تحقيق الحلم الأميركي. في فيلمه الثاني، «كرايزي ماما» (1975) تعرّض لذلك الحلم الأميركي مباشرة متناولا شخصيات نسائية أخرى يتخلين عن السعي لتحقيق الذات ويكتفين بالمغامرة. الفيلم الثالث، «القتال بضراوة» (Fighting Mad) انتقل عبره لحكاية من بطولة رجالية لكن المساس بالواقع ما بعد انهيار الحلم، هو ما يدفع بيتر فوندا لخيارات صعبة.
أول فيلم بعد مرحلة كورمان سجلت كذلك الخطوة الأولى للمخرج ديمي صوب القضايا الاجتماعية الأكثر تمسكاً بالمعالجة الفنية والأكثر استجابة لدواعي المضمون. إنه «عالجه بعناية» (Handle With Care) الذي عرف أيضاً بـ«محطة المواطنين» سنة 1977، سيتعاطى المخرج هنا مع شخصيات عدة في بلدة صغيرة يجمعها الاستماع إلى محطة إذاعية في الوقت الذي تسعى فيه للتواصل. ينتقل دَمي بين هذه الشخصيات بسهولة ويصنع فيلماً عن روح أميركية جميلة قلما بتنا نشاهدها في أفلام اليوم.
معالجته تستحضر للذهن، وعلى الفور أسلوب عمل روبرت ألتمن، الذي كان سبق ديمي إلى هذا النوع من تداول الشخصيات من دون خط سير قصصي. على ذلك، هو فيلم مختلف في تناوله التفاصيل ومن خلال أنه كوميدي المعالجة على نحو أكثر مباشرة من كوميديات ألتمن الساخرة.
* علاقات وراء الستار
هذه العناية بالشخصيات سادت بعد ذلك طابع أعمال جوناثان ديمي فالتقطناها في «ملڤن وهوارد» (1980) الذي يتمحور بدوره حول من استطاع تحقيق الحلم الأميركي ومن لم يستطع، ثم في «شيء متوحش» و«متزوجة من العصابة» وكلاهما في أواخر الثمانينات.
خلال هذه الفترة وما قبلها بدأ ديمي تحقيق أفلام موسيقية، كون الموسيقى كانت، بالنسبة إليه، لا تقل أهمية عن السينما (وفي بعض أحاديثه قال إنها تأتي في المرتبة الأولى).
في عام 1991 عاد إلى الفيلم الروائي (بعد انقطاع خمس سنوات) وحقق فيلمه الأنجح «صمت الحملان»: جراح ماهر يعيش منفرداً ويهيم حبّـاً بمطبخه. لا مانع في هذا سوى أن طعامه مؤلف من لحوم بشرية. يعمل ديمي هنا لا على تحقيق فيلم مخيف فقط، بل أساساً على تحليل للعلاقات بين الشخصيات التي تتوزعه. المحققة التي تريد أن تتعرّف على دوافع المجرم وعلى المجرم الذي، كما يعرف كتـاب السيناريوهات، من الصعوبة تقديمه تحت ضوء إيجابي إذا ما كان على هذا النحو من الشر. لذلك، يستعين المخرج باللقطات القريبة للوجوه لكي تمكنه من دفع مشاهديه للتواصل مع شخصية هانيبال لكتر المخيفة.
فيلمه التالي هو «فيلادلفيا» (1993) الذي أصاب موضوع مرضى الإيدز، والعلاقات المثلية، في الوقت المناسب كون المرض المذكور كان ما يزال في انتشار وبائي.
لجانب أنه فيلم يبحث في الوقع المؤلم لضحاياه، ينتقي شخصيات من على جانبي المسألة. أولئك المتفهمين للمشكلة وأولئك المناوئين لها. وفي هذا المضمار يحاول المخرج إبقاء العلاقات المثلية مغطاة بستار تعرف ما وراءه لكنك لا تراه. فحتى في عام إنتاجه (1993) كان من المبكر، أميركياً، الإفصاح عن طبيعة العلاقات من دون الإضرار بمستوى الإقبال على الفيلم. هذا ما دفع النقاد للانقسام حول هذا الفيلم. هناك من اعتبره أفضل عمل دار حول المعضلة من الناحية الإنسانية على الأقل، وهناك من وجده متنازلاً وقابلاً بضغوط متطلبات السوق.
بعد هذين الفيلمين عمد ديمي إلى مزيد من الجمع بين أفلامه الشخصية (غالباً عن الموسيقى والمغنين) مثل فيلمين عن المغني نيل يونغ وآخر عن بروس سبرينغستين (ولديه فيلم عن السياسي جيمي كارتر سنة 2007) وبين تلك الهوليوودية من النوع الدرامي والكوميدي غالباً ومنها «محبوبة» (1998) «راتشل تتزوّج» (2008) لجانب الفيلم السياسي و«المرشح المنشوري» (2004). لكن الغلبة، عددياً، هي لأفلامه التسجيلية التي تكاثرت مع ابتعاده عن صف المطلوبين أكثر من سواهم لتحقيق أفلام هوليوود الجديدة.
في العام الماضي شوهد له «ريكي آند ذا فلاش» (افتتح مهرجان القاهرة) مع ميريل ستريب الذي يبقى آخر أفلامه الروائية. بعده أنجز آخر فيلم له وهو التسجيلي عن المغني جوستين تمبرلايك وفريقه «تنيسي كيدز».



فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز