المثقفون العرب وتصفية الحسابات التاريخية مع الذات التراثية

500 عام على حركة الإصلاح الديني البروتستانتي

لوحة تصور الجيش الألماني خلال حرب الثلاثين عاماً -  حرب الـ30 عاماً: 1618 - 1648 - المؤلف: البروفسور هنري بوغدان أستاذ علم التاريخ الأوروبي في جامعة مرسيليا - دار النشر: بيران، باريس
لوحة تصور الجيش الألماني خلال حرب الثلاثين عاماً - حرب الـ30 عاماً: 1618 - 1648 - المؤلف: البروفسور هنري بوغدان أستاذ علم التاريخ الأوروبي في جامعة مرسيليا - دار النشر: بيران، باريس
TT

المثقفون العرب وتصفية الحسابات التاريخية مع الذات التراثية

لوحة تصور الجيش الألماني خلال حرب الثلاثين عاماً -  حرب الـ30 عاماً: 1618 - 1648 - المؤلف: البروفسور هنري بوغدان أستاذ علم التاريخ الأوروبي في جامعة مرسيليا - دار النشر: بيران، باريس
لوحة تصور الجيش الألماني خلال حرب الثلاثين عاماً - حرب الـ30 عاماً: 1618 - 1648 - المؤلف: البروفسور هنري بوغدان أستاذ علم التاريخ الأوروبي في جامعة مرسيليا - دار النشر: بيران، باريس

نريد أن نتحدث هنا عن حرب الثلاثين عاماً التي جرت في أوروبا بين عامي 1618 و1648 بين أتباع البابا والمذهب الكاثوليكي من جهة، وأتباع لوثر وكالفن والمذهب الإصلاحي البروتستانتي من جهة أخرى. ينبغي أن نبحث عن أصل هذه الحرب المدمرة التي اكتسحت معظم أنحاء أوروبا في تلك الأزمة الدينية التي أصابت أوروبا الوسطى على إثر اندلاع حركة الإصلاح الديني البروتستانتي. وهي حركة اندلعت عام 1517 أي قبل 500 سنة بالضبط. ومعلوم أن الألمان يحتفلون على مدار هذا العام كله ببطلهم القومي الأكبر مارتن لوثر الذي فجر هذه الحركة وكان قائدها الأعظم. وهو العدو اللدود لبابا روما. ولا يزال مكفراً حتى الساعة من قبل الكاثوليكيين. ومعلوم أيضاً أن أوروبا انقسمت بعد لوثر إلى قسمين: قسم بروتستانتي مؤمن بأفكاره، وقسم ظل كاثوليكياً تابعاً للبابا والفاتيكان. والقسم الأول، أي البروتستانتي، تخلى عن عقائد كثيرة في المسيحية البابوية، كتقديس رجال الدين أو إطاعتهم إطاعة عمياء، وكالاعتقاد بمعصومية البابا، وكعزوبية رجال الدين الإجبارية، وكشفاعة مريم العذراء والقديسين، إلخ. ولكن البابا حاول سحق هذا الإصلاح الديني الشهير عن طريق القوة. ونتجت عن ذلك حروب ومعارك طاحنة طيلة القرن السادس عشر سواء في ألمانيا أم في فرنسا أم في سواهما. ثم استمرت هذه الحروب في القرن السابع عشر بل وحتى الثامن عشر والتاسع عشر. وفي آيرلندا استمرت بين الطرفين الكاثوليكي والبروتستانتي حتى نهاية القرن العشرين تقريباً وبالتحديد حتى عام 1998.
هذا وكان الطرفان المتصارعان قد اجتمعا في مدينة أوغسبرغ الألمانية، واتفقا على وضع حد لهذه الحرب. واتفقا على مناقشة نقاط الخلاف اللاهوتية بين الكاثوليك والبروتستانت، ثم توصلا إلى تسوية معينة. وكان ذلك نحو منتصف القرن السادس عشر. ولكن يبدو أن هذه التسوية لم ترض الطرف الكاثوليكي كثيراً فحاول الانقلاب عليها واسترجاع بعض المناطق التي كانت قد أصبحت بروتستانتية وضمها إلى البابا والفاتيكان من جديد. ومعلوم أن البابا كان يعتبر أتباع المذهب البروتستانتي بمثابة الهراطقة الخارجين على العقيدة القويمة للدين المسيحي. بمعنى آخر فإنه كان يكفرهم ويصب عليهم لعناته اللاهوتية. ولم يكن يعترف بالإصلاح الديني الذي جاء به لوثر ثم «كالفن» من بعده. ومعلوم أيضاً أن لوثر مدشن حركة الإصلاح الديني في ألمانيا وكل أوروبا يريد تدمير البابوية وكل ما تمثله من قمع فكري وسياسي وديني متراكم على مدار التاريخ. وبالتالي فالنفوس كانت مشحونة على بعضها البعض قبل أن تندلع الحرب المذهبية الكبرى بين الطرفين. وقد حصلت آخر محاولة للمصالحة في مدينة براغ عندما وصل إليها وفد كاثوليكي للتفاوض. وبعد مناقشات كثيرة احتدت الأمور وتصاعدت اللهجة بين الطرفين. وعندئذ اشتبكا ببعضهما البعض وقام البروتستانتيون برمي الوفد الكاثوليكي من نافذة القصر الذي جرت فيه المناقشات، فقتلوا على الفور. وهذا أكبر دليل على مدى خطورة الحزازات المذهبية. فالعداء داخل الدين نفسه لا يقل خطورة عن العداء بين دينين مختلفين إن لم تزد. وكانت تلك الحادثة أكبر إهانة لجماعة البابا والطائفة كلها. وشكلت الشرارة الأولى لاندلاع الحرب عام 1618. ولكن لم يكن أحد يتوقع أن تستمر الحرب 30 سنة متواصلة وتؤدي إلى قتل عشرات الملايين في مختلف الأقطار الأوروبية.
في ذلك الوقت كانت أوروبا الوسطى والشرقية ذات أغلبية بروتستانتية نسبية. وأما اسكندنافيا؛ أي السويد والدنمارك والنرويج، فكانت ذات أغلبية بروتستانتية ساحقة إن لم تكن كاملة. وأما ألمانيا فكانت مقسومة إلى قسمين متعادلين تقريباً، ولذلك فإن الحرب فيها كانت هائجة وأدت إلى قتل عدد كبير من السكان، وتدمير المحاصيل الزراعية، وبالتالي حصول الفقر الأسود والمجاعات والأهوال.
أما بلدان أوروبا الجنوبية: أي فرنسا، وإيطاليا، وإسبانيا، والبرتغال، فكانت ذات أغلبية كاثوليكية ساحقة. هذا يعني باختصار شديد أن شمال أوروبا كان بروتستانتيا في معظمه، وجنوبها كاثوليكيا في معظمه. وراح كل طرف يدعم أبناء طائفته في الدول الأخرى. وحصل تهجير للسكان من منطقة إلى أخرى. فالمنطقة ذات الأغلبية الكاثوليكية هجمت على أقليتها البروتستانتية وذبحت من استطاعت ذبحه منها، وأجبرت الآخرين على الفرار والالتجاء إلى البلدان، أو المناطق ذات الأغلبية البروتستانتية، والعكس صحيح أيضاً.
وهكذا حصلت عمليات تطهير طائفي أو مذهبي في مختلف المناطق المختلطة. وعلى إثر التهجير، والتهجير المضاد، حصل انسجام مذهبي في المناطق والبلدان. فجنوب أوروبا مثلا كاد يخلو من البروتستانتيين تماما، وشمالها كاد يخلو من الكاثوليكيين. وفيما بعد رفع ملك فرنسا الشهير لويس الرابع عشر الشعار التالي: «إيمان واحد. ملك واحد. قانون واحد». والمقصود بذلك أن فرنسا لا تتسع إلا لمذهب واحد هو مذهب الأغلبية الكاثوليكية. وبالتالي فما على الآخرين إلا اعتناقه فوراً أو الرحيل عن البلاد، أو القتل والذبح والإبادة. وهذا هو منطق «الدواعش» عندنا حاليا. فنحن نمر بالمرحلة نفسها ولكن بعد 4 قرون من حصولها في أوروبا.
وعلى هذا النحو تم تفريغ المملكة الفرنسية من أقليتها البروتستانتية التي هربت إلى بلدان أخرى كهولندا، أو ألمانيا، أو حتى السويد، وبعضهم عبر البحر المحيط ووصل إلى كندا. ولا تزال العائلات البروتستانتية هناك تحافظ على أسمائها الفرنسية حتى بعد 300 سنة على هجرتها. هذا وقد مرت حرب الثلاثين عاماً الطائفية الشهيرة بـ4 مراحل أساسية: أولاً المرحلة التشيكية (1618 - 1625)، وثانياً المرحلة الدنماركية (1625 - 1629)، وثالثاً المرحلة السويدية (1630 - 1635)، ورابعاً المرحلة الفرنسية (1635 - 1648). ثم بعدئذ هدأت الحرب أو انطفأ أوارها بعد أن ظل مشتعلا 30 سنة، وبعد أن أنهك البشر، ودمر الشجر والحجر... وقد قدر بعض المؤرخين خسائر هذه الحرب الجهنمية بملايين البشر. ويقال إن بعض المناطق في ألمانيا فقدت نصف سكانها. بل هناك منطقة كبيرة فقدت ثلثي سكانها أثناء هذه الحرب الطائفية المرعبة، وكل الأوبئة والمجاعات الناتجة عنها. وعلى أي حال فقد قتل 40 في المائة من سكان الأرياف، و30 في المائة من سكان المدن. وهي أخطر حرب عرفتها ألمانيا وعموم أوروبا قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.
والشيء الغريب العجيب هو أن كلا الطرفين كانا يكفران بعضهما البعض على الرغم من انتمائهما الدين نفسه (أي المسيحية)، وإلى الكتاب نفسه (أي الإنجيل)، وإلى النبي المؤسس نفسه (أي المسيح)، ولكنهما كانا يختلفان على تفسير كل ذلك. وقد أعادت هذه الحرب ألمانيا عشرات السنوات إلى الوراء؛ من حيث التنمية والقدرة الاقتصادية، وأما فرنسا والسويد وإسبانيا فقد خرجت منهكة ماليا من الحرب دون أن تخسر عددا كبيرا من السكان.
ومن نتائج الحرب الأساسية أن الدنمارك فقدت مكانتها كدولة كبرى في أوروبا، وأصبحت دولة صغيرة ولا تزال. وأما السويد فقد استفادت من الحرب؛ لأنها أصبحت مهيمنة على بحر البلطيق وأوروبا الشمالية. وقد ربحت عدة مدن مهمة وعدة مناطق وضمتها إليها. ولكن أكبر رابح من هذه الحرب كان فرنسا دون أدنى شك. فقد ضمت إليها عدة مناطق، من بينها منطقة الألزاس وعاصمتها مدينة ستراسبرغ التي يوجد فيها البرلمان الأوروبي حالياً.
وبعدئذ أصبحت فرنسا في ظل الملك لويس الرابع عشر أكبر قوة عظمى في أوروبا. وأما إسبانيا فقد دخلت في مرحلة انحطاط تدريجي متواصل لم تقم منه إلا مؤخراً. ثم انتهت حرب الثلاثين عاماً بعقد معاهدة «وستفاليا» الشهيرة، وأدت هذه المعاهدة إلى تشكيل الدولة القومية في أوروبا لأول مرة. وهي الدولة التي لا تزال سائدة حتى الآن، بمعنى أن العامل القومي أصبح مهما كالعامل الديني الطائفي بل تفوق عليه لاحقاً في القرن التاسع عشر بعد أن تطورت الشعوب الأوروبية وتنورت. عندئذ أصبح الانتماء إلى القومية الألمانية أو اللغة الألمانية أهم بكثير من الانتماء إلى المذهب الكاثوليكي أو المذهب البروتستانتي. وعندئذ أصبح توحيد ألمانيا ممكناً بعد أن خفّت العصبيات الطائفية أو المذهبية فيها إلى حد كبير.
ولكن ينبغي ألا ننسى أنه قبل ذلك كانت حركة التنوير الفلسفي قد انتصرت تماماً وقضت على الطائفية كلياً تقريباً. ومعلوم أن فلاسفة الأنوار شنوا هجوما صاعقا على رجال الدين المسيحيين وتفسيرهم الطائفي الظلامي للدين. فلولا هذا التفسير «الداعشي» للدين إذا جاز التعبير لما ذبح الناس بعضهم بعضاً على الهوية الطائفية، ولما كانت تلك المذابح الجماعية التي أودت بحياة الملايين طيلة 30 سنة متواصلة بل وطيلة 3 قرون. وبالتالي فالتنوير الأوروبي كان عبارة عن تصفية حسابات تاريخية مع «اللاهوت الطائفي الظلامي للمسيحية». ولولا ذلك لظلت أوروبا تتخبط حتى الآن في انقساماتها الطائفية والمذهبية. ولما نجحت في تشكيل مجتمعات مدنية صلبة ودول وطنية راسخة كالدولة الفرنسية والألمانية والإنجليزية، حيث اختفت الطائفية كلياً بين الكاثوليكيين والبروتستانتيين بعد أن كانوا قد ذبحوا بعضهم بعضا طيلة قرون... وعندئذ انتصرت العصبية الحديثة الواسعة على العصبية القديمة الضيقة، أو الانتماء الوطني على الانتماء الطائفي. ولكن ذلك لم يحصل قبل تفكيك الفكر الطائفي وبلورة تفسير جديد للدين المسيحي. وهذا ما لا يفهمه المثقفون العرب حالياً أو لا يريدون أن يفهموه. لماذا؟ لأنه يتطلب منهم تصفية الحسابات التاريخية مع الذات التراثية العميقة. وهو شيء يخشونه كل الخشية ولا يتجرأون حتى على مجرد التفكير فيه. وما داموا مصرين على موقفهم هذا فلن تُحل الانقسامات الرهيبة التي تعاني منها مجتمعاتنا حالياً ولن يتوقف نزيف الدم. ولن تتشكل دول وطنية حقيقية ومجتمعات مدنية متعايشة ومتحابة بعد أن تجاوزت المرحلة الطائفية وقطعت رأس الأفعى الداعشية. بمعنى آخر فإن حل هذه المشاكل مرهون بانتصار التنوير العربي ذاته: أي بلورة تفسير جديد للتراث يكون مختلفاً كلياً عن التفسير العتيق الموروث منذ مئات السنين. وهو تفسير تكفيري «قروسطي» يغذي العصبيات الطائفية، ويؤبدها تأبيداً، من خلال تعليم ديني متخلف لا يليق حتى بالعصور الوسطى!



دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ
TT

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

حنان الشيخ
حنان الشيخ

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً مستقلة وشراكاتٍ عابرة للمتوسط. غير أن الأرقام، رغم ارتفاعها النسبي، لا تزال متواضعةً قياساً بحجم الإنتاج الأدبي العربي، فيما تظلّ إشكاليةُ الوساطة الثقافية وفخّ التوقعات الاستشراقية يُلقيان بظلالهما على هذه الصورة البرّاقة في ظاهرها.

لم تعد دار «سندباد» تحتكر نشر الأدب العربي في فرنسا كما كانت في السابق؛ إذ دخلت دور نشر أخرى في منافسة فاعلة لاستقطاب المواهب العربية الجديدة. ففي هذا السياق، استقطبت «غاليمار» أسماءً عربية في سلاسل مختلفة، وفتحت كلٌّ من «غراسيه» و«بايار» و«لو بروي دو موند» و«إليزاد» أبوابها أمام كتّاب عرب ناشئين.

سعيد خطيبي

والحدثُ التأسيسي الأبرز في هذه المرحلة هو انطلاق مجموعة «خمسة» في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وهي شراكة تجمع دار «فيليب ري» الباريسية بدار «بَرزَخ» الجزائرية بقيادة الناشر صفيان حاجج، تختصّ بترجمة الأدب المغاربي المكتوب بالعربية من خمسة بلدان هي: الجزائر وليبيا والمغرب وموريتانيا وتونس. وفي أقلّ من عامين على انطلاقها، كشفت هذه المجموعة عن طاقة اكتشافية حقيقية؛ فقد كان من بين إصداراتها الأولى رواية الكاتبة التونسية أميرة غنيم «الكارثة بيت النبلاء» التي فازت بجائزة الأدب العربي عام 2024. أمّا دار «سندباد»، عرّاب هذا الحقل بلا منازع منذ خمسة عقود، فتواصل مسيرتها تحت إدارة الناشر السوري فاروق مردم بيه، وقد أصدرت حتى اليوم ما يزيد على ثلاثمائة عنوان، تضمّ الرواية والشعر والتراث الكلاسيكي، مستوعبةً أدبَ المشرق والمغرب معاً.

شادي لويس

وفي عام 2022، أطلقت الدار مجموعة «سندباد الصغير» للأدب مزدوج اللغة (عربي - فرنسي) الموجَّه إلى الناشئة، في محاولة جريئة لتجسير الهوّة بين جيلين ولغتين. وفي سياق برنامجها الأخير، أصدرت «سندباد» رواية «عين الطاووس» للبنانية حنان الشيخ بترجمة خالد عثمان، فضلاً عن «تاريخ قصير للخليقة وشرق القاهرة» للمصري شادي لويس، وكلاهما ضمن قائمة جائزة الأدب العربي 2025.

وإذا كان ثمة نصٌّ واحد استطاع في السنوات الأخيرة أن يختبر حدود المشهدين الأدبيين الأوروبي والعربي معاً، فهو رواية الفلسطينية عدانية شبلي «تفصيل ثانوي»، التي نشرتها «سندباد/أكت سود» عام 2020 بترجمة ستيفاني دوجول، فغدت ظاهرةً دولية نادرة في عالم الأدب العربي المُترجَم، وبلغت أصداؤها أرفع الجوائز الأدبية في أوروبا والولايات المتحدة.

عدانية شبلي

وعلى صعيد الأسماء التي شقّت طريقها إلى القارئ الفرنسي عبر هذه الدور، يبرز جيلٌ جديد، فالليبي محمد الناعس، الذي أصدرت له «لو برو دو موند» روايتَي «خبز على طاولة عمي ميلاد» و«نكهة الشاي المرّ»، رُشّح مرتين على التوالي لجائزة الأدب العربي، وباتت أعماله رهاناً تحريرياً ثابتاً لدى ناشره الفرنسي. أما الجزائري سعيد خطيبي فأصدرت له «غاليمار» في سلسلة «سيري نوار» رواية «نهاية الصحراء» بترجمة لطفي نية. ويوظف خطيبي التاريخ السياسي في بنية السّرد البوليسي.

وفي السياق ذاته، اختارت «بايار» نشر آخر أعمال المغربية ريم بطّال «سأنظر في عينيّ»، لتقطع بذلك مسافةً واسعة بين الكتابة النسائية العربية وجمهور فرنسي جديد. وأفرزت مجموعة «خمسة»، بدورها، اسمين تونسيين بارزين: أميرة غنيم بروايتها «الكارثة بيت النبلاء» الفائزة بجائزة الأدب العربي 2024، وأيمن دبوسي برواية «دفاتر الرازي». والحالة الأكثر رمزيةً في هذه الدورة هي حالة الكاتب الفلسطيني ناصر أبو سرور، الذي أمضى اثنين وثلاثين عاماً خلف القضبان في سجون الاحتلال الإسرائيلي، قبل أن يُطلَق سراحه في أكتوبر 2025. وجد أبو سرور طريقه إلى «غاليمار» عبر روايته «حكاية جدار»، الصادرة بالفرنسية تحت عنوان «Je suis ma liberté» (أنا حريتي) بترجمة ستيفاني دوجول، وسرعان ما توّجته لجنة جائزة الأدب العربي لعام 2025 بالجائزة الكبرى بالإجماع، مانحةً إياه اعترافاً طالما حجبه عنه السجنُ وعزلةُ الأسر. ولم يكن هذا التتويج إعلاناً أدبياً فحسب، بل كان فعلاً سياسياً وأخلاقياً في الوقت ذاته.

وتوفّر أرقام السوق سياقاً لا غنى عنه لفهم هذا المشهد؛ فوفق بيانات نقابة الناشرين الفرنسيين (SNE)، بلغ رقم أعمال قطاع النشر في فرنسا 2945 مليون يورو عام 2023، ثم تراجع إلى 2901 مليون يورو عام 2024، مع انخفاض في عدد النسخ المبيعة بنسبة 3.1 في المائة. وتمثّل الكتب المترجمة في الوقت الراهن ما بين 19 و20 في المائة من مجمل الإنتاج النشري الفرنسي، مما يجعل فرنسا من أكثر الأسواق الثقافية الغربية انفتاحاً على الآداب الأجنبية. وبحسب أحدث بيانات «ليفر إيبدو/إلكتر» المتعلقة بعام 2025، بلغ عدد العناوين المترجمة إلى الفرنسية 12892 عنواناً؛ تستأثر العربية منها بنسبة 0.9 في المائة؛ أي ما يناهز مائة وستة عشر عنواناً، مسجّلةً ارتفاعاً بمقدار 0.2 نقطة مئوية قياساً بالعام السابق. وتجدر الإشارة إلى أن العقود المُبرمة على الأدب العربي تشمل في حالات كثيرة الحقوق العالمية لا الحقوق الفرنسية وحدها، مما يفتح آفاق الانتشار لتتجاوز الحدود الأوروبية.

وتُعدّ «جائزة الأدب العربي»، التي انطلقت عام 2013 بتعاون بين مؤسسة جان لوك لاغارديير ومعهد العالم العربي في باريس، مرجعاً أساسياً لقياس حضور الأدب العربي في سوق النشر الفرنسي. وقد تجلّى هذا الحضور في دورة عام 2025 عبر تنوع غير مسبوق شمل ثمانية أعمال لكتّاب من سبع دول عربية أصدرتها دور نشر فرنسية كبرى. كما شهدت هذه الدورة خطوةً لافتة بإنشاء منحة مالية مخصصة للمترجمين، ولم يكن هذا الزخم النشري ليكتمل في غياب جيل جديد من المترجمين ورثوا شعلة أسلافهم وأضافوا إليها. فإلى جانب ستيفاني دوجول الذي يُترجم منذ ثلاثة عقود أعمال حنان الشيخ وعدانية شبلي ومصطفى خليفة، ثمة لطفي نية المتخصص في الأدب الجزائري والمغاربي العامل مع «غاليمار» ومجموعة «خمسة»، وصواد لبّيزة التي ترجمت رواية أميرة غنيم فنالت بذلك جائزة ابن خلدون - سنغور للترجمة عام 2024، وهي جائزة مشتركة تمنحها المنظمةُ الدولية للفرنكفونية والمنظمةُ العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)، وسارة رولفو التي تُترجم النثر الليبي.

بيد أن المشهد لا يخلو من نقاط ظل تستوجب التأمل النقدي؛ فرغم هذا الزخم التراكمي، تظلّ مكانة الأدب العربي في المنظومة النشرية الفرنسية هشّةً في بعض مفاصلها. فعدد الترجمات السنوية يبقى محدوداً قياساً بضخامة الإنتاج الأدبي العربي. وقد أفاد مردم بيه بأن مبيعات نجيب محفوظ (الكاتب العربي الأكثر قراءة في فرنسا) تراجعت من عشرة آلاف نسخة إلى نحو ألف وخمسمائة في غضون عقود، عاكسةً تراجعاً أعمق في انفتاح القارئ الفرنسي على الآداب الأجنبية المترجمة. يُضاف إلى ذلك أن الأسماء العربية المألوفة في هذا المشهد لم تتجدد كثيراً خلال العقود الماضية، مما يُضيّق النافذة أمام التجديد والتنوع الجغرافي والأسلوبي.

ويُلاحَظ كذلك أن الكاتب العربي لا يصل إلى دور النشر الكبرى في الغالب إلا عبر بوابة الجائزة الدولية أو الصدى الإعلامي خارج فرنسا، مما يعني أن الاعتراف لا ينبثق دائماً من قراءة مباشرة، بل كثيراً ما يتغذّى من سلطة الصدى الخارجي. ويظلّ الفخّ الأخطر هو الفخّ الاستشراقي المتجدّد: فالنص العربي الذي يتناول الحرب أو الديكتاتورية أو المرأة المقهورة أو أزمة الهوية يجد طريقه إلى دور النشر الفرنسية أسهل بكثير مما يجده النص المنصرف إلى أسئلة جمالية بحتة أو جدل فلسفي داخلي. وهو ما يعني أن ثمة مِصفاةً خفيّة تصوغ ملامح الأدب العربي المقبول في الفضاء الفرنسي، فتُعيد في نهاية المطاف إنتاجَ توقعات المتلقي عوضاً عن تحريرها.

وفي مواجهة هذه الإشكالية، تبقى باريس رمزاً للتكريس الأدبي بامتياز: فالنشر في فرنسا يمنح الكاتب العربي رأسمال رمزياً يتجاوز حدود اللغة؛ إذ كثيراً ما فتح الانتشار الأوروبي أبواب الترجمة في لغات أخرى، وأمدّ مسيرات مهنية كانت ستظلّ محلية لولا ذلك. غير أن هذه المعادلة تخفي وراءها سُلَّم قيم ضمنياً: يُقيَّم النص العربي في نهاية المطاف بمقدار ما يستهوي القارئ الفرنسي ويلبّي فضوله، أكثر مما يُنصَت فيه إلى ما يقوله عن نفسه وعن قارئه الطبيعي.


ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر
TT

ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر، ومنهم أحمد مصطفى البابي الحلبي الذي وُلد في أزقة قرية الباب بريف «حلب» 1816 ثم هاجر إلى القاهرة ليشبع شغفه في مجال الطباعة ونشر الكتب وتتحول مطبعته إلى واحدة من أشهر وجهات التراث العربي في الفترة من عام 1859 حتى 1960.

هذا ما يكشف عنه الباحث أشرف مؤنس في كتابه «مطبعة البابي الحلبي – ودورها في حركة الطباعة والنشر في مصر والعالم العربي»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، مشيراً إلى أن المطبعة استهدفت في البداية خدمة الأزهر الشريف وطلابه من خلال نشر كتب الفقه والتفسير والحديث واللغة مع الحرص على دقة النصوص وجودة الإخراج الفني، لكنها توسعت فيما بعد لتشمل كنوز التراث في الشعر والأدب.

ولا يقتصر تميز مطبعة الحلبي على بعدها الطباعي، بل يمتد إلى إدارتها العائلية المتوارثة وسياستها التجارية الرشيدة التي ضمنت لها الاستمرار والانتشار داخل مصر وخارجها حيث يمثل أحمد مصطفى البابي الحلبي، مؤسس هذه النهضة العائلية، أنموذجاً للرجل العصامي الذي جمع بين الوعي الثقافي وروح الريادة الاقتصادية فأسس تقليداً أسرياً ظل فاعلاً لأكثر من قرن كامل.

انتقل الحلبي إلى مصر في أوائل عقد الخمسينيات من القرن التاسع عشر ضمن موجة الهجرة العلمية والتجارية إلى القاهرة حيث كان لمصر جاذبية اقتصادية وثقافية كبرى، واستقر في حي «الجمالية» قرب الجامع الأزهر، وكان مركزاً للحياة الدينية والفكرية والتجارية.

ومن خلال متابعته الواعية لمجريات الحياة آنذاك سرعان ما أدرك الحلبي مبكراً حاجة طلاب الأزهر والعلماء إلى كتب مطبوعة بدلاً من الاعتماد على المخطوطات القديمة، حبيسة الخزائن، كما تأثر بأفكار رواد النهضة الفكرية المصرية آنذاك؛ مثل رفاعة الطهطاوي (1801-1873) وعلي باشا مبارك (1823-1893) وجمال الدين الأفغاني (1838-1897) ومحمد عبده (1849-1905).

وبفضل خبراته واتصالاته مع العلماء والأدباء، أسّس مطبعته الخاصة التي عُرفت في البداية باسم «المطبعة الميمنية» قبل أن يتغير اسمها لاحقاً إلى «مطبعة الحلبي» لتكون واحدة من أوائل المطابع الأهلية في مصر، واعتمدت أسلوب الطباعة بالحروف العربية، محلية الصنع، ما أضفى طابعاً خاصاً على مطبوعاتها، تميز بصرامة في التدقيق والمراجعة وقلة الأخطاء المطبعية، مع جمال الإخراج الفني.

بعد وفاة المؤسس أحمد الحلبي في عام 1898 عن عمر ناهز 82 عاماً، تولى أبناء إخوته إدارة المطبعة حيث لم ينجب أحمد أبناء من صُلبه؛ ولذا استدعى أبناء إخوته الذكور من بلدته «الباب»، ومنهم مصطفى وعيسى وبكري ليشاركوه في إدارة المطبعة.

تحولت المطبعة من نشاط فردي إلى مؤسسة عائلية لها امتداد تجاري وثقافي، وتوسع الإنتاج ليشمل كتب التراث الإسلامي والمعاجم والمراجع الجامعية، فضلاً عن طباعة رسائل أكاديمية، كما غدت مرجعاً للطلاب والباحثين في العالم العربي واشتهرت بطباعتها المتقنة للكتب التراثية.

شهدت الأربعينيات وبداية الخمسينيات ذروة نشاط المطبعة؛ فقد بلغ حجم الإنتاج السنوي للمطبعة نحو 7.5 مليون نسخة، ونشرت أكثر من 440 كتاباً بين عامي 1900 و1949، ما جعلها رائدة في نشر كتب التراث الإسلامي عالمياً؛ حيث أصبحت من أكبر دور النشر في الشرق الأوسط.

اعتمدت المطبعة نهجاً ريادياً في توظيف التقنيات الطباعية المتقدمة وتطوير الخطوط العربية، مما أضفى على إصداراتها هوية بصرية متفردة عُرفت بـ«طبعة الحلبي»، امتازت بدقة التنفيذ وسلامة المتون. وإلى جانب ثقلها المعرفي، شكلت المطبعة ركيزة اقتصادية مهمة؛ إذ أصبح «حي الحسين» بسببها وجهة عالمية لصناعة النشر، ومقصداً رئيساً للوراقين وطلاب الأزهر والمستشرقين من شتى البقاع.

اللافت أيضاً أن المطبعة مثلت جسراً حضارياً يربط عراقة التراث بمتطلبات الحداثة؛ حيث ساهمت بفاعلية في النهضة الثقافية عبر رفد الجامعات بالمادة العلمية الرصينة. وعلى مدار عقود، ظلت مطبوعاتها المرجع الأوثق للباحثين في العلوم الشرعية واللغوية، ما رسخ مكانتها كحارس للذاكرة العربية.

تصدرت «أمهات الكتب» قائمة منشوراتها، لا سيما في علوم التفسير والقرآن، مثل «تفسير الطبري» و«القرطبي» اللذين ظهرا في طبعات فاخرة ومنقحة. كما أولت عناية فائقة بالسنة النبوية، فأخرجت «فتح الباري» وشروح «صحيح مسلم»، فضلاً عن المراجع الفقهية الكبرى التي غطت أصول المذاهب الأربعة وفروعها بدقة متناهية.

ولم تقتصر رسالتها على العلوم الدينية، بل شملت كنوز الأدب مثل «لسان العرب» و«الأغاني»، ودواوين فحول الشعراء كالمتنبي وشوقي. وفي حقل التاريخ والسير، برزت طبعاتها لكتابي «تاريخ الأمم والملوك» و«البداية والنهاية»، لتكرس بذلك حضوراً لافتاً في المكتبة العربية.


تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية
TT

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث التي تؤهله للانتشار العالمي، مع التركيز على المعوقات التي تعترض نقله إلى اللغة العربية، عبر اللغة الصينية الأصلية، وليس عبر لغات وسيطة، في وقت يشهد تصاعداً في التواصل بين بكين والعواصم العربية على المستويات الثقافية والاقتصادية والسياسية.

ويندرج الكتاب ضمن حقل «دراسات الترجمة»، التي تعاني من الندرة بالمكتبة العربية؛ إذ يسلط الضوء على مسار ترجمة الإبداع الصيني للغة الضاد، لا سيما الأعمال التي تعد من «الروائع العالمية»، وتحديداً المنتمية لمدرسة «البحث عن الجذور»، التي يعد مو مويان من أهم أقطابها، بهدف التعرف على الروح الصينية الحقيقية، والابتعاد عن الصورة السطحية النمطية التي تختصر حضارة «بلاد التنين الأحمر» في شعب غريب الأطوار يأكل الحشرات، أو مجرد البراعة في الرياضات القتالية، كما في أفلام بروس لي ورياضة «الكاراتيه» التي صدّرتها هوليوود للعالم.

ويرى المؤلف أن الهدف السينمائي هنا يتمثل في تشويه الانطباع حول بلد يرى الغرب مصلحته في تسطيح صورته الذهنية، مع حصد أرباح مادية بالتأكيد، ومن هنا تبرز ضرورة الانفتاح عبر الترجمة على الأدب الصيني المعاصر، للمساهمة في تقويم تلك المفاهيم الضحلة.

ويشدد علي عطا على ضرورة إدراج دراسات الترجمة بمناهج اللغة الصينية في الأكاديميات العربية، مع ملاحظة صدور مؤلفات عديدة حول الأدب الصيني في القرن العشرين مترجمةً للعربية، مقابل غياب تام لترجمات تخص أدب الربع الأول من القرن الحالي. ويسري ذلك النقص على نقد الأعمال الصينية المترجمة، فلا يتوفر كتاب بحثي يحللها نقدياً ضمن سياق الترجمة أو الأدب المقارن، رغم ما تعرِض مقدمات المترجمين لهذا الجانب أحياناً.

ويشيد المؤلف في هذا السياق ببحث قدمته دكتورة دينا بيومي بعنوان «المهمشون في الرواية الصينية والرواية المصرية المعاصرة»، وقد وازنت من خلاله بين رواية «مذكرات بائع الدماء» للصيني يوهوا، ورواية «شكاوى المصري الفصيح» للكاتب المصري يوسف القعيد، والتي خلصت فيها إلى أن النصين يشكلان مادة ثرية لبيان حجم مكابدة هذه الفئات داخل الوسطين: الصيني والمصري؛ إذ برع الأديبان في تجسيد واقع شعوبهما الموجع والمضني في الخمسينات والستينات بالنسبة للجانب الصيني، والسبعينات بالنسبة للجانب المصري.

وترصد دراسات أكاديمية عربية تصاعد الشغف بالنقل عن الصينية للعربية بالأعوام الأخيرة، مع بروز كوادر متخصصة وظهور مؤسسات نشر مهتمة بهذا الحقل، إلا أنه رغم ذلك، لا تزال هناك عقبات تخص ندرة الكوادر المحترفة، وهو ما يبرز الحاجة الشديدة لمزيد من المساندة الجامعية للتعريب من الصينية للعربية، إما عبر تقديم مسارات تدريبية احترافية، وإما عبر مساندة دور النشر والمبادرات الاستقصائية.

في المقابل، يلاحظ باحثون صينيون أنه رغم النجاحات، تواجه الصين والعرب تحديات في الترجمة والنشر؛ منها نمطية الكتب المترجمة وتذبذب جودتها وضعف انتشارها السوقي، فرغم التوجه العربي العام نحو الصين، يظل شغف الشباب العرب بالثقافتين اليابانية والكورية أكبر.

كما يفتقر الشباب الصيني للمعرفة بالمنطقة العربية مقارنة بالثقافة الغربية، ما يعكس قصوراً في النشر بالجانبين. ولتجاوز ذلك، يقترح هؤلاء الباحثون تنويع موضوعات الترجمة، وتكثيف جهود التسويق والتوزيع، مع ضرورة استقطاب القراء من مختلف المجالات للاهتمام بالإبداعات الثقافية المتميزة لتعزيز تأثيرها وجاذبيتها.