الكويت... لماذا خبا بريقها الثقافي؟

مثقفوها يستذكرون ريادة بلدهم في نشاطات الثقافة والفن

جمهور إحدى الفعاليات الثقافية
جمهور إحدى الفعاليات الثقافية
TT

الكويت... لماذا خبا بريقها الثقافي؟

جمهور إحدى الفعاليات الثقافية
جمهور إحدى الفعاليات الثقافية

إذا التفت إلى يمينك وأنت تدخل إلى رابطة الأدباء الكويتيين، ستطالعك صورة جماعية قديمة جدا تعود إلى عام 1924 لمجموعة من الرجال كانوا قد أسسوا في ذاك التاريخ أول نادٍ أدبي قال عنه الباحث د.خليفة الوقيان في كتابه «الثقافة في الكويت: بواكير، اتجاهات، ريادات»: «بافتتاح النادي الأدبي... انفسح المجال أمام مثقفي البلاد وعلمائها وأدبائها لتحقيق كثير من طموحاتهم في التوعية بأفكارهم المستنيرة والدعوة إلى الاهتمام بالعلم، ونبذ الخرافة ومحاربة التخلف». هذه الصورة يتباهى بها أعضاء رابطة الأدباء أمام الزائرين العرب.
وقبل هذا التاريخ كان الكويتيون قد أنشأوا في عام 1913 أول مكتبة تتبع لجمعية خيرية، وهذه التواريخ أسست لاحقاً لحراك ثقافي امتد حتى العصر الحديث، وربما كان تأسيس المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في عام 1973 نقطة تحول كبيرة بأن أصبح للثقافة الكويتية أجنحة تحلق خارج الحدود من خلال إصدارات كان المثقف العربي ينتظرها بشغف عبر سلسلة من الإصدارات القيمة مثل سلسلة عالم المعرفة وعالم المسرح والثقافة العالمية وعالم الفكر وإبداعات عالمية، وقبل ذلك مجلة «العربي»، وكل هذه الإصدارات كان المثقف العربي يحجزها مسبقاً عند مكتبات بلاده. وهذا يعني أن الحراك الثقافي الكويتي كان يسد فراغاً ما في المنطقة ويحظى باهتمام جمهور المثقفين العرب.
لم تكن المنافسة كبيرة حينها مع الثقافة الإقليمية، لتفرد الكويت بإصداراتها وأنشطتها ومسرحها وحتى أعمالها الدرامية التلفزيونية التي كانت ناقدة للمجتمع وتسعى إلى فتح نوافذ التنوير على مجتمع حديث بطريقة تفكير جديدة، وبرزت أسماء مؤثرة ما زالت بصماتها حتى اليوم. ثم حين اشتدت المنافسة مع الثقافة الإقليمية، وحين بدأت وسائل الاتصال الحديثة تفتح النوافذ على العالم، كيف واجهت الثقافة الكويتية هذه المنافسة، وهل استمرت بهذا التأثير الخارجي، علماً بأنها لا تزال قوية في الداخل بل تضاعف عدد الأنشطة والمهرجانات والمؤسسات الثقافية، أم خفت تأثيرها خارجياً بحيث تمكنت ثقافات أخرى من الوصول إلى واجهة الإعلام وأخذ حيز من الاهتمام الذي كانت تشغله الثقافة الكويتية.
هذا التساؤل يمكن أن يجيب عنه العاملون في الثقافة، رسمياً وإبداعياً، ومنهم الكاتب د. وليد الرجيب الذي شغل في التسعينات منصب مدير إدارة الثقافة في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، وفي فترته ظهر «مهرجان القرين الثقافي الأول». يقول لنا:
«نعم، كانت الثقافة بمثابة القدر بالنسبة للكويتيين، وكان ميناؤها هو الرئة التي تتنفس منها الكويت، وأتاح لها هذا المرفأ ونمط العيش التنقل بين القارات، وبين الحضارات المختلفة والثقافات المتنوعة، فكان ذلك أحد عوامل تكون وتشكل الشخصية الكويتية، المستنيرة والمنفتحة غير المنغلقة على نفسها وذاتها، كما أصبح السفر والإبحار فرصة لنمو حس الاكتشاف والاطلاع، عمقاً بالمعرفة المتنوعة وكذلك الخاصة في الخبرة بالإبحار، أفرزت مهارات التعامل مع مفردات البحر والإبحار، وكأن لا حدود ولا انفصال بين الخبرة والمهارة والمعرفة».
ويضيف الرجيب: «كأن ثيمة البحر والسفر بعيداً فرصة لا تقدر لبلورة الإبداع الفني غناءً وشهرةً، ورفد شغف متابعة الشأن العربي السياسي والثقافي جدلية السؤال والموقف، من خلال المطبوعات العربية، فحرص المبادرون على إنشاء المكتبة الأهلية لإشاعة المعرفة والثقافة، مما تيسر من كتب وصحف ومجلات للاطلاع العام، فلم تكن الثقافة حكراً على فئة أو نخبة وإنما أتيحت للعامة».
ويرى د. وليد الرجيب أن هذا الانفتاح والاستنارة جعل الأهالي يبادرون لإنشاء أول مدرسة وتعليم نظامي أوائل القرن الماضي، لتتطور وتصبح مراكز للتدريب على الفنون المسرحية والخطابية، ثم أنشئ أول نادٍ أدبي عام 1924. وتتالت سبحة المؤسسات الأهلية مثل مجلس المعارف ومجلس البلدية وغيرهما، كما كانت أول مطالبة بالمشاركة الشعبية عام 1921. وشكلت هذه المؤسسات البنية الثقافية الأساسية، التي بنيت عليها الثقافة والفنون ونمط السلوك المنفتح والمتحضر وتفتق الوعي ونضوجه.
وبعد تدفق الثروة النفطية بكميات تجارية، ساهمت الدولة بمثقفيها بتأسيس أهم مطبوعة عربية في ذلك الوقت، وهي مجلة «العربي» ذائعة الصيت وقدمتها للقارئ العربي شبه هدية، ثم تشكلت جمعيات النفع العام بما فيها رابطة الأدباء في مطلع ستينات القرن الماضي، تلاها إنشاء المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الذي أصدر سلاسل المطبوعات القيمة كعالم المعرفة وعالم الفكر والمسرح العالمي والثقافة العالمية وغيرها.
وحول ذلك الكويت إلى منارة ثقافية ومركز من مراكز الثقافة العربية، كما أتاحت الثروة النفطية والاستعداد المسبق للكويتيين وانحياز الحكومة للثقافة الرفيعة، وضع البنية الثقافية التحتية للمسارح والمناهج الحديثة وانتشار المدارس وكذلك الإذاعة، فقفزت الثقافة وتجلياتها الإبداعية خطوات كبرى، حين ذاك صارت الكويت مصدراً من مصادر الفكر والمعرفة والإنتاج الفني والأدبي، فحظيت بحضور ثقافي عربي بارز.
* الحضور الثقافي العربي
وعن الحضور في المشهد الثقافي العربي، يقول الرجيب: قياساً بالثقافة الآن هي بالتأكيد لم تتراجع، فالثقافات لا تتراجع لأنها تراكمية، لكن المشهد الثقافي أو الثقافة السائدة أو ما يظهر على السطح، وطغيانه على ثقافة الاستنارة والريادة والانفتاح، وبالتالي تراجع حضورها الثقافي العربي، لا يعني تراجع الثقافة فيها، ففي هذا العصر تحتاج الثقافة كي تعود لحضورها، تدخل الحكومة ومحو الأمية الثقافية للمسؤولين، بدءاً بتطوير مناهج الدراسة ورفع القيود عن تداول الكتاب، والتراجع عن السياسة الرقابية على العقول والمعلومة.
وكذلك تسخير وسائل الإعلام الرسمية والأهلية لخدمة الثقافة ونشرها، وتوسيع نطاقها وهامشها لتعود إلى حضورها السابق وأكثر، ففي السابق كانت الثقافة مجانية وعامة أو شبه مجانية أو متاحة للجميع. الآن بقدر ما تفاءلنا بإنشاء مراكز ثقافية ومسارح ضخمة، بقدر ما خاب أملنا وعدنا للإحباط، بعدما أنيطت أنشطتها للشركات الخاصة التي تسعى للربح، فلن يتاح للجميع الاستمتاع بالثقافة الرفيعة. إذ أصبح الدخول إلى أي منها مكلفاً للإنسان العادي، وهذه الشركات وفي سبيل الربح، لم تمانع بالاعتماد على الفنون الغنائية السطحية، أو تقديم الندوات ذات الأثر المحدود، فلا يوجد إبداع ولا حضور ثقافي في ظل الخصخصة، وتقييد حرية الإبداع والاطلاع، وتقديم ثقافة الغلو والتشدد الديني المنغلق، على ثقافة التنوير والانفتاح.
* الانشغال بقضايا أخرى
ننتقل بالسؤال إلى الكاتب خلف الخطيمي، عضو مجلس إدارة رابطة الأدباء الكويتيين، ليدلي بوجهة نظره قائلاً: «بكل تأكيد لم تكن الكويت بمعزل عن الحراك الثقافي العربي والإسلامي في طوالع القرن العشرين فقد تشكلت ملامح الحراك الثقافي الكويتي بفكر رائد ورجال أدب ومع إنشاء المدرسة المباركية والأحمدية في بواكير القرن المنصرم وتوافد الأدباء والمفكرين العرب كالشنقيطي. بدأ الحراك الفكري والثقافي يتشكل ويأخذ حيزا كبيرا في حياة المجتمع تبلور في إنشاء النادي الأدبي عام 1924 وبدأت الإرهاصات المسرحية في نفس العام وكذلك تم إنشاء أول مجلة كويتية أسسها الشيخ عبد العزيز الرشيد وأصبح الشأن الثقافي مسارا من مسارات المجتمع والدولة وبعد قدوم الوفود التعليمية العربية للتدريس اتسع الأفق وتوسع الاطلاع والطموح وزاد ذلك ابتعاث الطلبة إلى الخارج في الأربعينات وإنشاء مجلة (البعثة) وتكوين بيت الكويت وصاحب ذلك شخصيات نافذة ذات ثقافة وعلم ومعرفة عززوا التحركات الثقافية والجدير بالذكر أن أول مؤتمر للأدباء العرب كان في دولة الكويت عام 1958».
ويضيف الخطيمي: «هذا من باب الإشارة إلى مكانة الثقافة في الكويت ومكانة الكويت لدى المثقفين العرب التي أصلتها ظهور مجلة (العربي) التي ولدت بطموح وتطلعات القيادة الكويتية في ذلك الوقت ومن ثم وبعد تشكل الدولة المدنية وتأسيس المؤسسات المدنية تم تأسيس رابطة الأدباء عام 1964 وهي الامتداد للنادي الأدبي وكذلك تم تأسيس المسارح الأهلية ونشر المكتبات العامة وظهور المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب كجهة حاضنة للآداب والثقافة والفنون والتراث وبدأ المجلس الوطني في عمله الريادي في عمل الإصدارات الشهرية كسلسلة عالم المعرفة وإبداعات عالمية وفصلية كسلسلة عالم الفكر وكذلك إصدارات تراثية وخاصة غير منظمة مواكبة للمناسبات الثقافية ومما لا شك فيه أن خطة الثقافة العربية قد كتبت بدولة الكويت وبدعم كامل من المؤسسات الثقافية الكويتية وكانت وما زالت جميع الإصدارات الثقافية والأدبية والتراثية توزع وتقدم بتكاليف رمزية ومدعومة دعما مباشرا من المؤسسات الكويتية إيمانا من الكويت بالدور العروبي والخط الثقافي الملازم لذلك النهج ففي طبيعة الحال عندما يكون السياسي مثقفا ينحاز للثقافة والمثقفين ومن خلال هذا الانحياز يبرز الدور الثقافي وأثره على الدولة والمجتمع».
ويضع الخطيمي اللوم على ما وصفه بـ«الانشغال السياسي عن الثقافة الإسلامية والعربية والكويتية»، ويتابع: فالقضايا السياسية والاقتصادية والتوازنات الإقليمية أشغلت متخذي القرار عن أهمية الثقافة ودورها، فمن الضروري بل من التجلي في العمل السياسي أن يكون السياسي مثقفا وكذلك ينسحب هذا الأمر على كل المجالات فرؤيتي للمستقبل الثقافي أنه متى ما كان القرار بيد مثقف كانت الثقافة بخير ومتى ما تولى قرار الثقافة والأدب من لا يعي الثقافة والأدب سيكون التهميش نصيب الأدباء والمثقفين.



حماقات ميشيل فوكو في إيران

حماقات ميشيل فوكو في إيران
TT

حماقات ميشيل فوكو في إيران

حماقات ميشيل فوكو في إيران

لزم فوكو الصمت وهو يتحسر ويتمزق بعدما شاهد مجزرة المعارضين على يد نظام الخميني إنه لشيء من أعجب العجائب وأغرب الغرائب: ميشيل فوكو فيلسوف الحداثة وما بعد الحداثة راح يصفق بكلتا يديه لثورة الخميني الظلامية المندلعة عام 1978. كان فوكو في ذلك الوقت أشهر مثقف فرنسي على الإطلاق. وذلك لأن سارتر كان على وشك الرحيل بعد أن عمي تماماً، ولم تبقَ له سنتان أو أقل لكي يموت. علاوة على ذلك، فقد كان فوكو أستاذ الفلسفة في الكوليج دو فرانس (أعلى من السوربون) ، ومعلوم أنه كان قد اتفق مع صديقه جان دانييل رئيس تحرير أهم مجلة أسبوعية فرنسية وأكثرها استنارة «النوفيل أوبسرفاتور» على الذهاب إلى طهران لتغطية الأحداث المشتعلة هناك. وهكذا ركب فيلسوفنا الكبير الطائرة وذهب إلى طهران لكتابة تقارير صحافية عن الأحداث في وقت كان فيه الخميني ذاته لا يزال في ضواحي باريس. وهي تقارير نشرتها المجلة المذكورة، بالإضافة إلى الجريدة الإيطالية الشهيرة «كوريير ديلا سيرا». وقد سافر مرتين إلى طهران من 16 إلى 24 سبتمبر (أيلول) 1978، ومن 9 إلى 15 نوفمبر (تشرين الثاني): أي أقام ثمانية أيام وستة أيام في العاصمة الإيرانية. وقد قابل في كلتا الرحلتين ضباط الشاه الكبار، وقادة المعارضة العلمانيين. ثم قابل بشكل خاص كبار رجال الدين، ومن بينهم آية الله شريعة مداري. هذا ناهيك عن ممثلي المتظاهرين المليونيين، إلخ. يقول عنه أحد العارفين ما يلي:

كان فوكو شخصياً معجباً جداً بالعنف، ومبهوراً به. وكان يكره كل مجتمع مستقر. وكان معجباً جداً أيضاً بالجماهير الهائجة المائجة، وبالزلازل، والبراكين. وكانت عدميته النيتشوية قد وجدت إشباعاً لها في هذه الثورة العارمة التدميرية المدمرة. ولذلك رأى في هذه الثورة المتفجرة بالملايين نوعاً من الإنعاش الروحي في عالم دنيوي إلحادي فقد كلياً معنى القداسة الدينية، والتعالي الرباني. المقصود بذلك عالم الغرب الذي ينتمي إليه، لأنه هو شخصياً كان ملحداً عدمياً نيتشوياً.

لاحظوا المفارقة الكبرى هنا: هذا الرجل الملحد الذي يحارب الدين المسيحي بكل ضراوة في بلده إذا به يركع وينحني أمام متدينين آخرين، وفي بلد آخر. كيف يمكن تفسير هذا التناقض؟ الله أعلم. وهنا يحق لنا أن نطرح هذا السؤال: ماذا فعل فوكو في إيران؟ لقد انتصر للقدامة ضد الحداثة، وللثيوقراطية ضد الديمقراطية، وللنزعة اللاهوتية الكهنوتية ضد الفلسفة العلمانية التنويرية. لقد أبدى إعجابه الشديد بكيفية سيطرة رجل واحد على الملايين رغم أنه رجل دين قروسطي ظلامي. كان يسحرهم سحراً. فالخميني بشريط تسجيل واحد كان قادراً على تهييج إيران كلها عن بكرة أبيها. هذا ما أذهل فوكو، وأعجبه كل الإعجاب، وأخرجه عن طوره، بل وأفقده كل ملكاته العقلية، والنقلية. ثم أبدى إعجابه الشديد باستعداد هؤلاء المتظاهرين المليونيين للتضحية بأرواحهم ودمائهم من أجله. واعتقد فوكو أن ذلك أفضل من كل برلمانات العالم، وكل ديمقراطيات الغرب. وهذا فيلسوف الحداثة، وما بعد الحداثة.

لقد نشر فوكو مقالة بعنوان: «الشاه متأخر عن عصره مائة عام». لا حظوا المفارقة: الشاه الذي حدث إيران هو المتأخر عن عصر الحداثة، وليس الخميني. وراح فوكو يستخدم كل براعته السفسطائية لإقناعنا بأن حداثة الغرب العلمانية الديمقراطية هي المشكلة، وهي المتخلفة عقلياً، وسياسياً، وليس الخميني الذي يعيش كلياً في غياهب العصور الوسطى، وظلماتها. الشاه الذي أراد تحديث بلاده وتطويرها هو الرجعي، والخميني الذي أراد إعادتها إلى القرون الوسطى هو التقدمي.

لا ريب في أن فوكو كان على حق في إدانة الفساد الذي كان ينخر في نظام الشاه البائد، ومعلوم أن جماعته -بل وعائلته- كانت تسيطر على الصناعة الإيرانية، والموارد البترولية، ومعلوم أن فقر الشعب المدقع في عهده كان قد أصبح مقلقاً. والمقلق أكثر ميل الشاه إلى البذخ في الصرف على الأمجاد الساسانية الغابرة السابقة على الإسلام. وكل هذا استفز الشعب الإيراني المسلم المتدين أيما استفزاز. هذا ناهيك عن القمع السياسي للسافاك، إلخ. كل هذا صحيح. ولكن لماذا لا ترى نواقص الطرف الآخر المتمثل في الخميني؟ في الواقع أن فوكو كان يكره الغرب، ويكره الحداثة الرأسمالية. وبما أن الأصوليين الإيرانيين كانوا يكرهون الغرب، ويكرهون الحداثة الرأسمالية أيضاً، فإنهم نالوا إعجاب فوكو الشديد. لقد نالوا إعجابه إلى درجة أنه راح يقيم التضاد بين ملك طاغية مستبد من جهة وإنسان «قديس» ومنفي فقير من جهة أخرى. لاحظوا الأمر: الخميني تحول إلى قديس، أو ولي من أولياء الله الصالحين في نظر فوكو الملحد! وراح أستاذ الفلسفة في الكوليج دو فرانس يمجد الخميني ويقول: ما أروع هذا الرجل الروحاني المؤمن الذي يقود شعباً بأسره، ويتصدى بيدٍ عارية للطغيان المدجج بالسلاح... كلام فارغ سوف يدفع ثمنه غالياً لاحقاً. هكذا نلاحظ أنه في نظر هذا الفيلسوف العتيد فإن الشر أصبح كله في جهة، والخير كله في جهة أخرى. ثم بلغ العمى الفكري بميشيل فوكو مبلغه عندما راح يقول: هناك حقيقة ينبغي أن تكون واضحة للجميع هي: إن مفهوم الحكومة الإسلامية الذي ينادي به الخميني لا يعني أن رجال الدين هم الذين سيحكمون إيران. عندما كتب فوكو هذا الكلام كان الخميني لا يزال في ضواحي باريس، وفوكو يسرح ويمرح في طهران. ولكن كيف يمكن أن تصدق أن رجال الدين لن يلعبوا أي دور في النظام اللاهوتي الكهنوتي المقبل؟ فوكو يعتقد أنه يمكن للإيرانيين في ظل الخميني أن يصنعوا مستقبلهم الزاهر عن طريق العودة ألف سنة إلى الوراء...

يقول أحد العارفين أيضاً معلقاً:

الشيء الذي كان يسحر ميشيل فوكو في الثورة الإيرانية هو تشكيل مجتمع مستلهم من قبل التعالي الرباني، والقداسة الدينية. الشيء الذي كان يسحره هو الروحانية السياسية التي نسيناها نحن في الغرب منذ عصر النهضة، والأزمات الكبرى للمسيحية. ثم يردف فوكو قائلاً: أكاد أسمع الفرنسيين يقهقهون إذ يسمعون مني هذا الكلام. ولكنهم مخطئون. وراح يتوهم أن الحكومة الإسلامية سوف تجسد في السياسة شيئاً جديداً نسيه الغرب كلياً: ألا وهو الطابع الروحاني -بل والرباني- العالي المتعالي للسياسة. ما هذا الهراء؟ فوكو يريد العودة إلى ما قبل عصر النهضة، بل إلى ما قبل عصر التنوير. إنه يريد العودة إلى عصر الأصولية المسيحية، والظلامية الدينية السابقة على النهضة، والأنوار. باختصار شديد، إنه يريد العودة إلى القرون الوسطى الثيوقراطية الكهنوتية. وهذا فيلسوف الحداثة، وما بعد الحداثة في الكوليج دو فرانس... أين نحن؟

ثم بلغ الضلال بفوكو مبلغه عندما كتب قائلاً:

الخميني ليس رجل سياسة. إنه رجل دين فقط. لن يوجد حزب سياسي خميني بعد سقوط الشاه، ولا حكومة خمينية في إيران بعد الانتصار عليه. ولكن الأحداث اللاحقة كذبته كلياً. ففي الأول من فبراير (شباط) 1979 عاد الخميني إلى طهران، وشكل نظاماً ثيوقراطياً يتحكم رجال الدين بكل مفاصله. وراحوا يقطعون الرؤوس بالآلاف... والنتيجة معروفة للجميع.

هكذا نلاحظ أن فوكو أخطأ على طول الخط في تقييمه للثورة الإيرانية. ولهذا السبب، فإن صديقه جان دانييل الذي أرسله إلى هناك راح يعتذر بشدة عن الخطأ الذي ارتكبه كلا الاثنين معاً. وهو خطأ لا يغتفر في رأيه. وأما فوكو الذي شاهد مجزرة المعارضين على يد آية الله الخلخالي، وسواه، فقد لزم الصمت وهو يتحسر، ويتمزق. وربما بصق على كل ما كتب، وفعل. ويقال إنه لزم بيته بضعة أسابيع قبل أن يتجرأ على الخروج في شوارع باريس خجلاً من نفسه، ومن الناس... كيف يمكن أن تخطئ إلى مثل هذا الحد يا رجل وأنت الفيلسوف الشهير؟ لقد عض على أصابعه ندماً، ولكن بعد فوات الأوان. وهذا درس لكل المثقفين الذين يناصرون قضية أخرى غير قضيتهم، بل ومضادة لقضيتهم: نقصد قضية الأصولية الظلامية. نقول ذلك ونحن نعلم أن المثقفين اليساريين والشيوعيين -بل وحتى الليبراليين الإيرانيين- انضموا كلهم إلى صف الخميني، وساهموا في إنجاح حركته. ثم سرعان ما قطع رؤوسهم بعد أن وصل إلى السلطة، واستتب له الأمر. لا يريد مثقفين تقدميين متنورين في إيران الجديدة. يريد فقط مثقفين أصوليين من أشكاله.

أخيراً ابتدأ الشعب الإيراني يدفع الثمن الباهظ لهذه الثورة المتخلفة التي تحمس لها بالملايين قبل نصف قرن تقريباً. كل الثورات الكبرى التي صنعت الحداثة والازدهار والتقدم كانت مضادة للأصولية، ما عدا الثورة الخمينية... كلها من الثورة الإنجليزية المجيدة عام 1688 إلى الثورة الأميركية عام 1776 إلى الثورة الفرنسية عام 1789 كانت ضد الأصولية المسيحية، والظلامية الدينية. وحدها الثورة الإيرانية كانت الاستثناء. لقد كانت مضادة لحركة التاريخ. ولذلك لم ينتج عنها أي شيء مفيد، ولم تتقدم إلى الأمام، وإنما أعادتنا قروناً إلى الوراء. إنها ثورة معكوسة بالمقلوب كما قال المجدد الأكبر للفكر الإسلامي محمد أركون يوماً ما. والأنكى من ذلك أن أصحابها يريدون تصديرها إلى الشعوب المجاورة؟ ماذا يصدرون؟ هل يصدرون فكر العصور الوسطى وظلامياتها؟ هل يصدرون التخلف الفكري؟ هنا يكمن مقتل الثورة الإيرانية.


فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم

فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم
TT

فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم

فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم

تحمل فيروز معاني كثيرة داخل كل منا، فهي جمال الصوت المبهر وروعة الإحساس وذكريات الصبا ونسمة عذبة باردة تصفع وجوهنا برقة في صباحات رائقة ونحن نحتسي القهوة، لكنها ليست كذلك لدى الروائي السوري نبيل الملحم، إنها بالأساس طريقة لفهم الضوء حين يهبط على البحر، وطريقة لسماع الجبل وهو يتكلم، وطريقة لتصديق أن اللغة تستطيع أن تصبح بيتاً.

في كتابه «السيدة – تمرين على النجاة»، الصادر في نسخة إلكترونية حرة بعيداً عن دور النشر، يتساءل الملحم: هل من مغنية في تاريخ الإنسان تحمل كل هذه الأثقال؟ ويجيب بتأكيد قاطع: نعم، إنها السيدة فيروز، ثم يشرح فكرته مستعيناً بأدوات التشريح الفلسفي والرؤى الشاعرية والتحليل اللغوي والتأملات العميقة التي تمزج بين روح الشعر وبصمة النقد الموسيقي.

يشير الملحم إلى أنه ابن سوريا التي كانت تبحث منذ أزلها، عن نافذة تطل على البحر، فكانت فيروز ذلك البحر، حدث ذلك قبل أن تعرف الحدود السياسية طريقها إلى الأغنيات، حيث كان صوتها يعبرها كما يعبر الضوء زجاج النافذة.

في البيوت السورية، كما في البيوت اللبنانية، لم تكن فيروز ضيفة، كانت من أثاث الصباح، ومن رائحة القهوة، ومن برودة الماء في الجرار، ومن ذلك الحنين الذي يسبق الإنسان حتى قبل أن يعرف كيف يترجم مفردة «حنين» في طوايا نفسه.

يقول: «... كلما سمعت صوتها، شعرت أن المتوسط يغني نفسه، ليس البحر بوصفه ماءً، بل بوصفه ذاكرة، ذلك البحر الذي مر عليه الفينيقيون، والإغريق، والرومان، والعرب، والصليبيون، والعثمانيون، وكل من ظن أنه امتلكه، بينما كان البحر يحتفظ بسره كله في أغنية».

من هنا، يضيف: لم يصنع الرحابنة مدرسة موسيقية فحسب، بل أعادوا اختراع المكان، قبلهم كانت القرية مكاناً جغرافياً، وبعدهم أصبحت حالة روحية. لم تعد «بكفيا» أو «أنطلياس» أو «بشري» أو «زحلة» أو «بحيرية»، مجرد أسماء على الخرائط، صارت استعارات للإنسان نفسه، حتى الذين لم يزوروا لبنان قط، كانوا يعرفونه من خلال موسيقى الأخوين رحباني، كما يعرف المؤمن مدينته المقدسة من كتاب لم يزر أرضه.

ويذكر المؤلف أنه «حين يقول الرحابنة، لا يتحدث عن ملحنين فقط، بل عن فلاسفة أخفوا فلسفتهم داخل الأغنية، كانوا يعرفون أن الأفكار الثقيلة تموت سريعاً، بينما تعيش الفكرة إذا مشت حافية داخل لحن، ثم جاءت اللغة، ذاك الاكتشاف اللبناني العظيم، حين خرجت من المحكية كونها لغة البيوت إلى كونها لغة الشعر، فمن ميشال طراد مروراً بجوزيف حرب، وصولاً إلى طلال حيدر، لم تعد العامية لهجة، بل أصبحت وطناً آخر للقصيدة».

لقد كان هؤلاء، كما يضيف، يكتبون كما لو أنهم ينقذون الكلمات من عزلتها، ويعيدونها إلى فم الأم، وإلى رائحة التراب بعد المطر، وإلى الحجر الذي جلس عليه عاشقان على «صخرة الروشة»، وقد استبدلا بالانتحار العناق بعد أن استبدت بهما الأغنية. كانت فيروز الجسد الموسيقي لتلك اللغة، وبالتالي فإن الكتابة عنها ليست كتابة عن السيدة المطربة، بل عن الحضارة حين تنجو من الخراب.

إنه لهذا بالضبط تتجاوز فيروز التاريخ الرسمي، ذلك الذي يروي أسماء المنتصرين، أما الأغاني، فتروي أسماء الناجين، التاريخ الرسمي يشبه الجنرالات، يمشي وينظر إلى الأمام فقط، أما الثقافة، فإنها تمشي وهي تنظر في كل الاتجاهات، ولعل هذا ما جعل نبيل الملحم يشعر دائماً بأن الرحابنة لم يكونوا يكتبون للبنان وحده، كانوا يكتبون للمشرق الذي لم تستطع السياسة أن تصنعه، وأن هناك فرقاً هائلاً بين أن تؤسس دولة، وأن تؤسس خيالاً... الدولة تحتاج إلى حدود، أما الخيال، فيحتاج إلى نافذة.

الرحابنة فتحوا نافذة، دخل منها السوري، والفلسطيني، والأردني، والعراقي، والمصري، وربما اليوناني أيضاً، دون أن يسأل أحد عن جواز سفره، فهم لا يعترفون بالحدود إلا بوصفها سوء تفاهم مؤقتاً بين البشر.

المدهش أن الملحم كلما فكر في «فيروز»، اكتشف أنه لا يتذكر صوتها أولاً، بل صمتها. قد يبدو هذا تناقضاً، لكنه ليس كذلك، فهناك أصوات تملأ الفراغ، وهناك أصوات تكشفه. الأصوات الأولى تخيف الصمت وتضاده، أما الثانية فتتصالح معه، والفرق الحقيقي بين مغنٍّ عظيم ومغنٍّ خالد، هو أن الأول يملك صوته، أما الثاني فيملكه الصمت الذي يحيط بصوته.

ربما لهذا السبب لم تكن «فيروز» تغني كما يغني الآخرون. كانت تبدو في كثير من الأحيان، كأنها لا تؤدي الأغنية، بل تنصت إليها، بل تتكون في مكان لا تراه العين. لم تكن تفرض صوتها على الكلمات، بل كانت الكلمات هي التي تستدعي ذلك الصوت، كما تستدعي الأرض المطر حين تبلغ عطشها الأخير، ولعل هذه هي أول علامة على أن الفن تجاوز صاحبه، حين يتوقف الفنان عن قيادة العمل، ويصبح العمل هو الذي يقوده.

ويخلص المؤلف في كتابه الشيق قائلاً: «إنه من هذه الزاوية، تبدو (فيروز) أقرب إلى اختراع حضاري منها إلى موهبة فردية، الموهبة تفسر شيئاً واحداً: لماذا استطاعت أن تغني؟ لكنها لا تفسر لماذا أصغى إليها هذا العدد الهائل من البشر، على امتداد أكثر من نصف قرن، من دون أن يملوا؟».

هناك شيء آخر كان يعمل في الخفاء، شيء يتجاوز الصوت، وربما يتجاوز الموسيقى نفسها.

السر لم يكن في الحنجرة، بل في الثقة، ذاك الصوت كان يثق بالعالم، حتى حين كان العالم يفقد ثقته بنفسه، وهذه ليست صفة فنية، إنها صفة أخلاقية، ولهذا بقيت «فيروز» في أكثر اللحظات دموية في المشرق، تبدو وكأنها تتحدث من مكان لم تصله الحرب بعد.

ليس لأنها تجاهلت الحرب، بل لأنها كانت تعرف أن الحروب، مهما طالت، لا تملك المستقبل... الحرب تعيش في الزمن، أما الجمال، فيعيش خارجه، ولعل هذا هو السبب الذي يجعلنا، بعد كل هذه العقود، نتذكر أغنية، وننسى بياناً عسكرياً.


«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ

«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ
TT

«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ

«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ

في المجموعة القصصية «على هامش الحياة» للكاتب مصعب البدور الصادرة عن «الآن ناشرون وموزّعون» بالأردن (2026)، نشهد استحضاراً للذاكرة الجمعية لجيلٍ أردني عاش حياةً بسيطة وقيماً أصيلة تتجسد في التعاون والرضا والقدرة على التكيّف مع قلة الإمكانات.

والقصص الواردة في المجموعة، كما كتب الناشر، «ليست تسجيلاً لأحداثٍ وقعت لأشخاص بعينهم، وإنما هي صور فنية مستوحاة من الواقع الاجتماعي والذاكرة المشترَكة لذلك الجيل، تمتزج فيها الحقيقة بالخيال لتجسّد تحولات الحياة من الماضي البسيط إلى الحاضر المعقّد، وتحافظ على تفاصيل وتجارب إنسانية تثير الحنين وتعبّر عن هوية المجتمع وقيمه».

يرى البدور الحياة بأكملها هي المتن الأساسي، ويعدّ كل القصص الواردة في مجموعته هوامشَ لهذا المتن الكبير، فتلك حكايات «على هامش الحياة»، حكايات أكثر إبانةً وكشفاً عن المكنون والذاكرة والنَّفس. انتظمت المجموعة في تسع حواشٍ، «تتّفق جميعها في التعبير عن ذاكرة الطفولة لجيل كامل».

يربط بين نصوص المجموعة حضور الطفل الذي يكبر جسده في حين تظلّ طفولته حاضرة في ذاكرته، فالخيال الطفولي يتحوّل وسيلةً لمقاومة الفقر والحرمان، ثم ينقلب مع الزمن تأمّلاً في آثار التربية والعائلة والمجتمع على النفس الإنسانية. وتظهر العلاقات الأسرية بوصفها المحور الأكثر تأثيراً؛ فالأب والأم والإخوة هم القوى التي تصنع الشخصية أو تجرحها أو تنقذها.

كما تشترك القصص في إبراز المفارقة بين براءة الطفولة وعنف الواقع، فألعاب الأطفال تتحوّل حروباً، والمنافسة رغبةً في الانتقام، والبرد رمزاً للقسوة، في حين يصبح الدفء رمزاً للأسرة والأمان. وفي المقابل، تحضر لحظات إنسانية مضيئة، مثل التعاون بين الجيران، والتضامن في مواجهة الأزمات، والصداقة العابرة للاختلافات الدينية والاجتماعية.