وصل الرئيس الأفغاني محمد أشرف غني إلى القاعدة العسكرية في مزار شريف بولاية بلخ بالشمال الأفغاني، التي شهدت أكبر حصيلة للقتلى على الإطلاق في صفوف الجيش والقوات الأفغانية، إذا ما صحت الأرقام التي يتحدث بها المسؤلون الأمنيون.
الرئيس غني، وهو محاط بحراسه، تفقد الأضرار الناجمة عن هجوم طالبان المباغت لأكبر قاعدة عسكرية للجيش، تنسق العمليات العسكرية في جميع مناطق الشمال، التي باتت ساحة لتحرك كبير لطالبان و«داعش»، قال في حديث مقتضب إن «هذه العمل الجبان لن يثنينا عن القضاء على الإرهاب والتطرف وتجفيف منابعه»، كما أدى الاحترام لجثامين 30 قتيلا من الجيش سقطوا في الهجوم، لكن - وفق المسؤولين الأفغان وشهود عيان - فإن حصيلة الهجوم الطالباني عالية ومرعبة، حيث تتحدث مصادر في الجيش، لم ترد الكشف عن اسمها، بأن أكثر من 140 قتيلا وعشرات الجرحى، هي الحصيلة المتوقعة لهجوم طالبان الدموي على الجنود أثناء تجمعهم في صالة تناول الطعام وبُعيد خروجهم من صلاة الجمعة، وسط مطالبات تتزايد بإقالات مسؤولين أمنيين كبار في ولاية بلخ.
من جهته، قال ذبيح الله، وهو متدرب في فيلق شاهين الذي استهدفه طالبان وأصيب جراء ثاني عملية انتحارية نفذها أحد المقتحمين للقاعدة، قال إنه «وأثناء خروجه من المسجد شاهد مدرعة عسكرية تتبع للجيش تدخل بوتيرة سريعة إلى القاعدة، ورأى شخصين بزي الجيش يجلسان في الكراسي الأمامية ويحملان أسلحة، بينما يجلس اثنان آخران في خلفية المدرعة، ويلبسان سترات ناسفة». ويضيف أنه صرخ على زملائه بالهرب لأنه يعتقد أنهم انتحاريون، والجنود ليس في حوزتهم السلاح، وتابع بأنه سمع صوت انفجار رهيب، ومن ثم إطلاق نار كثيف في داخل القاعدة، وأنه رأى زملاءه يتساقطون أمام عينيه برصاص المسلحين الذين دخلوا القاعدة بزي الجيش وعلى مدرعات الجيش، وتساءل «كيف يمكن أن تدخل مجموعة كبيرة بأحزمة ناسفة وأسلحة وذخيرة كبيرة إلى القاعدة دون أن يكون هناك تواطؤ ومساعدة من داخل القاعدة العسكرية المحصنة؟»
أما إبراهيم، وهو عضو في مجلس شورى ولاية بلخ، التي تقع في أقصى الشمال الأفغاني، وتعتبر آمنة نسبيا مقارنة مع نظيرتها في الجنوب والشرق الأفغانيين، فقد قال إن حصيلة القتلى في صفوف الجيش الأفغاني جراء هجوم طالبان الدموي، على مقر (فيلق 209 شاهين) في ضواحي مدينة مزار الشريف ارتفع إلى أكثر من 100 قتيل وعشرات الجرحى، كما تحدثت وزارة الدفاع الأفغانية عن مائة قتيل وجريح جراء هجوم طالبان، مشيرة إلى أنهم جميعا من قوات الجيش، وذلك في هجوم نوعي نفذه مسلحو طالبان على القاعدة العسكرية بمزار شريف.
وفي التفاصيل «بدأ الهجوم كالعادة وأسلوب طالبان المتكرر بتفجير سيارة ملغمة عند الباب الرئيس للقاعدة المستهدفة، ومن ثم اقتحمت مجموعة مسلحة كانت تنتظر فتح الباب، حيث اندلعت اشتباكات عنيفة استمرت ساعات عدة بين المهاجمين الذين قدر عددهم بنحو عشرة أفراد مدججين بأسلحة ثقيلة وخفيفة وذخائر كبيرة». وقالت الوزارة في بيان إن «جميع المهاجمين قتلوا في تبادل إطلاق النار من قبل قوات الأمن والجيش، وإن التحقيقات جارية للوقوف على تفاصيل الهجوم وكيفية نجاح المسلحين بدخول القاعدة»، وأضافت الوزارة أن «المسلحين كانوا يرتدون زيا عسكريا». وكان الجنرال دولت وزيري، المتحدث باسم وزارة الدفاع، أكد سابقا مقتل أربعة وخمسين عنصرا من الجيش في هجوم طالبان، مؤكدا أن طالبان تسعى من خلال هذه العمليات إلى التستر على الخسائر التي منيت بها في جبهات القتال في مواجهة الجيش وقوات الأمن الأفغاني. وقال شهود عيان في موقع الهجوم إن «مروحيات الجيش شاركت أيضا في عملية القضاء على المجموعة المسلحة التي اقتحمت القاعدة العسكرية المحصنة». وأن المعركة استمرت أكثر من سبع ساعات حتى تم القضاء على جميع المهاجمين.
أما المتحدث باسم حركة طالبان، ذبيح الله مجاهد، وفي بيان عبر رسالة نصية أرسلها إلى وسائل إعلام محلية وأجنبية في كابل والشمال الأفغاني، أعلن تبني الجماعة المسؤولية عن الهجوم على مقر الجيش في الشمال، وقال في الرسالة إن «مجموعة من كتيبة (انتحاريين) تابعة لجماعة طالبان في الشمال هي من نفذت الهجوم ضد القاعدة»، مضيفا أن أكثر من 500 قتيل وجريح سقطوا في صفوف الجيش، بينهم جنرالات وضباط، كما قال (مجاهد) إن المعلومات تشير إلى وجود قوات أجنبية في القاعدة أيضا. ولاية بلخ التي شهدت مؤخرا تحركا واسعا من قبل طالبان و«داعش» الذي بات يتمدد على حساب طالبان في بعض المناطق بالشمال والشرق شهدت معارك الكر والفر بين القوات الأمنية الرسمية وفلول الجماعات المتشددة، راح ضحيتها عشرات القتلى من الطرفين، وقد تعهد حاكم بلخ ورجل الشمال القوي (عطا محمد نور) عقب هجوم طالبان على المركز الأمني بأن القوات الحكومية مستعدة للرد على أي تهديد أمني تشكّله الجماعات المتطرفة. وقد أصدر أوامره لعناصر الجيش والوحدات المنتشرة في الشمال بالتحرك الفوري للرد على هجوم طالبان والقضاء على ملاذاته الآمنة في ضواحي مدينة بلخ، التي كانت ينظر إليها بصفتها نموذجا في الاستقرار السياسي والأمني على مدى السنوات الماضية.
ويبدو أن حركة طالبان، التي تلقت ضربة موجعة قبل أربعة أيام فقط بسبب مقتل أبرز قيادييها في ولاية باغلان بالشمال، بينهم الحاكم المعيّن من قبل طالبان على الولاية مولوي لعل محمد، حيث أشارت التقارير إلى أن مجموعة القادة الذين قتلوا في هجوم الجيش قبل أيام بولاية باغلان، كانوا مقربين لروسيا، وأنهم كانوا يتلقون الدعم المالي والعسكري من المخابرات الروسية، في مواجهة مقاتلي تنظيم داعش ومن خلال هذا الهجوم أرسلت الحركة رسائل متنوعة إلى عناوين مختلفة مفادها أنها لا تزال قوية، وأنها خرجت من مناطقها التقليدية في الجنوب والشرق، وهي الآن تتوسع في الشمال ولا يمكن الاستهانة بها.
وأرسلت طالبان، رسائل إلى الولايات المتحدة الأميركية أيضا بأنها «لا تزال الطرف القوي والحاضر في الساحة الأفغانية»، لكن مثل هذا الهجوم المعقد والمتكرر في عمليات طالبان، إذا يظهر ضعف الاستخبارات الأفغانية فإنه يشير بوضوح إلى وجود عملاء لطالبان في داخل الأجهزة الأمنية التي تساعد على إنجاح مثل هذه العمليات، يقول الكاتب المحلل الأمني الأفغاني جاويد كوهستاني: إن العدو دائما يستفيد من الثغرات الموجودة في الأجهزة الأمنية، كما أن هناك طابورا خامسا في هذه الأجهزة يساعد المسلحين في الوصول إلى الهدف الذي يتم تعيينه من قبل القيادة المركزية، وهي موجودة خارج البلاد، في إشارة إلى مناطق القبائل في باكستان التي تقول الحكومة الأفغانية إنها تعتبر حديقة خلفية لمقاتلي طالبان.
الهجوم على القاعدة العسكرية في الشمال لا شك سيترك آثارا كبيرة، كما أنه يثير كثيرا من علامات الاستفهام حول قدرة الجيش الأفغاني في حماية نفسه وقيادة العمليات العسكرية ضد مسلحي طالبان. واشنطن أعلنت قبل أيام أنها تعتزم تعزيز قواتها في ولاية هلمند المضطربة في الجنوب بقوة جديدة قوامها 300 جندي في الحرب المتصاعدة ضد طالبان و«داعش»، وفي إطار عملية الدعم والمشورة للقوات الأفغانية. هذا، ولم تتضح بعد ملامح الاستراتيجية الجديدة للرئيس الأميركي دونالد ترمب بخصوص أفغانستان التي تعتبر أطول حرب تخوضها أميركيا خارج حدودها، ومن المتوقع وبعد زيارة مستشار الأمن القومي الأميركي لكابل.
وحيد مجدة، وهو كاتب وصحافي أفغاني ومتخصص في شؤون طالبان، قال إن الهجوم على فيلق (شاهين) في شمال أفغانستان خطط له بعناية كبيرة، حيث استغلت طالبان انشغال الجنود وهم بالمئات في تناول الطعام وأداء صلاة الجمعة؛ لأنهم في هذه الحالة لا يحملون السلاح، كما أن عددا كبيرا يمكن استهدافهم بسهولة، مضيفا إلى أن هناك ضعفا كبيرا في الاستخبارات التابعة للجيش والقوات الأمنية بشكل عام، إضافة إلى عمليات الفساد الواسعة التي تنخر مؤسسات أمنية يستطيع العدو اختراق صفوف الجيش بسهولة.
وبعد الهجوم على القاعدة العسكرية وارتفاع حصيلة القتلى تصاعدت أصوات منتقدة لأداء حكومة الوحدة الوطنية بعد مضي سنتين من عمرها، حيث طالب عدد كبير من المحللين والنشطاء في شبكات التواصل الاجتماعي بمحاسبة المسؤولين الأمنيين، وإقالة وزير الدفاع وجهاز المخابرات ومسؤول القاعدة العسكرية لفشلهم في منع الهجوم، أعضاء في البرلمان طالبوا أيضا بطرد وزير الدفاع، من منصبه لفشله المتكرر في أداء مهامه، وكان الوزير نجح في كسب ثقة البرلمان قبل أسابيع عدة بعد أن استدعي إلى قبة البرلمان عقب الهجوم على أكبر مستشفى عسكري في كابل راح ضحيته عشرات بين قتيل وجريح تبناه تنظيم «داعش».
مطالبات بإقالات مسؤولين أمنيين أفغان كبار بعد هجوم طالبان
الرئيس غني يزور القاعدة العسكرية المنكوبة... وارتفاع عدد القتلى إلى أكثر من 140
تفتيش ركاب وإجراءات أمنية مشددة على الطريق السريع خارج غزني عقب هجوم طالبان على القاعدة العسكرية في مزار شريف ومقتل أكثر من 140 جندياً أول من أمس (إ.ب.أ)
مطالبات بإقالات مسؤولين أمنيين أفغان كبار بعد هجوم طالبان
تفتيش ركاب وإجراءات أمنية مشددة على الطريق السريع خارج غزني عقب هجوم طالبان على القاعدة العسكرية في مزار شريف ومقتل أكثر من 140 جندياً أول من أمس (إ.ب.أ)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
