هل تقف تجارة التجزئة الأميركية على حافة مفترق تاريخي؟

المخازن أصبحت أهم من المتاجر الفخمة في أولويات الشركات والتجار

هل تقف تجارة التجزئة الأميركية على حافة مفترق تاريخي؟
TT

هل تقف تجارة التجزئة الأميركية على حافة مفترق تاريخي؟

هل تقف تجارة التجزئة الأميركية على حافة مفترق تاريخي؟

في ولاية نيويورك الأميركية، وعلى امتداد شوارع سوهو الممهدة بالحصى، تظهر حقائب «شانيل» وسترات «أركتيريكس» في المتاجر على نحو يجعلها تبدو أشبه بمعروضات المتاحف، لتشهد بذلك على ما تشتهر به هذه الضاحية من مواكبة لأحدث خطوط الموضة. ومع ذلك، من اللافت في الوقت الحالي أن عدد المتاجر الخالية داخل المنطقة في تزايد مستمر.
والملاحظ أن بعض أكثر العقارات التي يتهافت عليها تجار التجزئة ليست في سوهو، وإنما على بعد خمسة أميال منها ـ تحديداً ريد هوك، وهو جيب رملي في بروكلين كان معقلاً فيما مضى لصناعة السفن. واليوم، يتصارع التجار المعنيون بالتجارة الإلكترونية على استئجار جزء من المساحات الضخمة التي كانت مخصصة كمخازن من قبل، والتي تمتد على مسافة 11 فدانا، بحيث يتمكنون من توصيل السلع في يوم طلبها عبر الإنترنت.
وتأتي هذه التحولات في إطار عملية إعادة ترتيب عميقة لمشهد التسوق داخل نيويورك، على نحو يعكس إعادة هيكلة واسعة لقطاع بيع التجزئة الأميركي بأكمله.
وقد نجحت العناصر المشاركة في التجارة الإلكترونية، بقيادة شركة «أمازون» العملاقة، في جعل التسوق عبر الإنترنت تجربة بالغة السهولة والسرعة أمام الأفراد، لدرجة خلقت أمام قدرة تجار التجزئة التقليديين، الذين يشعرون بالتقييد بسبب انحسار العقارات وثقافة البيع داخل المتاجر، على المنافسة تحديات كبيرة. ومع هذا، يرى خبراء اقتصاديون وعاملون بمجال بيع التجزئة ومستثمرون بالمجال العقاري أن هذا التحول بدأت وتيرته في التسارع خلال الشهور الأخيرة على وجه الخصوص.
تكشف الأرقام أنه بين عامي 2010 و2014 نمت التجارة الإلكترونية بمتوسط 30 مليار دولار سنوياً. أما على امتداد السنوات الثلاث الماضية، فقد ارتفع معدل النمو السنوي إلى 40 مليار دولار.
عن ذلك، علقت باربرا دنهام، الخبيرة الاقتصادية البارزة لدى «ريس»، وهي شركة معنية بجمع وتحليل البيانات العقارية، بقولها: «هناك تحديداً تكمن نقطة التحول. إن الأمر أشبه بما يعرف باسم (تأثير دوبلر)، ذلك أن التغيير يأتي إليك سريعاً للغاية بدرجة تجعلك تشعر أنه يتسارع».
ونتيجة لهذا التحول، بدأت مراكز التسوق في المناطق الحضرية تخلو شيئا فشيئاً، بينما تواجه أسماء تجارية لامعة وذات تاريخ طويل شبح الإفلاس، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى خسائر هائلة على صعيد الوظائف.
وتكشف الإحصاءات أن مزيدا من العاملين داخل متاجر البيع بوجه عام تعرضوا للتسريح منذ أكتوبر (تشرين الأول) قرابة 89 ألف أميركي. ويفوق هذا العدد جميع من جرى تسريحهم داخل صناعة الفحم الأميركية، والذين تزعم الرئيس دونالد ترمب قضيتهم أثناء حملته الانتخابية باعتبارها نموذجا صارخا على كيفية أن حركة الاقتصاد نحو التعافي تخلف العمال وراء ظهرها.
من ناحية أخرى، من الممكن أن تترك خسائر الوظائف بمجال التجزئة تداعيات اجتماعية وسياسية غير متوقعة، مع فقدان أعداد ضخمة من العاملين منخفضي الأجور بمجال التجزئة الحماية الاقتصادية التي يتمتعون بها، تماماً مثلما حدث مع العاملين بمجال التصنيع خلال العقود الأخيرة. وجدير بالذكر أن واحداً من بين كل 10 أميركيين يعمل بمجال تجارة التجزئة.
من ناحيته، أكد مارك كوهين، المسؤول التنفيذي السابق لدى «سيرز»، والذي يتولى حالياً إدارة دراسات تجارة التجزئة داخل كلية كولومبيا لإدارة الأعمال، أن «ثمة تحولا هائلا بقطاع التجزئة، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى تحول هائل بقطاع التوظيف».
في تلك الأثناء، فإن معدلات إغلاق المتاجر هذا العام في طريقها نحو تجاوز أعداد المتاجر التي أغلقت أبوابها في خضم أزمة الركود العظيم عام 2008. في تلك الفترة الماضية، انحسرت رغبة الأميركيين في الشراء جراء ما عانوه من إجراءات حجز عقاري وخسائر استثمارية.
أما الموجة الحالية من إجراءات غلق المتاجر فتأتي في وقت تقف ثقة المستهلكين عند مستوى قوي وتتسم البطالة بمعدل منخفض، ما يوحي بأن ثمة عملية إعادة هيكلة دائمة تجري في الوقت الراهن، وليس مجرد تراجع في إطار الدورة الطبيعية للنشاط التجاري. باختصار، لن تعرف تجارة التجزئة التقليدية طريقها نحو التعافي مجدداً قط.
ومن المفترض أن عملية إعادة الهيكلة تلك لا تشكل مفاجأة بالنسبة لأولئك الذين شعروا بسعادة لحظية لدى حصولهم على الكتاب الذي طلبوا شراءه في غضون 24 ساعة فقط من صدور أمر الشراء، أو أي شخص عاين مسؤولي المبيعات الذين يبدوا عليهم الإنهاك داخل كثير من المتاجر.
في الواقع، لقد اتسعت المسافة الفاصلة بين تجارة التجزئة في وقتنا الحالي وما كانت عليه خلال عصرها الذهبي في السنوات التالية للحرب العالمية الثانية، على نحو هائل. آنذاك، ساعدت الطرق السريعة الممهدة حديثاً في نقل الناس ذهاباً وإياباً من الضواحي، ما أدى نهاية الأمر إلى ظهور مراكز التسوق - والتي أصبحت أشبه بمبان تذكارية ضخمة ومريحة ومكيفة لتخليد الثقافة الاستهلاكية.
بمرور الوقت، اتسعت مساحة المراكز التجارية لدرجة جعلتها أقرب إلى حجم المدن الصغيرة. على سبيل المثال، فإن «مول أوف أميركا» الذي جرى افتتاحه في مينيسوتا عام 1992 تكفي مساحته الهائلة لاستيعاب تسع نسخ من «استاد يانكي» بداخله.
اللافت أن كثيرا من هذه المراكز الخاصة بالتسوق التجاري بدأت متاجرها تخلو الآن أو يجري تحويلها إلى ساحات انتظار أو معاهد دراسية. عن ذلك، قال بروس باتكين، الرئيس التنفيذي لـ«تيرا كابيتال بارتنرز»، وهي شركة تعمل بالمجال العقاري: «لقد بني قطاع التجزئة مساحات شاسعة للغاية».
وأشار باتكين إلى أنه تلقى طلباً الأسبوع الماضي من صاحب عقار يتطلع نحو إعادة تمويل مركز تسوق تجاري يملكه بالاعتماد على قرض لمدة 10 سنوات. وقال باتكين إنه عجز عن اتخاذ رأي قاطع بشأن هذا الطلب، لأنه من العسير للغاية التوقع بما يمكن أن يحدث للعقار خلال 10 سنوات من الآن.
وأضاف: «الأوضاع تتبدل سريعاً للغاية بقطاع التجزئة، لدرجة أن العام الواحد ربما يشهد تطورات كان من الطبيعي حدوثها على امتداد سنوات كثيرة».
ومع هذا، لا يزال كثير من المستثمرين متمسكين بفكرة إمكانية تحقيق تعايش بين تجارة التجزئة الإلكترونية والمتاجر التقليدية؛ وأن يزدهرا معاً. وقد أعرب تجار التجزئة عن أملهم في أن تنجح متاجرهم، من خلال أساليب العرض المبهرة والخدمة السرعة، في اجتذاب المتسوقين بعيداً عن شاشات الكومبيوترات والأجهزة الذكية. وربما يتمثل الدليل الأقوى على أن تجارة التجزئة التقليدية لا تزال حية، في إقدام «أمازون» على تجريب إدارة متاجر فعلية تتبعها.
بيد أنه على أرض الواقع، أشار بعض العاملين إلى أنهم كثيراً ما يقضون وقتاً في خدمة عميل داخل المتجر، ليفاجأوا به يرحل نهاية الأمر ويطلب شراء ما يرغبه عبر الإنترنت. وغالباً ما يتسبب مثل هذا الإجراء في أضرار مالية للبائعين، ذلك أن كثيرين منهم يعتمد على العمولات والتي لا يتقاضاها إلا عن المبيعات التي ينجزونها بصورة شخصية داخل المتجر.
داخل «بلومينغديل»، فإن الموظفين الذين هم أيضاً أعضاء باتحاد عاملي متاجر التجزئة والجملة، يرون ضرورة أن تعمل الشركة على تطوير أسلوب مكافأة العاملين عن معاونتهم في إنجاز صفقات بيع عبر الإنترنت ـ مثل مساعدتهم العملاء على اختيار سلع داخل المتجر طلبوا شراءها عبر الإنترنت.
وقال رئيس الاتحاد، ستيوارت آبلبوم: «بطبيعة الحال، ترغب الشركة في ضمان معايشة العميل لتجربة تسوق تخلق داخله الرغبة في القدوم إلى المتجر، الأمر الذي يتطلب فريق عمل لديه حافز كبير».
في المقابل، أعلنت متحدثة رسمية باسم «بلومينغديل» أن الشركة تتفاوض مع الاتحاد حول إبرام تعاقد جديد وتتخذ خطوات نحو الاستثمار في قوة العمل لديها.
جدير بالذكر أن صناعة التجزئة دائماً ما مرت بفترات صعود وهبوط، وينتقل العاملون باستمرار من متجر لآخر، مع تساقط صيحات وأسماء تجارية وظهور أخرى. ومع ذلك، فإنه حتى بالنسبة لكثير من العاملين المخضرمين بمجال تجارة التجزئة، المعتادين على خسارة وظائفهم تبعاً لتغير المواسم، تبدو فترة الانحسار الحالية غريبة عن المعتاد.
من بين هؤلاء، هيلدا أور، 27 عاماً، التي خسرت عملها بأحد متاجر ساكس فيفث أفنيو في لور مانهاتن الشهر الماضي. وبعد تنقلها بين عدة متاجر لبيع الملابس، قالت إن الكيل فاض بها الآن وتبحث حالياً عن مجال عمل مختلف تماماً.
وقالت أور التي كانت تتقاضى 16 دولاراً في الساعة: «أعشق حقاً معاونة العملاء على خلق أسلوب جديد في الملبس، لكن لم يعد لدي شعور بالأمان الوظيفي».
من ناحية أخرى، يرى فريق من الخبراء الاقتصاديين أن ما يجري حالياً يعكس الصورة التي من المفترض أن تعمل بها السوق، فبعد الركود كانت الوظائف بمجال التجزئة واحدة من المحركات القوية باتجاه التعافي الاقتصادي، لكن نظراً لأن الاقتصاد أصبح أقوى الآن، فإن عمال التجزئة ينبغي نظرياً الدفع بهم نحو وظائف ربما توفر أجورا أعلى وفرصا أكبر لتكوين ثروة.
وعن هذا، قال مارك زاندي، الخبير الاقتصادي البارز لدى «موديز أناليتيكس»: «يمكن النظر إلى هذا الوضع باعتباره الصورة المثالية للدمار الخلاق، فنحن نعمد إلى تقليص قطاع غير تنافسي من الاقتصاد. ورغم أن هذا الأمر مؤلم لمن يعايشونه، فإن هذا هو السبيل الذي من خلاله نحقق النمو ونبني الثروة».
إلا أن كوهين، من جامعة كولومبيا، حذر من أن تدمير صناعة بأكملها لن يكون بالأمر الهين، مضيفاً أن «هذه أزمة قائمة، وبدأت في التكشف منذ عامين مع الإعلان عن إغلاق متاجر. إن الناس يفقدون وظائفهم وليس أمامهم بديل يلجأون إليه».

* خدمة «نيويورك تايمز»



رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
TT

رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)

«أصبح ذهابنا للعمل خسارة علينا»... كلمات صدرت من المصري أحمد فاروق، وهو يتأمل تذكرة القطار التي قطعها صبيحة الاثنين، مُعلقاً على قيمتها الجديدة، مع تطبيق الزيادات على أسعار التذاكر.

وبدأت الحكومة المصرية، الجمعة الماضي، تطبيق زيادات على أسعار تذاكر القطارات و«مترو أنفاق القاهرة»، على خلفية ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، وذلك بعد أقل من أسبوعين على تطبيق زيادات على أسعار المحروقات تتجاوز 30 في المائة.

وأضاف فاروق، وهو موظف بإحدى شركات الإنشاءات بالقاهرة، يقطع يومياً مسافة 60 كيلومتراً من مدينة قويسنا بمحافظة المنوفية (دلتا النيل) وصولاً إلى عمله بالقاهرة، ومثلها في رحلة العودة، لـ«الشرق الأوسط»: «رحلتي تبدأ بالقطار ثم مترو الأنفاق... (الآن) أصبحت مطالباً بدفع 24 جنيهاً إضافية يومياً، بعد زيادة تذاكر الوسيلتين، أي ما يزيد على 700 جنيه شهرياً (الدولار تجاوز 54 جنيهاً)». وتابع متسائلاً: «ما يشغلني في ظل ثبات الراتب... هل أقتطع هذه الزيادة من ميزانية احتياجات المنزل أم الدروس الخصوصية للأبناء؟».

يعكس التساؤل حال آلاف المصريين من قاطني الأقاليم الذين تستقبلهم القاهرة صباح كل يوم، ويعتمدون على شبكة النقل العام من قطارات ومترو الأنفاق للوصول إلى عملهم. وفي ظل زيادة قيمة تذاكر القطارات و«المترو» وكذلك وسائل المواصلات المختلفة، تحولت رحلة العمل اليومية إلى عبء مالي جديد يرهق هذه الأسر.

وزادت أسعار تذاكر القطارات في المسافات القصيرة بنسبة 25 في المائة، و12.5 في المائة للمسافات الطويلة، بينما زادت أسعار تذاكر «المترو» بنسبة 20 في المائة مع تثبيت أسعار المسافات الطويلة.

ووفقاً لهذه الزيادة، يبيّن الأربعيني فاروق أن «قيمة تذكرة القطار الروسي المكيف زادت من 30 جنيهاً إلى 40 جنيهاً»، وزادت قيمة تذكرة «المترو» من 10 جنيهات لـ12 جنيهاً، مما جعل «رحلة العمل» تمثل له حيرة في تدبير نفقاتها.

مصري يطالع القيمة الجديدة لتذاكر «مترو الأنفاق» عقب قرار زيادتها (الشرق الأوسط)

الخبير الاقتصادي والمالي، الدكتور ياسر حسين، أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن زيادة أسعار تذاكر المترو والقطارات تمثل عبئاً إضافياً ثقيلاً على الأسر المصرية، فهذه الزيادات تضع الأسر أمام خيارات صعبة، إذ تضطر لتقليص إنفاقها على بنود أخرى؛ مثل التعليم والصحة، كما تلاشت البنود الترفيهية تقريباً من حسابات كثيرين لأجل تغطية تكاليف المواصلات، لأن الوصول إلى العمل بند إجباري لا يمكن الاستغناء عنه.

وأضاف: «تنفق الأسر ما بين 10 و20 في المائة من دخلها الشهري على التنقل، وهو رقم كبير إذا وضعناه بجانب بنود الإنفاق الأساسية الأخرى مثل الغذاء والسكن والتعليم». وأشار إلى أن «رحلة العمل اليومية لا تقتصر على التنقل بـ(مترو الأنفاق) أو القطار فقط؛ بل تتضمن وسائل مواصلات إضافية فرعية، ما يضاعف التكلفة النهائية للتنقل، ويضغط على ميزانية الأسر».

وداخل القطار، تجاذب فاروق وجيرانه من الركاب الحديث عن إرهاق «ثمن المشوار اليومي»، وطرق مواكبة «سرعة» تكاليف المعيشة، وكيفية التعامل مع «فاتورة الوصول» الجديدة بحساب الخسائر والبدائل.

وقال رمزي نبيل، الذي يقطن بمدينة طنطا في محافظة الغربية (دلتا مصر)، ويعمل في أحد محال المستلزمات الطبية بالقاهرة: «لم نفق بعد من صدمة تحريك أسعار المحروقات التي رفعت أجرة المواصلات العامة، حتى فوجئنا بزيادة تذاكر القطارات والمترو... بالفعل أفكر في ترك العمل بالقاهرة، فقيمة التذاكر الجديدة سوف تستنزف جزءاً لا يُستهان به من الدخل».

تذاكر القطارات في مصر زادت بنسب تتراوح بين 12.5 و25 في المائة (الشرق الأوسط)

وتعدّ القاهرة أكثر المحافظات جذباً للسكان، نظراً لفرص العمل ومراكز التعليم والخدمات، ويتجاوز عدد سكانها 11 مليون نسمة، ويتردد عليها يومياً عدد يقارب ذلك الرقم، وفق تصريحات سابقة لمحافظ القاهرة، إبراهيم صابر.

ويبيّن حسين أن زيادة أسعار تذاكر القطارات تضع سكان الضواحي والأقاليم في موقف بالغ الصعوبة، إذ يعتمد هؤلاء بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار العمل في القاهرة. ويتابع: «حتى بعد الزيادة، لن يتوقف هؤلاء عن ركوب القطار، والنتيجة أن الأسر ستتحمل عبئاً مالياً إضافياً، وسيسعى العمال إلى التفاوض مع أصحاب الأعمال لزيادة الأجور بدعوى ارتفاع تكاليف المواصلات، وهذه المطالب ستنعكس بدورها على أصحاب الأعمال الذين سيضطرون لرفع أسعار بعض السلع لتعويض زيادة بند الأجور، وبالتالي رفع تذكرة القطار لا يتوقف عند جيوب الركاب فقط؛ بل يؤدي إلى حلقة جديدة من التضخم».

وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي، 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

سكان الأقاليم يعتمدون بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار عملهم بالقاهرة (الشرق الأوسط)

وفي قطارات المترو، التي تنقل الملايين يومياً، انشغل الركاب بحساب قيمة فاتورة الركوب اليومية. وبالنسبة للعشرينية سارة أيمن، التي تُدرّس اللغة الألمانية بأحد مراكز اللغات الخاصة، فإن ميزانيتها المحدودة باتت أمام اختبار صعب مع زيادة قيمة التذكرة. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أعتبر (المترو) الوسيلة الأرخص والأسرع؛ لكن مع الزيادات الأخيرة، بدأت أفكر في المطالبة بتقليل أيام ذهابي لـ(المركز) أو الاتجاه للتدريس (أون لاين)، فكل جنيه إضافي في المواصلات يعني استقطاعاً من الراتب البسيط».

الخبيرة الاجتماعية والأسرية، داليا الحزاوي، تؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ظل اعتماد شريحة واسعة من المواطنين، لا سيما محدودي ومتوسطي الدخل على وسائل المواصلات المختلفة بشكل يومي، سواء في الانتقال إلى أماكن العمل أو في تنقل الأبناء إلى المدارس والجامعات، أصبحت هذه الأسر تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة، خصوصاً في الحالات التي يضطر فيها رب الأسرة لقطع مسافات طويلة للوصول إلى مقر عمله، أو عندما يلتحق الأبناء بمؤسسات تعليمية بعيدة عن محل السكن». وتشير إلى أن «هذه الزيادات الأخيرة قد تدفع إلى لجوء بعض الطلاب للغياب توفيراً للنفقات، أو يضطر رب الأسرة لترك عمله لبعده عن مكان إقامته والبحث عن فرصة عمل جديدة، مما يزيد القلق والتوتر، ويؤثر بالسلب على الاستقرار الأسري».


مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
TT

مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)

ارتفع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الجنيه خلال تعاملات، الاثنين، بشكل قياسي في مصر. وأظهرت شاشات التداول تحركاً صعودياً جديداً للعملة الأميركية في عدد من البنوك الكبرى، لتتخطى حاجز 54 جنيهاً للمرة الأولى، وسط تباين بين خبراء الاقتصاد حول عودة «السوق السوداء» مجدداً.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط متهمين بإخفاء عملات أجنبية. وقالت في بيان، الاثنين، إنه «استمراراً للضربات الأمنية ضد جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات عن طريق إخفائها عن التداول والاتجار بها خارج نطاق السوق المصرفية، تم ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية بقيمة 9 ملايين جنيه خلال 24 ساعة».

وواصل الدولار ارتفاعه مقابل العملة المصرية خلال الأسبوع الحالي، وكان الجنيه قد اختتم عام 2025 بأداء قوي، فيما يتزايد اهتمام المواطنين بمتابعة سعر الدولار بشكل يومي، نظراً إلى ارتباطه المباشر بأسعار السلع والخدمات خاصة المستوردة منها، وسط مخاوف من «عودة السوق السوداء».

وكانت مصر قد شهدت أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار و«السوق السوداء» التي جاوز فيها الدولار آنذاك 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«تعويم الجنيه»، ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 50 جنيهاً.

ويرى أستاذ الاقتصاد، الدكتور محمد علي إبراهيم، أن «أزمة الحرب الحالية قد تفتح الباب مجدداً لعودة (السوق السوداء)». وعزز رأيه بالقول إن «الطلب سوف يزداد على الدولار بغرض الاكتناز واعتباره (ملاذاً آمناً)، وهذا الطلب المتزايد على العملة الأميركية سوف يدفع إلى وجود (سوق سوداء)، خصوصاً في ظل تراجع إيرادات قناة السويس، والسياحة، وتأثر تحويلات المصريين العاملين في الخارج».

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

لكن إبراهيم يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة أكبر من عودة (السوق السوداء) للعملة، وتتمثل في الخطوات المقبلة خصوصاً مع استمرار أمد الحرب الإيرانية وتداعياتها، فالدولار عالمياً يرتفع على حساب كل العملات الآسيوية، والاقتصاد المصري مرهون بالدولار، لذا حدث ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد». ويوضح أن «هذا المشهد يعيدنا إلى (المربع صفر)، وسيدفع إلى ضغوط تضخمية كبيرة على الاقتصاد القومي»، وفق قوله. ويضيف أن «جميع الجهود التي تمت خلال الفترة الماضية من أجل الحد من التضخم قد تأثرت الآن، والأخطر هو الذهاب إلى ركود تضخمي».

وتشهد مصر موجات مرتفعة من التضخم وسط توقعات أن يشهد معدله في مارس (آذار) الحالي ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالشهور الماضية. وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

لكن الخبير الاقتصادي، الدكتور وليد جاب الله، يرى أن «الارتفاع القياسي للدولار ليس مؤشراً على عودة (السوق السوداء)». ودلل على ذلك بقوله إن «البنوك توفر الدولار وتقدم سعر صرف مرناً، وتوفر الاحتياجات المطلوبة من الدولار، لذا لا توجد (سوق سوداء)».

ويوضح أن «عودة (السوق السوداء) تكون مرتبطة بعدم وجود إتاحة للدولار في البنوك، وعدم الإتاحة يحدث عند استنفاد الاحتياطي بإتاحات من الاحتياطي وليست بإتاحات من البنوك نفسها». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الجنيه يشهد انخفاضات يومية، فماذا سيحدث له أقل من ذلك في (السوق السوداء)؟». ويلفت إلى أن «سعر الدولار مقابل الجنيه صعد من 46 إلى 54 جنيهاً للدولار الواحد، وهذا الرقم لو كان في (السوق السوداء) فلن يصل إليه»، على حد قوله.

رئيس الوزراء المصري خلال لقاء سابق مع مديرة صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

ووفق الإعلامي المصري، عمرو أديب، فإن «بعض التجار في السوق المحلية يتعاملون بحساسية شديدة مع تطورات سعر الدولار». وأشار خلال برنامجه التلفزيوني، مساء السبت الماضي، إلى أن «بعض التجار يحسبون سعر الدولار عند مستويات تصل إلى 60 و70 جنيهاً، وهو ما ينعكس في النهاية على المواطن المصري».

وتنفّذ الحكومة المصرية برنامجاً اقتصادياً مع صندوق النقد الدولي، منذ مارس 2024، بقيمة 8 مليارات دولار، وتلتزم فيه القاهرة بتحرير سعر صرف الجنيه وفق آليات السوق (العرض والطلب)، بخفض دعم الوقود والكهرباء وسلع أولية أخرى، مما دفع إلى موجة غلاء يشكو منها مصريون.

وحدّد الصندوق موعد المراجعة السابعة لبرنامج التسهيل الممدد لمصر في 15 يونيو (حزيران) المقبل، تمهيداً لصرف 1.65 مليار دولار، فيما ستُعقد المراجعة الثامنة الأخيرة في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تمهيداً لصرف شريحة مماثلة قيمتها 1.65 مليار دولار.

ويرى جاب الله أن «استمرار أمد الحرب الإيرانية سوف يدفع إلى ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد»، مشيراً إلى أن «مصر من جانبها رشّدت إنفاقها، وقللت دوام العمل في الأسبوع، وجميع هذه الإجراءات تقلل الخطر، لكن الخطر لا يزال قائماً».

وأعلنت الحكومة المصرية أخيراً إجراءات لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، و«الإغلاق المبكر» للمحال التجارية، وتخفيض استهلاك الكهرباء في الشوارع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)

حذر صندوق النقد الدولي، يوم الاثنين، من أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطراب خطير لاقتصادات دول المواجهة، وتُلقي بظلالها على آفاق العديد من الاقتصادات التي بدأت للتو في التعافي من أزمات سابقة.

وفي مدونة نشرها كبار خبراء الاقتصاد في الصندوق، قال صندوق النقد الدولي إن الحرب التي شنتها الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) تسببت في صدمة عالمية، لكنها غير متكافئة، وأدت إلى تشديد الأوضاع المالية.

حسب الصندوق، تسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز وتضرر البنية التحتية الإقليمية في أكبر اضطراب تشهده سوق النفط العالمية في التاريخ. وسيتوقف الكثير على مدة الحرب، ومدى اتساع رقعة انتشارها، وحجم الأضرار التي ستلحقها بالبنية التحتية وسلاسل الإمداد.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن الدول منخفضة الدخل معرضة بشكل خاص لخطر انعدام الأمن الغذائي، نظراً لارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة، وقد تحتاج إلى مزيد من الدعم الخارجي في وقت تُقلّص فيه العديد من الاقتصادات المتقدمة مساعداتها الدولية.

وكتب الاقتصاديون: «على الرغم من أن الحرب قد تُؤثر على الاقتصاد العالمي بطرق مختلفة، فإن جميع الطرق تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو».

وأعلن صندوق النقد الدولي أنه سيصدر تقييماً أكثر شمولاً في تقريره «آفاق الاقتصاد العالمي»، المقرر نشره في 14 أبريل (نيسان)، خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن.

وأشار الباحثون إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء سيؤدي إلى تفاقم التضخم عالمياً، مُلاحظين أن الارتفاعات المُستمرة في أسعار النفط تاريخياً تميل إلى رفع التضخم وخفض النمو. وأضافوا أن الحرب قد تُؤجج أيضاً التوقعات باستمرار ارتفاع التضخم لفترة أطول، ما قد يُترجم إلى ارتفاع الأجور والأسعار، ويُصعّب احتواء الصدمة دون تباطؤ حاد في النمو.