هل تقف تجارة التجزئة الأميركية على حافة مفترق تاريخي؟

المخازن أصبحت أهم من المتاجر الفخمة في أولويات الشركات والتجار

هل تقف تجارة التجزئة الأميركية على حافة مفترق تاريخي؟
TT

هل تقف تجارة التجزئة الأميركية على حافة مفترق تاريخي؟

هل تقف تجارة التجزئة الأميركية على حافة مفترق تاريخي؟

في ولاية نيويورك الأميركية، وعلى امتداد شوارع سوهو الممهدة بالحصى، تظهر حقائب «شانيل» وسترات «أركتيريكس» في المتاجر على نحو يجعلها تبدو أشبه بمعروضات المتاحف، لتشهد بذلك على ما تشتهر به هذه الضاحية من مواكبة لأحدث خطوط الموضة. ومع ذلك، من اللافت في الوقت الحالي أن عدد المتاجر الخالية داخل المنطقة في تزايد مستمر.
والملاحظ أن بعض أكثر العقارات التي يتهافت عليها تجار التجزئة ليست في سوهو، وإنما على بعد خمسة أميال منها ـ تحديداً ريد هوك، وهو جيب رملي في بروكلين كان معقلاً فيما مضى لصناعة السفن. واليوم، يتصارع التجار المعنيون بالتجارة الإلكترونية على استئجار جزء من المساحات الضخمة التي كانت مخصصة كمخازن من قبل، والتي تمتد على مسافة 11 فدانا، بحيث يتمكنون من توصيل السلع في يوم طلبها عبر الإنترنت.
وتأتي هذه التحولات في إطار عملية إعادة ترتيب عميقة لمشهد التسوق داخل نيويورك، على نحو يعكس إعادة هيكلة واسعة لقطاع بيع التجزئة الأميركي بأكمله.
وقد نجحت العناصر المشاركة في التجارة الإلكترونية، بقيادة شركة «أمازون» العملاقة، في جعل التسوق عبر الإنترنت تجربة بالغة السهولة والسرعة أمام الأفراد، لدرجة خلقت أمام قدرة تجار التجزئة التقليديين، الذين يشعرون بالتقييد بسبب انحسار العقارات وثقافة البيع داخل المتاجر، على المنافسة تحديات كبيرة. ومع هذا، يرى خبراء اقتصاديون وعاملون بمجال بيع التجزئة ومستثمرون بالمجال العقاري أن هذا التحول بدأت وتيرته في التسارع خلال الشهور الأخيرة على وجه الخصوص.
تكشف الأرقام أنه بين عامي 2010 و2014 نمت التجارة الإلكترونية بمتوسط 30 مليار دولار سنوياً. أما على امتداد السنوات الثلاث الماضية، فقد ارتفع معدل النمو السنوي إلى 40 مليار دولار.
عن ذلك، علقت باربرا دنهام، الخبيرة الاقتصادية البارزة لدى «ريس»، وهي شركة معنية بجمع وتحليل البيانات العقارية، بقولها: «هناك تحديداً تكمن نقطة التحول. إن الأمر أشبه بما يعرف باسم (تأثير دوبلر)، ذلك أن التغيير يأتي إليك سريعاً للغاية بدرجة تجعلك تشعر أنه يتسارع».
ونتيجة لهذا التحول، بدأت مراكز التسوق في المناطق الحضرية تخلو شيئا فشيئاً، بينما تواجه أسماء تجارية لامعة وذات تاريخ طويل شبح الإفلاس، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى خسائر هائلة على صعيد الوظائف.
وتكشف الإحصاءات أن مزيدا من العاملين داخل متاجر البيع بوجه عام تعرضوا للتسريح منذ أكتوبر (تشرين الأول) قرابة 89 ألف أميركي. ويفوق هذا العدد جميع من جرى تسريحهم داخل صناعة الفحم الأميركية، والذين تزعم الرئيس دونالد ترمب قضيتهم أثناء حملته الانتخابية باعتبارها نموذجا صارخا على كيفية أن حركة الاقتصاد نحو التعافي تخلف العمال وراء ظهرها.
من ناحية أخرى، من الممكن أن تترك خسائر الوظائف بمجال التجزئة تداعيات اجتماعية وسياسية غير متوقعة، مع فقدان أعداد ضخمة من العاملين منخفضي الأجور بمجال التجزئة الحماية الاقتصادية التي يتمتعون بها، تماماً مثلما حدث مع العاملين بمجال التصنيع خلال العقود الأخيرة. وجدير بالذكر أن واحداً من بين كل 10 أميركيين يعمل بمجال تجارة التجزئة.
من ناحيته، أكد مارك كوهين، المسؤول التنفيذي السابق لدى «سيرز»، والذي يتولى حالياً إدارة دراسات تجارة التجزئة داخل كلية كولومبيا لإدارة الأعمال، أن «ثمة تحولا هائلا بقطاع التجزئة، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى تحول هائل بقطاع التوظيف».
في تلك الأثناء، فإن معدلات إغلاق المتاجر هذا العام في طريقها نحو تجاوز أعداد المتاجر التي أغلقت أبوابها في خضم أزمة الركود العظيم عام 2008. في تلك الفترة الماضية، انحسرت رغبة الأميركيين في الشراء جراء ما عانوه من إجراءات حجز عقاري وخسائر استثمارية.
أما الموجة الحالية من إجراءات غلق المتاجر فتأتي في وقت تقف ثقة المستهلكين عند مستوى قوي وتتسم البطالة بمعدل منخفض، ما يوحي بأن ثمة عملية إعادة هيكلة دائمة تجري في الوقت الراهن، وليس مجرد تراجع في إطار الدورة الطبيعية للنشاط التجاري. باختصار، لن تعرف تجارة التجزئة التقليدية طريقها نحو التعافي مجدداً قط.
ومن المفترض أن عملية إعادة الهيكلة تلك لا تشكل مفاجأة بالنسبة لأولئك الذين شعروا بسعادة لحظية لدى حصولهم على الكتاب الذي طلبوا شراءه في غضون 24 ساعة فقط من صدور أمر الشراء، أو أي شخص عاين مسؤولي المبيعات الذين يبدوا عليهم الإنهاك داخل كثير من المتاجر.
في الواقع، لقد اتسعت المسافة الفاصلة بين تجارة التجزئة في وقتنا الحالي وما كانت عليه خلال عصرها الذهبي في السنوات التالية للحرب العالمية الثانية، على نحو هائل. آنذاك، ساعدت الطرق السريعة الممهدة حديثاً في نقل الناس ذهاباً وإياباً من الضواحي، ما أدى نهاية الأمر إلى ظهور مراكز التسوق - والتي أصبحت أشبه بمبان تذكارية ضخمة ومريحة ومكيفة لتخليد الثقافة الاستهلاكية.
بمرور الوقت، اتسعت مساحة المراكز التجارية لدرجة جعلتها أقرب إلى حجم المدن الصغيرة. على سبيل المثال، فإن «مول أوف أميركا» الذي جرى افتتاحه في مينيسوتا عام 1992 تكفي مساحته الهائلة لاستيعاب تسع نسخ من «استاد يانكي» بداخله.
اللافت أن كثيرا من هذه المراكز الخاصة بالتسوق التجاري بدأت متاجرها تخلو الآن أو يجري تحويلها إلى ساحات انتظار أو معاهد دراسية. عن ذلك، قال بروس باتكين، الرئيس التنفيذي لـ«تيرا كابيتال بارتنرز»، وهي شركة تعمل بالمجال العقاري: «لقد بني قطاع التجزئة مساحات شاسعة للغاية».
وأشار باتكين إلى أنه تلقى طلباً الأسبوع الماضي من صاحب عقار يتطلع نحو إعادة تمويل مركز تسوق تجاري يملكه بالاعتماد على قرض لمدة 10 سنوات. وقال باتكين إنه عجز عن اتخاذ رأي قاطع بشأن هذا الطلب، لأنه من العسير للغاية التوقع بما يمكن أن يحدث للعقار خلال 10 سنوات من الآن.
وأضاف: «الأوضاع تتبدل سريعاً للغاية بقطاع التجزئة، لدرجة أن العام الواحد ربما يشهد تطورات كان من الطبيعي حدوثها على امتداد سنوات كثيرة».
ومع هذا، لا يزال كثير من المستثمرين متمسكين بفكرة إمكانية تحقيق تعايش بين تجارة التجزئة الإلكترونية والمتاجر التقليدية؛ وأن يزدهرا معاً. وقد أعرب تجار التجزئة عن أملهم في أن تنجح متاجرهم، من خلال أساليب العرض المبهرة والخدمة السرعة، في اجتذاب المتسوقين بعيداً عن شاشات الكومبيوترات والأجهزة الذكية. وربما يتمثل الدليل الأقوى على أن تجارة التجزئة التقليدية لا تزال حية، في إقدام «أمازون» على تجريب إدارة متاجر فعلية تتبعها.
بيد أنه على أرض الواقع، أشار بعض العاملين إلى أنهم كثيراً ما يقضون وقتاً في خدمة عميل داخل المتجر، ليفاجأوا به يرحل نهاية الأمر ويطلب شراء ما يرغبه عبر الإنترنت. وغالباً ما يتسبب مثل هذا الإجراء في أضرار مالية للبائعين، ذلك أن كثيرين منهم يعتمد على العمولات والتي لا يتقاضاها إلا عن المبيعات التي ينجزونها بصورة شخصية داخل المتجر.
داخل «بلومينغديل»، فإن الموظفين الذين هم أيضاً أعضاء باتحاد عاملي متاجر التجزئة والجملة، يرون ضرورة أن تعمل الشركة على تطوير أسلوب مكافأة العاملين عن معاونتهم في إنجاز صفقات بيع عبر الإنترنت ـ مثل مساعدتهم العملاء على اختيار سلع داخل المتجر طلبوا شراءها عبر الإنترنت.
وقال رئيس الاتحاد، ستيوارت آبلبوم: «بطبيعة الحال، ترغب الشركة في ضمان معايشة العميل لتجربة تسوق تخلق داخله الرغبة في القدوم إلى المتجر، الأمر الذي يتطلب فريق عمل لديه حافز كبير».
في المقابل، أعلنت متحدثة رسمية باسم «بلومينغديل» أن الشركة تتفاوض مع الاتحاد حول إبرام تعاقد جديد وتتخذ خطوات نحو الاستثمار في قوة العمل لديها.
جدير بالذكر أن صناعة التجزئة دائماً ما مرت بفترات صعود وهبوط، وينتقل العاملون باستمرار من متجر لآخر، مع تساقط صيحات وأسماء تجارية وظهور أخرى. ومع ذلك، فإنه حتى بالنسبة لكثير من العاملين المخضرمين بمجال تجارة التجزئة، المعتادين على خسارة وظائفهم تبعاً لتغير المواسم، تبدو فترة الانحسار الحالية غريبة عن المعتاد.
من بين هؤلاء، هيلدا أور، 27 عاماً، التي خسرت عملها بأحد متاجر ساكس فيفث أفنيو في لور مانهاتن الشهر الماضي. وبعد تنقلها بين عدة متاجر لبيع الملابس، قالت إن الكيل فاض بها الآن وتبحث حالياً عن مجال عمل مختلف تماماً.
وقالت أور التي كانت تتقاضى 16 دولاراً في الساعة: «أعشق حقاً معاونة العملاء على خلق أسلوب جديد في الملبس، لكن لم يعد لدي شعور بالأمان الوظيفي».
من ناحية أخرى، يرى فريق من الخبراء الاقتصاديين أن ما يجري حالياً يعكس الصورة التي من المفترض أن تعمل بها السوق، فبعد الركود كانت الوظائف بمجال التجزئة واحدة من المحركات القوية باتجاه التعافي الاقتصادي، لكن نظراً لأن الاقتصاد أصبح أقوى الآن، فإن عمال التجزئة ينبغي نظرياً الدفع بهم نحو وظائف ربما توفر أجورا أعلى وفرصا أكبر لتكوين ثروة.
وعن هذا، قال مارك زاندي، الخبير الاقتصادي البارز لدى «موديز أناليتيكس»: «يمكن النظر إلى هذا الوضع باعتباره الصورة المثالية للدمار الخلاق، فنحن نعمد إلى تقليص قطاع غير تنافسي من الاقتصاد. ورغم أن هذا الأمر مؤلم لمن يعايشونه، فإن هذا هو السبيل الذي من خلاله نحقق النمو ونبني الثروة».
إلا أن كوهين، من جامعة كولومبيا، حذر من أن تدمير صناعة بأكملها لن يكون بالأمر الهين، مضيفاً أن «هذه أزمة قائمة، وبدأت في التكشف منذ عامين مع الإعلان عن إغلاق متاجر. إن الناس يفقدون وظائفهم وليس أمامهم بديل يلجأون إليه».

* خدمة «نيويورك تايمز»



استئناف تصدير النفط من كركوك عبر خط الأنابيب العراقية - التركية

حقل نفط «الزبير» بالقرب من مدينة البصرة العراقية (رويترز)
حقل نفط «الزبير» بالقرب من مدينة البصرة العراقية (رويترز)
TT

استئناف تصدير النفط من كركوك عبر خط الأنابيب العراقية - التركية

حقل نفط «الزبير» بالقرب من مدينة البصرة العراقية (رويترز)
حقل نفط «الزبير» بالقرب من مدينة البصرة العراقية (رويترز)

قال مدير عام شركة تسويق المنتجات النفطية (سومو) العراقية، الاثنين، إنه تم استئناف تصدير النفط من حقول كركوك عبر خط الأنابيب العراقي - التركي إلى ميناء «جيهان» وكذلك عبر الطرق البرية.

وأضافت الشركة: «ندرس العروض المقدمة من بعض شركات النقل البحرية المحلية والعالمية لنقل النفط عبر المنافذ الحدودية الجنوبية».

ودعت الشركة وزارة النفط العراقية، إلى ضرورة تكثيف الجهود لغرض تصدير النفط والمنتجات النفطية.


ممرات عربية بديلة لإنهاء تحكّم إيران بسلاسل الإمداد العالمية

صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)
صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)
TT

ممرات عربية بديلة لإنهاء تحكّم إيران بسلاسل الإمداد العالمية

صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)
صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)

في خضم التحولات الجيوسياسية التي تعصف بممرات الطاقة العالمية، طُرحت رؤية اقتصادية سورية طموحة تتقاطع مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030»؛ لإنهاء عقود من الارتهان لمضيق هرمز.

وتطرح مبادرة (4+1)، التي كشف عنها مستشار وزارة الاقتصاد والصناعة السورية أسامة قاضي لـ«الشرق الأوسط»، خريطة طريق تجمع بين إنشاء شبكة قطارات سريعة حديثة وإعادة إحياء أنابيب النفط (التابلاين) التاريخي؛ بهدف تحويل الجغرافيا السورية والسعودية منصةً لوجيستيةً عالمية تربط ثلاث قارات.

وتستهدف هذه المبادرة الاستراتيجية، التي تأتي في توقيت بالغ الحساسية، تأمين تدفق نحو 7 ملايين برميل نفط يومياً بعيداً عن التهديدات الإيرانية، وضمان استقرار أسواق الغذاء والطاقة عالمياً.

وتهدف المشاريع المطروحة إلى كسر حلقة «الابتزاز الجيوسياسي» المرتبط بمرور أكثر من 20 في المائة من إمدادات الطاقة العالمية عبر مضيق هرمز، من خلال إيجاد ممرات برية آمنة ومستقرة تخفض تكاليف النقل وتعزز أمن الإمدادات.

وجاء الإعلان عن هذه الرؤية في ظل تعطل حركة الملاحة البحرية وتصاعد التوترات الإقليمية؛ ما يمنح مشاريع الربط السككي وأنابيب النفط العابرة للحدود زخماً استثنائياً بصفتها بدائل مستدامة تضع المملكة في قلب تدفقات التجارة العالمية بين آسيا وأوروبا.

قطار سريع

ويعد مشروع إنشاء خط قطار سريع تتراوح سرعته بين 200 و300 كيلومتر/ساعة، يربط المملكة بسوريا مروراً بالأردن، مستفيداً من امتداد شبكة السكك الحديدية السعودية إلى منفذ الحديثة، من أبرز تلك المشاريع.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، أوضح قاضي أن هذا المشروع يترجم عملياً مستهدفات «رؤية السعودية»، من حيث تنويع الاقتصاد وتعظيم دور المملكة بصفتها مركزاً لوجيستياً عالمياً، ورفع كفاءة سلاسل الإمداد، وإعمار سوريا، والمساهمة في النهوض الاقتصادي العربي، كما أنه يحوّل الجغرافيا قيمةً اقتصادية مباشرة، ويضع المملكة في قلب تدفقات التجارة بين آسيا وأوروبا.

والجدوى الخاصة بهذا المشروع ليست نظرية، بحكم أن أكثر من 70 في المائة من البنية داخل السعودية قائمة حتى منفذ الحديثة؛ ما يخفّض تكلفته وتسارعه، حسب قاضي، الذي قال: «إن كل دولار يُستثمر فيه سيولّد عائداً مركباً عبر رسوم عبور، وخدمات لوجيستية، ومناطق صناعية، وتوسّع الصادرات، وفي الوقت نفسه يوفر مساراً مكمّلاً يحدّ من اختناقات الممرات البحرية، ويعزّز استقرار تدفقات النفط والغاز، وهذه ليست فقط بنية نقل، بل أداة لخفض تذبذب الأسعار ورفع موثوقية الإمدادات ويخلق قيمة مضافة ويعزّز الأمن الغذائي العربي».

ويتضمن المشروع إحياء مسار خط الحجاز بحكم أنها جزء من الشبكة الحديثة؛ ما يمنح المشروع عمقاً تاريخياً ويخفض التكاليف، ويفتح الربط شمالاً نحو تركيا، وجنوباً نحو المدينة المنورة.

وللوصول إلى المشروع قبل عام 2030، يجب تقسيمه حزماً تعمل بالتوازي داخل الأردن وسوريا، مع قيادة برامج مشتركة، بحيث يتم، وفقاً لقاضي، البدء بـ«خط شحن» حديث عالي الكفاءة و«خط ركاب» متوسط السرعة، ثم رفع السرعات تدريجياً في المقاطع ذات الجدوى.

وأوضح قاضي أن التكلفة التقديرية لهذا المشروع تتراوح بين 12 و25 مليار دولار لسيناريو مختلط (شحن + ركاب سريع جزئياً)، وترتفع في حال تعميم السرعات العالية على كامل المسار، لكن العائد الاستراتيجي - لوجيستياً وطاقياً وغذائياً - يجعله من أعلى المشاريع مردوداً في المنطقة.

ومما يسرع من تنفيذ المشروع أن الجزء السعودي قائم حتى مدينة الحديثة، بينما تصل المسافة من الحديثة إلى دمشق نحو 700 كيلومتر، وبين دمشق وأنطاكيا نحو 350 كيلومتر.

وأشار قاضي إلى أن سرعة القطار في المرحلة الأولى من المشروع ستصل إلى نحو 120 – 200 كيلومتر/ساعة، وفي المرحلة الثانية إلى 200 – 300 كيلومتر/ساعة، في حين يستغرق تحضيره وتمويله أقل من سنة، والتنفيذ المرحلي المتوازي أقل من ٤ سنوات، بحيث يحتفل البلدان بتشغيل أولي للخط قبل عام 2030.

ورأى أن الأمن الغذائي العربي لن يتحقق عبر الاستيراد فقط، بل عبر بناء ممرات لوجيستية ذكية، وهذا المشروع يحول المنطقة منصةً لإعادة توزيع الغذاء عالمياً، تبدأ من الهند وآسيا، وتعبر الخليج وسوريا، لتصل إلى أوروبا.

«التابلاين» لتحييد «هرمز»

من ضمن مشاريع (4+1)، إعادة إحياء خط أنابيب نقل النفط «التابلاين» الذي نشأ عام 1947 بطول 1664 كيلومتراً، ويمتد من مدينة بقيق السعودية إلى ميناء صيدا اللبناني على البحر الأبيض المتوسط، مع تعديل نهايته ليصب في ميناء بانياس السوري، بحيث يتم ضخ ما بين 5 و7 ملايين برميل يومياً عبر أربعة خطوط متوازية، وذلك بعدما أغلق المشروع بشكل نهائي في تسعينات القرن الماضي.

هذا المشروع، وفق قاضي، هو صمام أمان لاستقرار أسواق الطاقة العالمية؛ لأنه «عندما نخلق ممراً برياً آمناً للنفط والغاز من الخليج إلى البحر المتوسط، فإننا نُخرج جزءاً كبيراً من تجارة الطاقة العالمية من دائرة المخاطر الجيوسياسية، وخاصة تلك المرتبطة بمضيق هرمز. بمعنى آخر، نحن لا ننقل الطاقة فقط، بل ننقل العالم من اقتصاد مهدد بالاختناقات إلى اقتصاد مستقر متعدد المسارات».

كركوك - بانياس والغاز القطري

المشروع الثالث، هو إعادة تأهيل خط «كركوك – بانياس» لنقل النفط، واستبداله بخطوط متوازية تضخ من مليون إلى 3 ملايين برميل نفط يومياً من مدينة كركوك العراقية إلى ميناء بانياس، بعدما كان يضخ نحو 300 ألف برميل.

ويتمثل المشروع الرابع بمد خط لنقل الغاز القطري الذي بدأ ينقطع بسبب «مشاكل مضيق هرمز وإيران».

ويبدأ الخط من قطر إلى الأردن وبعد ذلك سوريا وصولاً إلى تركيا ومن ثم أوروبا، على أن ينبثق منه المشروع الخامس بمد وصلة نقل إلى بانياس.

وأوضح قاضي في حديثه، أن سوريا كانت تاريخياً قلب طرق التجارة العالمية، واليوم يمكن أن تعود إلى هذا الدور، ولكن بمنطق القرن الحادي والعشرين: «سكك حديدية سريعة، وموانٍ ذكية، وممرات طاقة متكاملة»، وإذا نجحت مشاريع (4+1)، فإن دمشق لن تكون فقط عاصمة سياسية، بل عاصمة لوجيستية واقتصادية تربط ثلاث قارات. أضاف: «نحن ننتقل من مفهوم الجغرافيا السياسية إلى الجيو-اقتصاد، ومن يملك الممرات يملك التأثير، وسوريا مؤهلة لأن تكون أحد أهم الممرات في العالم، ومشاريع (4+1) تعيد تعريف المنطقة ليس كمنطقة صراعات، بل كمنطقة عبور وازدهار».

صورة قديمة تظهر عمليات نقل أنابيب التابلاين (أرامكو)

بعد الأزمات الأخيرة، أدرك العالم أن الاعتماد على الممرات البحرية فقط هو مخاطرة استراتيجية، وما يتم تقديمه من مشاريع وفق قاضي هو «بديل بري مستقر، يقلل من تكلفة النقل ويزيد من أمن الإمدادات، وهي ليست بديلاً عن البحر، بل توازن ضروري يمنع أي جهة من احتكار حركة التجارة العالمية».

وشدد قاضي على أن إعمار سوريا يجب ألا تكون إعادة بناء حجارة، بل بناء دور اقتصادي، وهذه المشاريع تخلق اقتصاد عبور يدر مليارات الدولارات سنوياً، وعشرات ألوف فرص العمل، وتدفع بعجلة النمو الاقتصادي السوري، وبهذا النموذج، تصبح سوريا دولة منتجة للخدمات اللوجيستية والطاقة، وليست فقط متلقية للمساعدات».

وبينما علمت «الشرق الأوسط»، أن هذه المشاريع هي «قيد الدراسة من قِبل كثير من الجهات الحكومية السورية والعربية»، أبان قاضي أن تكلفتها تصل إلى أقل من 30 مليار دولار، وهي في حاجة إلى تمويل من ثلاثة صناديق سيادية عربية على الأقل في المنطقة وصندوق سيادي أوروبي. وعدّ المشاريع أنها «أول اختبار حقيقي لفكرة التكامل الاقتصادي العربي، وإذا نجح هذا النموذج، يمكن تعميمه ليصبح نواة لسوق عربية مشتركة حقيقية، وستُذكر في التاريخ بصفتها أحد أهم مشاريع القرن الحادي والعشرين في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي التي تتناغم مع (رؤية السعودية 2030) بجعل الشرق الأوسط أوروبا جديدة، وسوريا هي درّة الشرق الأوسط».

من جهته، رأى الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية، باسل كويفي، أن الحديث عن هذه المشاريع يمثل طرحاً لاستراتيجية «الجيوبوليتيك الطاقي» التي يمكن أن تعيد تشكيل وجه الشرق الأوسط بالكامل. لكنه لفت لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه رغم النظرة المتفائلة، فحزمة هذه المشاريع تحتاج إلى تمويل ضخم واستثمارات كبيرة، وثقة ائتمانية عالية واستقرار نقدي، والأهم توافق سياسي شامل.


وزراء طاقة «السبع» يتناولون التداعيات الاقتصادية لحرب الشرق الأوسط

محطة وقود في لندن (أ.ب)
محطة وقود في لندن (أ.ب)
TT

وزراء طاقة «السبع» يتناولون التداعيات الاقتصادية لحرب الشرق الأوسط

محطة وقود في لندن (أ.ب)
محطة وقود في لندن (أ.ب)

اجتمع وزراء دول «مجموعة السبع» ومسؤولو البنوك المركزية يوم الاثنين، لمواجهة التداعيات الاقتصادية الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط، والتي تسببت في قفزة هائلة بأسعار الطاقة، وأثارت مخاوف جدية على الاقتصاد العالمي.

تأتي هذه التحركات بعد الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في أواخر فبراير (شباط) الماضي، ورد طهران باستهداف الدول المصدِّرة للخام في المنطقة، وتعطيل معظم الشحنات عبر الخليج. وقد أدى هذا الضغط على الإمدادات إلى رفع أسعار النفط والغاز الطبيعي، ما أحدث تأثيرات متلاحقة وقوية على سلاسل التوريد في صناعات متعددة.

وصرح وزير المالية الفرنسي، رولاند ليسكيور، بأن «مجموعة السبع» حشدت وزراء المالية والطاقة ومسؤولي البنوك المركزية في أول اجتماع بهذا الشكل الموسع، منذ تأسيس المجموعة عام 1975. وقال للصحافيين قبيل الاجتماع: «نعلم أن ما يحدث الآن في الخليج له تداعيات طاقوية، واقتصادية، ومالية، وقد يمتد ليشمل معدلات التضخم... الهدف هو مراقبة التطورات وتبادل التشخيصات؛ خصوصاً فيما يتعلق بالاضطرابات المحتملة».

وشارك في الاجتماع الذي عُقد عبر تقنية الفيديو، ممثلون عن وكالة الطاقة الدولية، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي. وتسعى الولايات المتحدة، من خلال المجموعة التي ترأس فرنسا دورتها الحالية، إلى حشد الدعم لإنهاء الحصار الإيراني لممر مضيق هرمز الملاحي.

التحرك السريع

وفي ظل الضغوط المتزايدة، سارعت الحكومات لإقرار تدابير تحد من تأثير نقص الإمدادات وتحليق أسعار الطاقة؛ حيث أعلنت الحكومة الفرنسية يوم الجمعة عن تخصيص 70 مليون يورو (80 مليون دولار) لدعم قطاعات الصيد والزراعة والنقل خلال شهر أبريل (نيسان). وشدد ليسكيور على ضرورة أن يكون الدعم «مستهدفاً وسريعاً»، مؤكداً أن «هذه أزمة تؤثر علينا جميعاً وتتطلب تحركاً سريعاً وعادلاً».