ملفات الإرهاب والأمن والحرب في سوريا تفرض نفسها على مرشحي الرئاسة الفرنسية

دبلوماسي لـ«الشرق الأوسط»: لا أحد منهم يملك رؤية متكاملة لسياسة باريس مع العواصم العربية

ملفات الإرهاب والأمن والحرب في سوريا تفرض نفسها على مرشحي الرئاسة الفرنسية
TT

ملفات الإرهاب والأمن والحرب في سوريا تفرض نفسها على مرشحي الرئاسة الفرنسية

ملفات الإرهاب والأمن والحرب في سوريا تفرض نفسها على مرشحي الرئاسة الفرنسية

تقول ألكسندرا دو هوب شيفر، الباحثة وأستاذة العلوم السياسية في «معهد العلوم السياسية في باريس»، إن «تحديات السياسة الخارجية لم تكن أبداً ملتصقة لهذا الحد بمسائل السياسة الداخلية الفرنسية وبواقعها اليومي المعاش، وبالتالي فإن التوازي بين التحديات الخارجية والداخلية يفترض وجود قيادة سياسية قوية ورؤية واضحة وواقعية». وتضيف الباحثة المتخصصة بالعلاقات الدولية أن ما يفرض نفسه على الجدل الانتخابي في فرنسا يتناول «العلاقة مع أوروبا، ومستقبل الاتحاد، والعملة الموحدة، والصلات مع ألمانيا»، وهناك أيضاً المعطى السياسي الأميركي الجديد، وما سيدخله على التوازنات الدولية والعلاقة مع روسيا بشكل خاص. أما بخصوص منطقة الشرق الأوسط، فإن الحرب على الإرهاب والوضع في سوريا وتيارات الهجرة الكثيفة أضحت موضوعات «أليفة» للمواطن الفرنسي. وجاء توقيف شخصين في مدينة مرسيليا المتوسطية أول من أمس الثلاثاء كانا يخططان للقيام بعملية إرهابية بمناسبة الانتخابات الرئاسية ليذكر الفرنسيين بأن الخطر الإرهابي ما زال يطأ بثقله على فرنسا، وبالتالي أعاد الجدل حول «الراديكالية الإسلامية» والعلاقة بالفكر المتطرف إلى واجهة المشهد السياسي.
بيد أن التداخل بين الخارجي والداخلي لا يعني أن الناخب الفرنسي، وفق ما يقوله الباحث في الشؤون السياسية الفرنسية باسكال بيرينو، سيكون تحت تأثير التحديات الخارجية عندما يسقط ورقته في صندوق الاقتراع، إذ إن «الاهتمامات الداخلية ستكون هي الطاغية»؛ في إشارة منه إلى ما يقترحه المرشحون لمواجهة البطالة، وللمحافظة على صناديق الرعاية الاجتماعية، وإصلاح الإدارة وخفض «العجوزات»، ومواجهة المنافسة الخارجية وما شابه، فضلا عن القدرة على توفير الحماية للفرنسيين. ويمكن، إلى ذلك، إضافة التساؤل عن صورة فرنسا المستقبل، والتعايش بين مكوناتها، والمحافظة على هويتها الوطنية بوجه العولمة.
الثابت في الحملة الرئاسية الفرنسية أن «خط الفصل» التقليدي في فرنسا بين يمين ويسار قد تراجع، وسببه الأول أن إيمانويل ماكرون الذي يبدو حظه كبيراً في التأهل للجولة الانتخابية الثانية سعى أساساً من خلال حركته السياسية المسماة «إلى الأمام» إلى تخطي ثنائية «اليمين - اليسار» متبنياً تيارا وسطيا منفتحا على الطرفين معاً. وفي أي حال، فإن الانتظام القديم، كما يقول بيرينو: «لم يعد صالحاً» في المرحلة الراهنة بسبب التغيرات التي تعرفها العلاقات الدولية. ولكن كيف تنعكس هذه المعطيات على مواقف المرشحين الرئيسيين الأربعة «ماكرون، وفرنسوا فيون (مرشح اليمين الكلاسيكي)، ومارين لوبان (يمين متطرف)، وجان لوك ميلونشون (اليسار المتشدد)»، الذين سيخرج من بينهم المرشحان المتأهلان للجولة الثانية، من قضايا المنطقة؟
يقول سفير فرنسي قضى سابقاً سنوات في منطقة الخليج ويعرف عن قرب تفاصيل العلاقات مع العالم العربي إن المشكلة مع المرشحين الأربعة أن أياً منهم «لا يملك رؤية متكاملة» عن السياسة التي يريد إرساءها في علاقات باريس مع العواصم العربية. وبرأيه أن «الكثير مما سمع» في الخطاب الانتخابي «لن يكون بالضرورة الخط السياسي الذي ستسير عليه الدولة الفرنسية لاحقا». ويضرب مثلا على ذلك بالانتقادات التي أطلقها غالبية المرشحين من غير استثناء لعدد من الدول العربية والخليجية حول كونها الحاضنة الفكرية لـ«الراديكالية الإسلامية». وبرأيه، أنها خطأ في الأساس وعودة الحديث إليها مرده لـ«الأجواء الانتخابية» السائدة في فرنسا، وللخوف من الإرهاب، وللربط الذي يقيمه الرأي العام بين الإرهاب وبين الإسلام، فضلاً عن الخوف من الهجرات المكثفة التي عرفتها أوروبا في العامين 2015 و2016. ويضيف السفير، المشار إليه، أن مرشحة اليمين المتطرف مثلاً عندما «تربط في جملة واحدة بين الإرهاب والإسلام والمهاجرين» وتطرح نفسها حصناً منيعاً بوجه «جميع التهديدات»، فضلاً عن حماية الهوية الوطنية، فإنها تدفع المرشحين الآخرين للحاق بها، مستفيدة من الأجواء العامة، ومن «المزاج» الفرنسي الحالي. وهكذا، فإن فرنسوا فيون، مرشح اليمين الكلاسيكي، الذي كادت الفضائح تطيح بترشيحه، عمد إلى «إعادة تدوير» موضوعات الدفاع عن الهوية والوطن والجذور المسيحية لفرنسا وأوروبا، وغيرها من الموضوعات التي يراد منها إعادة تعبئة قاعدته الشعبية ومحاكاة لوبان، سعياً وراء استمالة نسبة من مؤيديها، أو استرجاع الأصوات التي هجرته بسبب الاتهامات التي واجهها. ولكن «المفاجأة» غير السارة بالنسبة إليه تكمن في أن إيمانويل ماكرون استخدم اللغة نفسها في مبارزة تلفزيونية جمعت كل المرشحين. وبرأيه، فإن ماكرون الذي تعتبره استطلاعات الرأي الأوفر حظاً ليصبح الرئيس الثامن للجمهورية الفرنسية في حال تخطى اختبار الجولة الأولى الأحد المقبل: «يفتقر للخبرة الدبلوماسية ولا يعرف المنطقة»، فضلاً عن كونه «جارى» ما يقوله الآخرون.
يمثل الإرهاب والوضع في سوريا الموضوعين الأساسيين اللذين استقطبا اهتمام المرشحين الرئيسيين. ويتميز فرنسوا فيون عن الثلاثة الآخرين بأنه يركز على وضع «مسيحيي الشرق». وبمناسبة «عيد الفصح»، شارك في «قداس» لطائفة الأقباط في المنطقة الباريسية، كما سبق له أن زار العراق ولبنان. ويعزو مراقبون اهتمامه بهذا الموضوع لمحيطه الكاثوليكي، ولقربه من عدد من الجمعيات المسيحية الفرنسية الناشطة في هذا الملف. وينظر إلى فيون على أنه قريب من موسكو ومن الرئيس بوتين، وهو يعتبر أن هناك حاجة «أساسية» لإقامة تحالف استراتيجي مع موسكو من أجل محاربة الإرهاب. ويؤكد فيون أن «المواجهة مع روسيا لا معنى لها»، ويتعين بالتالي فتح باب الحوار مع الإدارة الروسية. وبين «داعش» والنظام السوري، يعتبر فيون أن «الأولوية» هي لمحاربة «داعش» الذي يشكل «خطراً» على فرنسا، بعكس نظرته إلى رئيس النظام السوري الذي يرى أنه لا يمثل تهديدا لفرنسا. لكنه «طور» مؤخرا نظرته حيث أخذ يصفه بـ«الديكتاتور». ورداً على الضربة الصاروخية الأميركية، رأى فيون أنه إذا كان صحيحاً أن النظام استخدم أسلحة كيماوية ضد خان شيخون، فإنه «يكون قد ارتكب أخطاء سياسية لا تصدق». أما بصدد انتقاداته لبعض الدول الخليجية، فيرى السفير الفرنسي أنه يريد أن «يمحو» مسؤوليته من الخط السياسي الذي انتهجه الرئيس ساركوزي وتقاربه مع الدول الخليجية، خصوصاً مع قطر عندما كان هو رئيساً للحكومات المتعاقبة في عهد الرئيس السابق.
ما يصح على فيون يصح بشكل أكبر على مارين لوبان التي لا تخفي «إعجابها» بالرئيس بوتين الذي تتماهى معه في سلطويته وقوميته وتشديده على محاربة الإرهاب «الإسلامي»، أكان ذلك في سوريا أن في روسيا نفسها. وكانت لوبان التي زارت موسكو مؤخراً وحظيت باستقبال بوتين لها في الكرملين، تحلم بحلف «روسي - أميركي - فرنسي» لمحاربة الإرهاب. ومن جانب آخر، كانت ترى في الرئيس ترمب «قدوة» في التدابير التي أراد إقرارها، مثل: منع مسلمي 6 بلدان ذات أغلبية مسلمة لفترة محددة من الدخول إلى الولايات المتحدة، ورغبته في الانصراف بالدرجة الأولى للاهتمام باقتصاد أميركا وأمن الأميركيين وضرب الإرهاب. لكن الأخير «فاجأها» بالضربة الصاروخية ضد نظام الأسد الذي تعتبره «حليفاً» في الحرب على الإرهاب. وإزاء ذلك، اكتفت بالإعراب عن «دهشتها وخيبتها» مما قام به ترمب، وطالبت قبل تجريم النظام بانتظار نتائج تحقيق محايد حول المسؤوليات، وهو ما طالبت به موسكو.
باستثناء بونوا هامون، مرشح الحزب الاشتراكي الذي يتبنى كلية مواقف وسياسات هولندا إزاء سوريا، يريد الجميع سياسة فرنسية «مستقلة». وبينما يرفض ميلونشون التدخل العسكري ويريد أن تكون باريس «عامل سلام» في المنطقة كما قال لنا جورجي كوزمانوفيتش، مستشاره الدبلوماسي، فإن آخرين وعلى رأسهم ماكرون، لا يستبعدون مشاركة فرنسية في العمليات العسكرية الخارجية، إذا كانت بموجب قرار دولي صادر عن مجلس الأمن وليس مبادرة أحادية.
هكذا، تبدو صورة تموضع المرشحين الرئيسيين من مسائل الشرق الأوسط الذين غابت عنهم جزئياً قضايا رئيسية مثل الدور الإيراني، وحرب اليمن، والملف «الفلسطيني - الإسرائيلي»، ومستقبل العلاقات مع العالم العربي والمحيط المتوسطي باستثناء ملف الهجرات والحاجة لتقويم الوضع في ليبيا. والثابت أن المواطن الفرنسي، لا ينظر عادة إلى ما وراء الحدود إلا فيما يمس معيشته وأمنه. والحال أن الانتخابات الحالية فرضت عليه أن يوسع إطار رؤيته من غير أن يكون لذلك تأثير مباشر على خياراته في اللحظات الانتخابية الحاسمة.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...