استهل الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أعماله، في ظل النظام الرئاسي الجديد عقب النتائج الأولية للاستفتاء على تعديل الدستور، بترؤس مجلسي الأمن القومي والوزراء. وبرزت قضيتان أساسيتان في أجندة الرئيس التركي؛ هما عودة العمل بعقوبة الإعدام وتمديد حالة الطوارئ، في الوقت الذي واصلت فيه المعارضة تنديدها بنتائج الاستفتاء.
وأكد إردوغان أمس عودة العمل بعقوبة الإعدام 3 مرات، في 3 تجمعات أعقبت ظهور النتائج الأولية للاستفتاء على تعديل الدستور للانتقال إلى النظام الرئاسي. فبعد أن أعلن إردوغان في تجمع أمام قصر هوبر الرئاسي في إسطنبول مساء الأحد عقب ظهور مؤشرات نتيجة الاستفتاء أنه سيبحث مع رئيسي حزب العدالة والتنمية الحاكم رئيس الوزراء بن علي يلدريم، ورئيس حزب الحركة القومية دولت بهشلي، الذي أيد التعديلات مناقشة عودة عقوبة الإعدام في البرلمان، عاد وأكد الأمر نفسه مرتين أمس (الاثنين) في تجمع بمطار أسنبوغا في أنقرة، ثم في حشد كبير من أنصاره أمام القصر الرئاسي في العاصمة التركية قبل أن يعقد اجتماعين لمجلس الأمن القومي ومجلس الوزراء برئاسته.
وشن إردوغان في هذه التجمعات هجوماً حاداً على أوروبا، التي قال إنها لا تعرف الديمقراطية، وإن تركيا لن تكترث بما تقول في هذا الشأن، مستخدماً تعبيره الدارج في هذه القضية: «لن نهتم بما يقول هانز أو جورج (في إشارة إلى الأوروبيين)، وإنما سنهتم بما يقوله أحمد ومصطفى وعائشة وفاطمة، وما يقوله الدين الإسلامي».
واتهم إردوغان المنظمات الأوروبية بإعداد تقارير كاذبة عن الاستفتاء، وتوجه إلى الاتحاد الأوروبي بالقول: «إذا كان يريد قطع علاقته بتركيا، فليعلنها صراحة، لقد انتظرنا على أبواب الاتحاد 54 عاماً والآن يقولون إنهم لن يقبلوا عضوية تركيا. لكن نحن الذين سنقرر، وقد نطرح مسألة الانضمام إلى الاتحاد على شعبنا للاستفتاء عليها، مثلما فعلت بريطانيا التي كانت عضواً في الاتحاد وخرجت منه بإرادة شعبها».
وتقدم إردوغان بالشكر لمن صوتوا بـ«نعم» ولمن صوتوا بـ«لا»، قائلاً «إن من صوتوا بـ(لا) ربما لم نتمكن نحن من شرح التعديلات الدستورية لهم كما ينبغي». واعتبر أن ارتفاع نسبة التصويت لصالح التعديلات الدستورية في الولايات الجنوبية والشرقية بالبلاد «إشارة جيدة بالنسبة للاستحقاقات الانتخابية المقبلة في 2019». وتابع إردوغان قائلاً: «علينا القيام بأمور كثيرة خلال الفترة المقبلة، سنعمل بجد وسنسعى لتطوير بلادنا، وسنسير نحو الاستحقاقات الانتخابية التي ستجري في عام 2019، بخطى واثقة».
في سياق متصل، ترأس إردوغان مساء أمس مجلس الأمن القومي، الذي خصص بحسب مصادر تركية لبحث مسألة تمديد حالة الطوارئ المعلنة في تركيا منذ 21 يوليو (تموز) الماضي، عقب محاولة الانقلاب الفاشلة، ثم مجلس الوزراء لدراسة نتائج الاستفتاء.
وقال نائب رئيس الوزراء التركي نور الدين جانيكلي إن حالة الطوارئ قد تُمدد، إذا وافقت الحكومة على ذلك. وأوضح جانيكلي في تصريحات لقناة «إيه خبر» أن التمديد سيخضع للنقاش في مجلس الأمن القومي الذي سيقدم توصيته، مضيفاً أن التغييرات القانونية التي طرحت للاستفتاء بأن تحل الرئاسة التنفيذية محل النظام البرلماني قد تستكمل خلال عام، وذكر أن خفض الحد النسبي لدخول الأحزاب السياسية البرلمان، وهي 10 في المائة حالياً، سيخضع للنقاش أيضاً.
واعتبر جانيكلي أن العلاقات الاقتصادية مع الاتحاد الأوروبي الذي تطمح أنقرة في الانضمام إليه ستتحسن، مضيفاً أن التصريحات الحادة المتبادلة حالياً بين تركيا والاتحاد مؤقتة يجب ألا يتم الالتفات إليها كثيراً.
في غضون ذلك، استمر التوتر الذي أعقب إعلان النتائج الأولية للاستفتاء ورفضها من جانب حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، وقراره بالطعن عليها ومطالبته بإعادة فرز 60 في المائة من الأصوات.
وفي تصعيد جديد، دعا نائب رئيس الحزب بولنت تزجان أمس إلى إلغاء الاستفتاء، وقال إن الحزب سيطعن عليه أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان إذا اقتضى الأمر. وقال تزجان إنه تلقى شكاوى كثيرة بأن الناخبين لم يتمكنوا من التصويت سراً، وأضاف أن بعض عمليات الفرز تمت في السر، وذكر أن قرار لجنة الانتخابات العليا قبول بطاقات اقتراع غير مختومة هو مخالفة صريحة للقانون. وأضاف أن الحزب سيقدم شكوى لسلطات الانتخابات البلدية ولجنة الانتخابات، وبحسب نتيجة هذه الشكاوى سيتوجه إلى المحكمة الدستورية والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان وغيرها من الجهات المعنية.
كما أعلن حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد أن عدد مظاريف أوراق الاقتراع غير المختومة التي اعتبرت سليمة في استفتاء الأحد، كافية لتغيير نتيجة الاستفتاء، واستنكر ما وصفه بأنه «انقلاب» من السلطات الانتخابية.
وقال المتحدث باسم الحزب، عثمان بايديمير، إن 3 ملايين ناخب تأثروا بقرار لجنة الانتخابات العليا في اللحظة الأخيرة قبول المظاريف غير المختومة بختمها واعتبارها سليمة. وأضاف أن هناك اختلافاً بين البيانات التي قدمتها اللجنة العليا والأرقام التي حصل عليها حزب الشعوب الديمقراطي بخصوص فرز الأصوات في المئات من صناديق الاقتراع.
لكن رئيس اللجنة العليا للانتخابات سعدي جوفان قال إن أوراق الاقتراع سليمة، وإن القرار الذي اتخذته اللجنة في اللحظة الأخيرة للسماح بقبول أوراق اقتراع غير مختومة في الاستفتاء لم يكن الأول من نوعه، إذ إن الحكومة سمحت من قبل بمثل تلك الخطوة.
وأكد رئيس اللجنة العليا للانتخابات صعوبة وقوع أي تزوير في بطاقات الاقتراع، خصوصاً أنها مصنوعة من ورق خاص وأن اللجنة أشرفت بنفسها على إنتاجها، مشدداً على أن أي تزوير يمكن كشفه فوراً، وبالتالي لا يتم احتسابه في نتائج الاستفتاء.
وكان جوفان أعلن مساء الأحد أن مجموع المصوتين بـ«نعم» في الاستفتاء على التعديلات الدستورية بلغ 24 مليوناً و763 ألفاً و516 صوتاً، والمصوتين بـ«لا» 23 مليوناً و511 ألفاً و155 صوتاً، قائلاً إن النتائج النهائية للاستفتاء ستُعلن خلال 11 أو 12 يوماً كحد أقصى، وذلك بعد النظر في الاعتراضات المقدمة.
في السياق نفسه، وصفت وزارة الخارجية التركية أمس التقرير الأوروبي حول نزاهة الاستفتاء بـ«المنحاز والمُسيس ويحمل افتراءات واتهامات غير واقعية».
وكان سيزر فلورين بريدا من اللجنة المشتركة لمكتب منظمة الأمن والتعاون في أوروبا للمؤسسات الديمقراطية وحقوق الإنسان والجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا، أعلن أن «حملة الاستفتاء جرت بشكل غير متكافئ، كما أن الفرص لم تكن متساوية للطرفين»، لكنه نفى أن يكون لديهم أي معلومات أو شكوك حول عمليات تزوير جرت في الاستفتاء. وجاء في بيان الخارجية التركية: «إن هذه الخلاصات الأولية تكشف مقاربة منحازة»، وجاءت نتيجة التصويت لصالح التعديلات الدستورية بفارق ضئيل لتطرح كثيراً من التساؤلات حول شعبية إردوغان. ورأى مراقبون أنها تضاءلت بشكل ملحوظ، حيث أشارت إلى أن أكثر من 50 في المائة من سكان أبرز المدن الكبرى (إسطنبول وأنقرة وأزمير وأنطاليا) صوتوا ضد التعديلات.
وقال عبد القادر سلفي وهو كاتب عمود مؤيد للحكومة في صحيفة «حرييت»: «تحقق الفوز في الاستفتاء، لكن هذا ليس انتصاراً. النتائج لم تتمخض عن (نعم) ذات مغزى».
واعتبر سونار كغبتاي، المحلل التركي في معهد واشنطن، على «تويتر»، أن «الاستفتاء فوز لإردوغان لكنه أيضاً هزيمة... لقد خسر إسطنبول، حيث كان بدأ حياته السياسية».
واعتبر محمد يغيت، المحلل السياسي، أن حزب العدالة والتنمية عليه أن يغير خطابه بعد أن خسر معقلين أساسيين له خلال حملة الاستفتاء؛ هما إسطنبول وأنقرة، اللتان صوتتا دائماً لصالح حزب إردوغان ومن قبله لحزب «الرفاة» الإسلامي بزعامة نجم الدين أربكان، «وعلى الحزب أن يعمل من الآن على تدارك أخطائه استعداداً للانتخابات المقبلة في 2019».
الإعدام والطوارئ على رأس أجندة إردوغان... والمعارضة تطالب بإلغاء الاستفتاء
اتهم المنظمات الأوروبية بإعداد تقارير مسيسة عن الاستفتاء
الإعدام والطوارئ على رأس أجندة إردوغان... والمعارضة تطالب بإلغاء الاستفتاء
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
