الإعلام التركي الموجه للعرب... اختراق أم محاولة لمد الجسور؟

توسع بعد «الربيع العربي» وسعى لتقديم بلاده «نموذجاً»

قناة «التركية» تعتمد على كوادر عربية
قناة «التركية» تعتمد على كوادر عربية
TT

الإعلام التركي الموجه للعرب... اختراق أم محاولة لمد الجسور؟

قناة «التركية» تعتمد على كوادر عربية
قناة «التركية» تعتمد على كوادر عربية

أثار اهتمام تركيا بتدشين وسائل إعلام باللغة العربية العديد من التساؤلات حول الهدف من وراء التوجه إلى شعوب المنطقة بلغتهم والتوسع في ذلك بشكل كبير تزامناً مع ثورات الربيع العربي وتبني الإعلام التركي لهذه الثورات ودعمها بشكل كبير. وتعددت التساؤلات حول السبب، فهل كان ذلك يشكل محاولة لاختراق المنطقة العربية أم أنه مد لجسور قديمة انقطعت لفترة طويلة وعادت حكومة العدالة والتنمية في تركيا لمحاولة إحيائها.
حتى العام 2010 لم يكن هناك اهتمام من جانب الحكومة التركية بإطلاق قنوات أو وسائط إعلامية باللغة العربية واقتصر الأمر على محاولات من جانب وكالات خاصة بهذا الأمر، في مقدمتها وكالة أنباء «جيهان» التي كانت تتبع شركة قريبة من حركة الخدمة التي يتزعمها فتح الله غولن وأطلقت نسختها العربية عام 1997 وأغلقت العام الماضي عقب محاولة الانقلاب الفاشلة في منتصف يوليو (تموز) التي اتهمت السلطات غولن بالوقوف وراءها، ووكالة أنباء «إخلاص».
ولم تشكل المحاولتان سعيا إلى مخاطبة العالم العربي على نطاق واسع إذ كانت نشرتاهما العربيتان غير مفتوحتين وتقتصران فقط على المشتركين، وفي الغالب كان هؤلاء المشتركون هم السفارات العربية والمكاتب الإعلامية في تركيا.
* قرارات استراتيجية
عرفت تركيا أول محاولة حقيقية لمخاطبة العالم العربي من خلال افتتاح قناة «تي آر تي التركية» باللغة العربية في عام 2010 وأعلن في وقتها أن القناة تشكل جسرا للتواصل بين تركيا والعالم العربي وللمرة الأولى بدأت القناة تبث برامج ونشرات أخبار باللغة العربية من إسطنبول معتمدة على كادر عربي قوامه في الأساس من إعلاميين من عدد من الدول العربية من بينها مصر والعراق وسوريا وفلسطين وتونس بشكل أساسي تحت إشراف مسؤولين أتراك. وبحسب ما يقول تورجوت أوجي المسؤول بالقسم العربي في هيئة الإذاعة والتلفزيون التركية «تي آر تي» فإن خطوة افتتاح قناة باللغة العربية جاءت في إطار التقارب الذي حدث بين تركيا والعالم العربي في عهد حزب العدالة والتنمية الحاكم إذ اتبع الحزب سياسات العودة إلى العمق الاستراتيجي لتركيا في الشرق الأوسط.
افتتحت القناة مكتبا لها في القاهرة واعتمدت مراسلين في عدد آخر من العواصم العربية مثل تونس وبغداد وبيروت إلى جانب أربيل وطهران وإسلام آباد.
وسبق افتتاح القناة تدشين هيئة الإذاعة والتلفزيون التركية صفحات بلغات مختلفة منها العربية والإنجليزية والفارسية والأردية وغيرها من اللغات على الإنترنت في إطار سياسة جديدة اتبعتها الحكومة التركية للانتشار الإعلامي في البلاد التي ارتبطت معها بعلاقات قديمة.
* «نوستالجيا» عثمانية
وفي عام 2012 أطلقت وكالة أنباء «الأناضول» نشرتها باللغة العربية بعد فترة تحضير بدأت في عام 2011 عقب اندلاع الثورات، ومثلما فعلت قناة «تي آر تي» العربية التي اتخذت من القاهرة مقرا إقليميا لها فعلت أيضا وكالة أنباء «الأناضول».
وقال الباحث التركي المتخصص في الشأن الإعلامي أحمد بايدمير إن قناة «تي آر تي» التركية ومعها وكالة أنباء «الأناضول» وعدد آخر من المواقع الإلكترونية الصادرة من تركيا باللغة العربية اتخذت موقفا داعما للثورات العربية ولمجموعات بعينها مما جعلها تصطدم بالحكومات التي جاءت بعد الثورات ولا سيما بالنظام في مصر بعد مرحلة الإخوان المسلمين وشكلت أداة للهجوم عليه ونتيجة لذلك أغلق مكتبا القناة والوكالة في القاهرة.
واعتبر الباحث أن الهدف الأساسي من وراء إطلاق وسائل الإعلام التركية باللغة العربية كان إحياء تركيا لوجودها في مناطق النفوذ القديمة للإمبراطورية العثمانية حيث سادت في تلك الفترة مرحلة جديدة من السياسة التركية عرفت بالعثمانية الجديدة استندت إلى فكرة العمق الاستراتيجي التي نظر لها وزير الخارجية الأسبق رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو أن تركيا أرادت أن يكون لها صوت باللغة العربية شأنها في ذلك شأن دول أخرى لها قنوات مؤثرة تبث باللغة العربية مثل بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة وروسيا وإيران، لكنه أوضح أن القناة التركية لم تستطع أن تحدث تأثيرا كبيرا بسبب ضعف كوادرها من جانب وتحكم العقلية البيروقراطية فيها وكثرة التغيير في قياداتها وخرائط برامجها وضعف إنتاجها ومعدلات مشاهدتها المنخفضة جدا في المنطقة العربية من جانب آخر.
ولفت الباحث إلى أنه عندما انطلق الموقع الإلكتروني لهيئة الإذاعة والتلفزيون التركية في العام 2009 بلغات عدة في مقدمتها العربية، وكانت هذه هي بداية إدراك إردوغان وحكومة العدالة والتنمية أهمية توظيف الإعلام التركي للصفحات العربية من أجل التوجه إلى العالم العربي وسرعة الوصول إلى الشعوب العربية وتسويق سياساتها في المنطقة لا سيما مع اتباع خطاب معاد لإسرائيل عقب أزمة السفينة مافي مرمرة في 2010.
* إردوغان يخاطب العرب
وعقب ثورات الربيع العربي وما صاحبها من تغيرات سياسية واجتماعية في منطقة الشرق الأوسط سعت تركيا من خلال وسائلها الإعلامية باللغة العربية عن طريق الخدمة العربية لوكالة أنباء «الأناضول» وظهور مواقع باللغة العربية مثل «أخبار العالم»، و«تركيا الآن»، و«تركيا بوست»، و«تورك برس»، و«أخبار تركيا»، ولاحقا المواقع العربية لصحيفتي «يني شفق» في 2013 و«ديلي صباح» في 2015، وجميعها قريبة من حكومة حزب العدالة والتنمية الحاكم، كما أدخلت رئاسة الجمهورية التركية ووزارة الخارجية اللغة العربية على موقعيهما، كما يخاطب إردوغان العالم العربي عبر «تويتر» باللغة العربية.
أما عن هدف التوسع الكبير في إدخال اللغة العربية إلى وسائل الإعلام التركية فكشف عنه المنسق الدبلوماسي العام لرئاسة الوزراء التركية جمال الدين هاشمي في اجتماع نظمته المديرية العامة للصحافة والإعلام التابعة لرئاسة الوزراء بالتعاون مع وكالة «الأناضول» في مايو (أيار) 2013 بقوله: «علينا الاعتراف بأن إصدار وكالة (الأناضول) نسختها العربية للمرة الأولى في تركيا يعد ثورة تعادل ثورات الربيع العربي»، مشيراً إلى أن تدشين صفحات عربية لوسائل الإعلام التركية تأتي في إطار التحول السياسي الذي تعيشه تركيا خلال العقد الأخير.
* غولن يرد بـ«زمان»
ونظراً لأن التوسع في وسائل الإعلام التركية باللغة العربية كان من بين أهدافه الأساسية تقديم تجربة تركيا على أنها نموذج لمنطقة الشرق الأوسط والعالم العربي والإسلامي بحسب ما ذكر بايدمير، فقد تحولت الساحة العربية المزدحمة بنحو 350 مليون نسمة إلى ساحة تنافس بين وسائل الإعلام التي تسعى لتلميع وتقديم تجربة حزب العدالة والتنمية في تركيا والوسائل الأخرى المعارضة للحزب وسياساته، لتنتقل حالة الاستقطاب الداخلي في تركيا إلى المنطقة العربية التي أصبحت تعيش تفاصيل ما يجري في تركيا من خلال التكثيف الشديد للمواقع الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي في المرتبة الأولى ووكالة أنباء «الأناضول» في المرتبة الثانية، في ظل غياب تأثير واضح للقناة التلفزيونية الناطقة بالعربية، عبر إطلاق صحيفة «زمان» التركية نسختها العربية في يونيو (حزيران) 2014، لمواجهة تمدد الإعلام الموالي لإردوغان داخل المجتمعات العربية، وللكشف عن رؤية تركية مختلفة عما تقدمه «الأناضول» وموقع «يني شفق» الذي أسس عام 2013 من ترسيخ لفكرة زعامة إردوغان في المنطقة العربية.
وكان الدافع لإنشاء الموقع العربي لصحيفة «زمان» التي مثلت في فترة التوافق بين حزب العدالة والتنمية وحركة الخدمة بزعامة فتح الله غولن ركيزة إعلامية أساسية للحكومة التركية قبل حالة القطيعة بينهما في نهاية عام 2013 على خلفية ما عرف في تركيا بفضيحة الفساد والرشوة التي تفجرت في 17 ديسمبر (كانون الأول) 2013 وطالت أبناء وزراء في حكومة إردوغان إلى جانب رجال أعمال ومسؤولين والتي أكد إردوغان أنها كانت محاولة من جانب غولن للانقلاب على الحكومة عبر تحقيقات وحملات توقيف في ادعاءات فساد ورشوة، وقد أغلقت صحيفة «زمان» عقب محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة في منتصف يوليو (تموز) الماضي لكن موقعها العربي لا يزال يواصل عمله من خارج تركيا ويشكل الموقع الوحيد المعارض للحكومة التركية وسط عدد كبير من المواقع الناطقة بالعربية المؤيدة للحكومة لكن السلطات التركية منعت الوصول إليه عبر محركات البحث في تركيا. وتمتلك هذه المواقع صفحات باللغة العربية على مواقع التواصل الاجتماعي لتعزيز وصولها إلى العرب.
* كوادر من اللاجئين
وينظر الكثير من المسؤولين الأتراك باهتمام كبير إلى المواقع العربية لوسائل الإعلام التركية بسبب التطورات السريعة التي تشهدها المنطقة العربية والشرق الأوسط، وسبق أن عبر عن ذلك رئيس الوزراء التركي السابق أحمد داود أوغلو بقوله إن منطقتنا شهدت خلال الفترة الماضية العديد من الثورات الشعبية وتحمل الصحافة على عاتقها مسؤولية كبيرة لنقل الأحداث وتعزيز التقارب بين شعوب المنطقة وإطلاق تركيا للمواقع العربية هو خطوة مهمة في هذا الشأن.
وبدوره اعتبر وزير العدل بكير بوزداغ عندما تحدث خلال افتتاح الموقع العربي لصحيفة «يني شفق» في 2013 أن الإصدارات العربية ستساهم في الترويج للسياسات التركية في الوطن العربي والشرق الأوسط.
وغالبية المحررين والقائمين على المواقع العربية هم من العرب خاصة من المصريين والعراقيين والسوريين اللاجئين في تركيا، يعملون تحت إشراف تحريري تركي وفقاً لسياسات تتفق مع رؤية حكومة العدالة والتنمية لكن الفترة الأخيرة شهدت، بحسب بعض العاملين في هذه المواقع وفي وكالة أنباء «الأناضول» وقناة «تي آر تي» التركية الناطقة بالعربية تقليصا للعناصر العربية وتوسعاً في الاستعانة بخريجي مدارس الأئمة والخطباء الذين يدرسون اللغة العربية ضمن مقررات دراستهم.



الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
TT

الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)

في مشهد إعلامي عربي يتسم بالتنوع البالغ، تبدو الشاشات المتناقضة وكأنها تتلاعب بمشاعر المشاهدين بين الفرح والخشوع والحزن في غضون ساعات قليلة.

هذا التباين الشديد يفرض تحدياً على المتلقي، فبينما يتابع بلهفة إبراز المواهب الغنائية يوم الأربعاء على برنامج «ذا فويس»، يجد نفسه منغمساً في أجواء روحانية خاشعة الجمعة والسبت مع برنامج «دولة التلاوة» المختص بترتيل القرآن الكريم.

أما الأحد، فيتحول المزاج إلى طاقة وحيوية مع رقصة الدبكة الصاخبة في برنامج «يلا ندبك». وباقي أيام الأسبوع، تأتي الأخبار لتلقي بظلالها على كل ذلك، لتملأ الشاشات بتقارير عن الحروب، والموت، والتطورات السياسية المؤلمة في المنطقة.

هذا التناوب الحاد بين الترفيه والروحانية والمأساة يولد تجربة مشاهدة فريدة ومتقلبة، يتأرجح فيها المشاهد بين الانغماس في المحتوى المرح والروحاني والهروب من واقع الصراعات.

جذب الجمهور

لا تتوقف تأثيرات هذه البرامج عند حدود الشاشات التقليدية، بل تمتد لتغزو منصات التواصل الاجتماعي، لتُغذيها بكم هائل من المشاهدات والتفاعلات التي تعزز انتشارها وتأثيرها.

كل برنامج ينجح في جذب انتباه الجمهور بطريقته الخاصة: «ذا فويس» يشعل روح المنافسة الغنائية ويدفع إلى تفاعلات واسعة النطاق، بينما «دولة التلاوة» يجذب شرائح واسعة من محبي الروحانية وتلاوة القرآن الكريم.

في المقابل، يمثل «يلا ندبك» منصة لإحياء التراث والطاقة الشبابية. يشارك الجمهور بفاعلية عبر التصويت، التعليقات، مشاركة المقاطع، إنشاء الهاشتاغات، ما يعزز ليس فقط انتشار البرامج بل يزيد أيضاً من قيمة المشاهدات والمتابعين للقنوات والمنصات التي تبثها.

دولة التلاوة

في مصر، يقدم برنامج «دولة التلاوة» نافذة للروحانية المطلوبة في خضم واقع متغير مليء بالتحديات. آلاف المتسابقين من مختلف المحافظات المصرية يدخلون في منافسات قوية في ترتيل وتجويد القرآن الكريم، لتصل الحلقات النهائية إلى اختيار أفضل 32 قارئاً، وهم في تنافس على المرتبة الأولى.

صورة جماعية من برنامج «دولة التلاوة» (فيسبوك)

تُبث هذه الحلقات على قنوات رئيسية، كما تُعرض على منصات رقمية، ما يضمن وصولها لجمهور واسع داخل مصر وخارجها. يظهر التفاعل الكبير على منصات التواصل الاجتماعي بوضوح، حيث تصل الجوائز الإجمالية للفائزين إلى 3.5 مليون جنيه مصري (75 ألف دولار تقريباً).

وتشمل الجوائز أيضاً تسجيل المصحف الشريف بأصوات الفائزين وإمامة صلاة التراويح في شهر رمضان، ما يضيف بعداً معنوياً كبيراً للبرنامج. تضفي لجنة التحكيم التي تضم نخبة من كبار العلماء والقراء، مصداقية روحانية فريدة للبرنامج، وتجذب عشاق التلاوة والفن على حد سواء.

«ذا فويس»

أما من الأردن، فيطل برنامج «ذا فويس» كمنصة بارزة لاكتشاف المواهب الغنائية الصاعدة. تعتمد صيغة البرنامج على تقييم الصوت فقط في مرحلة «العروض العمياء» الأولى، ثم تتصاعد المنافسة لتشمل العروض المباشرة والعروض الحية.

«ذا فويس 6» والمدرّبون ناصيف زيتون وأحمد سعد ورحمة رياض (إنستغرام)

الموسم الحالي، وهو السادس لعامي 2025 - 2026، يضم لجنة تحكيم مكونة من نجوم الغناء ناصيف زيتون ورحمة رياض وأحمد سعد. يشارك الجمهور بفاعلية في تحديد الفائز من خلال التصويت، ما يعكس الشغف الجماهيري بالمواهب الفنية ويعيد إحياء برامج المواهب الكبرى بعد سنوات من الانقطاع، ليولد بذلك حالة من الترقب والحماس بين المشاهدين.

«يلا ندبك»

وفي لبنان، يقدم برنامج «يلا ندبك» تجربة مختلفة تماماً، حيث يركز على فرق الدبكة اللبنانية التقليدية التي تتنافس لتقديم أفضل أداء. يتكون الموسم من ست حلقات تُظهر التراث الفولكلوري اللبناني والطاقة الشبابية المفعمة بالحيوية.

«يلا ندبك» على شاشة «إم تي في» اللبنانية (إنستغرام)

يحتفي البرنامج بالهوية اللبنانية الغنية بالثقافة والفن. التفاعل الجماهيري معه كبير وملحوظ، حيث تتصدر هاشتاغات البرنامج منصات التواصل الاجتماعي، ما يعكس اهتمام الجمهور العميق بالتراث والمرح في آن واحد.

دمار ومآسٍ

على الرغم من هذا القدر من الترفيه والروحانية، لا يمكن تجاهل الواقع القاسي والمؤلم الذي يعيشه العالم العربي. نشرات الأخبار والبرامج السياسية تظل على مدار الساعة تتابع الحروب والمجاعات التي تضرب مناطق مثل غزة، السودان، اليمن، لبنان، سوريا، وغيرها. وتُقدم تحديثات شبه لحظية، وتحليلات معمقة، وتقارير ميدانية تظهر الدمار والمعاناة الإنسانية.

مرآة عربية

ينتقل المشاهد بسرعة من فرحة الأغاني والتلاوات والرقصات التراثية إلى صدمة الأخبار الثقيلة، ما يعكس الفجوة بين المحتوى المبهج المتنوع والواقع المأساوي الحقيقي.

هذا التنوع في المحتوى الإعلامي ليس مجرد ترفيه أو سباق على المشاهدات، بل هو مرآة لمجتمع عربي يبحث عن توازنه الخاص بين النقد اللاذع والاحتفال، بين الخشوع الديني والمرح العفوي.

وفي خضم أزيز أخبار الحروب التي لا تتوقف، تبقى الشاشات مساحة واسعة يحاول من خلالها كل فرد أن يجد جزءاً من ذاته، سواء في صوت جميل يلامس الروح، أو في دقة إيقاع تراثي يربطه بأصوله، أو في أداء غنائي آسر للقلوب.


«تايم» بنسخة فرنسية... ومراهنة على نموذج ثلاثي الأبعاد

جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
TT

«تايم» بنسخة فرنسية... ومراهنة على نموذج ثلاثي الأبعاد

جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")

في خطوة وُصفت بأنها «ضخّ دماء جديدة» في عروق المشهد الإعلامي الفرنسي، وفي حين تعاني الصحافة المكتوبة من انحسار لافت، شهدت العاصمة باريس في 18 ديسمبر (كانون الأول) 2025، إطلاق النسخة الفرنسية من مجلة «تايم» الأميركية العريقة.

هذا الحدث يأتي بترخيص من المؤسسة الأم في نيويورك، ويمثل سابقة تاريخية، كونه يجعل من فرنسا الدولة الوحيدة خارج الولايات المتحدة التي تحظى بنسخة محلية مستقلة، تحمل الهوية البصرية والتحريرية لهذه العلامة التي يمتد تاريخها لأكثر من قرن.

جسر بين باريس ونيويورك

شركة «360 بيزنس ميديا» بقيادة الإعلامي دومينيك بوسو، المدير العام لمجلة «فوربس» المالية (الفرع الفرنسي) أشرفت على إطلاق العدد الأول من النسخة الفرنسية لمجلة «تايم»... «تايم فرنسا». وجاء محتوى هذا العدد، المكوّن من 200 صفحة، ليؤكد الهوية «الهجينة» للمجلة، إذ تضّمن 15 قسماً بين التحقيقات المحلية والتقارير الدولية. ولقد تصدّرت غلاف العدد الأول نجمة السينما الأميركية العالمية أنجلينا جولي، في حوار حصري وشامل، تناولت فيه مسارها الإنساني وأدوارها السينمائية الأخيرة، كما تميّز العدد بملفات تحليلية حول الذكاء الاصطناعي بمقابلة مع الفرنسي آرثر مينش، أحد رواد هذا المجال في أوروبا، وفيدجي سيمو، نائبة مدير شركة «أوبن آي». ضّم العدد أيضاً تقارير ميدانية من قلب حوض «الدونباس» الأوكراني، إضافة إلى حوارات مع شخصيات فرنسية بارزة، مثل عالم الرياضيات سيدريك فيلاني، والممثل بيير نيني. أما الفارق بين النسختين الفرنسية والإنجليزية فإنه يكمن في المحتوى، حيث تعتمد «تايم فرنسا» بنسبة 60 في المائة إلى 70 في المائة على محتوى فرنسي بحت، مع الحفاظ على «الثوابت» في الصرامة المهنية والتحقق المزدوج من صحة المعلومات (فاكت تشيكينغ). وبينما تتوحّد النسختان في اختيار «شخصية العام»، تركّز النسخة الفرنسية أكثر على القضايا الأوروبية والمحلية بتحليل أعمق، بعيداً عن مجرد الترجمة الحرفية.

جيسيكا سيبلي، الرئيسة التنفيذية لـ«تايم» الأميركية، شدّدت في تصريح صحافي على أن إطلاق النسخة الفرنسية يعكس «الالتزام بالوصول إلى جماهير جديدة وتقديم صحافة موثوقة برؤية عالمية».

ومن جانبه، صرّح دومينيك بوسو، المدير العام لـ«تايم فرنسا» بأن «الصحافة الفرنسية قد تبدو مأزومة بعض الشيء... لكن (تايم فرنسا) ستقدم نفَساً جديداً» بفضل مصداقية المجلة وتقاليدها الصارمة في تدقيق المعلومات.

وأما إليزابيث لازارو، رئيسة التحرير الفرنكو أميركية، فقد وصفت المجلة الجديدة في افتتاحيتها بأنها «كائن فضائي هجين» يقع في المنطقة الوسطى بين مجلات الأخبار ومجلات الصور، لتكون «جسراً يربط أوروبا بالعالم».

عنوان «تايم فرنسا»... بالفرنسية (مجلة «تايم»)

نموذج اقتصادي ثلاثي الأبعاد...

من جهة أخرى، في إطار نموذجها الاقتصادي، تراهن مجلة «تايم فرنسا» حقاً على مقاربة هجينة تجمع بين الصحافة الورقية، والحضور الرقمي المتنامي، إلى جانب أنشطة موازية تقوم على الفعاليات والرعاية.

ففي الشّق الورقي، تصدر المجلة 4 مرات في السنة في صيغة فصلية، مع طباعة تقارب 100 ألف نسخة لكل عدد، لا تُوزَّع في السوق الفرنسية فقط، بل تمتد إلى عدد من الدول الفرنكوفونية المجاورة، مثل بلجيكا ولوكسمبورغ وسويسرا وموناكو، في مسعى واضح إلى ترسيخ حضور إقليمي يتجاوز الحدود الوطنية. ولعل أسلوب التوزيع نفسه يعكس رهاناً على تعزيز القيمة الرمزية للعلامة، واستهداف جمهور نوعي. إذ يُباع نحو نصف النسخ (50 ألفاً) في أكشاك الصحف، في حين يُوجَّه النصف الآخر (50 ألفاً) إلى الفنادق الفاخرة وصالات كبار الشخصيات في المطارات، ما سيسمح للمجلة بالوصول إلى شريحة من القرّاء ذوي القدرة الشرائية المرتفعة، ويمنحها موقعاً مميزاً في سوق إعلانية شديدة التنافس.

وبالتوازي مع ذلك، تولي «تايم فرنسا» أهمية خاصة للحضور الرقمي، من خلال إطلاق موقع إلكتروني يعدّ ركيزة أساسية للنمو المستقبلي، سواء عبر الإعلانات الرقمية أو عبر توسيع قاعدة القرّاء والزوار، تمهيداً لاعتماد صيغ الاشتراك الرقمي.

أما الركيزة الثالثة في هذا النموذج الاقتصادي، فتتمثل في الفعاليات والرعاية والإصدارات الخاصة، وهي مقاربة سبق لمجموعة «بيزنس ميديا 360» المشرفة على «تايم فرنسا» أن اعتمدتها في عناوين إعلامية أخرى. وهي تعتمد على تنظيم مؤتمرات ولقاءات ونقاشات حصرية، تحمل توقيع «تايم»، وتؤدي دوراً مزدوجاً يتمثل في توليد عائدات مالية إضافية من جهة، وتعزيز حضور العلامة ومكانتها في المشهد الإعلامي والثقافي الفرنسي من جهة أخرى.

دومينيك بوسو (آ ف ب)

استقبال وسائل الإعلام

استقبلت الأوساط الإعلامية الفرنسية خبر إطلاق «تايم فرنسا» بترحيب غلب عليه التفاؤل. وكانت صحيفة «لوفيغارو» من أبرز المهلّلين لهذا المشروع، إذ أفردت مساحة واسعة للكلام عن «النجاح الريادي» للمجلة العريقة في سوق الصحافة المكتوبة، على الرغم من الوضعية المتأزمة. ولم تكتفِ الصحيفة بنقل الخبر، بل رسمت صورة تفيض بالثناء لدومينيك بوسو، العقل المدبّر وراء المشروع، واصفة إياه بـ«لوكي لوك الصحافة»، كونه الرجل الذي أطلق «فوربس فرنسا» ثم «أونيريك» والآن «تايم فرنسا». وجاء في مقتطفات من تقاريرها ما يلي: «مجلة (تايم) هي تجسيد للعصر الذهبي للصحافة الأميركية، حيث كانت تتدفق الأموال.. إن إطلاق النسخة الفرنسية في هذه السوق الصعبة يعدّ نجاحاً استثنائياً في ريادة الأعمال».

أما صحيفة «لوموند» فقد اعتمدت في تغطيتها بشكل كبير على برقيات وكالة الأنباء الفرنسية (أ.ف.ب)، التي صاغت أخبار الإطلاق بنبرة غلب عليها الانبهار بـ«التميز التحريري». ونقلت الصحيفة تأكيدات حول «الصحافة الموثوقة» و«الرؤية العالمية»، مركّزة على أن وصول «تايم» إلى فرنسا هو اعتراف بأهمية القارئ الفرنكوفوني المتميز. وورد في تقرير «لوموند»، نقلاً عن وكالة الأنباء: «إنه لشرف كبير وصول عنوان أيقوني كهذا إلى فرنسا، ليكون بمثابة همزة وصل بين الامتياز الأميركي والجمهور الفرنسي المثقف».

ومن جهتها، قدّمت صحيفة «ليزيكو» الاقتصادية الحدث على أنه «الخبر السار» الذي انتظرته النخبة الفرنكوفونية طويلاً. وشدّدت الصحيفة على أن «تايم فرنسا» تضع «التميز التحريري الأميركي في خدمة جمهور فرنسي منفتح على العالم». أما «ليبراسيون»، فبالرغم من مواكبتها للخبر، مالت في بعض زواياها إلى طرح تساؤلات حول «النموذج الاقتصادي» القائم على الترخيص أو (Licensing) ومدى قدرة المحتوى الفرنسي الأصلي (المقدّر بـ70 في المائة) على الحفاظ على استقلاليته وتفرده أمام هيمنة الخط التحريري الأميركي.

في خط موازٍ، أشارت بعض المنصّات الإخبارية المتخصصة، مثل «أري سور إيماج»، إلى أن إطلاق «تايم فرنسا» حظي بـ«مباركة» مبالغ فيها من كبريات الصحف، دون قراءة نقدية لمدى استدامة هذا النموذج الاقتصادي في سوق مشبعة، أو التساؤل عن مدى استقلالية هذا المشروع الجديد، ومدى مساهمته في تعزيز الصحافة النقدية والمسؤولة بدلاً من الانخراط في منطق الضجيج أو الترويج التجاري.


مطالب بـ«ضبط» ملخّصات «غوغل» عقب تقرير عن «معلومات زائفة»

شعار "غوغل" (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)
TT

مطالب بـ«ضبط» ملخّصات «غوغل» عقب تقرير عن «معلومات زائفة»

شعار "غوغل" (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)

ازدادت المخاوف أخيراً بشأن دقة المعلومات التي تظهر للمُستخدمين عبر ميزة ملخصات الذكاء الاصطناعي التي توفرها «غوغل»، وذلك بعد رصد أمثلة لمعلومات صحية وُصفت بأنها «زائفة». وبينما أكدت «غوغل» أن «الملخصات تأتي بمعلوماتها من مصادر معروفة»، شدد خبراء على أن «المرحلة الحالية تستدعي ضبطاً أكبر للمعايير»، وطالبوا بـ«ضبط» الملخّصات عبر تقوية آليات التحقق قبل عرضها.

كان تحقيق أجرته صحيفة «الغارديان» البريطانية مطلع يناير (كانون الثاني) الجاري، قد رصد معلومات صحية تتعلق بمرض السرطان، وصفها بأنها «مضللة». وعلى الأثر رد متحدث باسم «غوغل» قائلاً إن «العديد من الأمثلة الصحية التي جرت مشاركتها معهم كانت لقطات شاشة غير مكتملة. لكن من خلال ما استطاعوا تقييمه، تبين أنها مرتبطة بمصادر معروفة وذات سمعة طيبة».

الدكتور فادي عمروش، الباحث المتخصص في التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي التوليدي، ربط أزمة «المعلومات الزائفة» على ملخصات «غوغل» بـ«سهولة اختراق معايير الدقة الخاصة بالمنصة». وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أنه «وفق ما تنشره (غوغل) رسمياً، فإنها تعتمد على المعايير ذاتها التي تستخدمها في ترتيب نتائج البحث التقليدية، كما تطبّق أنظمة لرصد وتجنّب المحتوى المضلّل، لكن على الرغم من قوة هذه المعايير نظرياً، فإنّها تبقى عرضة للتلاعب، تماماً كما يحدث في مجال تحسين محركات البحث، إذ يمكن لناشرين التلاعب بالترتيب وجعل محتوى منخفض الجودة يتصدر النتائج بخداع الخوارزمية لأغراض تسويقية أو لجذب الزيارات، مما يعني أن الملخصات التوليدية قد تتأثر هي الأخرى بهذا».

عمروش أشار إلى «أهمية إلزام الملخصات بإظهار مصادر واضحة وقابلة للتتبع»، وقال إنها «خطوة جوهرية لتعزيز الدقة وتقليل فرص التضليل»، لكنه عدّ ما تقوم به «غوغل» حالياً غير كافٍ «وهو وضع إشارة رابط في نهاية النتيجة لا ينتبه له الكثيرون ولا ينقرون عليه، لذلك لا يكفي أن يُذكر المصدر بطريقة شكلية أو ضمنية، بل يجب أن يكون واضحاً، ومباشراً، وقادراً على دفع المستخدم للنقر والتحقق». وطالب بأن «يُصمم النظام بطريقة تُشجع على التحرّي، من خلال عرض الجهة الناشرة، وتاريخ التحديث، وحتى تقييم موثوقية الموقع، إذ ليس من المنطقي تبرير عرض معلومة خاطئة لمجرد أن مصدراً ما قد كتبها».

للعلم، كانت «غوغل» قد أطلقت خدمة الملخصات المولَّدة بالذكاء الاصطناعي في مايو (أيار) 2024، وكان الهدف «تقديم إجابات سريعة ومباشرة للمستخدم، عبر توليد معلومات مستخلصة من مصادر ويب متعددة وموثوقة»، حسب الوثائق الرسمية الصادرة عن المنصة.

على هذا علق عمروش قائلاً إن «(غوغل) تبحث عن إجابة مدعومة بمحتوى منشور على الإنترنت، لا مجرد نصّ مولّد من دون أساس معرفي واضح»، وأردف: «هنا تكمن أزمة السقوط في فخ المعلومات الزائفة، لأن الإشكالية الكبرى التي يغفل عنها كثيرون، هي أن المحتوى المنشور على الإنترنت ليس بالضرورة دقيقاً أو موثوقاً، إذ تطغى عليه الشعبوية والتضليل ويهدف لحصد الزيارات من المستخدمين». وتابع: «فضلاً عن أساليب التسويق واتباع طرق تحسين محركات البحث (SEO) لكي يكون في المرتبة الأولى، والتي قد تؤدي إلى تصدُّر معلومات غير صحيحة لمجرد تكرارها».

من جهته، قال محمد الكبيسي، خبير الإعلام الرقمي المقيم في فنلندا، لـ«الشرق الأوسط»، إن «ضمانات الدقة والشفافية تبدأ بضمان الاعتراف الدقيق بالمحتوى الأصلي». وأضاف: «بشكل عام، القلق من ظهور محتوى مضلل داخل الملخصات، طبيعي ومبرَّر، لأنه قد يدفع المستخدم إلى تصديق إجابة جاهزة من دون تدقيق». واستطرد أن «المطلوب ليس رفض التقنية، بل تشديد الضمانات، عبر تقوية آليات التحقق قبل عرض الملخصات، والاعتماد على مصادر طبية وعلمية معروفة، ومراجعة المحتوى الذي يُستند إليه دورياً، مع إظهار تنبيه واضح يدعو المستخدم إلى الرجوع إلى مختص عند المعلومات الحساسة حتى تكون النتائج أدق وأكثر موثوقية».

الكبيسي أبدى اعتقاده أن «ثمة دوراً موازياً ينبغي أن تضطلع به المؤسسات الإخبارية الكبرى للمساهمة في ضبط منظومة المعلومات الموثوقة والحد من المحتوى الزائف». وذكر أنه «من المهم أن تعمل هذه المؤسسات على تطوير استراتيجيات رقمية فعالة تتناسب مع التطوّر السريع في العالم الرقمي وآلياته، والتأكد من أن تقنيات الذكاء الاصطناعي تُبرز المصادر بوضوح».