الجزائر: شبح مقاطعة الانتخابات يؤرق النظام

الناخبون مخيَرون يوم 4 مايو بين المؤسسات... والمصير الليبي للفوضى

الجزائر: شبح مقاطعة الانتخابات يؤرق النظام
TT

الجزائر: شبح مقاطعة الانتخابات يؤرق النظام

الجزائر: شبح مقاطعة الانتخابات يؤرق النظام

تبدي الحكومة الجزائرية حرصا شديدا على أن يتوجه الناخبون إلى صناديق الاقتراع، بكثافة يوم 4 مايو (أيار) المقبل، وتتعامل مع الاستحقاق البرلماني المرتقب على أنه مسألة حياة أو موت تخص شعبا بكامله. وعلى هذا الأساس، لا يتردد رئيس الوزراء وأعضاء الحكومة، وكذلك الأحزاب الموالية لها، في ممارسة التخويف من مصير شبيه بما يجري في ليبيا من فوضى وخراب، إذا تجاوبت غالبية الجزائريين مع الدعوة إلى مقاطعة الانتخاب. ويقول مراقبون إن أكثر ما تخشاه السلطات، ليس تغيب الناخبين عن مراكز التصويت، بل اختيارهم غالبية أخرى غير تلك التي تهيمن على مؤسسة التشريع منذ وصول الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إلى الحكم قبل 18 سنة، وتتمثل في «جبهة التحرير الوطني»، أي حزب الرئيس، و«التجمع الوطني الديمقراطي» بقيادة وزير الدولة مدير الديوان بالرئاسة أحمد أويحيى الذي يعد من أبرز مساعدي بوتفليقة، وهو رئيس حكومته سابقاً.
جمعت «الشرق الأوسط» آراء شخصيات سياسية وناشطين ومواقفهم، بخصوص الرهانات المرتبطة بالانتخابات البرلمانية الجزائرية المقررة يوم 4 مايو المقبل، ونتائجها المتوقعة، وقراءاتهم لـ«الهوس الحكومي»، بخصوص دفع الملايين من الناخبين إلى التصويت. وقال وزير الدولة سابقا أبو جرة سلطاني: «دخلت التشكيلات السياسية، التي تجاوزت عقبة 4 في المائة (الحد الأدنى من الأصوات المحصل عليها في آخر انتخابات)، مضمار السباق نحـو قصر زيغود يوسف (مبنى البرلمان)، في أجـواء الاصطفاف على باب انتخابات الرئاسة المرتقبة دستوريا سنة 2019. وقبل إطلاق صافرة الركض تلقاء الحملة رسميا، قـرأ الرأي العام الوطني في الصفحة الأولى لحملة الانتخابات عنوانين بارزين: (لا تحلمـوا بالتغييـر فالاستمـرارية ضمان استقـرارنا، ولا يوجد من بين المتسابقيـن جواد يملك منافسة الحصان العتيد). وطبعاً: (الحصان العتيد) يقصد به (جبهة التحرير) الحزب الواحد الحاكم سابقاً».
وبحسب سلطاني، هذا يعني أن الأمور ستبقى على حالها «... وأن الكعكة البرلمانية ستحتفظ بأقساطها التقليدية لصالح الأُسـر السياسية، وليس لحساب الأحزاب المتنافسة ولا درّ في الصدفّ». ويفهم من كلام سلطاني، أن سيطرة ما يسمى «أحزاب الموالاة» على البرلمان ستستمر لخمس سنوات أخرى. ويضيف سلطاني «نصف الكعكة سيكون من نصيب الأسرة الوطنية، وثلثها للتيار العلماني وحواشيه، وأقل من خمسها بقليل سيتقاسمه التيار الإسلامي والمنشقون عنه... ويبقى ربع العشـر من فُتات الكعكة يؤول إلى المستقلين. بهذا المشهد الراجح يحتفظ تحالف الوطنيين والعلمانيين بالأغلبية الساحقة لتشكيل الحكومة المقبلة. ويُفتح للتيار الإسلامي رواق ضيّق لمـن تابوا وأصلحـوا وبينوا. أما المقاطعون فلا حظ لهم في عيـر النظام، ولا تأثيـر لهم على نفير الشعب. فلا شيء تغيّـر في برمجيات النظام، ولا جديد في برامج الأحـزاب، ولن تحرك الشعب دغدغات العواطف. فالكتلة الناخبة تصارع وحدها أزمة تدهـور القدرة الشرائية، وتحترق وحدها بلظى التهاب الأسعار...».

الانسجام المهدّد
أما قراءة أحميدة عياشي، الكاتب الصحافي والروائي المسرحي المعروف، لمجريات العملية الانتخابي، فهي كما يلي «تعيش السلطة اليوم لحظة في غاية الحرج؛ كونها لم تغيّر من الوضع شيئا منذ الولاية الرابعة لبوتفليقة، بل ازداد الوضع تدهورا على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي، ولم يتحقق أي شيء من الوعود التي قدمت للجزائريين منذ أربع سنوات. وحتى الانسجام النسبي الذي كان داخل سرايا الحكم قد تصدع، وبات الصراع الخفي شبه معلن بين هيئة أركان الجيش ورئاسة الجمهورية، التي أضحت أكثر هشاشة بسبب مرض الرئيس بوتفليقة، وغيابه عن المشهد السياسي الفعلي؛ ما جعل المخاوف تتعاظم والقلق يتزايد».
وحقاً، يرى كثير من المراقبين، أن الاضطراب الذي يميز تصرّفات رجال النظام وخوفهم من التغيير بمناسبة الاستحقاق المرتقب، سببه مرض الرئيس وغموض الرؤية بخصوص مصيره في الحكم، وشكوك قوية في قدرته على الاستمرار إلى نهاية الولاية الرابعة عام 2019. وحسب عياشي فإن «المحيط الإقليمي (الأوضاع في ليبيا ومالي) ظل يشكل شبحا بالنسبة للاستقرار الذي ضخت السلطة من أجل الحفاظ عليه - ولا تزال - أموالا طائلة. ومن هنا أدركت الحكومة اليوم أنها تواجه خطرا غير مسبوق؛ ما جعلها تتفاوض في الخفاء، وبشكل فردي، مع المعارضة... التي هي الأخرى تعيش لحظة ضعف وتمزق وفقدان شرعية حقيقية في الشارع، بغية الوصول إلى مشهد توافقي صوري. وتمت خلال ذلك عملية مقايضة، بحيث تبدو السلطة وكأنها تملك مصداقية وشرعية، نظير حصول المعارضة على مقابل متمثل في المحاصصة التي تضمن لها مقاعد في البرلمان وحقائب في الحكومة المرتقبة. كل ذلك يجري تمهيدا لتموقع جديد في ظل انتخابات الرئاسة المنتظرة، لكن هذه التسوية تتم في حالة من اللامبالاة وانعدام الثقة عند المواطنين».
ويتابع عياشي «في الحقيقة، تسعى السلطة من وراء هذه الصفقة إلى إشراك المعارضة أو جزء منها، في تحمل مسؤولية فشل الحقبة الأخيرة من حكم بوتفليقة. ومن هنا نلاحظ هذه النبرة الحادة من الحكومة، تجاه من طالبوا من الأقلية المتواجدة في المعارضة من تيارات وشخصيات سياسية بمقاطعة الانتخابات، واتهامهم بالعمالة لقوى أجنبية مفترضة تريد الشر للجزائر، ومن ثم، تقديمهم إلى الرأي العام على أساس أنهم يمثلون محور الشر. وبذلك؛ تعيد السلطة إنتاج الخطاب نفسه الذي استعملته ضد الذين عارضوا الولاية الرابعة لبوتفليقة، محاولة بذلك قطع الطريق أمام انطلاق شرارة الموجة الثانية من (الربيع الجزائري)، التي تستميت السلطات في الحؤول دون اندلاعه. وكل هذا، والجبهة الاجتماعية خصوصا تعيش وضعا غير مسبوق من حيث الانحدار اللافت للقدرة الشرائية للجزائريين، وعجز السلطة في ظروف الأزمة الاقتصادية عن شراء السلم الاجتماعي... كما فعلت في وقت الرخاء». ويطلق مسمى «السلم الاجتماعي» في الجزائر على إجراءات اتخذت في زمن الوفرة، كتوزيع السكن واستيراد كماليات كثيرة؛ بغية ثني الجزائريين عن المطالبة بتغيير النظام.

المقاطعة... والديمقراطية
في المقابل، يبدو ناصر حمدادوش، البرلماني الإسلامي والقيادي في «حركة مجتمع السلم»، أقل تشاؤما من عياشي، فوفق مرئياته «الأصل أن هذه الانتخابات فرصة للجزائر لتثبت احترام الإرادة الشعبية بالآلية الديمقراطية من أجل التغيير والإصلاح الحقيقي. ولذلك؛ لا يسعنا إلا أن نشارك فيها بقوة، لانعدام أي مشروع سياسي آخر وبديل عملي فاعل لتحقيق التغيير. ونحن بصفتنا حزبا قدمنا ما علينا في هذا الشأن رسائل سياسية إيجابية، والكرة الآن في مرمى السلطة لإثبات حسن النية للعبور بالبلاد إلى بر الأمان، ولاحتواء أي أزمة محتملة في المستقبل قد تعصف بمؤسسات شرعية وذات مصداقية».
ويتفق حمدادوش إلى حد ما مع الحكومة، بخصوص مقاطعة الاستحقاق، قائلا: «المقاطعة ليست برنامجاً سياسيا، بل هي موقف. وإذا تغنى البعض بأن الأغلبية الصامتة تعتبر مقاطعة، منذ توقيف المسار الانتخابي عام 1991 (إلغاء نتائج انتخابات البرلمان التي فازت بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ)، فماذا قدمت الأغلبية ما عدا الركون إلى الحلول المريحة والسهلة؟». ويستطرد «المقاطعة لا تخدم إلا استمرار الوضع كما هو، وهو ما يعني الانسحاب والسلبية التي لا تخدم إلا مزوّري الانتخابات. إن الاستماتة في المقاطعة لا تعني أننا سنصل إلى الديمقراطية الحقيقية. وللأسف الشديد لا تزال الإرادة السياسية العليا غائبة بخصوص احترام الإرادة الشعبية عبر الآلية الديمقراطية؛ وهو ما يجعل ذهنية السيطرة والتحكم في نتائج الانتخابات مهيمنة، وبالتالي، لا يسمح بالتداول السلمي على السلطة. ولكن رغم كل ذلك، تبقى المقاومة السياسية والنضال الديمقراطي مستمرا؛ لأن الحقوق تُؤخذ ولا تُعطى».
من جانب ثانٍ، يلاحظ حمدادوش أن «تصرفات السلطة تزيد في العزوف الانتخابي، وبخاصة عندما تكرّر الأسطوانة المشروخة نفسها حول تخيير المواطن بين الأمن والاستقرار وبين الديمقراطية»، في إشارة إلى تصريحات لمسؤولين جاء فيها أن «شبح الحرب الأهلية في ليبيا، يخيم على الجزائر إذا تخلف الجزائريون عن انتخاب مؤسساتهم الشرعية». ويتابع البرلماني الإسلامي، موضحاً موقفه وموقف تياره السياسي «إن هواجسنا من التزوير، الذي هو أخطر أنواع الفساد التي تهدد مستقبل البلاد، مبنية على سوابق حقيقية. وعندما يتبجّح الآن رموز السلطة بأن التزوير خلال المواعيد السابقة كان ضرورة لمصلحة البلاد، فهو إيحاء سلبي لتهيئة الرأي العام لقبول التزوير في المستقبل، لأن الظروف الحالية أسوأ وأخطر من السابق».

رؤية لاجئ من الخارج
من جهته، يقول: أنور هدام، اللاجئ السياسي بالولايات المتحدة الأميركية ورئيس «حركة الحرية والعدالة الاجتماعية» إن الوضع في الجزائر يتميز بـ«غياب إرادة حقيقية للتغيير السلمي والتداول الحضاري على السلطة لدى، أصحاب القرار». ويعود هدام إلى الوعود بالإصلاح الدستوري التي سبق أن أطلقها الرئيس بوتفليقة قبل 6 سنوات، فيقول: «الإصلاحات السياسية التي أعلنها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في خطاب يوم 14 أبريل (نيسان) 2011 في خضم الربيع الديمقراطي الذي شهدته آنذاك منطقتنا، زرعت آمالا كبيرة في نفوس الجزائريين لإحداث تحول سياسي سلمي يضع حدا لأزمة اختيار السلطة السياسية في البلد، وما ترتب عنها من أزمات أمنية واجتماعية واقتصادية. لكن كما لوحظ بحق الكثير من النشطاء السياسيين وحقوق الإنسان الجزائريين، فإن مجموعة القوانين التي صدرت لتنفيذ تلك الإصلاحات السياسية، كخطوة لتعميق العملية الديمقراطية، زادت في الواقع من التضييق على المجتمع والحقل السياسي».
وهنا يرى القيادي البارز في «جبهة الإنقاذ» سابقاً (استقال من صفوفها) أن «لهذه الإصلاحات التجميلية السطحية، والاستمرار في سياسة الاستبعاد غير العادلة لجزء كبير من المجتمع من العملية السياسية، تأثيرا مباشرا، ليس فقط على شفافية الانتخابات المقبلة، لكن أيضا على المجتمع الجزائري ككل ومستقبله، فضلا عن المنطقة المغاربية برمتها». ثم يلاحظ «عدم وجود بيئة سياسية صحية يمكن أن تجري فيها انتخابات نزيهة». ويتابع هدام إن «أصحاب القرار يعتبرون في الانفتاح الديمقراطي الذي تشهده بعض الدول المجاورة - رغم تعثره - تهديدا لاستقرار الجزائر والمنطقة ينبغي وضع حد له. ومن هنا استمرارهم في رفض وعرقلة التحول الديمقراطي في بلدنا؛ ذلك أن الإدارة ما زالت منحازة ومدجنة، حيث لا سلطة حقيقية للجنة مراقبة الانتخابات على العملية الانتخابية».
ويضيف هدام «هناك شريحة عريضة من السياسيين، ما زالت ممنوعة من حق الترشح في الانتخابات» - في إشارة إلى قياديي وحركيي «الإنقاذ» الذين تحملهم السلطة مسؤولية الدماء التي سالت خلال الحرب الأهلية، في تسعينات القرن الماضي - ويستطرد «ما زال جزء كبير ممن انتخبهم الشعب في أكثر الانتخابات نزاهة عرفتها الجزائر منذ الاستقلال (1991)، ممنوعا من ممارسة حقوقه المدنية والسياسية، بتهمة وقوفه وراء المأساة الوطنية، بعيدا عن أي تحقيق مستقل في كل الجرائم التي ارتكبت بحق الأبرياء، وفي غياب أي حكم قضائي يحدد المسؤوليات في تلك الأحداث الأليمة... كل ذلك يشكل عقبات في وجه التغيير المنشود ووسيلة تزوير مسبق للانتخابات والتلاعب بنتائجها».
وتجدر الإشارة، إلى أن في الجزائر، ما يسمى بـ«العشرية السوداء» التي ترمز إلى الإرهاب والدمار، دفعت بالسلطة إلى اتخاذ تدابير دستورية وقانونية، حدّت من نطاق انتشار الإسلامويين سياسيا. وجرت مساع لعودة هدام إلى الجزائر عام 2006 في إطار سياسة «المصالحة»، لكن جهة في النظام رفضت ذلك، وتتهم السلطات هدام بتبني عملية إرهابية وقعت عام 1994 بقلب العاصمة خلفت 40 قتيلا، بينما هو ينفي ذلك. ويرى هدام أنه «رغم سلبيات الوضع الحالي، فإن آفاق تحقيق تحول ديمقراطي حقيقي في الجزائر، التي قد تُفتح على الشعب الجزائري، تدفعنا في حركة الحرية والعدالة الاجتماعية إلى تجديد الدعوة لكل مخلص وطني له يد داخل السلطة الفعلية، ممن هم جادين في مسألة إحداث التغيير المنشود، إلى تكثيف التواصل للمساهمة الحقيقية والفعلية... وذلك من أجل تحقيق توافق وطني للعمل معا لرفض الاستمرار في تنظيم انتخابات مزورة حتى قبل أن تجري، وتوفير الظروف المناسبة لتنظيم انتخابات تعددية نزيهة وشفافة تسمح لشعبنا بتحقيق تحول ديمقراطي حقيقي، من خلال فتح المجال للمشاركة السياسية لجميع الجزائريين دون أي إقصاء؛ وإطلاق هيئة انتخابات مستقلة حقيقة تشرف على العملية الانتخابية من بدايتها إلى نهايتها، ونشر قائمة لائحة الناخبين؛ والتعهد باحترام نتائج الانتخابات. إن الانتخابات التي تهدف إلى فرض اختيار أصحاب القرار، بدلا أن تتيح للشعب انتخاب ممثليه، لا تكرس الفساد والاسترزاق بالمال العام فحسب، بل تحرم كذلك المجتمع من الأمل بأي إصلاح أو تغيير سلمي».

برلمان عاجز عن الرقابة
على صعيد آخر، للباحث عدة فلاحي، الذي كان برلمانيا قبل أكثر من 10 سنوات، رأي في الحراك السياسي الجاري المرتبط بالاقتراع؛ إذ يقول: «السلطة التشريعية على العموم بالجزائر هي سلطة شكلية، وجدت لإعطاء الشرعية للسلطة التنفيذية وللنظام أكثر من كونها معبرة عن توجهات وخيارات المواطن. ولو كان الأمر غير ذلك، لتمت تسوية الكثير من الملفات وحلّ الكثير من الأزمات السياسية والاقتصادية، التي تكبر ككرة الثلج، وبالخصوص، مع تراجع نوعية المنتخبين بالمجلس التشريعي... الذي للأسف شهد أسوأ فتراته حينما جاء على رأسه شخصية من المفروض أنها كانت تحسب على النخبة المثقفة، وهو الدكتور العربي ولد خليفة. وهذه صورة أخرى من البؤس المؤسساتي، حينما يخفق رجل مثقف في أن يعطي للمؤسسة التشريعية مصداقيتها وصلاحياتها، فإذا كان هذا هو الحال وهذه هي النتيجة، كيف يمكن التعويل على من هو دونه في المستوى وفي التجربة؟!».
ويفضل فلاحي التعاطي مع الاستحقاق، بطرح السؤال التالي «هل مطلوب من البرلمان أن يشرَع القوانين... أم يناقش ويصادق على النصوص التي تأتيه من الحكومة...أو في شكل أوامر رئاسية؟ حتى هذه الصلاحية الأساسية أخفق فيها، ولم يعد يجتهد في أن يصدر تشريعات لمصلحة المواطن، بل يكتفي بالتنديد والشجب وإصدار البيانات في أحسن الحالات». ويردف «أمام العجز في مجال التشريع والمحدودية في أداء مهمة الرقابة على أعمال الحكومة، وغياب النواب عن الجلسات العامة وأشغال اللجان البرلمانية، واللجوء للطرق السهلة في طرح الأسئلة الشفوية، التي توظف في الغالب كإشهار لصاحبها أكثر من الرغبة في الوصول إلى الحقيقة، والتكفل بانشغال المواطن، لا يمكن أن نتفاءل خيراً بالبرلمان الجديد؛ لأن غالبيته للأسف ستكون مكلفة بمهمة ليست مهمة النائب».
وبشأن التخويف من «مستقبل مظلم»، إذا لم ينتخب الجزائريون بقوة الشهر المقبل، يرى فلاحي أن «التخوّف والتخويف دليل على هشاشة السلطة، وإلا لترك الأمر يمر عاديا. ولو عالجت السلطة المشكلات أيام الأمن والرخاء لما احتاجت إلى علاجات أخرى تخلق بها «فوبيا البلقنة» التي تعيشها بعض الدول العربية. ولكن أمام هذا المأزق السياسي المزمن، تتحمل النخبة المثقفة بمن فيها رجال الدين، المسؤولية. فما معنى أن تدعو بعض الزوايا المهتمة بتحفيظ القرآن، في خطاباتها إلى ضرورة الذهاب للانتخابات؟ ألم يقل وزير الشؤون الدينية محمد عيسى بأن الزوايا مستقلة عن الحكومة... ولا دخل لها في السياسة؟».
إن التخويف لأكبر دليل على أن «السلطة معطوبة»، كما قال الراحل عبد الحميد مهري (أمين عام «جبهة التحرير» سابقاً). والمفارقة الآن هي أن السلطة تريد أن تبقى معطوبة... وكأن ذلك هو الذي يعطيها حق البقاء؛ لأن هذا العطب توظفه لصالحها بالتخويف. وللأسف مرة أخرى، عطب السلطة أضحى وسيلة للبقاء وليس مدعاة للتغيير!».



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.