الجزائر: شبح مقاطعة الانتخابات يؤرق النظام

الناخبون مخيَرون يوم 4 مايو بين المؤسسات... والمصير الليبي للفوضى

الجزائر: شبح مقاطعة الانتخابات يؤرق النظام
TT

الجزائر: شبح مقاطعة الانتخابات يؤرق النظام

الجزائر: شبح مقاطعة الانتخابات يؤرق النظام

تبدي الحكومة الجزائرية حرصا شديدا على أن يتوجه الناخبون إلى صناديق الاقتراع، بكثافة يوم 4 مايو (أيار) المقبل، وتتعامل مع الاستحقاق البرلماني المرتقب على أنه مسألة حياة أو موت تخص شعبا بكامله. وعلى هذا الأساس، لا يتردد رئيس الوزراء وأعضاء الحكومة، وكذلك الأحزاب الموالية لها، في ممارسة التخويف من مصير شبيه بما يجري في ليبيا من فوضى وخراب، إذا تجاوبت غالبية الجزائريين مع الدعوة إلى مقاطعة الانتخاب. ويقول مراقبون إن أكثر ما تخشاه السلطات، ليس تغيب الناخبين عن مراكز التصويت، بل اختيارهم غالبية أخرى غير تلك التي تهيمن على مؤسسة التشريع منذ وصول الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إلى الحكم قبل 18 سنة، وتتمثل في «جبهة التحرير الوطني»، أي حزب الرئيس، و«التجمع الوطني الديمقراطي» بقيادة وزير الدولة مدير الديوان بالرئاسة أحمد أويحيى الذي يعد من أبرز مساعدي بوتفليقة، وهو رئيس حكومته سابقاً.
جمعت «الشرق الأوسط» آراء شخصيات سياسية وناشطين ومواقفهم، بخصوص الرهانات المرتبطة بالانتخابات البرلمانية الجزائرية المقررة يوم 4 مايو المقبل، ونتائجها المتوقعة، وقراءاتهم لـ«الهوس الحكومي»، بخصوص دفع الملايين من الناخبين إلى التصويت. وقال وزير الدولة سابقا أبو جرة سلطاني: «دخلت التشكيلات السياسية، التي تجاوزت عقبة 4 في المائة (الحد الأدنى من الأصوات المحصل عليها في آخر انتخابات)، مضمار السباق نحـو قصر زيغود يوسف (مبنى البرلمان)، في أجـواء الاصطفاف على باب انتخابات الرئاسة المرتقبة دستوريا سنة 2019. وقبل إطلاق صافرة الركض تلقاء الحملة رسميا، قـرأ الرأي العام الوطني في الصفحة الأولى لحملة الانتخابات عنوانين بارزين: (لا تحلمـوا بالتغييـر فالاستمـرارية ضمان استقـرارنا، ولا يوجد من بين المتسابقيـن جواد يملك منافسة الحصان العتيد). وطبعاً: (الحصان العتيد) يقصد به (جبهة التحرير) الحزب الواحد الحاكم سابقاً».
وبحسب سلطاني، هذا يعني أن الأمور ستبقى على حالها «... وأن الكعكة البرلمانية ستحتفظ بأقساطها التقليدية لصالح الأُسـر السياسية، وليس لحساب الأحزاب المتنافسة ولا درّ في الصدفّ». ويفهم من كلام سلطاني، أن سيطرة ما يسمى «أحزاب الموالاة» على البرلمان ستستمر لخمس سنوات أخرى. ويضيف سلطاني «نصف الكعكة سيكون من نصيب الأسرة الوطنية، وثلثها للتيار العلماني وحواشيه، وأقل من خمسها بقليل سيتقاسمه التيار الإسلامي والمنشقون عنه... ويبقى ربع العشـر من فُتات الكعكة يؤول إلى المستقلين. بهذا المشهد الراجح يحتفظ تحالف الوطنيين والعلمانيين بالأغلبية الساحقة لتشكيل الحكومة المقبلة. ويُفتح للتيار الإسلامي رواق ضيّق لمـن تابوا وأصلحـوا وبينوا. أما المقاطعون فلا حظ لهم في عيـر النظام، ولا تأثيـر لهم على نفير الشعب. فلا شيء تغيّـر في برمجيات النظام، ولا جديد في برامج الأحـزاب، ولن تحرك الشعب دغدغات العواطف. فالكتلة الناخبة تصارع وحدها أزمة تدهـور القدرة الشرائية، وتحترق وحدها بلظى التهاب الأسعار...».

الانسجام المهدّد
أما قراءة أحميدة عياشي، الكاتب الصحافي والروائي المسرحي المعروف، لمجريات العملية الانتخابي، فهي كما يلي «تعيش السلطة اليوم لحظة في غاية الحرج؛ كونها لم تغيّر من الوضع شيئا منذ الولاية الرابعة لبوتفليقة، بل ازداد الوضع تدهورا على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي، ولم يتحقق أي شيء من الوعود التي قدمت للجزائريين منذ أربع سنوات. وحتى الانسجام النسبي الذي كان داخل سرايا الحكم قد تصدع، وبات الصراع الخفي شبه معلن بين هيئة أركان الجيش ورئاسة الجمهورية، التي أضحت أكثر هشاشة بسبب مرض الرئيس بوتفليقة، وغيابه عن المشهد السياسي الفعلي؛ ما جعل المخاوف تتعاظم والقلق يتزايد».
وحقاً، يرى كثير من المراقبين، أن الاضطراب الذي يميز تصرّفات رجال النظام وخوفهم من التغيير بمناسبة الاستحقاق المرتقب، سببه مرض الرئيس وغموض الرؤية بخصوص مصيره في الحكم، وشكوك قوية في قدرته على الاستمرار إلى نهاية الولاية الرابعة عام 2019. وحسب عياشي فإن «المحيط الإقليمي (الأوضاع في ليبيا ومالي) ظل يشكل شبحا بالنسبة للاستقرار الذي ضخت السلطة من أجل الحفاظ عليه - ولا تزال - أموالا طائلة. ومن هنا أدركت الحكومة اليوم أنها تواجه خطرا غير مسبوق؛ ما جعلها تتفاوض في الخفاء، وبشكل فردي، مع المعارضة... التي هي الأخرى تعيش لحظة ضعف وتمزق وفقدان شرعية حقيقية في الشارع، بغية الوصول إلى مشهد توافقي صوري. وتمت خلال ذلك عملية مقايضة، بحيث تبدو السلطة وكأنها تملك مصداقية وشرعية، نظير حصول المعارضة على مقابل متمثل في المحاصصة التي تضمن لها مقاعد في البرلمان وحقائب في الحكومة المرتقبة. كل ذلك يجري تمهيدا لتموقع جديد في ظل انتخابات الرئاسة المنتظرة، لكن هذه التسوية تتم في حالة من اللامبالاة وانعدام الثقة عند المواطنين».
ويتابع عياشي «في الحقيقة، تسعى السلطة من وراء هذه الصفقة إلى إشراك المعارضة أو جزء منها، في تحمل مسؤولية فشل الحقبة الأخيرة من حكم بوتفليقة. ومن هنا نلاحظ هذه النبرة الحادة من الحكومة، تجاه من طالبوا من الأقلية المتواجدة في المعارضة من تيارات وشخصيات سياسية بمقاطعة الانتخابات، واتهامهم بالعمالة لقوى أجنبية مفترضة تريد الشر للجزائر، ومن ثم، تقديمهم إلى الرأي العام على أساس أنهم يمثلون محور الشر. وبذلك؛ تعيد السلطة إنتاج الخطاب نفسه الذي استعملته ضد الذين عارضوا الولاية الرابعة لبوتفليقة، محاولة بذلك قطع الطريق أمام انطلاق شرارة الموجة الثانية من (الربيع الجزائري)، التي تستميت السلطات في الحؤول دون اندلاعه. وكل هذا، والجبهة الاجتماعية خصوصا تعيش وضعا غير مسبوق من حيث الانحدار اللافت للقدرة الشرائية للجزائريين، وعجز السلطة في ظروف الأزمة الاقتصادية عن شراء السلم الاجتماعي... كما فعلت في وقت الرخاء». ويطلق مسمى «السلم الاجتماعي» في الجزائر على إجراءات اتخذت في زمن الوفرة، كتوزيع السكن واستيراد كماليات كثيرة؛ بغية ثني الجزائريين عن المطالبة بتغيير النظام.

المقاطعة... والديمقراطية
في المقابل، يبدو ناصر حمدادوش، البرلماني الإسلامي والقيادي في «حركة مجتمع السلم»، أقل تشاؤما من عياشي، فوفق مرئياته «الأصل أن هذه الانتخابات فرصة للجزائر لتثبت احترام الإرادة الشعبية بالآلية الديمقراطية من أجل التغيير والإصلاح الحقيقي. ولذلك؛ لا يسعنا إلا أن نشارك فيها بقوة، لانعدام أي مشروع سياسي آخر وبديل عملي فاعل لتحقيق التغيير. ونحن بصفتنا حزبا قدمنا ما علينا في هذا الشأن رسائل سياسية إيجابية، والكرة الآن في مرمى السلطة لإثبات حسن النية للعبور بالبلاد إلى بر الأمان، ولاحتواء أي أزمة محتملة في المستقبل قد تعصف بمؤسسات شرعية وذات مصداقية».
ويتفق حمدادوش إلى حد ما مع الحكومة، بخصوص مقاطعة الاستحقاق، قائلا: «المقاطعة ليست برنامجاً سياسيا، بل هي موقف. وإذا تغنى البعض بأن الأغلبية الصامتة تعتبر مقاطعة، منذ توقيف المسار الانتخابي عام 1991 (إلغاء نتائج انتخابات البرلمان التي فازت بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ)، فماذا قدمت الأغلبية ما عدا الركون إلى الحلول المريحة والسهلة؟». ويستطرد «المقاطعة لا تخدم إلا استمرار الوضع كما هو، وهو ما يعني الانسحاب والسلبية التي لا تخدم إلا مزوّري الانتخابات. إن الاستماتة في المقاطعة لا تعني أننا سنصل إلى الديمقراطية الحقيقية. وللأسف الشديد لا تزال الإرادة السياسية العليا غائبة بخصوص احترام الإرادة الشعبية عبر الآلية الديمقراطية؛ وهو ما يجعل ذهنية السيطرة والتحكم في نتائج الانتخابات مهيمنة، وبالتالي، لا يسمح بالتداول السلمي على السلطة. ولكن رغم كل ذلك، تبقى المقاومة السياسية والنضال الديمقراطي مستمرا؛ لأن الحقوق تُؤخذ ولا تُعطى».
من جانب ثانٍ، يلاحظ حمدادوش أن «تصرفات السلطة تزيد في العزوف الانتخابي، وبخاصة عندما تكرّر الأسطوانة المشروخة نفسها حول تخيير المواطن بين الأمن والاستقرار وبين الديمقراطية»، في إشارة إلى تصريحات لمسؤولين جاء فيها أن «شبح الحرب الأهلية في ليبيا، يخيم على الجزائر إذا تخلف الجزائريون عن انتخاب مؤسساتهم الشرعية». ويتابع البرلماني الإسلامي، موضحاً موقفه وموقف تياره السياسي «إن هواجسنا من التزوير، الذي هو أخطر أنواع الفساد التي تهدد مستقبل البلاد، مبنية على سوابق حقيقية. وعندما يتبجّح الآن رموز السلطة بأن التزوير خلال المواعيد السابقة كان ضرورة لمصلحة البلاد، فهو إيحاء سلبي لتهيئة الرأي العام لقبول التزوير في المستقبل، لأن الظروف الحالية أسوأ وأخطر من السابق».

رؤية لاجئ من الخارج
من جهته، يقول: أنور هدام، اللاجئ السياسي بالولايات المتحدة الأميركية ورئيس «حركة الحرية والعدالة الاجتماعية» إن الوضع في الجزائر يتميز بـ«غياب إرادة حقيقية للتغيير السلمي والتداول الحضاري على السلطة لدى، أصحاب القرار». ويعود هدام إلى الوعود بالإصلاح الدستوري التي سبق أن أطلقها الرئيس بوتفليقة قبل 6 سنوات، فيقول: «الإصلاحات السياسية التي أعلنها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في خطاب يوم 14 أبريل (نيسان) 2011 في خضم الربيع الديمقراطي الذي شهدته آنذاك منطقتنا، زرعت آمالا كبيرة في نفوس الجزائريين لإحداث تحول سياسي سلمي يضع حدا لأزمة اختيار السلطة السياسية في البلد، وما ترتب عنها من أزمات أمنية واجتماعية واقتصادية. لكن كما لوحظ بحق الكثير من النشطاء السياسيين وحقوق الإنسان الجزائريين، فإن مجموعة القوانين التي صدرت لتنفيذ تلك الإصلاحات السياسية، كخطوة لتعميق العملية الديمقراطية، زادت في الواقع من التضييق على المجتمع والحقل السياسي».
وهنا يرى القيادي البارز في «جبهة الإنقاذ» سابقاً (استقال من صفوفها) أن «لهذه الإصلاحات التجميلية السطحية، والاستمرار في سياسة الاستبعاد غير العادلة لجزء كبير من المجتمع من العملية السياسية، تأثيرا مباشرا، ليس فقط على شفافية الانتخابات المقبلة، لكن أيضا على المجتمع الجزائري ككل ومستقبله، فضلا عن المنطقة المغاربية برمتها». ثم يلاحظ «عدم وجود بيئة سياسية صحية يمكن أن تجري فيها انتخابات نزيهة». ويتابع هدام إن «أصحاب القرار يعتبرون في الانفتاح الديمقراطي الذي تشهده بعض الدول المجاورة - رغم تعثره - تهديدا لاستقرار الجزائر والمنطقة ينبغي وضع حد له. ومن هنا استمرارهم في رفض وعرقلة التحول الديمقراطي في بلدنا؛ ذلك أن الإدارة ما زالت منحازة ومدجنة، حيث لا سلطة حقيقية للجنة مراقبة الانتخابات على العملية الانتخابية».
ويضيف هدام «هناك شريحة عريضة من السياسيين، ما زالت ممنوعة من حق الترشح في الانتخابات» - في إشارة إلى قياديي وحركيي «الإنقاذ» الذين تحملهم السلطة مسؤولية الدماء التي سالت خلال الحرب الأهلية، في تسعينات القرن الماضي - ويستطرد «ما زال جزء كبير ممن انتخبهم الشعب في أكثر الانتخابات نزاهة عرفتها الجزائر منذ الاستقلال (1991)، ممنوعا من ممارسة حقوقه المدنية والسياسية، بتهمة وقوفه وراء المأساة الوطنية، بعيدا عن أي تحقيق مستقل في كل الجرائم التي ارتكبت بحق الأبرياء، وفي غياب أي حكم قضائي يحدد المسؤوليات في تلك الأحداث الأليمة... كل ذلك يشكل عقبات في وجه التغيير المنشود ووسيلة تزوير مسبق للانتخابات والتلاعب بنتائجها».
وتجدر الإشارة، إلى أن في الجزائر، ما يسمى بـ«العشرية السوداء» التي ترمز إلى الإرهاب والدمار، دفعت بالسلطة إلى اتخاذ تدابير دستورية وقانونية، حدّت من نطاق انتشار الإسلامويين سياسيا. وجرت مساع لعودة هدام إلى الجزائر عام 2006 في إطار سياسة «المصالحة»، لكن جهة في النظام رفضت ذلك، وتتهم السلطات هدام بتبني عملية إرهابية وقعت عام 1994 بقلب العاصمة خلفت 40 قتيلا، بينما هو ينفي ذلك. ويرى هدام أنه «رغم سلبيات الوضع الحالي، فإن آفاق تحقيق تحول ديمقراطي حقيقي في الجزائر، التي قد تُفتح على الشعب الجزائري، تدفعنا في حركة الحرية والعدالة الاجتماعية إلى تجديد الدعوة لكل مخلص وطني له يد داخل السلطة الفعلية، ممن هم جادين في مسألة إحداث التغيير المنشود، إلى تكثيف التواصل للمساهمة الحقيقية والفعلية... وذلك من أجل تحقيق توافق وطني للعمل معا لرفض الاستمرار في تنظيم انتخابات مزورة حتى قبل أن تجري، وتوفير الظروف المناسبة لتنظيم انتخابات تعددية نزيهة وشفافة تسمح لشعبنا بتحقيق تحول ديمقراطي حقيقي، من خلال فتح المجال للمشاركة السياسية لجميع الجزائريين دون أي إقصاء؛ وإطلاق هيئة انتخابات مستقلة حقيقة تشرف على العملية الانتخابية من بدايتها إلى نهايتها، ونشر قائمة لائحة الناخبين؛ والتعهد باحترام نتائج الانتخابات. إن الانتخابات التي تهدف إلى فرض اختيار أصحاب القرار، بدلا أن تتيح للشعب انتخاب ممثليه، لا تكرس الفساد والاسترزاق بالمال العام فحسب، بل تحرم كذلك المجتمع من الأمل بأي إصلاح أو تغيير سلمي».

برلمان عاجز عن الرقابة
على صعيد آخر، للباحث عدة فلاحي، الذي كان برلمانيا قبل أكثر من 10 سنوات، رأي في الحراك السياسي الجاري المرتبط بالاقتراع؛ إذ يقول: «السلطة التشريعية على العموم بالجزائر هي سلطة شكلية، وجدت لإعطاء الشرعية للسلطة التنفيذية وللنظام أكثر من كونها معبرة عن توجهات وخيارات المواطن. ولو كان الأمر غير ذلك، لتمت تسوية الكثير من الملفات وحلّ الكثير من الأزمات السياسية والاقتصادية، التي تكبر ككرة الثلج، وبالخصوص، مع تراجع نوعية المنتخبين بالمجلس التشريعي... الذي للأسف شهد أسوأ فتراته حينما جاء على رأسه شخصية من المفروض أنها كانت تحسب على النخبة المثقفة، وهو الدكتور العربي ولد خليفة. وهذه صورة أخرى من البؤس المؤسساتي، حينما يخفق رجل مثقف في أن يعطي للمؤسسة التشريعية مصداقيتها وصلاحياتها، فإذا كان هذا هو الحال وهذه هي النتيجة، كيف يمكن التعويل على من هو دونه في المستوى وفي التجربة؟!».
ويفضل فلاحي التعاطي مع الاستحقاق، بطرح السؤال التالي «هل مطلوب من البرلمان أن يشرَع القوانين... أم يناقش ويصادق على النصوص التي تأتيه من الحكومة...أو في شكل أوامر رئاسية؟ حتى هذه الصلاحية الأساسية أخفق فيها، ولم يعد يجتهد في أن يصدر تشريعات لمصلحة المواطن، بل يكتفي بالتنديد والشجب وإصدار البيانات في أحسن الحالات». ويردف «أمام العجز في مجال التشريع والمحدودية في أداء مهمة الرقابة على أعمال الحكومة، وغياب النواب عن الجلسات العامة وأشغال اللجان البرلمانية، واللجوء للطرق السهلة في طرح الأسئلة الشفوية، التي توظف في الغالب كإشهار لصاحبها أكثر من الرغبة في الوصول إلى الحقيقة، والتكفل بانشغال المواطن، لا يمكن أن نتفاءل خيراً بالبرلمان الجديد؛ لأن غالبيته للأسف ستكون مكلفة بمهمة ليست مهمة النائب».
وبشأن التخويف من «مستقبل مظلم»، إذا لم ينتخب الجزائريون بقوة الشهر المقبل، يرى فلاحي أن «التخوّف والتخويف دليل على هشاشة السلطة، وإلا لترك الأمر يمر عاديا. ولو عالجت السلطة المشكلات أيام الأمن والرخاء لما احتاجت إلى علاجات أخرى تخلق بها «فوبيا البلقنة» التي تعيشها بعض الدول العربية. ولكن أمام هذا المأزق السياسي المزمن، تتحمل النخبة المثقفة بمن فيها رجال الدين، المسؤولية. فما معنى أن تدعو بعض الزوايا المهتمة بتحفيظ القرآن، في خطاباتها إلى ضرورة الذهاب للانتخابات؟ ألم يقل وزير الشؤون الدينية محمد عيسى بأن الزوايا مستقلة عن الحكومة... ولا دخل لها في السياسة؟».
إن التخويف لأكبر دليل على أن «السلطة معطوبة»، كما قال الراحل عبد الحميد مهري (أمين عام «جبهة التحرير» سابقاً). والمفارقة الآن هي أن السلطة تريد أن تبقى معطوبة... وكأن ذلك هو الذي يعطيها حق البقاء؛ لأن هذا العطب توظفه لصالحها بالتخويف. وللأسف مرة أخرى، عطب السلطة أضحى وسيلة للبقاء وليس مدعاة للتغيير!».



أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)

تعد العملية الدراماتيكية التي نفّذتها الولايات المتحدة لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وزوجته سيليا فلوريس، وإزاحتهما من السلطة على يد قوات عسكرية أميركية خاصة، واحدة من أهم الأحداث الجيوسياسية في حقبة ما بعد «الحرب الباردة». ومع أن «مسرح» العملية كان في أميركا اللاتينية، فإن تداعياتها تمتد إلى ما هو أبعد من المنطقة. أيضاً يشير الواقع إلى أن الهدف من العملية لم يكن مجرد إسقاط نظام مادورو، بل أيضاً العرض المتعمد للقوة الأميركية، من أجل تعطيل الشبكات الاستراتيجية لأبرز منافسي واشنطن على الساحة العالمية.

يرى مراقبون استراتيجيون أن الولايات المتحدة، عبر عملية اختطاف نيكولاس مادورو واعتقاله، لم تكتفِ بتحييد نظام معادٍ، بل أظهرت كذلك قدرتها على اختراق قيادة حاكمة، وإسقاطها من السلطة، داخل دولة لطالما حظيت بحماية دبلوماسية واقتصادية وعسكرية من منافسي واشنطن الكبار. وبذا، لم تتحدَّ واشنطن حكومة مادورو فحسب، بل تحدّت أيضاً الفرضيات التي يقوم عليها التخطيط الاستراتيجي الصيني والروسي والكوري الشمالي.

في هذا السياق، يعرب المحلل الجيوسياسي الهندي مانيش تشيبر عن اعتقاده بأن العملية الأميركية «ما كانت تهدف إلى تغيير النظام في كاراكاس، بقدر ما كانت تهدف إلى إعادة تأكيد الهيمنة الأميركية... وعموماً سعت العملية إلى تعطيل قدرة الدول المنافسة على بسط نفوذها وتعزيز التسلسل الهرمي في النظام الدولي. وجاءت الرسالة واضحة لا لبس فيها: التحالف مع خصوم الولايات المتحدة لا يضمن الحماية». ويضيف تشيبر: «من وجهة نظر واشنطن، مثّلت فنزويلا نقطة ضغط مثالية؛ إذ كانت متجذّرة بعمق في البنية الاستراتيجية لكل من الصين وروسيا، وتعتمد بشدة على دعمهما الاقتصادي والعسكري، ناهيك من أنها تقع جغرافياً في منطقة تُعتبر تاريخياً حيوية للأمن الوطني الأميركي. وبالتالي، فالضربة في فنزويلا مكّنت واشنطن في آن معاً من تعطيل شبكات منافسة متعددة». وحقاً، كان كل من الصين وروسيا قد استثمرتا بكثافة في فنزويلا ضمن مساعيهما لتحدي النفوذ الأميركي في ما تعتبره واشنطن منذ فترة طويلة «فناءها الخلفي» الاستراتيجي.

انتكاسة استراتيجية لبكين

بالنسبة للصين، يأتي إسقاط مادورو بمثابة ضربة قاسية. إذ إن فنزويلا لم تكُن مجرد شريك آخر في جهود بكين المتنامية للانخراط داخل دول «الجنوب»، بل كانت محوراً استراتيجياً لها في أميركا اللاتينية، واختباراً حاسماً لقدرتها على حماية مصالحها وتحدّي هيمنة واشنطن خارج شرق آسيا.

وحقاً، طيلة عقدين، رسّخت بكين مكانتها كشريك لا غنى عنه لفنزويلا - بلداً وسلطةً - بفضل القروض المدعومة بالنفط، والتعاون في مجال الطاقة، وتمويل البنية التحتية، والدعم الدبلوماسي. وكثيراً ما وصف المحلّلون الصينيون هذه الشراكة بأنها تقوم على «المنفعة المتبادلة»، إذ تلقت كاراكاس دعماً مالياً ودعماً سياسياً. وفي المقابل، أمّنت بكين إمدادات الطاقة ونفوذاً إقليمياً.

أيضاً، برزت الصين كأكبر مستورد للنفط الخام الفنزويلي، وتكشف الأرقام أنها استوردت ما يقارب 400 ألف برميل يومياً عام 2025، أي أكثر من نصف إجمالي صادرات فنزويلا. وكانت هذه التدفّقات النفطية «شريان حياة» لحكومة مادورو، إذ حافظت على إيرادات الدولة تحت وطأة عقوبات وانهيار اقتصادي واضطرابات داخلية مستمرة.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن فنزويلا تهدّدت بأزمات مالية هائلة. ومنذ مطلع العقد الأول من الألفية الثانية، قدّمت لها بكين قروضاً تجاوزت قيمتها 100 مليار دولار، أي ما يقارب 39 في المائة من إجمالي القروض الصينية المقدمة لمجمل دول أميركا اللاتينية. ومع أنها سددت جزءاً من هذه الديون، لا تزال فنزويلا مدينة للصين بما يُقدّر بما بين 10 و12 مليار دولار، معظمها مُرتبط بترتيبات تتعلق بالسلع الأساسية. وبجانب النفط، استثمرت الشركات الصينية بكثافة في التعدين، (بالذات) الذهب والاتصالات والبنية التحتية.

نقاط الضعف الصينية

بالتوازي، وبينما ركّزت التحركات الأميركية الأخيرة في فنزويلا علناً على النفط والنفوذ السياسي، يرى محللون أن «تقييد» المصالح الصينية شكّل هدفاً رئيسياً. إذ لطالما كانت الصين مشترياً أساسياً للنفط الخام الفنزويلي، واستثمرت بكثافة عبر صفقات «قروض مقابل النفط»، التي ربطت التمويل بضمانات إمدادات النفط. ويُبرز تعطيل هذا الترتيب هشاشة أصول الطاقة الصينية في الخارج، ولا سيما المناطق الهشّة سياسياً، وتلك التي تقع خارج نطاق سيطرتها العسكرية. وربما يدفع هذا الانكشاف بكين إلى إعادة تقييم استثماراتها في أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا الوسطى.

الواقع أن فنزويلا تمثّل معضلة في الاستراتيجية الصينية تجاه الموارد الخارجية. فغالباً ما يؤدي تأمين أصول الطاقة والمعادن البعيدة من دون التزامات أمنية مقابلة إلى انكشافها، بدلاً من تعزيز قدرتها على الصمود. وقد تتحوّل الأصول التي كانت تُعدّ في السابق حواجز استراتيجية إلى أعباء في المناطق المتنازع عليها، خاصةً في ظل اشتداد المنافسة الجيوسياسية وقدرة الخصوم على إعادة رسم النتائج بالقوة أو الدبلوماسية.

الثروات الأرضية النادرة

وهنا يتناقض ضعف الصين بشكل حادّ مع موقعها في مجال الثروات الأرضية النادرة والمعادن الحيوية. ولقد وصف مسؤولون ومحللون أميركيون المتطلبات الصينية المتعلقة بتراخيص التصدير التي أقرّت أواخر عام 2025 بأنها محاولات «لاستغلال» قدرتها التصنيعية شبه المهيمنة، خاصة في مجال المعادن النادرة المتوسطة والثقيلة التي تتسم بأهمية بالغة لأنظمة الدفاع والإلكترونيات المتقدمة والمركبات الكهربائية وتقنيات الطاقة المتجددة. وجاءت هذه الإجراءات عقب فرض واشنطن قيوداً على أشباه الموصلات وغيرها من التقنيات ذات الاستخدام المزدوج للشركات الصينية. ومع أن بكين حافظت لاحقاً على الصادرات بموجب ترتيبات محدودة ومؤقتة، عزّزت هذه العملية المخاوف من جاهزيتها لتحويل هيمنتها التصنيعية إلى نفوذ جيوسياسي.

في هذا الإطار، يرى المحلل الهندي راجا موهان أن الضغط الأميركي على فنزويلا «قد يُستخدم كورقة ضغط مضادة غير مباشرة في مواجهة السيطرة الصينية على المعادن النادرة وغيرها من المواد الاستراتيجية». وعبر تهديد مصدر طاقة رئيس واحتياطيات معدنية محتملة، «تضغط واشنطن على بكين في مجالات استراتيجية متعدّدة»... وبالتالي، يمكن اعتبار تشديد بكين اللاحق على «ضوابط» تصدير المعادن النادرة خطوة دفاعية أو انتقامية في خضم صراع جيوسياسي متصاعد، لا مجرّد إجراء اقتصادي معزول.

من جهة ثانية، لا تقتصر الأهمية الاستراتيجية لفنزويلا على النفط وحده، إذ تختزن أرضها أيضاً احتياطيات غير مستغلة من المعادن النادرة البالغة الأهمية للتخطيط الصناعي والتكنولوجي والدفاعي الطويل الأجل. وفي هذا الإطار، رأى المحلل الهندي سوشانت سارين أن قضية المعادن النادرة «تُسلط الضوء على حدود جهود الإكراه الاقتصادي من دون وجود نفوذ أمني مُكمّل. فالهيمنة على سلاسل التوريد قد تُوفر قوة تفاوضية قصيرة الأجل، لكنها لا تستطيع منع الخصوم من إعادة تشكيل المشهد الاستراتيجي بالوسائل السياسية أو العسكرية». وهكذا، تحمل فنزويلا درساً مهماً لبكين: فالسيطرة على نقاط الاختناق في عمليات المعالجة لا تعني بالضرورة السيطرة على نتائجها داخل المساحات الجيوسياسية، التي تحركها الأزمات.

انكشاف فجوة الصدقية

وللعلم، في أعقاب العملية مباشرة، أصدرت بكين إدانة دبلوماسية شديدة اللهجة، متهمة واشنطن بانتهاك القانون الدولي وتهديد الاستقرار الإقليمي. واستنكر المسؤولون الصينيون ما وصفوه بـ«السلوك الساعي لفرض الهيمنة»، وحذّروا من الإجراءات أحادية الجانب. لكن، بخلاف الخطابات والتصريحات، لم تُقدّم القيادة الصينية أي ردّ ملموس. إذ لم تكن هناك أي إشارة عسكرية، ولا أي نشر وقائي، ولا أي إجراء مضاد لحماية مصالحها أو أفرادها على الأرض. وأكثر من هذا، تشير تقارير إلى أن الاستخبارات الصينية بوغتت بالعملية الأميركية، في حين أثبتت أنظمة الدفاع الجوي الصينية في فنزويلا انعدام فاعليتها خلال العملية.

بخلاف التداعيات الدبلوماسية المباشرة، قد تجبر الأزمة الفنزويلية بكين على مواجهة تناقضات هيكلية أعمق في استراتيجيتها العالمية؛ فقد بنت الصين نفوذها الخارجي أصلاً على المهارة الاقتصادية للدولة كالقروض، والبنية التحتية، وشراكات الطاقة، والإحجام عن فرض شروط سياسية. لكن أزمة فنزويلا الأخيرة كشفت أن العمق الاقتصادي لا يُترجم تلقائياً إلى قدرة على الصمود في وجه الأزمات. وهنا يحلّل راجا موهان المسألة على النحو الآتي: «تكشف هذه الحادثة عن فجوة في مصداقية الاستراتيجية الصينية العالمية. إذ بمقدور بكين تقديم الاستثمار والتجارة والدعم السياسي، لكنها عاجزة حتى الآن عن تقديم ضمانات أمنية قاطعة بمواجهة قوة أحادية حاسمة».

ويتابع المحلل الهندي: «بما يخص حكومات أميركا اللاتينية، تثير التداعيات القلق، فالتقارب مع الصين يُحقق فوائد اقتصادية، لكنه لا يُترجم بالضرورة إلى حماية عند مواجهة ضغوط واشنطن. بل قد يتبع ذلك إعادة تقييم هادئة للتوجّه نحو واشنطن للحصول على ضمانات أمنية... ما يُبطئ وتيرة التوسع الصيني إقليمياً».

أما المحلل الاستراتيجي الهندي أماليندو ميسرا، فيوضح: «إن أمام صانعي السياسة الصينيين الآن مراجعة صعبة. فحماية الاستثمارات الخارجية بالوسائل العسكرية تتطلب تمركزاً متقدماً، واختراقاً استخباراتياً، وتأهباً للتصعيد... وهذه خطوات تتناقض في مجملها مع تركيز بكين المُستمر على تجنّب التدخل. ومع ذلك، فإن استمرار ضبط النفس يُهدد بمزيد من تآكل المصداقية بين الدول الشريكة».

هذه الفجوة في الصدقية لا تنطبق على فنزويلا وحدها، بل يتردد صداها في جميع أنحاء منطقة «مبادرة الحزام والطريق» الصينية الأوسع، حيث يجري عدد من الدول المستفيدة من «المبادرة» تقييماً هادئاً لمدى ضمان الشراكات الاقتصادية مع الصين، أي حماية أمنية فعّالة خلال فترات الأزمات الحادة. وعليه، فمثال انعدام الحماية الصينية في فنزويلا قد يؤثر على المفاوضات المستقبلية، وتقييمات المخاطر، والتوقعات السياسية في مناطق بعيدة عن أميركا اللاتينية.

هل تُشكّل فنزويلا نموذجاً لتايوان؟

على صعيد آخر، بين القراءات الأكثر جدية لعواقب العملية الأميركية القراءة الخاصة بمصير تايوان. فهل تعتبر بكين العملية نموذجاً لمعاملة تايوان؟

ظاهرياً، استغلّ المسؤولون الصينيون العملية للتشكيك في صدقية الولايات المتحدة حيال الالتزام بمبادئ السيادة والقانون الدولي. لكن ثمة محللين عقدوا مقارنات مباشرة بين فنزويلا وتايوان. وكمثال، وصف ستيف تسانغ، مدير معهد الدراسات الصينية في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية (سواس) بجامعة لندن، هذا بأنه «فخّ نفاق» يسمح لبكين بالزعم أن المعايير الدولية تُطبّق بشكل انتقائي، وبالتالي فهي قابلة للتفاوض.

وفي المقابل، يرفض آخرون فكرة أن فنزويلا تُقدّم نموذجاً تكتيكياً لتايوان. ووفق واي كيه سينها، السفير الهندي السابق لدى فنزويلا: «ثمة فوارق واضحة... فنزويلا تفتقر إلى حلفاء موثوقين مستعدين للقتال، ولم تكن لديها ضمانات أمنية مُلزمة، كما كانت قدراتها الردعية ضئيلة. أما تايوان فتشكل النقيض تماماً، إذ تتميّز بدعم أميركي عميق، وتكامل عسكري كثيف، ومخاطر تصعيد عالية للغاية، الأمر الذي تدركه بكين بوضوح».

ولكن رغم استبعاد أن تُشكّل فنزويلا نموذجاً عسكرياً لتايوان، فإنها تُزوّد بكين بذخيرة خطابية في بحر الصين الجنوبي. وعبر تسليط الضوء على الأحادية الأميركية، تستطيع بكين أن تُجادل بأن الأعراف السائدة تتبع القوة، بدلاً من أن تُقيّدها. ويدعم هذا التأطير ادعاء بكين القديم بأن أفعالها في المياه المتنازع عليها لا تختلف عن التدخلات الأميركية في أماكن أخرى.

كوريا الشمالية...وتعزيز خطاب الردع

في اتجاه آخر، إلى جانب الصين، وجّهت عملية فنزويلا رسالة ردع إلى كوريا الشمالية. وجاء ردّ فعل قيادتها أقوى وأكثر حدة من كثير من الردود الدولية الأخرى. وبعكس بعض حلفاء واشنطن، الذين أعربوا عن قلقهم، لكنهم لم يصلوا إلى حد الإدانة الصريحة، كان ردّ بيونغ يانغ قاسياً وذا طابع آيديولوجي، متسقاً مع معارضتها التاريخية للعمليات العسكرية الأميركية.

إذ أدانت وزارة خارجية بيونغ يانغ، عبر وكالة الأنباء المركزية الكورية الرسمية، العملية، ووصفتها بأنها «أخطر شكل من أشكال التعدي على السيادة»، واصفةً الولايات المتحدة بأنها «مارقة ووحشية». وأعقب هذه الإدانة إطلاق صواريخ باليستية - الأولى منذ عدة أسابيع – ما فُسِّر على نطاق واسع بأنه إشارة متعمدة.

ومن ثم، يرى محللون أن العملية الفنزويلية تعزز الاعتقاد الاستراتيجي الأساسي لدى كوريا الشمالية بأن الأسلحة النووية لا تزال الضمانة النهائية لبقاء النظام. ووفق المحلل الهندي سوشانت سارين: «فيما يخص يونغ يانغ، تُعزز فنزويلا قناعة راسخة مفادها أن الأنظمة التي تفتقر إلى رادع موثوق، تظل عرضة للخطر بغضّ النظر عن التحالفات الدبلوماسية. وتُعزز هذه الحادثة مبررات كوريا الشمالية للاحتفاظ بترسانتها النووية وتوسيعها، وتُصعّد مقاومتها لنزع السلاح النووي، وتُرسّخ فكرة أن القوة العسكرية الضمانة الوحيدة ضد التدخل الخارجي».

نمط استراتيجي أوسع

في نهاية المطاف، تُبرز عملية فنزويلا سمة أساسية للجغرافيا السياسية المعاصرة: أن القوة تُمارس بشكل متزايد من خلال السرعة والدقة والتأثير النفسي، بدلاً من المواجهة المطولة. وفي ما يخص الصين وكوريا الشمالية، بل روسيا أيضاً، تُذكّر هذه الحادثة بأن النفوذ دون حماية قابلة للتنفيذ يبقى مشروطاً. وفي نظام تكون فيه مصداقية الردع أهم من التحالفات القائمة على التصريحات والبيانات، من المرجح أن يشكل التوازن بين النطاق الاقتصادي والقدرة الأمنية النتائج الاستراتيجية في السنوات المقبلة.


مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
TT

مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع

في قلب غرب أفريقيا، تبرز قصة الرئيس الغيني مامادي دومبويا، كواحدة من أكثر التحولات السياسية دراماتيكية، المشحونة بالتناقضات خلال العقد الأخير. إذ نجح العسكري الذي أمضى معظم حياته برتبة عريف أوَّل في الجيش الفرنسي، خلال 4 سنوات فقط في التدرّج من قائد انقلاب عسكري إلى رئيس منتخب أخيراً، في مشهد يعكس تعقيدات السلطة والسياسة في «القارة السمراء». ما يجعل رحلة دومبويا أكثر إثارة للجدل هو التناقض العميق في شخصيته وسياساته، فهو يحكم بلداً غنياً بالثروات المعدنية، لكن البلاد تعاني تحت وطأة الفقر. ثم إن دومبويا، الذي تلقى إعداداً عسكرياً مبكّراً في إسرائيل، يقف في قلب مفارقة تاريخية وسياسية، فقيادته جاءت في بلد عرف بدعمه لحركات التحرّر الوطني الأفريقي وبتوتراته مع إسرائيل، لكنه اليوم يسعى لإعادة تشكيل الدولة وفق رؤيته الخاصة.

مامادي دومبويا، البالغ من العمر 42 سنة، لم يتردّد في استخدام سرعته العسكرية لتحقيق السلطة، لكنه لم يكتفِ بذلك، بل مضى نحو كسب شرعية انتخابية لإعادة إنتاج قيادته وإضفاء طابع قانوني على حكمه، في قارة شهدت عشر انقلابات خلال 5 سنوات.

تحيط أستار السرّية بنشأة دومبويا، المولود يوم 5 ديسمبر (كانون الأول) 1984 في مدينة كانكان بشرق غينيا، لكن المعروف أنه ينتمي إلى شعب «المالينكي»، وهو مجتمع تاريخياً محافظ، وقيادي، ومتماسك اجتماعياً، له تأثير سياسي واضح، ما يفسّر حضور شخصيات مثل دومبويا في المشهد العسكري والسياسي لغينيا وأفريقيا الغربية.

زوجة فرنسية

هذا الانتماء العرقي الأصيل لم يمنع دومبويا من الزواج من سيدة فرنسية بيضاء، اسمها لوريان داربو، وسط شحِ في المعلومات عن «سيدة غينيا الأولى» المرتقبة. ومن ناحية ثانية، يُنظر إلى الرئيس الغيني كقائد عسكري استثنائي، تميَّز عن نظرائه من قادة الانقلابات في القارة الأفريقية، إذ جمع بين التدريب التكتيكي التقليدي والخبرة في الأمن السيبراني والإدارة الاستراتيجية. ولقد صُقلت هذه المهارات عبر مسار مهني طويل، تميّز بالتدريب الدولي والعمل الميداني في عدة دول، أبرزها فرنسا حيث أمضى 15 سنة ضمن صفوف الجيش و«الفيلق الأجنبي» الفرنسي، مكتسباً خبرة لا تقتصر على التكتيكات العسكرية التقليدية فحسب، بل شملت أيضاً مهارات القيادة في بيئات معقّدة ومتعدِّدة الأبعاد.

خلال مسيرته، شارك دومبويا في عدة مهام عملياتية في مناطق النزاعات حول العالم، من أفغانستان وكوت ديفوار إلى جيبوتي وجمهورية أفريقيا الوسطى، كما تولّى حماية شخصيات دولية في إسرائيل وقبرص وبريطانيا وغينيا، وفق تقارير «إنتليجنس أونلاين». كلّ هذه التجارب أكسبته رؤية شاملة لمفاهيم الأمن وإدارة الأزمات، جعلته قادراً على التحرّك بسرعة وكفاءة في مواجهة التحدّيات السياسية والعسكرية على حد سواء.

وبدت مفارقة الأقدار متجسّدة بوضوح في المسار الذي أوصل دومبويا إلى قمة السلطة، بتناغم لافت مع مقولة الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه «مَن يرفعكَ إلى القمة قد يكون أول مَن يدفعك منها». إذ في عام 2018، لم يكُن الرئيس السابق ألفا كوندي يتوقّع أن قراره بتكليف دومبويا بقيادة مجموعة «القوات الخاصة» النخبوية (GFS) سيؤسس، بعد ثلاث سنوات فقط، لانقلاب عسكري أطاح به في سبتمبر (أيلول) 2021 على يد «الوحدة» ذاتها التي أوكل إليها حمايته وترسيخ نفوذه.

نموذج معقّد للقادة الانتقاليين

بعد هذا الانقلاب، الذي لحق بموجة انقلابات اجتاحت «القارة السمراء» منذ مطلع هذا العقد، جسَّد مامادي دومبويا نموذجاً معقداً لقائد انتقالي يجمع بين خطاب الاستقرار والتنمية وطموح تثبيت السلطة، في ظل مسار سياسي يثير جدلاً واسعاً حول الالتزام بالديمقراطية والحرّيات.

ذلك أنه بينما قدّم نفسه منقذاً للدولة من «حكم الفرد» التسلّطي في أول ظهور تليفزيوني له عقب الانقلاب، تلازمت سلطته مع تضييق غير مسبوق على المعارضة، شمل حلّ عشرات الأحزاب وإقصاء المنافسين المحتملين، ما أفرغ الانتخابات الرئاسية من مضمون التعدّدية.

وفي الاتجاه نفسه، حمل تحوّل الرجل من «قائد انقلاب» إلى «رئيس منتخب» تناقضات صارخة، أبرزها تراجعه عن تعهدات سابقة بالامتناع عن الترشح، عقب تعديل دستوري أزال القيود المفروضة على أعضاء المجلس العسكري. وفي مقابل خطابه الذي بشّر بإنهاء الحكم الفردي، تتهمه تقارير دولية ومحلية اليوم بتقييد الحرّيات وقمع الاحتجاجات وتهميش الخصوم السياسيين.

وحقاً، بين تثبيت الشرعية والتضييق على المعارضين داخلياً، يخضع مسار مامادي دومبويا لاختبار دقيق بين السلطة والحقوق. ففوزه الرئاسي بنسبة 86.72 في المائة بيَّن دعماً شعبياً شكلياً، خاصة بين الشباب والعمال، وهو ما كشفته شهادات بثتها وكالات أنباء عالمية. وفي المقابل، حاول ترسيخ صورة انتقاله من قائد عسكري إلى صاحب شرعية انتخابية مدنية وسياسية جديدة كاملة، بكلامه عن «غينيا للجميع».

من جهة أخرى، ركَّز دومبويا اقتصادياً، على قطاع التعدين ومشروع «سيماندو» للحديد، الذي تملك الصين 75 في المائة منه، مع استثمارات البوكسيت والبنية التحتية. وهنا نشير إلى أنه، على الرغم من برامج تدريب الشباب الرقمية، يواجه نصف سكان غينيا فقراً، وأمناً غذائياً هشّاً، وسط انتقادات ترى الإصلاحات تكريساً للسلطة واستمرار التحديات الاجتماعية الكبرى.

اختبار السياسة... إقليمياً ودولياً

على الصعيد السياسي، يأتي الاختبار التقليدي لمسار دومبويا على المستوى القاري الأفريقي، ضمن موجة الانقلابات التي وقعت منذ عام 2020 في غرب أفريقيا والساحل. وهذه الانقلابات تجسّد توتر علاقة الجيوش بالسلطة المدنية، مع سعي قادتها «إنتاج» شرعيتهم انتخابياً. وكما هو معروف، تشهد أفريقيا جنوبي الصحراء عدة حالات لقادة عسكريين شرعنوا بقاءهم حتى 2029 تقريباً، مع إمكانية إجراء انتخابات فقط إذا تحسّنت الظروف الأمنية.

أما لجهة السياسة الدولية العليا، فلم توضع علاقات دومبويا مع واشنطن على محك التجربة بعد بشكل مباشر ومعلن. إلا أن فوزه حظي بلهجة معتدلة من جانب واشنطن، عبر سفارتها، التي أعربت عن دعمها الرسمي للرئيس المنتخب، مع التركيز على العلاقات الاقتصادية والاستقرار. واللافت أن الصين، الشريك الاقتصادي الرئيسي لدومبويا، لم تكن بمنأى عن المشهد، إذ سارع رئيسها شي جينبينغ برسالة تهنئة، مشدّداً على تطوير الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين.

دور إسرائيل الموعود... والمتعاظم مستقبلاً

ولكن بجانب هذه المفارقة، ثمة مفارقة مهمة أخرى لا تبدو اليوم لافتة بقدر ما هي دالة تاريخياً. ففي بلدٍ، كغينيا ارتبط اسمه طويلاً بموقف عدائي صريح من إسرائيل إبان عهد زعيمه الاستقلالي التاريخي أحمد سيكوتوري، تبدو الأمور إلى تغيّر جذري.

سيكوتوري كان قد قطع العلاقات مع الدولة العبرية تضامناً مع الدول العربية عقب نكسة الخامس من يونيو (حزيران) 1967، إلا أن المشهد السياسي الراهن يسير في مسار مغاير تماماً، ولعل الترحيب الأميركي بانتخاب دومبويا ينمّ عن التغيّر المرجح. ذلك أنه سبق لدومبويا، أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع، بعدما أوفدته فرنسا ضمن برامج ذات طابع أمني، فيما يوحي بوجود تحوّل عميق في بوصلة العلاقات الخارجية لكوناكري.

أيضاً، إبان عهد دومبويا، أبدت إسرائيل اهتماماً خاصاً بتعزيز حضورها في قطاع الأمن السيبراني الغيني، وفق ما أورده موقع «إنتليجنس أونلاين» الاستخباراتي، وهذه خطوة تعكس استمرارية العلاقات الدبلوماسية التي أُعيد إحياؤها عام 2016 بعد قطيعة دامت قرابة خمسة عقود. وكذلك يشير هذا التطور إلى فتح صفحة جديدة من التعاون تتجاوز الطابع الدبلوماسي التقليدي إلى شراكات أمنية وتقنية أكثر عمقاً. ويرى خبراء أن هذا المسار مرشّح لمزيد من التوسّع.

تطبيع واستخبارات

وفي تقدير للدكتور يسري العزباوي، الباحث السياسي في «مركز تريندز للبحوث والاستشارات» في أبوظبي، فإن دومبويا، سواءً استمر في السلطة أو خلفه غيره، «سيمضي بخطوات أوسع على طريق التطبيع مع إسرائيل، لا سيما في مجالي التعاون العسكري والتسليح». ويضيف العزباوي أن مجموعة كبيرة من الدول الأفريقية التي تشهد انقلابات عسكرية تبقى عملياً رهينة للرضى الأميركي، مذكّراً بأن «المدخل إلى هذا الرضى يمر غالباً عبر إسرائيل».

ويستند العزباوي في تحليله، إلى ما يصفه بـ«التوغّل الإسرائيلي المتنامي في أفريقيا طيلة السنوات الأخيرة، في مقابل غياب تنسيق عربي فاعل». ويلفت في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن السلاح الإسرائيلي لم يعُد حاضراً في دول أفريقيا جنوبي الصحراء ووسطها فحسب، بل امتد أيضاً إلى شمال القارة.

ووفق العزباوي، يكتسب هذا التوجّه زخماً إضافياً، من «التأييد الكامل الذي وفّرته إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب لإسرائيل»، ما يمنحها هامش حركة أوسع في الساحة الأفريقية.وإجمالاً، فإن نجاح دومبويا في الانتقال من قائد انقلاب إلى رئيس منتخب يمثل اختباراً نادراً في أفريقيا، حيث لا تتيح الانقلابات العسكرية عادةً فرصة للتحوّل إلى قيادة مدنية شرعية، بما يفتح باب التساؤل... هل تكون تناقضات دومبويا هي «كلمة السرّ» التي ستجعله استثناءً في «القارة السمراء»؟


في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
TT

في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo

تقف غينيا، الواقعة في قلب غرب أفريقيا، عند مفترق طرق اقتصادي وسياسي حاسم وبالغ الحساسية. فالبلد الذي يزخر بواحدة من أغنى الثروات الطبيعية في القارة، يجد نفسه أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في تحويل هذه الموارد الهائلة إلى نمو اقتصادي شامل ومستدام، بالتوازي مع مساعٍ لتحقيق استقرار سياسي بعد عقود من الاضطرابات والانقلابات العسكرية التي ألقت بظلالها الثقيلة على مسار التنمية.

منذ الاستقلال عن فرنسا عام 1958، شهدت غينيا ثلاثة انقلابات عسكرية بارزة أعوام 1984 و2008 و2021، أطاحت برؤساء مدنيين أو عسكريين، ورسّخت صورة بلد يعاني من هشاشة سياسية مزمنة.

هذا الإرث الانقلابي أسهم في إضعاف ثقة المستثمرين، وعرقل في فترات كثيرة الاستفادة الكاملة من الثروات الطبيعية، وبالتالي الإمكانات الاقتصادية الكبيرة التي تمتلكها غينيا.

وأيضاً رغم هذا السياق السياسي المعقَّد، شهد الاقتصاد الغيني خلال السنوات الأخيرة نمواً ملحوظاً، مدفوعاً أساساً بقطاع التعدين. إذ أعادت الطفرة في صادرات المعادن غينيا إلى واجهة الاهتمام الدولي، لا سيما مع امتلاكها أكثر من 25 في المائة من احتياطيات البوكسيت العالمية، ما يجعل منها واحدة من أكبر مصدّري هذه المادة الخام الأساسية لصناعة الألمنيوم. وبالإضافة إلى البوكسيت، تزخر البلاد باحتياطيات معتبرة من الذهب والألماس ومعادن أخرى، ما يمنحها موقعاً استراتيجياً في خريطة الموارد الطبيعية الأفريقية.

في نهاية عام 2025، خطت الحكومة الغينية خطوة وُصفت بالتاريخية عبر تدشينها استغلال منجم سيماندو العملاق للحديد في جنوب البلاد، وهو أحد أكبر مكامن الحديد غير المستغلة في العالم. ولقد رُوّج للمشروع رسمياً بأنه «حلم أجيال»، نظراً لما يُنتظر أن يوفره من عائدات مالية وفرص عمل، إضافة إلى دوره في تعزيز البنية التحتية عبر إنشاء خطوط سكك حديدية وموانئ مرتبطة به. بيد أن المشروع، على ضخامته، يضع غينيا قبالة تحديات كبيرة تتعلق بالحوكمة والشفافية، بالذات في قطاع التعدين الذي لطالما كان بؤرة نزاعات سياسية وقانونية.

بيانات البنك الدولي تفيد بأن الناتج المحلي الإجمالي لغينيا سجل نمواً ثابتاً في السنوات الأخيرة، مستفيداً من توسع أنشطة التعدين وارتفاع الإنتاج الزراعي. ومع هذا، لا يزال الاقتصاد الغيني يعاني من اختلالات هيكلية، في مقدمتها الاعتماد المُفرط على الموارد الطبيعية وضعف تنويع القطاعات الاقتصادية، إلى جانب محدودية الإيرادات الضريبية، ما يقيّد قدرة الدولة على تمويل الخدمات الاجتماعية الأساسية.

من ناحية أخرى، تظل الزراعة، التي تشغّل أكثر من نصف القوى العاملة، قطاعاً حيوياً، لكنه يعاني من ضعف الإنتاجية واعتماد أساليب تقليدية، الأمر الذي يقلص مساهمته في الصادرات والنمو الاقتصادي. ويرى خبراء أن تحديث هذا القطاع يمكن أن يشكل رافعة حقيقية للتنمية، خصوصاً في المناطق الريفية الأكثر فقراً.

إلى جانب التعدين والزراعة، تمتلك غينيا إمكانات هيدروليكية كبيرة تؤهلها لأن تغدو مصدراً رئيساً للطاقة في غرب أفريقيا. وراهناً تسعى السلطات إلى استثمار هذه الموارد عبر مشاريع لتوسيع إنتاج الكهرباء، وتحديث الموانئ، وتطوير شبكات السكك الحديدية، من بينها خط سيماندو – موريبايا الذي يمتد لأكثر من 650 كيلومتراً، بما يعزّز ربط البلاد بالأسواق العالمية ويسهل حركة التجارة.

ولكن، رغم هذه الآفاق الواعدة، تبقى التحديات الاجتماعية والاقتصادية حاضرة بقوة. فالفقر ما زال واسع الانتشار، وإمكانات الدولة المالية محدودة، في حين يواصل ضعف الشفافية في قطاع التعدين إثارة مخاوف المستثمرين الدوليين. وبالطبع يبقى الاستقرار السياسي عاملاً حاسماً وضرورياً في مستقبل البلاد، في ظل تاريخ طويل من الانقلابات والحكم المدني المتعثر.

وبالتالي، يرجّح مراقبون أن نجاح غينيا في تحويل ثرواتها الطبيعية إلى تنمية حقيقية يتوقف على تنفيذ تغييرات بنيوية عميقة، تشمل تعزيز الإدارة المالية والاستثمار في رأس المال البشري وتنويع الاقتصاد بدلاً من الاعتماد الأحادي على التعدين، وقبل كل ذلك بيئة سياسية دون انقلابات عسكرية أو توترات سياسية.