اليابان تحذر من احتمال إطلاق بيونغ يانغ صاروخاً محملاً بغاز السارين

الزعيم الكوري الشمالي يشرف على مناورة للقوات الخاصة

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ - أون يحضر مناورة القوات الخاصة أمس (رويترز)
الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ - أون يحضر مناورة القوات الخاصة أمس (رويترز)
TT

اليابان تحذر من احتمال إطلاق بيونغ يانغ صاروخاً محملاً بغاز السارين

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ - أون يحضر مناورة القوات الخاصة أمس (رويترز)
الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ - أون يحضر مناورة القوات الخاصة أمس (رويترز)

أعلن رئيس الوزراء الياباني، شينزو آبي، أمس أن كوريا الشمالية قد تكون قادرة على إطلاق صاروخ مزود برأس حربي محمل بغاز السارين الذي يؤثر على الأعصاب، في وقت ازدادت فيه التوترات بشأن برامج بيونغ يانغ الصاروخية والنووية.
واستخدم غاز السارين في هجمات في اليابان، أبرزها ذاك الذي شنته طائفة «أوم» في قطارات الأنفاق في طوكيو عام 1995، وأدى إلى مقتل 13 شخصا وإصابة ستة آلاف.
وقال آبي للجنة برلمانية للدبلوماسية والدفاع إن «هناك احتمالا بأن كوريا الشمالية قادرة حاليا على إطلاق رأس حربي (على صاروخ) يحمل السارين». ووفقا للتقارير الإعلامية المحلية التي نقلت تصريحاته، لم يفصح آبي عن مصدر معلوماته.
من جهته، أوضح المتحدث باسم الحكومة، يوشيدي سوغا، أن «رئيس وزرائنا أقر بأنه لا يمكننا نفي احتمال أن كوريا الشمالية قادرة على تزويد (صاروخ) بأسلحة كيميائية». وأضاف أنه «يرجح بأن كوريا الشمالية (...) بإمكانها الحفاظ على عدد من المنشآت لإنتاج الأسلحة الكيميائية، وهي تملك حاليا عددا لا بأس به منها».
وتواجه الولايات المتحدة تحديا كبيرا في مواجهة كوريا الشمالية؛ إذ يمتلك وسائل عسكرية كبيرة في المنطقة، لكن خطر حدوث تصعيد عنيف يهدد سلامة المدنيين والمصالح الأميركية.
وكانت واشنطن قد أعلنت، السبت، أن حاملة الطائرات كارل فينسون ترافقه ثلاث سفن قاذفة للصواريخ، هي ليك شامبلين وووين ميير ومايكل مورفي، في طريقها إلى المنطقة. مثل هذه حاملة الطائرات، تنقل عادة بين سبعين وثمانين طائرة أو مروحية، بينها نحو خمسين طائرة قتالية. حاليا، قد تشكّل أنابيب قاذفات الصواريخ، البالغ عددها نحو 450 والمشاركة في الأسطول، التهديد المباشر الأكبر لكوريا الشمالية.
وتحدث الرئيس الأميركي الثلاثاء أيضا عن وجود غواصات هجومية تعمل بالدفع النووي، مزودة بصواريخ توماهوك. ولم تصل «كارل فينسون» إلى وجهتها بعد، فعليها أن تبقى «بضعة أيام» في جنوب سنغافورة لاستكمال مناورات مع البحرية الأسترالية، ثم تتجه شمالا لتقترب من شبه الجزيرة الكورية، كما قال مسؤول أميركي، طالبا عدم كشف هويته الأربعاء.
وتنشر الولايات المتحدة 28 ألفا و500 جندي في كوريا الجنوبية، وأسلحة تشمل مدرعات وطائرات بلا طيار وسرايا مقاتلات من نوع «إف - 16» وطائرات هجومية «إيه - 10».
يجري هؤلاء الجنود تدريبات منتظمة مع الجيش الكوري الجنوبي، لتشكيل قوة متكاملة في حال التعرض لهجوم كوري شمالي. ويمكن أن تعتمد واشنطن أيضا على وسائلها البحرية والجوية المتمركزة في اليابان، بما في ذلك مجموعة جوية بحرية مؤلفة من حاملة طائرات (هي رونالد ريغان حاليا)، والسفن المرافقة لها. كما أن جزيرة غوام في المحيط الهادي التي تبعد بضع ساعات بالطائرة، مجهزة لاستقبال القاذفات الاستراتيجية الخفية «بي - 2».
وتقوم الولايات المتحدة حاليا بنشر منظومة «ثاد» المصممة لاعتراض صواريخ باليستية وهي خارج الغلاف الجوي، في كوريا الجنوبية. كما لديها في المنطقة منظمة «إيجيس» الدفاعية المضادة للصواريخ من أجل اعتراض الصواريخ الباليستية القصيرة والمتوسطة المدى، وبطاريات صواريخ باتريوت متطورة من نوع «باك - 3» للتصدي للصواريخ القريبة من أهدافها (35 إلى أربعين كيلومترا). وتمتلك كوريا الجنوبية بطاريات مضادة للصواريخ «باتريوت باك - 2» يجري تحديثها.
وفي الوقت الذي يتصاعد فيه التوتر في شبه الجزيرة الكورية ويحذر الدبلوماسيون من مخاطر التدخل العسكري، ظهر الرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ - أون في بيونغ يانغ أمس لتدشين مجمع سكني كبير، بحضور وسائل الإعلام الأجنبية. كما أشرف على مناورات لوحدات القوات الخاصة.
ويضم مجمع «ريوميونغ ستريت» المؤلف من خمسة آلاف شقة، عددا كبيرا من المباني والأبراج المختلفة الأشكال. فالبعض منها مستدير، والآخر مربع أو ثُماني الأضلاع، ويضم أعلاها 70 طابقا بارتفاع 234 مترا.
بُني هذا المجمع على أرض قريبة من قصر الشمس (كومسوسان)، حيث يرقد رفات أول زعيمين لكوريا الشمالية، كيم إيل - سونغ وكيم جونغ - إيل، جد الزعيم الحالي كيم جونغ - أون وأبوه.
واحتشد عشرات الآلاف من الجنود ومسؤولي النظام وعامة الشعب، في وقت مبكر من صباح أمس على مقربة من المجمع، في أجواء ربيعية منعشة، وصول رئيس البلاد. وأشاد رئيس الوزراء باك بونغ - جو الذي خطب في الجماهير، بكيم جونغ - أون، ثم أعلن أن هذا المشروع يشكل دليلا على «روح الإخلاص والتفاني لدى شعبنا وجيشنا، لتنفيذ أوامر الحزب، مهما حصل»، و«انتصارا على العقوبات الإمبريالية».
أشرف الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ - يون على مناورة نفذتها قوة من الوحدات الخاصة، وفق ما ذكرت وكالة الأنباء الرسمية الخميس، مع تصاعد التوتر بين واشنطن وبيونغ يانغ.
وأرسلت واشنطن السبت الماضي إلى شبه الجزيرة الكورية وحدة بحرية ضاربة تتألف من حاملة طائرات وقطع مرافقة، مع تأكيد الرئيس الأميركي دونالد ترمب مجدداً استعداده «لحل مشكلة» كوريا الشمالية من دون مساعدة الصين.
ومنذ ذلك الحين، أبدت كوريا الشمالية استعدادها «للحرب» مع الولايات المتحدة، بينما تتزايد التكهنات بأنها قد تجري اختباراً نووياً أو صاروخياً لمناسبة الذكرى الخامسة بعد المائة للمؤسس كيم إيل - أونغ السبت. ولم يقتصر نشاط كيم على تدشين المجمع السكني؛ إذ أعلنت وكالة الأنباء الكورية الشمالية الرسمية أنه شاهد من نقطة مراقبة إنزال طائرات خفيفة لقوات خاصة استهدفت «بلا رحمة أهدافاً للعدو».
وأشاد كيم وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة، بالدقة التي تتمتع بها قواته، قائلا: «يبدو أن الرصاصات لديها عيون»، وفق ما أفادت الوكالة من دون أن تحدد متى جرت المناورة.
وتابعت الوكالة أن العملية «أثبتت مجدداً أن جيشنا الشعبي الكوري سيجعل الغزاة المتهورين يذوقون الطعم الحقيقي لإطلاق النار، والطعم الحقيقي للحرب».
وتتعرض كوريا الشمالية لمجموعة من العقوبات التي فرضها مجلس الأمن بسبب برامجها النووية وللصواريخ الباليستية المحظورة. وازدادت التوترات في شبه الجزيرة في الأسابيع الأخيرة. ويتخوف بعض الخبراء من إعداد كوريا الشمالية تجربة نووية سادسة في إطار سعيها لحيازة صواريخ عابرة للقارات، وقادرة على حمل الرؤوس النووية، وضرب حتى الأراضي الأميركية.
وأكد محللو موقع «38 نورث» على شبكة الإنترنت، الذي يستمد معلوماته استنادا إلى عدد كبير من صور الأقمار الصناعية الملتقطة الأربعاء، أن موقع بونغي - ري للتجارب النووية «جاهز» للاستخدام، حسبما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية.
ويعتقد بعض الاختصاصيين أن بيونغ يانغ يمكن أن تتخذ من مناسبة الذكرى الخامسة بعد المائة لمولد كيم إيل - سونغ، ذريعة لإجراء هذه التجربة الجديدة. وتوعدت كوريا الشمالية الثلاثاء بالرد على إرسال المجموعة البحرية الجوية الأميركية «المتهورة»، مشيرة إلى أنها مستعدة للحرب.
إلا أن أجواء التوتر هذه لم تكن واضحة الملامح صباح أمس، خلال تدشين المجمع السكني، الذي قص خلاله كيم، الذي كان يرتدي بزة قاتمة، شريطا أحمر، ثم حيا الجموع وتوجه إلى سيارته الليموزين السوداء.
ويرغب المسؤولون الكوريون الشماليون في أن يعطوا عن بلادهم، التي يعاني 41 في المائة من سكانها سوء التغذية، كما تقول الأمم المتحدة، صورة دولة مزدهرة وحديثة. ويعد مجمّع «ريومينونغ ستريت» الثالث من نوعه خلال ثلاث سنوات، وهو الأهم بينها. وغطيت أرضية الشقق الفسيحة في الطوابق العليا لأعلى برج بالسجاد الأخضر ومقاعد بنفسجية، وهي توفر مناظر خلابة للعاصمة وجوارها، لكنها تفتقد للمياه الساخنة.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».