تاريخ طويل على طريق المحبة والألم عاشته كنيستا الإسكندرية وطنطا اللتان تعرضتا أمس لحادثين إرهابيين، فالأولى ارتبطت بتدشين الكرسي الرسولي الذي طبع المسيحية في نسختها المصرية، فيما ظلت الثانية محتفظة حتى بدايات القرن الماضي بطابعها المعماري الفطري كبناء مشيد من الألواح الخشبية.
أربع ساعات فصلت أقباط مصر عن طقوسهم الموسمية المعتادة في هذا الشهر من العام، والذي يشهد «أحد السعف»، يعقبه الدخول في «أسبوع الآلام»، ليحتفلوا في نهايته بعيد القيامة وإفطارهم بعد صيام طويل على مدار 55 يوماً.
فلم تكد الصلوات ترتفع بالدعاء للسلام والمحبة تحت سقف قاعة الصلوات بكنيسة مار جرجس، صباح أمس بمدينة طنطا (وسط دلتا مصر) حتى دوى انفجار رهيب أطفأ الشموع بالدم، وتناثرت أشلاء الضحايا ودماء عشرات الجرحى في القاعة، مخلفة حالة من الهلع والرعب، في مشهد أعاد إلى الأذهان شريطاً طويلاً من استهداف أقباط مصر في الآونة الأخيرة.
وبينما يتابع المصريون تداعيات المشهد الدامي على شاشات التلفاز، وفي الشوارع والمقاهي، حتى فوجئوا بانفجار آخر استهدف المقر البابوي بالإسكندرية، وهي الكنيسة القبطية (المرقسية) الأم الأقدم، وأول كنيسة بأفريقيا، ولها مكانة مرموقة في تاريخ الكنيسة العالمي.
خلف الانفجار الذي وقع على مدخل الباب الرئيسي للكنيسة إثر تفجير انتحاري نفسه، عدداً آخر من القتلى والجرحى.
ومثلما يدخل أقباط مصر في عصب الهوية المصرية، تدخل الكنائس والأديرة بطرزها المعمارية العتيقة، وتاريخها العريق في نسيج التراث الحضاري المصري الطبيعي، وتعد من العلامات البارزة الكاشفة عن روعة هذا التراث، وعبقريته المعمارية الممتدة في جسد الزمان والمكان.
شيدت كنيسة مار جرجس بطنطا في البداية على نمط الكنائس الخشبية وفي مساحة فدانين، وظلت على هذا النحو، إلى أن اشترتها الكنيسة المصرية عام 1934 بمبلغ 730 جنيهاً، وأصدر الملك فؤاد الأول مرسوماً ببنائها، واكتمل إنشاؤها عام 1939 وكانت أولى الصلوات التي أقيمت آنذاك بها صلاة «أحد السعف»، وظلت الكنيسة الخشبية تكمل بناءها على مدى 15 عاماً، حتى اكتمل عام 1953، ودشنها باقة من البطاركة والعلماء الأقباط الراحلون: وفي عام 1961 تم شراء أجراس الكنيسة في عهد الأنبا إيساك مطران الغربية والبحيرة الراحل. واستطاع الأنبا بولا أسقف طنطا الحالي هدم المبنى الخشبي القديم وبناء مبنى جديد من طابقين به قاعة كبيرة متعددة الأغراض وقاعة مسرح مخصصة للعروض السنوية للأطفال وشباب الكنائس.
ويوجد بالكنيسة عدة قاعات متنوعة الاستخدامات، وبها مكتبة كبيرة تخدم أبناء إيبارشية طنطا بالإضافة إلى مكتبة لبيع الكتب والأيقونات. وتعد كنيسة مار جرجس من أقدم الكنائس في طنطا، (محافظة الغربية) وهي بمثابة كاتدرائية كبيرة تخدم عدداً كبيراً من الأقباط المقيمين بالمدينة والمدن المتاخمة لها.
أما الكنيسة المرقسية في عاصمة مصر الثانية الإسكندرية فكان مجيء مرقس الرسول عام 62 ميلادية إليها هي لحظة البداية للكنيسة القبطية في مصر، حيث بشر أهلها بالمسيحية، مؤسساً كرسي الإسكندرية الرسولي المعروف باسم الكنيسة القبطية. وللكنيسة القبطية (المرقسية)، وفي كنف هذه الكنيسة عاش كوكبة من أشهر بطاركة الإسكندرية الأقباط العلماء الذين واجهوا الهرطقات المختلفة التي تعرضت لها المسيحية في تلك الفترة.
ويروي تاريخ الكنيسة أن أول المؤمنين بالمسيحية كان صانع أحذية مصري يدعى إنيانوس، وقد ترجم إيمانه بأن وهب بيته ليكون أول كنيسة في أفريقيا. أصبحت الكنيسة المرقسية مقراً لبطريرك الكنيسة لمدة ألف عام، ثم انتقل المقر عدة مرات إلى أن استقر في مقر الكاتدرائية المرقسية بحي العباسية بالقاهرة.
كانت الكنسية المرقسية مسرحاً لكثير من البطولات والأحداث الكبرى، ففي عام 68 «استشهد» القديس مار مرقس بالإسكندرية ودفن بها، وقتها كانت الكنيسة عبارة عن مقصورة صغيرة للعبادة على ساحل الميناء الشرقي، وبجانب جسد مار مرقس دفن بها بعض أتباعه.
وفي عام 680 قام البابا يوحنا السمنودي البطريرك الأربعين بإعادة بناء الكنيسة، في عام 828، شهدت الكنيسة حدثا مأساوياً، تمثل في سرقة جسد مار مرقس بواسطة بحارة إيطاليين، ونقل من الإسكندرية لمدينة البندقية (فينسيا) بإيطاليا. لكن الرأس بقي بالكنيسة.
تهدمت الكنيسة وأعيد بناؤها أكثر من مرة على مر التاريخ، وفي عام 1870 تم بناؤها على الطراز البيزنطي مع تزيينها بعدد كبير من الأيقونات الجميلة. وفي عام 1952 قام البابا يوساب الثاني بافتتاح الكاتدرائية الجديدة وصلى أول قداس بها.
يجذبك النمط المعماري للكنيسة، فما إن تدخل من الباب الخارجي لها، حتى تجد على يسارك مبنى يعود للقرن الماضي ويحتوي على مقر البابا ووكيله بالإسكندرية وقاعات الكلية الإكليركية (وهى تختص بالعلوم المسيحية).
وقد تم الاحتفاظ بحامل الأيقونات الرخامي والإنبل والكرسي البابوي مع باقي الأيقونات الأثرية بالكنيسة. كما تم نقل الأعمدة الرخامية الستة التي كانت ترتكز عليهم الكنيسة إلى المدخل. وتم الاحتفاظ بالمنارات بعد تعليتها وتزويدها بنقوش قبطية جميلة وتقوبتها، وفي عام 1990 ومع الزيادة المطردة في عدد المصلين تم توسيع الكنيسة من الجهة الغربية، في عهد البابا شنودة الثالث.
عند الدخول من الباب تطالعك على كل جانب أيقونتان أثريتان مطليتان بالذهب والفضة تمثلان يسوع ومريم العذراء، كما تطالعك وأيقونة أثرية لمار مرقس ومار جرجس، وبداخل الكنيسة نجد أيقونتين على اليسار للأنبا أنطونيوس وأخرى للأنبا شنودة وعلى اليمين أيقونة لمارمينا وكلها من الفن القبطي. في منتصف الكنيسة من الناحية الجنوبية مدخل المقبرة الأثرية الشهيرة التي تضم رفات الآباء بطاركة الكرسي السكندري في الألفية الأولى، وقد تم تدوين أسمائهم على لوحة رخامية باللغات القبطية والعربية والإنجليزية.
9:14 دقيقه
كنيستا الإسكندرية وطنطا... علامات على طريق المحبة والألم
https://aawsat.com/home/article/898541/%D9%83%D9%86%D9%8A%D8%B3%D8%AA%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%83%D9%86%D8%AF%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%B7%D9%86%D8%B7%D8%A7-%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%A7%D8%AA-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%B7%D8%B1%D9%8A%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D8%A8%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%84%D9%85
كنيستا الإسكندرية وطنطا... علامات على طريق المحبة والألم
مدخل كنيسة ماري جرجس في طنطا بعد التفجير (أ.ف.ب)
- القاهرة: جمال القصاص
- القاهرة: جمال القصاص
كنيستا الإسكندرية وطنطا... علامات على طريق المحبة والألم
مدخل كنيسة ماري جرجس في طنطا بعد التفجير (أ.ف.ب)
مواضيع
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة








