ماكس هيستينغز... سيرة إعلامي بدأ مشواره في ساحات المعركة

رئيس تحرير «التلغراف» الأسبق لـ «الشرق الأوسط» : على الصحافي أن يكون حراً طليقاً في الميدان

السير ماكس هيستينغز أمام سوميرسيت هاوس بلندن حيث حاورته «الشرق الأوسط»  (تصوير: جيمس حنا) - صورة أرشيفية لهيستينغز أثناء تغطيته  حرب الفوكلاند في عام 1982 أعادت  الـ«ديلي ميل» نشرها
السير ماكس هيستينغز أمام سوميرسيت هاوس بلندن حيث حاورته «الشرق الأوسط» (تصوير: جيمس حنا) - صورة أرشيفية لهيستينغز أثناء تغطيته حرب الفوكلاند في عام 1982 أعادت الـ«ديلي ميل» نشرها
TT

ماكس هيستينغز... سيرة إعلامي بدأ مشواره في ساحات المعركة

السير ماكس هيستينغز أمام سوميرسيت هاوس بلندن حيث حاورته «الشرق الأوسط»  (تصوير: جيمس حنا) - صورة أرشيفية لهيستينغز أثناء تغطيته  حرب الفوكلاند في عام 1982 أعادت  الـ«ديلي ميل» نشرها
السير ماكس هيستينغز أمام سوميرسيت هاوس بلندن حيث حاورته «الشرق الأوسط» (تصوير: جيمس حنا) - صورة أرشيفية لهيستينغز أثناء تغطيته حرب الفوكلاند في عام 1982 أعادت الـ«ديلي ميل» نشرها

بعد أشهر من الملاحقة والانتظار، استطاعت مديرة أعمال الصحافي البريطاني اللامع ماكس هيستينغز ترتيب لقاء يجمعني به لمدة ساعة من جدوله اليومي الحافل. التقيته في مقهى مبنى «سوميرسيت هاوس» اللندني العريق. سبعيني، طويل القامة، يرتدي معطفاً كلاسيكياً ويحمل شنطة جلدية قديمة، تخيلت لوهلة أنها كانت ترافقه في مغامراته السابقة. قهوته من دون حليب أو سكر، منديله من قماش، ولهجته أرستقراطية.
أرخ في 6 كتب تفاصيل الحروب ودفن بين صفحاتها أسرار الاستخبارات. أن تحاور أهم المراسلين الحربيين في بريطانيا ليس أمراً سهلاً، لذلك حضرت عشرات الأسئلة مسبقاً.
سألته أولاً عن أولى تجاربه في تغطية الحروب، واعترف لي أنه كان صغيراً وطائشاً حينها. إجابته بددت انطباعي الأول. فصياغته المتقنة وكنز مصطلحاته تدل على خبرة السنوات، لكن، يقبع وراءها شاب تحدى السلطة وكسر القوانين يوماً. عندها، تخليت عن النص واسترسلنا في الحديث. صراحته صادمة وخفة ظله ساخرة، وآراؤه عميقة ومثيرة للجدل.
شكرته على وقته أخيراً، هو ليباشر عمله في كتابه الجديد عن فيتنام، وأنا لإيجاد المقدمة الملائمة لتصاحب هذا الحوار الشيق. لكن، قبل أن نفترق قال لي: اخترت إجراء الحوار معك اليوم، رغم أنني أرفض عشرات المقابلات مع الصحف البريطانية، لأنني أريد الوصول إلى القراء العرب. وفيما يلي نص الحوار:

* نشأت في منزل لأب وأم كانا أعلاماً في الصحافة، فوالدك كان مراسلاً حربياً، ووالدتك كانت رئيسة تحرير مجلة الأزياء الأميركية «هاربرز بازار»، كيف أثر ذلك على اختيارك لمهنة الصحافة؟
- في مطلع شبابي، أردت أن أكون جندياً، لكنني سرعان ما اكتشفت أنني لا أمتلك الانضباط اللازم للالتحاق بالجيش، أو القدرة البدنية لأكون جندياً جيداً، فعكفت على الكتابة، وبدأت مسيرتي الإعلامية في التلفزيون، ومن ثم انتقلت إلى الصحافة الورقية.
* كيف كانت تجربتك كمراسل حربي في مختلف أنحاء العالم؟
- أعتقد أن جميع الصحافيين الشباب لديهم حلم السفر والتجوال؛ كنت من المحظوظين لبدء مسيرتي الصحافية في وقت كان العالم يشهد أحداثاً مثيرة. تلقيت منحة لأدرس المهارات الصحافية في الولايات المتحدة عام 1967. وخلال إقامتي هناك، زرت البيت الأبيض، وقابلت رؤساء أميركيين، منهم ليندون جونسون ورونالد ريغان وريتشارد نيكسون ونائب الرئيس الأسبق هوبرت هامفري. قمت بتغطية انتخابات عام 1968 الرئاسية هناك. كما كنت شاهداً على أحداث فاجعة ومحورية في الولايات المتحدة، كاغتيال مارتن لوثر كينغ وروبرت كينيدي والاحتجاجات وغيرها. كما قمت بتغطية الحرب في فيتنام. كان عمري 24 عاماً عندما زرت البلاد للمرة الأولى، كنت صغيراً وطائشاً... لكن التجربة أسرتني.
* ماذا عن تجربتك في تغطية حرب الفوكلاند؟
- في جزر الفوكلاند، أدرت أكبر خبطة صحافية في تاريخي المهني، لأن جميع زملائي من الصحافيين الحربيين لم يريدوا الذهاب إلى هناك، ليقينهم أن الحرب لن تقع، وأنه سيتم اللجوء إلى تسوية دبلوماسية، لكن الحرب وقعت بالفعل، وكنت هناك لتوثيقها، لحسن حظي. برأيي، إن أسس هذه الحرب كانت «غبية»، ومجرد منافسة على امتلاك «عقار» بين بريطانيا والأرجنتين. لكن صحافياً كانت التجربة رائعة، إلا أن البرد كان قارساً. ولأنني كنت الصحافي الوحيد هناك، كانت جميع الصحف تنشر مقالاتي وتغطيتي اليومية. وقد كتبت كتاباً ناجحاً عن تجربتي هناك.
* ذكرت للتو أنك كنت محظوظاً، وفي سيرتك تذكر أيضاً أن زوجتك قالت إنك محظوظ مهنياً... ما دور الحظ في مسيرتك المهنية؟
- للحظ دور هام في نجاحي، وكانت بدايتي موفقة. المناخ الإعلامي كان يرتكز على العلاقات والمحاباة، وأتيحت لي فرصة الالتحاق بهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) في عمر الـ17 لأن والدي كان متعاوناً معهم. وأول وظيفة لي في صحيفة ورقية أتيحت لي لأن والدتي كانت تعمل في ذلك المجال. لكن الأمر تغير. واليوم، في عمر الـ71، انظر إلى الوراء وأقول: الكثير من زملائي لقوا حتفهم أثناء عملهم كمراسلين حربيين، ولكنني ما زلت على قيد الحياة مع أنني مررت بتجارب خطرة. لكن إلى جانب الحظ، الأمر الذي يجعل الصحافي متميزاً ومتقدماً في مسيرته هو تحدي السلطة، فعلى الصحافي الماهر أن يكسر القوانين بين فينة والأخرى إلى جانب القلم الجميل وموهبة الكتابة.
* في كتابك «الذهاب إلى الحروب»، هناك فصل يهم القراء العرب عن إسرائيل، وتجربتك هناك، هل تغيرت آرائك عن الدولة الإسرائيلية منذ ذلك الحين؟
- كنت في السابق من مؤيدي إسرائيل خلال أواخر ستينات ومطلع سبعينات القرن الماضي. لكن في أواخر السبعينات، أصبحت شاهداً على عدوان إسرائيل ومعاملتها للشعب الفلسطيني، وأفعال الحكومات الإسرائيلية الظالمة، ولم أعد أحب إسرائيل. واليوم، أنا من أشد معارضي الحكومة الإسرائيلية. وسيأتي يوم تندم فيه الدولة الإسرائيلية على ممارساتها الظالمة.
* ما موقفك الحالي تجاه الوضع في منطقة الشرق الأوسط؟
- هذا الملف معقد جداً، لكنني أعتقد أننا أخفقنا في سياساتنا في الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة. بدأت تلك الإخفاقات منذ حرب العراق عام 2003. أنا كنت ضد التدخل في سوريا لضبابية الخطة البريطانية، رغم أنني أعارض الأسد، لكن لا أظن أن على بريطانيا هجر الشرق الأوسط، إلا أن تدخلاتها يجب أن تكون دبلوماسية وسياسية وليست عسكرية.
خلال مسيرتي المهنية، كتبت الكثير من الكتب عن الاستخبارات. وبرأيي، إن الاستخبارات البريطانية منظومة قوية جداً، ولديها معلومات كثيرة عن الشرق الأوسط، إلا أننا نفتقر إلى معرفة بحيثيات العلاقات القبلية والاجتماعية هناك. لذلك يجب أن لا نعتمد فقط على استخباراتنا، بل يجب العمل على تطوير مهاراتنا الدبلوماسية. لست من أكبر المتفائلين بفترة رئاسة ترمب، إلا أن إخفاقات أوباما في الشرق الأوسط تضغط على الرئيس الحالي لإعادة رسم سياسات جديدة في المنطقة.
* كيف تقيم المناخ الإعلامي اليوم؟ هل تدنت الجودة مع ازدياد المطبوعات والقنوات؟
- كتب صحافي بريطاني في عام 1968، حول تغطية الأخبار آنذاك، وقال إن: هنالك كماً هائلاً من المعلومات مقابل نسبة قليلة من المعرفة. وهذه الجملة كانت صحيحة في حينها، وأكثر صحة اليوم.
أثناء عملي مع الـ«بي بي سي» خلال السبعينات، كان يتوفر للمراسلين مخصصات مالية ضخمة، ليجوبوا العالم مع طاقم متكامل. وكنت أسافر بين القارات حينها. وكل رحلة كانت تستغرق 4 - 5 أسابيع، في سبيل إنتاج وثائقيات لا تتعدى مدتها النصف ساعة. أما اليوم، لا نجد ذلك. كان لدينا الدعم المالي والفرص. فعندما كنت رئيس تحرير صحيفة «التلغراف»، كان لدينا نحو 19 مراسل في الخارج والميزانية الملائمة لتغطيتهم. أما اليوم، فتغير الأمر. هناك الكثير من الوسائل لتلقي ونشر المعلومات، ولكنها تفتقر إلى المعرفة. أرى أن هناك قلة في الكوادر المتخصصة. ففي السابق، عندما كنت أعمل في الصحافة الورقية، كان هنالك زملاء لي مختصون بتغطية شؤون الدفاع. وكانوا يعرفون جميع حيثيات الملف، وحتى أنواع الأسلحة والترسانات. أما اليوم، لا يعرف معظم المراسلين الأمنيين الفرق بين الكتيبة واللواء.
* كيف بإمكاننا تصحيح هذا إذن؟
- علينا دراسة الأمور والتمعن بها لتكوين الآراء قبل النشر والتسرع. وقد نغير آراءنا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، غيرت رأيي أكثر من مرة عن أوروبا. كنت من معارضي الانضمام للاتحاد الأوروبي في السابق، لكنني الآن من معارضي الخروج منه. برأيي الأمر التراجيدي حول «بريكست» أن من صوتوا للخروج يريدون إعادة بريطانيا إلى زمن كتابات أغاثا كريستي في خمسينات القرن الماضي. كنت موجوداً حيناً، ولم تكن الأمور رائعة، والحنين إلى الماضي والنوستالجيا أمر محزن. «بريكست» درس لنا، وآمل أن نتعلم منه في المستقبل.
* كرئيس تحرير سابق لصحيفة «التلغراف» في أواخر ثمانينات القرن الماضي وإلى منتصف التسعينات، كان ضمن كادرك أحد أبرز مناصري «بريكست»، وهو وزير الخارجية بوريس جونسون، إذ كان يشغر وظيفة محرر ثم مراسل الصحيفة لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل، ومن ثم رفضت طلبه بتعيينه كمراسل حربي، وقمت بترقيته إلى مساعد رئيس تحرير وكبير كتاب الرأي. كيف تصف العلاقة بينكما؟
- برأيي الشخصي، بوريس ليس مؤهلاً لأي منصب حكومي، إلا أنه صحافي ممتاز. كان بوريس من أحد الصحافيين المفضلين لدي خلال فترة رئاسة تحريري لـ«التلغراف»، وذكرته في سيرتي الذاتية. كان صحافياً موهوباً، لكن غير منضبط. وهو اليوم، كوزير خارجية البلاد، رجل موهوب جدا، لكنه يفتقر إلى حس المسؤولية.
* عند تعيينك كرئيس تحرير «التلغراف»، قمت بتحويل الخسارات المادية السنوية إلى أرباح مضاعفة، كيف استطعت فعل ذلك؟
- تسلمي رئاسة تحرير «التلغراف» كان تحدياً مخيفاً لي لأنه كان أول منصب قيادي في حياتي في سن التاسعة والثلاثين. وقد عارض كثير من الناس قرار تعييني، ومنهم روبرت مردوخ. لكنني لطالما كنت على يقين أن بإمكان المرء تولي القيادة إن قام بتحديد الأهداف، وتحمل المسؤولية عند التعرض للعقبات والمشكلات، والاستثمار بالطاقات المنتجة والكوادر الموهوبة، والاستغناء عن الموظفين غير المهنيين. وواحدة من الموظفات التي اضطررت أن أقيلها كانت كريمة رئيسة الوزراء مارغريت ثاتشر. وظننت حينها أن ثاتشر ستعتبر قرار الإقالة مهنياً، إلا أنه أغضبها، واحتل الصفحات الأولى لجميع الصحف الأخرى. واعتقد الجميع أنه ستتم إقالتي، وحتى أنا ظننت ذلك لوهلة. لكنني نجوت، وكسبت احترام أهل الصحافة. لكن علاقتي مع الحكومة كانت متوترة لأنني خرقت تقليد تأييد «التلغراف» الأعمى لحكومة المحافظين، وبدأنا بانتقاد بعض القرارات الصادرة عن حكومة ثاتشر، وشعرت حينها بخيبة الأمل و«الخيانة» إلى حد ما، لكن مالك الصحيفة كونراد بلاك أيد جميع قراراتي.
* كيف تقيم الصحف البريطانية اليوم؟
- أعتقد أن «التايمز» التي يملكها روبرت مردوخ صحيفة جيدة، وتجسد أفضل مثال لنموذج الصحيفة الرصينة التي تحتوي على كثير من الآراء والأبواب. لكن جدير بالذكر أن مردوخ يمتلك «فوكس نيوز» في أميركا، القناة التي اعتبرها تفتقر إلى المهنية أو المصداقية.
* ذكرت في سيرتك الذاتية أن سبب نجاح صحيفة «صنداي تايمز» كان اعتمادها على السبق الصحافي، لكنك قلت أن «التلغراف» لم تعتمد على الشيء نفسه لكسب شهرتها. إذن ما الذي يميز الأخيرة؟
- كان لـ«التلغراف» دور مختلف. كنا دوماً صحيفة توفر المعلومات لقرائها، ولهذا كان كادر مراسلينا هائل. وفي الثمانينات، كنا ننشر أكثر من 17 خبراً وقصة على صفحتنا الأولى من شتى أنحاء العالم. كانت صحيفة رصينة ذات أخبار دولية، لكن اليوم للأسف خسر القراء شهيتهم لتلقي الأخبار الجادة والدولية، وباتوا مهتمين بأخبار النجوم، وبات قراء مطبوعات جادة مثل الـ«فايننشال تايمز» و«الإيكونوميست» أقلية.
* ما نصيحتك للصحافيين الشباب اليوم الذين يطمحون للمساهمة في إنعاش الصحف الرصينة والأخبار الجادة؟
- مهنة الصحافة باتت تحدياً صعباً اليوم. فعندما أزور «بي بي سي»، وأتحدث مع موظفيها الشباب، يؤسفي تدني الرواتب التي يتقاضونها، وغياب الضمانات والعقود الدائمة. ولم يكن هذا الحال في السابق، فجميع موظفي «التلغراف» كانوا يتقاضون رواتب مناسبة. برأيي، الصحافي المميز هو الذي يعتبر القصة التي يعمل عليها أهم أولوية في حياته إلى حين نشرها، ويفعل المستحيل لجمع المعلومات والحقائق. على الصحافي أن يكون كالنمر في كل الأحيان، ويصل طموحه إلى حد الجنون. وأعرف كثيراً ممن امتهنوا الصحافة، إلا أنهم لم يلمعوا، والسبب ليس لأنهم افتقروا إلى الذكاء، بل لأنهم لم يولوا كل الاهتمام لقصصهم.
* أذن هل اضطررت يوماً لعمل المستحيل لنشر قصة عملت عليها؟
- نعم، حدث هذا خلال أوائل مهماتي كمراسل حربي لصحيفة «إيفنينغ ستاندرد» لتغطية الحرب الأهلية النيجيرية. كنت مع أحد أقدم أصدقائي مراسل صحيفة «التايمز»، واستطعنا تحصيل سبق صحافي من بيافرا. واتجهنا إلى لاغوس بحثاً عن هاتف للاتصال بلندن لنقل الخبر. وكنت على علم أنه إن اضطررت الانتظار حتى الوصول إلى لاغوس للتواصل مع صحيفتي، سيسبقني زميلي بالسبق لأن «التايمز» تنشر صباحاً و«ستاندرد» مطبوعة مسائية. فقررت إجراء مكالمة من بنين على الطريق إلى لاغوس. وطوال رحلتي أنا وزميلي من بيافرا إلى بنين، درست جميع الطرق في رأسي لمنع زميلي من الوصول إلى هاتف قبلي، حتى خطر على بالي أن أترجل من سيارة الأجرة وأتركه وحده. كنت في الثانية والعشرين من عمري، وطموحي كبير جداً، والسبق الصحافي على رأس أولوياتي.
* تذكر أيضًا في سيرتك الذاتية أن مقبرة الصحافيين هي الجلوس وراء مكاتبهم، لماذا؟
- على الصحافي أن يكون حراً طليقاً في الميدان، ليتعرف على الشخصيات المثيرة للاهتمام، ويجمع قصصاً والسبق الصحافي، لكن في يومنا هذا، أصبح الصحافي ملزم بعدة مهام، منها التحرير وكتابة قصص للنسخة الورقية والإلكترونية، إلى جانب التفاعل على وسائل التواصل أيضاً، ما يستنزف من وقته في الميدان.
* لو كنت لا تزال رئيس تحرير "التلغراف" اليوم، فكيف كنت ستديرها؟
- لم أقم بنقد «التلغراف» منذ أن تركتها، لأنني لا أومن بالالتفات إلى الوراء والنقد. وأواظب الآن على كتابة كتاب حول حرب فيتنام، وهذا يستغرق كل تركيزي.



لبنان: «الترند» مفهوم يتحكّم بإيقاع الرأي العام

جاد شحرور (الشرق الأوسط)
جاد شحرور (الشرق الأوسط)
TT

لبنان: «الترند» مفهوم يتحكّم بإيقاع الرأي العام

جاد شحرور (الشرق الأوسط)
جاد شحرور (الشرق الأوسط)

منذ نحو 10 سنوات دخل مصطلح «الترند» إلى لغتنا اليومية، فأصبح جزءاً من الخطاب الإعلامي والشعبي.

هذا المصطلح يعني «الاتجاه» الدارج في أوساط الناس، ويُستخدم للدلالة على حدث يكتسب انتشاراً واسعاً خلال فترة زمنية قصيرة. وإعلامياً، ارتبط شيوع مفهوم «الترند» ارتباطاً وثيقاً بانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أسهمت منصات مثل «فيسبوك» و«إنستغرام» و«إكس» و«تيك توك» في منحه مساحة واسعة من الاهتمام، عاكسةً اهتمامات الناس وميولهم.

في لبنان، ارتبط أحدث «الترندات» بمناقشة ميزانية عام 2026 في مجلس النواب، إلى جانب تلك المتعلقة بأحوال الطقس من عواصف ثلجية وهطول كثيف للأمطار. كذلك تصدّرت فضيحة «أبو عمر» السياسية، واجهة «الترندات» لأيام متتالية، ولا تزال شريحة من اللبنانيين تتفاعل معها حتى اليوم. ولا تزال الأخبار المرتبطة بالشأن السوري تسجّل تفاعلاً مشابهاً، إضافة إلى ما أُطلق عليه «قانون الفجوة الاقتصادية».

وفي السياق نفسه، تُعدّ أغنية الفنانة هيفاء وهبي «بدنا نروق» من أبرز الأعمال الفنية التي تحوّلت إلى «ترند»، محققة تفاعلاً بالملايين، إلى حدّ أن عضو البرلمان النائبة سينتيا زرازير استخدمتها خلال مداخلتها المتعلقة بميزانية 2026.

أما عالمياً فقد انتشرت مقاطع فيديو (ريل) بشكل لافت تداولها الملايين. ومن بينها تلك التي ظهر فيها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وهو يردد عبارة «فور شور» بالإنجليزية. واستخدمت في حفلات السهر بحيث راح يمرّرها الموسيقيون في حفلاتهم الموسيقية لإثارة الحماس بين الساهرين.

في الحقيقة، لا يقتصر استخدام «الترند» اليوم على السياسة أو الفن، بل يمتدّ أيضاً إلى مجالات متعدّدة كالأزياء (الموضة) والاقتصاد والتكنولوجيا، حيث بات يُستخدم للدلالة على الأنماط السائدة والفئات الرائجة. وفي الفترة الأخيرة، خصّصت محطات التلفزيون فقرات ثابتة لـ«التراندات» تُشكّل مسك ختام نشراتها الإخبارية، وينتظرها اللبنانيون مساءً للاطلاع على أبرز ما يتصدّر المشهد محلياً وعالمياً. ومن بين هذه الفقرات «كونيكتد» على شاشة «إم تي في»، و«ريفريش» عبر شاشة «الجديد».

«الترند» صوت الناس

«كلمة ترند تعني، بالأساس، مساراً تغييرياً أو اتجاهاً جديداً مخالفاً لما درجت عليه العادة. وجرى اختزال هذا المصطلح بأمور متعدّدة ومختلفة لإعطائه ما كان لهذا المصطلح من أهمية في فهم تغيرات، وتوقع مسارات مستقبلية». بهذه الكلمات يختصر طارق عمّار، مدير «شركة آراء» للبحوث والاستشارات هذه الظاهرة. وفي رأيه، تكمن أهميته في المدة التي يستخدم خلالها، وتأثيرها على المجموعات المختلفة.

طارق عمّار (الشرق الأوسط)

عمّار أعطى مثالاً على ذلك عبارة «كلّن يعني كلّن» (كلّهم يعني كلّهم) التي انتشرت بشكل لافت، وبقي تأثيرها كـ«ترند» فعال منذ بدايته في عام 2015 حتى اليوم. وأضاف في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن أهمية هذا «الترند» تنبع من كونه نتج من القاعدة الشعبية، لا بقرار يعبّر عن رأي شريحة ضيقة، وسرعان ما تبنته شرائح مختلفة من الشعب. وكثيرون راهناً يحاولون البناء على قوة «الترندات» أو مواجهتها عبر خلق العديد منها، معتمدين على حسابات وهمية وشركات متخصّصة في بناء الوهم. لكن تعدّد المستخدمين وانتشارهم ووجود مؤسسات تتابع هذه الأعمال... عوامل أسهمت في إضعاف هذه النيات وتأثيرها على المدى الطويل.

واختتم عمّار: «باختصار، يمكن لأي جهة البناء على قوة المنصّات الرقمية، إلا أن ما يجعل الترند منتشراً ومستديماً ومؤثراً هو تعبيره عن حاجات دفينة لدى جموع الناس، تتفاعل معه وتتأثر به، ويغير من سلوكياتهم... وصحيح أن كثيرين يحاولون البناء عليه أو ضربه، إلا أن الترند يظل صوت الناس الذي يعلو من خلال تداول الوسم وتعزيزه بروابط محددة، فيؤدي إلى تغيير في آراء وسلوكيات المتابعين».

الإعلام تطوّر مع التكنولوجيا

من جهته، قال جاد شحرور، المسؤول والمدرب الإعلامي في «مؤسسة سمير قصير للإعلام» (سكايز)، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إن الإعلام شهد تطوراً ملحوظاً بفضل التكنولوجيا، و«بعد التسعينات، ومع دخول الإنترنت الحيز العام، فرض نفسه على هذا المجال. ثم، بعد ولادة المواقع الإلكترونية، ظهرت منصات التواصل الاجتماعي مثل (إنستغرام) و(تيك توك) وغيرهما. وهذا ما دفع الإعلام للدخول على خط هذه الوسائل بشكل مباشر».

وأردف شحرور: «بدأ الإعلام بإنشاء صفحات خاصة على هذه المنصّات، خصوصاً مع فورة انتشار الوسوم (الهاشتاغات). وأدخلت نشرات الأخبار والبرامج التلفزيونية فقرة الهاشتاغ، بينما اعتمد (تلفزيون المستقبل) قبلها فقرة (كلمة اليوم) لتكون بمثابة (فوكس بوب) مباشر من الواقع». وتابع: «تطوّر الأمر لاحقاً ليشمل الترويج لشخصيات أو أزمات معيّنة، كلها تدور تحت هذا العنوان. وبذا قرّر العديد من المحطات تخصيص فقرة في نشراتها الإخبارية لأهم الأحداث، تحت عنوان (ترند)، فصار جزءاً لا يتجزأ من سياسة صناعة المحتوى الإعلامي».

«ريفريش» يتابعها الملايين

أما نعيم برجاوي، رئيس تحرير المحتوى الرقمي في تلفزيون «الجديد»، فأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن إدراج فقرة خاصة بـ«الترند» ضمن نشرات الأخبار بات أمراً ضرورياً. وذكر أنه «كان من الطبيعي إدخال هذه الفقرة إلى النشرات لمواكبة العصر، فأحياناً يولد الترند من تقرير مصوّر أو خبر سياسي. ثم إن متابعة ما يتداوله روّاد وسائل التواصل الاجتماعي تلبّي اهتمام شريحة لا يُستهان بها من مشاهدي التلفزيون، وتضعهم على تماس مع ما يشغل المتابعين».

نعيم برجاوي (الشرق الأوسط)

واستطرد: «إننا نختار محتوى الفقرة بما يتناسب مع رغبات جمهورنا واهتماماته. والأمثلة كثيرة، كتقارير عن الطقس العاصف، أو انهيار مبنى، أو ارتكاب جريمة، أو خبر اغتيال. وسواء تألف المحتوى من تقارير مصوّرة أو لقطات من برامج تُعرض على شاشتنا، فهي تشكّل جزءاً من خياراتنا التحريرية».

استخدام «الترند» ما عاد مقتصراً على السياسة أو الفن، بل يمتدّ أيضاً إلى مجالات متعدّدة كالأزياء والاقتصاد والتكنولوجيا

سلطة ناعمة تفرض أجندة معيّنة

الدكتور محمود طربية، الأستاذ الجامعي المتخصص في الإعلام الرقمي، أدلى بدلوه في حوار مع «الشرق الأوسط»، فقال إن لـ«الترند» حسناته وسيئاته في آن معاً، «فهو من ناحية يضع جمهوراً واسعاً في حالة تفاعل مع أبرز الأحداث العالمية والمحلية...

د محمود طربيه (الشرق الأوسط)

لكنه، من ناحية أخرى، ينطوي على خطورة ما يُعرف بـ(نظرية القطيع)، حيث ينساق الناس خلف محتوى معيّن بدافع التقليد اللا واعي، فيتحوّل إلى عدوى رقمية تشبه الفيروسات، ولكن بطبيعة افتراضية». وأضاف: «(الترند) نمط أو موضة سريعة الانتشار وظرفية بطبيعتها». ومن منظور إعلامي، يمكن اعتباره مؤسِّساً لتفكير جماعي ونظريات معيّنة تُروَّج على نطاق واسع، فتتلقّفها الجماهير من دون نقاش. كما أن شريحة كبيرة من الناس تعاني مما يُعرف بـ«فوبيا» (FOMO)، أي رهاب تفويت أي معلومة رائجة «Fear of missing out».

وتابع أن «الترند» في الإعلام بات أشبه بـ«سلطة ناعمة» تفرض أجندات وسلوكيات معيّنة، وتؤثر في خيارات الناس عبر الخوارزميات والوسوم (الهاشتاغات) التي تحكم وسائل التواصل الاجتماعي، التي تقوم على تكرار عبارة أو شريط (ريل) معيّن... وفي بعض الأحيان نلاحظ انتشار «ترند» غير ذي قيمة، فيكون مفتعلاً عبر جيوش إلكترونية أو حملات موجّهة. أما الجانب الإيجابي لـ«الترند» فلخّصه طربيه، بالقول: «إنه يوفّر مساحة للتسلية والترفيه، ويُعدّ مؤشراً على حيويّة المجتمع وانخراطه في الشأن العام، كما يعكس نبض الشارع والاهتمامات التي تشغله».


تزايد الإقبال على «البودكاست» يصعّد المنافسة مع الراديو

زيادة إقبال الجمهور على الاستماع للبودكاست (متداولة)
زيادة إقبال الجمهور على الاستماع للبودكاست (متداولة)
TT

تزايد الإقبال على «البودكاست» يصعّد المنافسة مع الراديو

زيادة إقبال الجمهور على الاستماع للبودكاست (متداولة)
زيادة إقبال الجمهور على الاستماع للبودكاست (متداولة)

تجاوز «البودكاست»، للمرة الأولى، الإذاعة بوصفها إحدى أبرز الوسائل الشعبية للاستماع للمحتوى الصوتي، ما يدفع بالمنافسة بينهما لمزيد من الاحتدام. وفي حين تشير البيانات إلى أن السوق تتجه إلى مزيد من الاعتماد على «البودكاست»، قال خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» إن الراديو لا يزال يتمتع بمزايا تنافسية وفرص لجذب الجمهور.

مؤسسة «إديسون ريسيرش» الأميركية كانت قد أجرت مسحاً ونشرت نتائجه في نهاية فبراير (شباط) الماضي، وكشفت النتائج عن زيادة إقبال الجمهور على الاستماع لـ«البودكاست» ليتجاوز للمرة الأولى جمهور الإذاعة.

وأكدت المؤسسة، المتخصصة في استطلاعات الرأي ودراسات السوق والإعلام، أن الباحثين ظلوا على مدار العقد الماضي، يتتبعون سلوك الجمهور فيما يتعلق بالمحتوى الصوتي وتفضيلاته. ورصدوا، بالفعل، نمواً مستمراً في نسبة الوقت المخصص للاستماع إلى «البودكاست»، مقابل تراجع في حصة الوقت المخصص للإذاعة، لينتهي الأمر بتفوق «البودكاست» بنسبة 40 في المائة من إجمالي وقت الاستماع، مقابل 39 في المائة للإذاعة. وهنا تجدر الإشارة إلى أن هذه النسبة تتعلق بالإذاعة الحوارية فقط، ويستثنى منها وقت الاستماع للموسيقى مقابل «البودكاست المصور».

من ناحية أخرى، مع أن الفارق لا يزال محدوداً، فإن الخبراء أثاروا تساؤلات حول التنامي الذي لا يمكن إنكاره لهذا النمط من المحتوى الصوتي، لا سيما في ظل دخول منصّات مثل «سبوتيفاي» و«يوتيوب» في المنافسة، ما يمثل توجهاً محورياً في الصناعة.

هيفاء البنا، الصحافية اللبنانية والمدربة في الإعلام ومواقع التواصل، رأت أن تجاوز «البودكاست» للإذاعة التقليدية القائمة على البث الخطي، يعكس تحولاً بالأساس في سلوك الجمهور. وأوضحت أن «التحول مرتبط أساساً بتغير عادات استهلاك المحتوى بشكل عام، وليس الصوت فقط».

وتابعت البنا أن الجمهور اليوم اعتاد نموذج «المحتوى عند الطلب» في كل شيء تقريباً، من الفيديو إلى الموسيقى، ومن ثمّ أصبح من الطبيعي أن يتوقع التجربة نفسها مع المحتوى الصوتي. وتابعت أن «البودكاست» يمنح المستمع التحكم الكامل، اختيار الموضوع، الحلقة، والتوقيت، بينما يظل الراديو التقليدي «مرتبطاً بجدول بث ثابت يفرض على المستمع التكيف معه».

أيضاً أشارت البنا إلى «عامل التخصص»، فقالت إن «البودكاست» يسمح بوجود برامج شديدة التخصص، تستهدف اهتمامات محددة، وهو ما يصعب تحقيقه في الإذاعات العامة التي تخاطب جمهوراً واسعاً. وذكرت أن انتشار أنظمة الترفيه الذكية في السيارات وربط الهواتف الذكية بالسيارة، ساهما في الوصول بسهولة إلى تطبيقات «البودكاست» أو الموسيقى أو الكتب الصوتية.

في سياق متصل، وفي خطوة تعكس تغيراً واضحاً في اتجاهات صناعة الإعلام، أبرمت شركة «نتفليكس» صفقات مع مؤسستي «آي هارت ميديا» و«بارستول سبورتس» لعرض إنتاجاتهما من «البودكاست» عبر المنصة بصيغة بصرية متطورة تتجاوز القوالب التقليدية.

وتتوافق هذه الخطوة مع البيانات الصادرة عن «يوتيوب» في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، التي أفادت بنمو ملحوظ في مشاهدة «البودكاست المصور» عبر أجهزة التلفاز الذكية، إذ سجلت المنصة 700 مليون ساعة مشاهدة شهرية خلال عام 2025 ارتفاعاً من 400 مليون ساعة في عام 2024.

وهنا، قال الحسيني موسى، خبير تحليلات الإعلام الرقمي وقياس الأداء، إننا أمام محتوى واحد يُقدم من خلال نموذجين مختلفين، من حيث الإنتاج والتوزيع وشكل العلاقة مع الجمهور. وأوضح أن «هناك اختلافات جوهرية في النموذجين، ففي حين تتميز المنظومة الإذاعية بالدقة والمهنية والتحقق من المعلومات، وهذا يجعل نسب الخطأ أو التضليل أقل، يتمتع البودكاست بمساحات من الحرية تكسر القوالب التقليدية؛ لكن في الوقت نفسه قد يَعرض محتوى مضللاً دون رقيب».

وفي سياق المقارنة، أورد موسى أن ما يميز «البودكاست» هو اعتماده على «ارتباط شخصي وثيق» بالمستمع أو المشاهد، وأن «البودكاست يقدم حلقات طويلة تمتد لبضع ساعات أحياناً، وهذا النموذج يشعر الجمهور بثقة منشؤها التواصل الإنساني المستمر وليس بالضرورة البراهين المادية».

في المقابل، رغم البيانات التي قد تقوّض فرص الإذاعة، رأى موسى أنه لا تزال الإذاعة لديها فرص ومزايا تنافسية، وأن «نقطة القوة الأولى هي الثقة، فجمهور الراديو يشعر بطمأنينة تجاه المحتوى المقدم، ويثق بأنه تم تدقيقه وتحريره باحترافية».

وأردف: «الميزة الثانية هي الآنية، إذ تعد الإذاعة من أقوى وسائل الإعلام في مساحة الخبر العاجل، بينما يظل البودكاست بعيداً عن هذه الميزة». وأما الميزة الثالثة بحسب موسى فهي التحوّل للديجيتال (الرقمية)، شارحاً «حان الوقت ألا تكتفي الإذاعة بالبث التقليدي، وتنطلق نحو إعادة توزيع محتواها بشكل ذكي قريب من الديجيتال، وهذا سيساهم في الوصول للجمهور الأصغر سناً».


فضيحة بقناة ألمانية بسبب الذكاء الاصطناعي

لقطة من التقرير (زد دي إف)
لقطة من التقرير (زد دي إف)
TT

فضيحة بقناة ألمانية بسبب الذكاء الاصطناعي

لقطة من التقرير (زد دي إف)
لقطة من التقرير (زد دي إف)

وقعت قناة ألمانية في فخ الذكاء الاصطناعي؛ ما فتح الباب أمام موجة واسعة من الانتقادات والتساؤلات حول مصداقية الإعلام في ألمانيا، وكيفية التحقق من الأخبار قبل نشرها. وكانت القصة قد بدأت عندما نشرت القناة الألمانية الثانية «زد دي إف» ZDF، التي هي واحدة من أكبر القنوات العامة في البلاد، تقريراً في نشرتها الإخبارية المسائية الرئيسة، ظهر فيها فيديو من إنتاج الذكاء الاصطناعي.

يتكلم التقرير، الذي عُرض يوم 15 فبراير (شباط) عن حملة الاعتقالات التي تنفذها وكالة «إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك» ICE في الولايات المتحدة، وظهر فيه شريطان تبين لاحقاً أن الأول مزيف والآخر قديم ويعود إلى قصة مختلفة.

الفيديو الأول ظهرت فيه امرأة آسيوية يقتادها عنصران من شرطة الهجرة وهي تبكي ويداها مكبلتان، بينما يتمسك ولداها بها وهما يبكيان ويتوسلان الشرطيين لإطلاق سراحها. وكان واضحاً في يسار الشريط المزيّف طبعة «سورا»، وهو البرنامج المعروف بإنتاج فيديوهات بالذكاء الاصطناعي، ومع ذلك نُشر في التقرير على أنه حقيقي، ولم تشر لا المقدمة ولا الصحافي إلى أن الشريط مزيف.

المراسلة نيكولا ألبريشت (زد دي إف)

أما الشريط الآخر، فكان لفتى يبلغ 11 سنة من العمر يقتاده رجل شرطة وهو مكبل اليدين. وظهر في التقرير صوت يقول إن دائرة الهجرة تعتقل الأطفال وترحّلهم. ولكن تبين لاحقاً أن الشريط قديم يعود إلى عام 2022، وأن الفتى إنما اعتُقل بعدما هدّد بإطلاق النار داخل مدرسة.

أما ما أثار ارتباكاً وتعجباً أكبر، فهو أن تمهيد التقرير، الذي قرأته المذيعة المعروفة دنيا هيالي، أشار إلى «وجود الكثير من الفيديوهات على وسائل التواصل الاجتماعي تظهر عمل وكالة الهجرة في الولايات المتحدة»، وأضاف أن «ليست كل الفيديوهات المنشورة حقيقية، ولكن الكثير منها حقيقي».

سحب واعتذار متأخران

القناة تأخرت يومين قبل تقديم اعتذار وسحب التقرير. ثم نشرت يوم الثلاثاء اعتذاراً تقول فيه إن التقرير الذي عُرض مساء الأحد تضمّن «أخطاءً في الوقائع»، وإن «القناة فتحت تحقيقاً في المسألة». ومن جهة أخرى، علقت نائبة رئيسة التحرير بالقول إن عرض التقرير «يتنافى مع جهود القناة بتأمين أخبار موثوق بها، وأنها أخفقت هذه المرة بذلك». وأردفت أن القناة «تقدم اعتذارها للمشاهدين؛ لأن التقرير لم يرقَ إلى معاييرنا المرتفعة».

ثم عادت القناة وأصدرت بيانين في اليومين التاليين، ذكرت فيهما أن الخطأ جاء من مكتب القناة في مدينة نيويورك، حيث أضيف الفيديوهان الخطأ من دون التأكد من مصدريهما ولا تاريخيهما. وأعلنت أيضاً، عن إعفاء مراسلتها في نيويورك نيكولا ألبريشت (50 سنة) من منصبها وعن استدعائها للعمل داخل القناة التي تتخذ من مدينة ماينز (غرب ألمانيا) مقراً لها، عوضاً عن طردها.

مقر المحطة والقناة (زد دي إف)

رئيسة تحرير القناة بتينا شاوستن برّرت الإحجام عن طرد المراسلة من القناة والاكتفاء باستدعائها، بالقول إنه كان يجب التنبّه للخطأ داخل مقر القناة بعدما أرسل التقرير، وكان واضحاً لأنه يحتوي على فيديوهات من الإنترنت. وتابعت شاوستن في مقابلة مع صحيفة «تسود دويتشه تزايتونغ» بأنه «يجب الآن بذل جهود إضافية في عملية التحقق قبل البث».

ولكن، راينر هاسلهوف، أحد أعضاء مجلس إدارة القناة، صرّح بأن طرد المراسلة «لا يمكن إلا أن يكون الخطوة الأولى لتحقيق منهجي في الذي حصل». وتابع إن الأمر يتعلق «بمصداقية القناة»، وشدد على أن للمواطنين «الحق في الحصول على المعلومة الصحيحة». وللعلم، يجري تمويل هذه القناة من أموال دافعي الضرائب عبر ضريبة خاصة يدفعها المواطنون تُعرَف بـ«ضريبة البث».

وفي اليوم الثاني، عادت القناة لتعلن إجراءات إضافية بعد الفضيحة، منها تطوير آليات عمل جديدة تلزم الصحافيين باعتمادها من أجل التأكد من صحة الفيديوهات قبل استخدامها. كذلك، أعلنت القناة عن إخضاع العاملين فيها لدورات تدريبية لتوعيتهم على المعايير الواجب اعتمادها لتفادي الوقوع في أفخاخ شبيهة في المستقبل.

مطالبات رسمية وتحذير

من جانب آخر، طالب نثانيل ليمنسكي، وزير الإعلام في ولاية شمال الراين-وستفاليا، بـ«بذل المزيد... ومنذ الآن، من الأساسي مراجعة وتطوير العمليات الداخلية وآليات الرقابة؛ كي لا يتكرر مثل هذا الخطأ الفادح في المستقبل». ثم أضاف «يجب التحقيق بشكل معمق في كيفية حدوث ذلك؛ لأن من يدفع ضريبة البث يجب أن يكون مطمئناً إلى وجود آليات رقابية وتصحيحية فعالة ضمن قطاع البث العام».

بدورها، حذّرت وزيرة الدولة في المستشارية كريستيان شندرلاين، أيضاً، بأن «على البث العام أن يعمل وفقاً لأعلى معايير الجودة وأن يقيس نفسه بهذه المعايير».

وهذا، في حين علقت وسائل إعلام أخرى محذّرة من مخاطر الوقوع «في» فخ الذكاء الاصطناعي على مصداقية الإعلام. إذ نشرت صحيفة «تاغس شبيغل» اليومية الصادرة في برلين مقال رأي وصف القناة الألمانية الثانية بأنها «خانت أهم ركائز الصحافة، ألا وهي الصدقية». وأضاف المقال أن «مجرد الاعتذار والتصحيح لا يكفيان، وعلى مجلس البث - وهو الهيئة الرقابية للقناة - أن يجري دراسة نقدية لما حصل، كما يجب على المدير العام أن يصدر توجيهات لا لبس فيها لاتخاذ الإجراءات اللازمة على جميع مستويات صنع القرار» لمنع تكرار ما حدث.

وأشار كاتب المقال إلى أن ما يحصل في الولايات المتحدة مع وكالة «إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك» قد يكون أسوأ مما عُرض، ولكن «ليس من عمل برنامج إخباري أن يوجّه المشاهدين حول الظلم، بمشاهد متلاعب بها، ومن يفعل يقلل من قيمة المشاهدين».

القناة تأخرت يومين قبل تقديم اعتذار وسحب التقرير

أهمية الاعتراف بالخطأ

في السياق عينه، انتقد آخرون طريقة تعامل القناة مع الخطأ وتأخرها في الاعتذار وسحب التقرير، فكتب موقع «أوبر ميدين»، وهو موقع يراقب الإعلام الألماني، بعد أيام على رفض القناة الاعتراف بالخطأ: «لماذا لا تعترف القناة بأنها افتعلت خطأً سخيفاً؟ لماذا تحاول تبرير الأخطاء وجعل الأمور أسوأ؟ ما يحصل لا يساعد إلا الداعين لإغلاق القناتين الأولى والثانية، وبالنسبة للباقين فهي تضر بأي ثقة متبقية». ورأى الموقع أن «خطورة» استخدام صور وفيديوهات مصنَّعة بالذكاء الاصطناعي «ليس فقط أنها تنشر أكاذيب وواقعاً غير موجود، بل هي أيضاً تتسبب بشكوك حول مدى صحة الصور الحقيقية، وهذا أمر خطير».

كذلك، فور نشر التقرير وبدء الانتقادات، ذكر الموقع أنه تواصل مع المحطة، سائلاً عن آلية التحقق من الفيديوهات قبل نشرها، لكنه لم يحصل على جواب.

في أي حال، يوجّه إعلام أقصى اليمين في ألمانيا انتقادات للإعلام العام بأنه يعتمد «سياسة يسارية»، وأنه «ليس حيادياً في تغطياته»؛ ولذا يدعو كثيرون من هذا التيار إلى وقف تمويل الإعلام العام وإغلاق المحطتين بسبب «انحيازهما» في نقل الأخبار، كما يزعمون. لكم مما لا شك فيه أن أخطاءً كالتي وقعت فيها القناة الألمانية الثانية لا تساعد الإعلام الألماني العام الذي بات في حاجة ملحة إلى آليات للتعامل مع التحديات المتزايدة للذكاء الاصطناعي في عالم الإعلام.