ماكس هيستينغز... سيرة إعلامي بدأ مشواره في ساحات المعركة

رئيس تحرير «التلغراف» الأسبق لـ «الشرق الأوسط» : على الصحافي أن يكون حراً طليقاً في الميدان

السير ماكس هيستينغز أمام سوميرسيت هاوس بلندن حيث حاورته «الشرق الأوسط»  (تصوير: جيمس حنا) - صورة أرشيفية لهيستينغز أثناء تغطيته  حرب الفوكلاند في عام 1982 أعادت  الـ«ديلي ميل» نشرها
السير ماكس هيستينغز أمام سوميرسيت هاوس بلندن حيث حاورته «الشرق الأوسط» (تصوير: جيمس حنا) - صورة أرشيفية لهيستينغز أثناء تغطيته حرب الفوكلاند في عام 1982 أعادت الـ«ديلي ميل» نشرها
TT

ماكس هيستينغز... سيرة إعلامي بدأ مشواره في ساحات المعركة

السير ماكس هيستينغز أمام سوميرسيت هاوس بلندن حيث حاورته «الشرق الأوسط»  (تصوير: جيمس حنا) - صورة أرشيفية لهيستينغز أثناء تغطيته  حرب الفوكلاند في عام 1982 أعادت  الـ«ديلي ميل» نشرها
السير ماكس هيستينغز أمام سوميرسيت هاوس بلندن حيث حاورته «الشرق الأوسط» (تصوير: جيمس حنا) - صورة أرشيفية لهيستينغز أثناء تغطيته حرب الفوكلاند في عام 1982 أعادت الـ«ديلي ميل» نشرها

بعد أشهر من الملاحقة والانتظار، استطاعت مديرة أعمال الصحافي البريطاني اللامع ماكس هيستينغز ترتيب لقاء يجمعني به لمدة ساعة من جدوله اليومي الحافل. التقيته في مقهى مبنى «سوميرسيت هاوس» اللندني العريق. سبعيني، طويل القامة، يرتدي معطفاً كلاسيكياً ويحمل شنطة جلدية قديمة، تخيلت لوهلة أنها كانت ترافقه في مغامراته السابقة. قهوته من دون حليب أو سكر، منديله من قماش، ولهجته أرستقراطية.
أرخ في 6 كتب تفاصيل الحروب ودفن بين صفحاتها أسرار الاستخبارات. أن تحاور أهم المراسلين الحربيين في بريطانيا ليس أمراً سهلاً، لذلك حضرت عشرات الأسئلة مسبقاً.
سألته أولاً عن أولى تجاربه في تغطية الحروب، واعترف لي أنه كان صغيراً وطائشاً حينها. إجابته بددت انطباعي الأول. فصياغته المتقنة وكنز مصطلحاته تدل على خبرة السنوات، لكن، يقبع وراءها شاب تحدى السلطة وكسر القوانين يوماً. عندها، تخليت عن النص واسترسلنا في الحديث. صراحته صادمة وخفة ظله ساخرة، وآراؤه عميقة ومثيرة للجدل.
شكرته على وقته أخيراً، هو ليباشر عمله في كتابه الجديد عن فيتنام، وأنا لإيجاد المقدمة الملائمة لتصاحب هذا الحوار الشيق. لكن، قبل أن نفترق قال لي: اخترت إجراء الحوار معك اليوم، رغم أنني أرفض عشرات المقابلات مع الصحف البريطانية، لأنني أريد الوصول إلى القراء العرب. وفيما يلي نص الحوار:

* نشأت في منزل لأب وأم كانا أعلاماً في الصحافة، فوالدك كان مراسلاً حربياً، ووالدتك كانت رئيسة تحرير مجلة الأزياء الأميركية «هاربرز بازار»، كيف أثر ذلك على اختيارك لمهنة الصحافة؟
- في مطلع شبابي، أردت أن أكون جندياً، لكنني سرعان ما اكتشفت أنني لا أمتلك الانضباط اللازم للالتحاق بالجيش، أو القدرة البدنية لأكون جندياً جيداً، فعكفت على الكتابة، وبدأت مسيرتي الإعلامية في التلفزيون، ومن ثم انتقلت إلى الصحافة الورقية.
* كيف كانت تجربتك كمراسل حربي في مختلف أنحاء العالم؟
- أعتقد أن جميع الصحافيين الشباب لديهم حلم السفر والتجوال؛ كنت من المحظوظين لبدء مسيرتي الصحافية في وقت كان العالم يشهد أحداثاً مثيرة. تلقيت منحة لأدرس المهارات الصحافية في الولايات المتحدة عام 1967. وخلال إقامتي هناك، زرت البيت الأبيض، وقابلت رؤساء أميركيين، منهم ليندون جونسون ورونالد ريغان وريتشارد نيكسون ونائب الرئيس الأسبق هوبرت هامفري. قمت بتغطية انتخابات عام 1968 الرئاسية هناك. كما كنت شاهداً على أحداث فاجعة ومحورية في الولايات المتحدة، كاغتيال مارتن لوثر كينغ وروبرت كينيدي والاحتجاجات وغيرها. كما قمت بتغطية الحرب في فيتنام. كان عمري 24 عاماً عندما زرت البلاد للمرة الأولى، كنت صغيراً وطائشاً... لكن التجربة أسرتني.
* ماذا عن تجربتك في تغطية حرب الفوكلاند؟
- في جزر الفوكلاند، أدرت أكبر خبطة صحافية في تاريخي المهني، لأن جميع زملائي من الصحافيين الحربيين لم يريدوا الذهاب إلى هناك، ليقينهم أن الحرب لن تقع، وأنه سيتم اللجوء إلى تسوية دبلوماسية، لكن الحرب وقعت بالفعل، وكنت هناك لتوثيقها، لحسن حظي. برأيي، إن أسس هذه الحرب كانت «غبية»، ومجرد منافسة على امتلاك «عقار» بين بريطانيا والأرجنتين. لكن صحافياً كانت التجربة رائعة، إلا أن البرد كان قارساً. ولأنني كنت الصحافي الوحيد هناك، كانت جميع الصحف تنشر مقالاتي وتغطيتي اليومية. وقد كتبت كتاباً ناجحاً عن تجربتي هناك.
* ذكرت للتو أنك كنت محظوظاً، وفي سيرتك تذكر أيضاً أن زوجتك قالت إنك محظوظ مهنياً... ما دور الحظ في مسيرتك المهنية؟
- للحظ دور هام في نجاحي، وكانت بدايتي موفقة. المناخ الإعلامي كان يرتكز على العلاقات والمحاباة، وأتيحت لي فرصة الالتحاق بهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) في عمر الـ17 لأن والدي كان متعاوناً معهم. وأول وظيفة لي في صحيفة ورقية أتيحت لي لأن والدتي كانت تعمل في ذلك المجال. لكن الأمر تغير. واليوم، في عمر الـ71، انظر إلى الوراء وأقول: الكثير من زملائي لقوا حتفهم أثناء عملهم كمراسلين حربيين، ولكنني ما زلت على قيد الحياة مع أنني مررت بتجارب خطرة. لكن إلى جانب الحظ، الأمر الذي يجعل الصحافي متميزاً ومتقدماً في مسيرته هو تحدي السلطة، فعلى الصحافي الماهر أن يكسر القوانين بين فينة والأخرى إلى جانب القلم الجميل وموهبة الكتابة.
* في كتابك «الذهاب إلى الحروب»، هناك فصل يهم القراء العرب عن إسرائيل، وتجربتك هناك، هل تغيرت آرائك عن الدولة الإسرائيلية منذ ذلك الحين؟
- كنت في السابق من مؤيدي إسرائيل خلال أواخر ستينات ومطلع سبعينات القرن الماضي. لكن في أواخر السبعينات، أصبحت شاهداً على عدوان إسرائيل ومعاملتها للشعب الفلسطيني، وأفعال الحكومات الإسرائيلية الظالمة، ولم أعد أحب إسرائيل. واليوم، أنا من أشد معارضي الحكومة الإسرائيلية. وسيأتي يوم تندم فيه الدولة الإسرائيلية على ممارساتها الظالمة.
* ما موقفك الحالي تجاه الوضع في منطقة الشرق الأوسط؟
- هذا الملف معقد جداً، لكنني أعتقد أننا أخفقنا في سياساتنا في الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة. بدأت تلك الإخفاقات منذ حرب العراق عام 2003. أنا كنت ضد التدخل في سوريا لضبابية الخطة البريطانية، رغم أنني أعارض الأسد، لكن لا أظن أن على بريطانيا هجر الشرق الأوسط، إلا أن تدخلاتها يجب أن تكون دبلوماسية وسياسية وليست عسكرية.
خلال مسيرتي المهنية، كتبت الكثير من الكتب عن الاستخبارات. وبرأيي، إن الاستخبارات البريطانية منظومة قوية جداً، ولديها معلومات كثيرة عن الشرق الأوسط، إلا أننا نفتقر إلى معرفة بحيثيات العلاقات القبلية والاجتماعية هناك. لذلك يجب أن لا نعتمد فقط على استخباراتنا، بل يجب العمل على تطوير مهاراتنا الدبلوماسية. لست من أكبر المتفائلين بفترة رئاسة ترمب، إلا أن إخفاقات أوباما في الشرق الأوسط تضغط على الرئيس الحالي لإعادة رسم سياسات جديدة في المنطقة.
* كيف تقيم المناخ الإعلامي اليوم؟ هل تدنت الجودة مع ازدياد المطبوعات والقنوات؟
- كتب صحافي بريطاني في عام 1968، حول تغطية الأخبار آنذاك، وقال إن: هنالك كماً هائلاً من المعلومات مقابل نسبة قليلة من المعرفة. وهذه الجملة كانت صحيحة في حينها، وأكثر صحة اليوم.
أثناء عملي مع الـ«بي بي سي» خلال السبعينات، كان يتوفر للمراسلين مخصصات مالية ضخمة، ليجوبوا العالم مع طاقم متكامل. وكنت أسافر بين القارات حينها. وكل رحلة كانت تستغرق 4 - 5 أسابيع، في سبيل إنتاج وثائقيات لا تتعدى مدتها النصف ساعة. أما اليوم، لا نجد ذلك. كان لدينا الدعم المالي والفرص. فعندما كنت رئيس تحرير صحيفة «التلغراف»، كان لدينا نحو 19 مراسل في الخارج والميزانية الملائمة لتغطيتهم. أما اليوم، فتغير الأمر. هناك الكثير من الوسائل لتلقي ونشر المعلومات، ولكنها تفتقر إلى المعرفة. أرى أن هناك قلة في الكوادر المتخصصة. ففي السابق، عندما كنت أعمل في الصحافة الورقية، كان هنالك زملاء لي مختصون بتغطية شؤون الدفاع. وكانوا يعرفون جميع حيثيات الملف، وحتى أنواع الأسلحة والترسانات. أما اليوم، لا يعرف معظم المراسلين الأمنيين الفرق بين الكتيبة واللواء.
* كيف بإمكاننا تصحيح هذا إذن؟
- علينا دراسة الأمور والتمعن بها لتكوين الآراء قبل النشر والتسرع. وقد نغير آراءنا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، غيرت رأيي أكثر من مرة عن أوروبا. كنت من معارضي الانضمام للاتحاد الأوروبي في السابق، لكنني الآن من معارضي الخروج منه. برأيي الأمر التراجيدي حول «بريكست» أن من صوتوا للخروج يريدون إعادة بريطانيا إلى زمن كتابات أغاثا كريستي في خمسينات القرن الماضي. كنت موجوداً حيناً، ولم تكن الأمور رائعة، والحنين إلى الماضي والنوستالجيا أمر محزن. «بريكست» درس لنا، وآمل أن نتعلم منه في المستقبل.
* كرئيس تحرير سابق لصحيفة «التلغراف» في أواخر ثمانينات القرن الماضي وإلى منتصف التسعينات، كان ضمن كادرك أحد أبرز مناصري «بريكست»، وهو وزير الخارجية بوريس جونسون، إذ كان يشغر وظيفة محرر ثم مراسل الصحيفة لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل، ومن ثم رفضت طلبه بتعيينه كمراسل حربي، وقمت بترقيته إلى مساعد رئيس تحرير وكبير كتاب الرأي. كيف تصف العلاقة بينكما؟
- برأيي الشخصي، بوريس ليس مؤهلاً لأي منصب حكومي، إلا أنه صحافي ممتاز. كان بوريس من أحد الصحافيين المفضلين لدي خلال فترة رئاسة تحريري لـ«التلغراف»، وذكرته في سيرتي الذاتية. كان صحافياً موهوباً، لكن غير منضبط. وهو اليوم، كوزير خارجية البلاد، رجل موهوب جدا، لكنه يفتقر إلى حس المسؤولية.
* عند تعيينك كرئيس تحرير «التلغراف»، قمت بتحويل الخسارات المادية السنوية إلى أرباح مضاعفة، كيف استطعت فعل ذلك؟
- تسلمي رئاسة تحرير «التلغراف» كان تحدياً مخيفاً لي لأنه كان أول منصب قيادي في حياتي في سن التاسعة والثلاثين. وقد عارض كثير من الناس قرار تعييني، ومنهم روبرت مردوخ. لكنني لطالما كنت على يقين أن بإمكان المرء تولي القيادة إن قام بتحديد الأهداف، وتحمل المسؤولية عند التعرض للعقبات والمشكلات، والاستثمار بالطاقات المنتجة والكوادر الموهوبة، والاستغناء عن الموظفين غير المهنيين. وواحدة من الموظفات التي اضطررت أن أقيلها كانت كريمة رئيسة الوزراء مارغريت ثاتشر. وظننت حينها أن ثاتشر ستعتبر قرار الإقالة مهنياً، إلا أنه أغضبها، واحتل الصفحات الأولى لجميع الصحف الأخرى. واعتقد الجميع أنه ستتم إقالتي، وحتى أنا ظننت ذلك لوهلة. لكنني نجوت، وكسبت احترام أهل الصحافة. لكن علاقتي مع الحكومة كانت متوترة لأنني خرقت تقليد تأييد «التلغراف» الأعمى لحكومة المحافظين، وبدأنا بانتقاد بعض القرارات الصادرة عن حكومة ثاتشر، وشعرت حينها بخيبة الأمل و«الخيانة» إلى حد ما، لكن مالك الصحيفة كونراد بلاك أيد جميع قراراتي.
* كيف تقيم الصحف البريطانية اليوم؟
- أعتقد أن «التايمز» التي يملكها روبرت مردوخ صحيفة جيدة، وتجسد أفضل مثال لنموذج الصحيفة الرصينة التي تحتوي على كثير من الآراء والأبواب. لكن جدير بالذكر أن مردوخ يمتلك «فوكس نيوز» في أميركا، القناة التي اعتبرها تفتقر إلى المهنية أو المصداقية.
* ذكرت في سيرتك الذاتية أن سبب نجاح صحيفة «صنداي تايمز» كان اعتمادها على السبق الصحافي، لكنك قلت أن «التلغراف» لم تعتمد على الشيء نفسه لكسب شهرتها. إذن ما الذي يميز الأخيرة؟
- كان لـ«التلغراف» دور مختلف. كنا دوماً صحيفة توفر المعلومات لقرائها، ولهذا كان كادر مراسلينا هائل. وفي الثمانينات، كنا ننشر أكثر من 17 خبراً وقصة على صفحتنا الأولى من شتى أنحاء العالم. كانت صحيفة رصينة ذات أخبار دولية، لكن اليوم للأسف خسر القراء شهيتهم لتلقي الأخبار الجادة والدولية، وباتوا مهتمين بأخبار النجوم، وبات قراء مطبوعات جادة مثل الـ«فايننشال تايمز» و«الإيكونوميست» أقلية.
* ما نصيحتك للصحافيين الشباب اليوم الذين يطمحون للمساهمة في إنعاش الصحف الرصينة والأخبار الجادة؟
- مهنة الصحافة باتت تحدياً صعباً اليوم. فعندما أزور «بي بي سي»، وأتحدث مع موظفيها الشباب، يؤسفي تدني الرواتب التي يتقاضونها، وغياب الضمانات والعقود الدائمة. ولم يكن هذا الحال في السابق، فجميع موظفي «التلغراف» كانوا يتقاضون رواتب مناسبة. برأيي، الصحافي المميز هو الذي يعتبر القصة التي يعمل عليها أهم أولوية في حياته إلى حين نشرها، ويفعل المستحيل لجمع المعلومات والحقائق. على الصحافي أن يكون كالنمر في كل الأحيان، ويصل طموحه إلى حد الجنون. وأعرف كثيراً ممن امتهنوا الصحافة، إلا أنهم لم يلمعوا، والسبب ليس لأنهم افتقروا إلى الذكاء، بل لأنهم لم يولوا كل الاهتمام لقصصهم.
* أذن هل اضطررت يوماً لعمل المستحيل لنشر قصة عملت عليها؟
- نعم، حدث هذا خلال أوائل مهماتي كمراسل حربي لصحيفة «إيفنينغ ستاندرد» لتغطية الحرب الأهلية النيجيرية. كنت مع أحد أقدم أصدقائي مراسل صحيفة «التايمز»، واستطعنا تحصيل سبق صحافي من بيافرا. واتجهنا إلى لاغوس بحثاً عن هاتف للاتصال بلندن لنقل الخبر. وكنت على علم أنه إن اضطررت الانتظار حتى الوصول إلى لاغوس للتواصل مع صحيفتي، سيسبقني زميلي بالسبق لأن «التايمز» تنشر صباحاً و«ستاندرد» مطبوعة مسائية. فقررت إجراء مكالمة من بنين على الطريق إلى لاغوس. وطوال رحلتي أنا وزميلي من بيافرا إلى بنين، درست جميع الطرق في رأسي لمنع زميلي من الوصول إلى هاتف قبلي، حتى خطر على بالي أن أترجل من سيارة الأجرة وأتركه وحده. كنت في الثانية والعشرين من عمري، وطموحي كبير جداً، والسبق الصحافي على رأس أولوياتي.
* تذكر أيضًا في سيرتك الذاتية أن مقبرة الصحافيين هي الجلوس وراء مكاتبهم، لماذا؟
- على الصحافي أن يكون حراً طليقاً في الميدان، ليتعرف على الشخصيات المثيرة للاهتمام، ويجمع قصصاً والسبق الصحافي، لكن في يومنا هذا، أصبح الصحافي ملزم بعدة مهام، منها التحرير وكتابة قصص للنسخة الورقية والإلكترونية، إلى جانب التفاعل على وسائل التواصل أيضاً، ما يستنزف من وقته في الميدان.
* لو كنت لا تزال رئيس تحرير "التلغراف" اليوم، فكيف كنت ستديرها؟
- لم أقم بنقد «التلغراف» منذ أن تركتها، لأنني لا أومن بالالتفات إلى الوراء والنقد. وأواظب الآن على كتابة كتاب حول حرب فيتنام، وهذا يستغرق كل تركيزي.



حرب إيران تزيد مخاوف «التضليل المعلوماتي»

مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
TT

حرب إيران تزيد مخاوف «التضليل المعلوماتي»

مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)

بينما تتواصل المعارك العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، اندلعت حرب أخرى على منصّات التواصل الاجتماعي، إذ جرى تداول صور ومقاطع فيديو لآثار المعارك ثبت أنَّها مولّدة بالذكاء الاصطناعي، ما أثار مخاوف متصاعدة بشأن معركة «تضليل معلوماتي» بموازاة الحرب الدائرة.

ولقد علّق خبراء بالقول إنَّ الذكاء الاصطناعي بات أداةً مركزيةً في «حروب المعلومات»، لا سيما مع قدرته على إنتاج محتوى مضلّل بسرعة وبتكلفة منخفضة. وطالبوا بوضع قواعد لحوكمة التكنولوجيا؛ لمواجهة التأثير المتصاعد لـ«التضليل المعلوماتي».

جدير بالذكر، أنَّ مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي تداولوا أخيراً قائمةً تضمَّنت مدناً وأهدافاً أميركية عدة، زعموا إنَّ إيران تعتزم استهدافها. إلا أنَّ بحثاً أجراه «معهد بوينتر» الأميركي المتخصِّص في الدراسات الإعلامية، أكّد أن «القائمة المتداولة غير صحيحة. وأنها اعتمدت على أخبار قديمة تضمَّنت تنبؤات بطبيعة الأهداف المحتملة في الحرب».

روبوت يعمل بتقنية الذكاء الاصطناعي (آ ف ب)

كذلك، إبان معارك «حرب إيران» نشرت صحيفة «طهران تايمز» الإيرانية صورةً تظهر مقارنةً بين معدّات رادار أميركية في قاعدة قيل إنها على أرض قطر قبل «تدميرها بالكامل». وبعد ذلك نشرت «وكالة الصحافة الفرنسية» أن باحثين اكتشفوا أنَّ الصورة مأخوذة من «غوغل إيرث» وتعود إلى العام الماضي، وهي تظهر قاعدةً أميركيةً في البحرين جرى التلاعب بها بواسطة الذكاء الاصطناعي. وعليه، حذَّر الخبراء من تداعيات انتشار «التضليل المعلوماتي» في الحروب، لا سيما مع ازدياد واقعية المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي.

دور الذكاء الاصطناعي

الدكتور حسن عبد الله، نائب رئيس جامعة شرق لندن بالعاصمة البريطانية، قال لـ«الشرق الأوسط» خلال لقاء معه: «إن زمن الحروب والأزمات يشهد تصاعداً ملحوظاً في ظاهرة التضليل المعلوماتي، حيث تتحوَّل المعلومات إلى سلاح موازٍ للأسلحة العسكرية». وأردف: «وفي سياق التوترات والحروب المرتبطة بإيران، يبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً مزدوجة الاستخدام؛ إذ يمكن أن يسهم في تسريع الوصول إلى المعلومات وتحليلها، لكنه في المقابل، يتيح أيضاً إنتاج ونشر محتوى مضلل بسرعة غير مسبوقة».

وأوضح عبدالله: «الذكاء الاصطناعي يساعد على إنتاج نصوص وصور ومقاطع فيديو تبدو واقعيةً للغاية، وهذا ما يُعرف بالتزييف العميق»، مشيراً في هذا الصدد إلى «أزمات دولية سابقة شهدت تداول مقاطع مفبركة لعمليات عسكرية أو تصريحات منسوبة لقادة سياسيين لم تحدث في الواقع. والحال، أن التضليل المعلوماتي في عصر الذكاء الاصطناعي لا يعتمد فقط على الكذب، بل على إنتاج روايات مقنعة يصعب التحقُّق منها بسرعة».

وطرح عبد الله أسباباً عدة لانتشار حملات التضليل إبان الحروب، من أبرزها: «التأثير في الرأي العام، وإضعاف ثقة المجتمعات بالمؤسسات الرسمية، وإرباك الخصوم عبر نشر معلومات متناقضة». وتابع أن «الحروب الحديثة أظهرت كيفية انتشار الشائعات بسرعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصاً عندما تكون المعلومات الرسمية محدودة أو متأخرة».

ثم استطرد: «في الحروب المعاصرة لم تعد المعركة عسكرية فقط؛ بل أصبحت أيضاً معركة على المعلومات والروايات... في ظلِّ التوترات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، برز الذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً مؤثرةً في تشكيل السرديات الإعلامية، ونشر محتوى مضلل على نطاق واسع».

ولفت إلى «انتشار صور ومقاطع فيديو ادعت تدمير قواعد عسكرية أو سقوط طائرات حربية، تَبيَّن لاحقاً أنَّ بعضها مُولَّد بالذكاء الاصطناعي، أو مواد قديمة جرى تعديلها رقمياً وإعادة نشرها في سياق جديد»، وتطرّق إلى «حالات أخرى جرى فيها تداول مقاطع قيل إنها توثِّق ضربات صاروخية أو معارك في المدن، لكنها في الحقيقة كانت مقتطفات من ألعاب فيديو عسكرية مثل لعبة (أرما - Arma)، التي استُخدمت مراراً في التضليل الإعلامي بسبب واقعية رسومها».

وواصل الدكتور حسن عبد الله شرحه، موضحاً أنه «في مواجهة هذه التحديات، بدأت الحكومات بوضع قواعد لتنظيم المحتوى الرقمي، مثل (قانون الخدمات الرقمية/ DSA)، وقواعد الشفافية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في الاتحاد الأوروبي... ثم إن هذه التطورات تكشف عن أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يتحوَّل إلى سلاح إعلامي بقدر ما هو أداة تكنولوجية». واختتم بالتشديد على أن «حماية الحقيقة في زمن الحروب لم تعد مسؤولية الصحافيين وحدهم، بل باتت تتطلب أيضاً تعاون الحكومات والمنصّات الرقمية والمؤسسات الإعلامية لضمان أن تبقى المعلومات الموثوقة أقوى من التضليل».

شعار "معهد بروكينغز" (لينكد إن)

أوقات الحروب والنزاعات

وكما سبقت الإشارة، يزداد انتشار الصور المُعدَّلة بالذكاء الاصطناعي و«الشائعات المضللة» في أوقات الحروب والنزاعات. وحقاً، تكرَّر المشهد ذاته خلال الحرب الروسية - الأوكرانية، وخلال احتجاجات لوس أنجليس في الولايات المتحدة العام الماضي، ما يثير مخاوف بشأن تأثير هذا النوع مع المحتوى على الجمهور وصُناع القرار، لا سيما مع اعتماد كثيرين على منصات التواصل الاجتماعي للحصول على معلومات بشأن الحروب والنزاعات. وخلال حوار مع «الشرق الأوسط»، قالت الدكتورة سالي حمود، الباحثة الإعلامية اللبنانية في شؤون الإعلام المعاصر والذكاء الاصطناعي، وأستاذة الإعلام والتواصل: «في أوقات الحروب تصبح الساحة مفتوحةً لنشر التضليل المعلوماتي، وفي عصر الذكاء الاصطناعي، الذي يقود هذه الحرب، بات الإعلام ونشر المعلومات جزءاً من أسلحة أطراف النزاع».

ولفتت حمود إلى انتشار مقاطع فيديو لاحتراق مبانٍ أو تدمير قواعد عسكرية تُبيَّن أنها مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي. وحذَّرت من «سرعة انتشار هذا النوع من المحتوى عبر منصات التواصل الاجتماعي؛ لأنَّ تأثير المعلومات المضللة، خصوصاً، في زمن الحروب، يكون كبيراً جداً حتى لو اكتُشف زيفها فيما بعد، وهذا يشير إلى خطورة التضليل المعلوماتي وقت الحرب».

وتابعت حمود مؤكدة على «أهمية المضي في اتخاذ خطوات لكبح جماح التكنولوجيا، ووضع قواعد صارمة لحوكمتها... مع ملاحظة أن الكلام المتكرِّر عن حوكمة الذكاء الاصطناعي لا يبدو فاعلاً على الأرض حتى الآن».

وبالفعل، تتكرَّر بين الحين والآخر المطالبات بـ«حوكمة» الذكاء الاصطناعي، ولكن، على الرغم من محاولات دول عدة وضع قواعد لمنصات التواصل الاجتماعي، فإنَّ الخبراء ما زالوا يحذِّرون من تفاقم تأثير المعلومات المنتشرة عبر تلك المنصات، لا سيما «المحتوى العنيف والمضلل».

في مواجهة التحديات المستجدّة بدأت الحكومات الغربية بوضع قواعد لتنظيم المحتوى الرقمي

تقرير «معهد بروكينغز»

هذا، وكان قد ورد في تقرير نشره «معهد بروكينغز» الأميركي عام 2023 أنه «على الرغم من أن نشر مقاطع فيديو عن القتل والعنف عبر الإنترنت ليس جديداً، فإنه في كثير من الأحيان يخدم أغراضاً متضاربة، ما بين إعلام الجمهور أو دفعه للتطرف».

وحول هذا، رأى يوشنا إكو، الباحث الإعلامي الأميركي، ورئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن «الصراعات والحروب تزيد الشغف والرغبة في الحصول على المعلومات، ويُشكِّل فرض قيود على انتشار المعلومات بيئةً خصبةً للتضليل المعلوماتي، وأن الذكاء الاصطناعي ساعد على انتشار التضليل المعلوماتي لما يوفره من إمكانات في إنتاج صور ومقاطع فيديو تبدو واقعيةً للوهلة الأولى». وحذَّر إكو، بالتالي، من «تأثير المحتوى المضلل على الجمهور الذي قد يجد صعوبةً في تمييز المحتوى الدقيق من المضلل». وشدَّد على ضرورة «رفع وعي المستخدمين بوصفه وسيلةً أساسيةً لمكافحة التضليل المعلوماتي مع زيادة فاعلية الإعلام في نقل المعلومات والتحقّق منها».


أدوات «ميتا» لدعم الفيديوهات تُغيّر مستقبل تقديم الأخبار على المنصات

شعار "ميتا" (رويترز)
شعار "ميتا" (رويترز)
TT

أدوات «ميتا» لدعم الفيديوهات تُغيّر مستقبل تقديم الأخبار على المنصات

شعار "ميتا" (رويترز)
شعار "ميتا" (رويترز)

أعلنت شركة «ميتا» عن حزمة تحديثات جديدة لتعزيز إنتاج الفيديو على حساب الروابط، في خطوة ذكرت أن هدفها إتاحة تجربة متكاملة عبر تطبيقاتها الرقمية، إلا أن خبراء عدَّوا هذه الخطوة تحولاً استراتيجياً يؤثر على مستقبل مؤسسات الأخبار التي لا تزال تعتمد حركة الإحالات لنشر محتواها.

للعلم، «ميتا» ذكرت خلال مارس (آذار) الحالي أنها عزّزت أدوات الفيديو في تطبيق «إيديتس»، الذي كانت قد أطلقته الشركة ليتكامل تقنياً ومنصاتها («فيسبوك» و«إنستغرام» و«واتساب» و«ثريدز») بآليات مستحدثة لتحرير الفيديو. وترمي التحديثات إلى «تبسيط» تجربة صناعة المحتوى، وتعزيز قدرات المبدعين على المنصات التابعة للشركة، وتسهيل عملية النشر المباشر. وأيضاً، شملت التحديثات الأخيرة مجموعة من الأدوات التي تركّز على الجوانب البصرية، ما يسمح بتحرير الفيديو بالكامل عبر تطبيقات «ميتا» من دون الحاجة إلى الخروج أو استخدام أدوات خارجية.

مراقبون رأوا في ذلك أن اتجاه «ميتا» نحو دعم الفيديو ينسجم مع استراتيجية «الحدائق المغلقة»، وهي أنظمة رقمية مغلقة تُسيطر على كل جزء من تجربة المستخدم وتدفق البيانات، وهو ما يعني ضمان بقاء المستخدم داخل التطبيق من دون الحاجة إلى الخروج لروابط خارجية، مثل مواقع الأخبار.

وفي تقرير نشرته المنصة البريطانية «فيوتشر ويك» خلال يناير (كانون الثاني) الماضي، فإن كبريات الشركات مثل «ميتا» و«غوغل» و«أمازون» صارت تتبع هذا النمط (الحدائق المغلقة) المُعزّز بالذكاء الاصطناعي، «وذلك بهدف الاستحواذ الكامل على بيانات المستخدم، ومن ثم ضمان السيطرة على المعلنين».

أسامة عصام الدين، خبير تطوير منصات التواصل الاجتماعي، وصانع محتوى تقني بالمملكة العربية السعودية، رأى، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن الفيديو هو «لغة منصات التواصل الجديدة»، وأضاف «صارت تتشكل المنصات اليوم من مقاطع الفيديو والخوارزميات التي تعرض اهتمامات المستخدمين، بعيداً عن المسمى الأساسي الذي نشأت عليه هذه المنصات (التواصل الاجتماعي)». وتابع: «أظن أن (فيسبوك) بات أبعد ما يكون اليوم عن ركيزة التواصل، إذ صار منصة ترفيه ومتابعة اهتمامات أولاً، والفيديو هو محرك ذلك، ثم منصة بيع وشراء ثانياً».

واعتبر عصام الدين أن «المنصة تريد محتوى يبقي المستخدم أطول فترة ممكنة، ولذلك فهي تقلل وصول أي محتوى يضم روابط تُخرج المستخدم من المنصة، حتى إن كانت روابط فيديو؛ ولذا حاولت جاهدة استنساخ نموذج (يوتيوب) لصناعة ومشاركة الأرباح مع صناع المحتوى».

ثم أشار إلى أن «التفاعل مع الأخبار النصَّية هو الآن في أدنى مستوياته التاريخية، فالمستخدمون، خصوصاً الشباب، صاروا يريدون استهلاك المحتوى الذي لا يتطلب منهم قراءة ومتابعة عميقة، مفضلين المحتوى المشاهد الذي لا يشكل عبئاً على أنفسهم عند استهلاكه، حتى إن لم يتسم ذلك الاستهلاك بالتركيز الكامل».

وقال من ثم: «الأخبار لا تزال مُحركاً؛ لكن تغير الدور... ويظل ما يميز الخبر النصي المكتوب اليوم هو استخدامه مرجعاً، ليس للمتابع فقط؛ بل حتى لخوارزميات نماذج الذكاء الاصطناعي التي قد تستخدمه مصدراً لها».

من جهة ثانية، تحدّث شون سايمون، مدير الهندسة في فريق «ثريدز»، عبر حسابه الرسمي في التطبيق، أخيراً، عن «إطلاق مجموعة دردشة لاستقبال طلبات التحديث والملاحظات الفورية من المستخدمين، فضلاً عن رصد يومي للمقترحات لضمان استجابة الأداة لمتطلبات صناع المحتوى المتغيرة، لضمان نجاح التجربة وجذب مزيد من المستخدمين وصناع المحتوى». قال المحاضر والباحث في الإعلام الرقمي، محمد صلاح عبد الموجود، إن «التحوّل نحو الفيديو بات ضرورة للناشرين»، وأبلغ «الشرق الأوسط» أن «صحافة الفيديو بدأت عنصراً تكميلياً، لكنها باتت منصة أساسية للنشر، لا سيما مع اتجاه جميع التطبيقات للمحتوى المرئي. وهذا الاتجاه ليس وليد قرار، إنما استراتيجية متكاملة بدأت تتكشف خلال العامين الماضيين. وهكذا كان حتمياً اتجاه المؤسسات الصحافية للاعتماد على الفيديو في عرض القصص الخبرية وتناول القضايا الصحافية التي تهم الجمهور بالشكل الفني الذي يجذبه».

عبد الموجود أشار إلى تقرير «الأخبار الرقمية لعام 2026» الصادر عن معهد «رويترز»، الذي أورد أن «أكثر من 50 في المائة من مستخدمي الإنترنت يفضلون مشاهدة الأخبار عبر الفيديو بدلاً من قراءتها، خاصة الفئات العمرية الشابة. ولذا يجب على المؤسسات الصحافية مواكبة هذه التغيرات في غرف أخبارها، من خلال توفير المعدات والأجهزة اللازمة لإنتاج هذه المواد المرئية، واستخدام الذكاء الاصطناعي في تحويل النصوص إلى مقاطع فيديو جاذبة، ما يوفر الوقت والمجهود داخل غرف الأخبار، وأيضاً يضمن تحقيق أرباح في حال زيادة نسبة المشاهدة».

ووفق عبد الجواد، فإن توجه «ميتا» وجميع المنصات نحو الفيديو انعكاس لتغيير لحق بسلوك الجمهور؛ لأن «الجمهور بات يميل إلى المحتوى الممتع والتفاعلي، حتى فيما يخص الأخبار. ووفقاً لبيانات سابقة فإن مقاطع الفيديوهات الإخبارية تُحقق معدلات وصول وتفاعل أفضل مقارنة بالمنشورات النصّية».


لبنان: «الترند» مفهوم يتحكّم بإيقاع الرأي العام

جاد شحرور (الشرق الأوسط)
جاد شحرور (الشرق الأوسط)
TT

لبنان: «الترند» مفهوم يتحكّم بإيقاع الرأي العام

جاد شحرور (الشرق الأوسط)
جاد شحرور (الشرق الأوسط)

منذ نحو 10 سنوات دخل مصطلح «الترند» إلى لغتنا اليومية، فأصبح جزءاً من الخطاب الإعلامي والشعبي.

هذا المصطلح يعني «الاتجاه» الدارج في أوساط الناس، ويُستخدم للدلالة على حدث يكتسب انتشاراً واسعاً خلال فترة زمنية قصيرة. وإعلامياً، ارتبط شيوع مفهوم «الترند» ارتباطاً وثيقاً بانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أسهمت منصات مثل «فيسبوك» و«إنستغرام» و«إكس» و«تيك توك» في منحه مساحة واسعة من الاهتمام، عاكسةً اهتمامات الناس وميولهم.

في لبنان، ارتبط أحدث «الترندات» بمناقشة ميزانية عام 2026 في مجلس النواب، إلى جانب تلك المتعلقة بأحوال الطقس من عواصف ثلجية وهطول كثيف للأمطار. كذلك تصدّرت فضيحة «أبو عمر» السياسية، واجهة «الترندات» لأيام متتالية، ولا تزال شريحة من اللبنانيين تتفاعل معها حتى اليوم. ولا تزال الأخبار المرتبطة بالشأن السوري تسجّل تفاعلاً مشابهاً، إضافة إلى ما أُطلق عليه «قانون الفجوة الاقتصادية».

وفي السياق نفسه، تُعدّ أغنية الفنانة هيفاء وهبي «بدنا نروق» من أبرز الأعمال الفنية التي تحوّلت إلى «ترند»، محققة تفاعلاً بالملايين، إلى حدّ أن عضو البرلمان النائبة سينتيا زرازير استخدمتها خلال مداخلتها المتعلقة بميزانية 2026.

أما عالمياً فقد انتشرت مقاطع فيديو (ريل) بشكل لافت تداولها الملايين. ومن بينها تلك التي ظهر فيها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وهو يردد عبارة «فور شور» بالإنجليزية. واستخدمت في حفلات السهر بحيث راح يمرّرها الموسيقيون في حفلاتهم الموسيقية لإثارة الحماس بين الساهرين.

في الحقيقة، لا يقتصر استخدام «الترند» اليوم على السياسة أو الفن، بل يمتدّ أيضاً إلى مجالات متعدّدة كالأزياء (الموضة) والاقتصاد والتكنولوجيا، حيث بات يُستخدم للدلالة على الأنماط السائدة والفئات الرائجة. وفي الفترة الأخيرة، خصّصت محطات التلفزيون فقرات ثابتة لـ«التراندات» تُشكّل مسك ختام نشراتها الإخبارية، وينتظرها اللبنانيون مساءً للاطلاع على أبرز ما يتصدّر المشهد محلياً وعالمياً. ومن بين هذه الفقرات «كونيكتد» على شاشة «إم تي في»، و«ريفريش» عبر شاشة «الجديد».

«الترند» صوت الناس

«كلمة ترند تعني، بالأساس، مساراً تغييرياً أو اتجاهاً جديداً مخالفاً لما درجت عليه العادة. وجرى اختزال هذا المصطلح بأمور متعدّدة ومختلفة لإعطائه ما كان لهذا المصطلح من أهمية في فهم تغيرات، وتوقع مسارات مستقبلية». بهذه الكلمات يختصر طارق عمّار، مدير «شركة آراء» للبحوث والاستشارات هذه الظاهرة. وفي رأيه، تكمن أهميته في المدة التي يستخدم خلالها، وتأثيرها على المجموعات المختلفة.

طارق عمّار (الشرق الأوسط)

عمّار أعطى مثالاً على ذلك عبارة «كلّن يعني كلّن» (كلّهم يعني كلّهم) التي انتشرت بشكل لافت، وبقي تأثيرها كـ«ترند» فعال منذ بدايته في عام 2015 حتى اليوم. وأضاف في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن أهمية هذا «الترند» تنبع من كونه نتج من القاعدة الشعبية، لا بقرار يعبّر عن رأي شريحة ضيقة، وسرعان ما تبنته شرائح مختلفة من الشعب. وكثيرون راهناً يحاولون البناء على قوة «الترندات» أو مواجهتها عبر خلق العديد منها، معتمدين على حسابات وهمية وشركات متخصّصة في بناء الوهم. لكن تعدّد المستخدمين وانتشارهم ووجود مؤسسات تتابع هذه الأعمال... عوامل أسهمت في إضعاف هذه النيات وتأثيرها على المدى الطويل.

واختتم عمّار: «باختصار، يمكن لأي جهة البناء على قوة المنصّات الرقمية، إلا أن ما يجعل الترند منتشراً ومستديماً ومؤثراً هو تعبيره عن حاجات دفينة لدى جموع الناس، تتفاعل معه وتتأثر به، ويغير من سلوكياتهم... وصحيح أن كثيرين يحاولون البناء عليه أو ضربه، إلا أن الترند يظل صوت الناس الذي يعلو من خلال تداول الوسم وتعزيزه بروابط محددة، فيؤدي إلى تغيير في آراء وسلوكيات المتابعين».

الإعلام تطوّر مع التكنولوجيا

من جهته، قال جاد شحرور، المسؤول والمدرب الإعلامي في «مؤسسة سمير قصير للإعلام» (سكايز)، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إن الإعلام شهد تطوراً ملحوظاً بفضل التكنولوجيا، و«بعد التسعينات، ومع دخول الإنترنت الحيز العام، فرض نفسه على هذا المجال. ثم، بعد ولادة المواقع الإلكترونية، ظهرت منصات التواصل الاجتماعي مثل (إنستغرام) و(تيك توك) وغيرهما. وهذا ما دفع الإعلام للدخول على خط هذه الوسائل بشكل مباشر».

وأردف شحرور: «بدأ الإعلام بإنشاء صفحات خاصة على هذه المنصّات، خصوصاً مع فورة انتشار الوسوم (الهاشتاغات). وأدخلت نشرات الأخبار والبرامج التلفزيونية فقرة الهاشتاغ، بينما اعتمد (تلفزيون المستقبل) قبلها فقرة (كلمة اليوم) لتكون بمثابة (فوكس بوب) مباشر من الواقع». وتابع: «تطوّر الأمر لاحقاً ليشمل الترويج لشخصيات أو أزمات معيّنة، كلها تدور تحت هذا العنوان. وبذا قرّر العديد من المحطات تخصيص فقرة في نشراتها الإخبارية لأهم الأحداث، تحت عنوان (ترند)، فصار جزءاً لا يتجزأ من سياسة صناعة المحتوى الإعلامي».

«ريفريش» يتابعها الملايين

أما نعيم برجاوي، رئيس تحرير المحتوى الرقمي في تلفزيون «الجديد»، فأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن إدراج فقرة خاصة بـ«الترند» ضمن نشرات الأخبار بات أمراً ضرورياً. وذكر أنه «كان من الطبيعي إدخال هذه الفقرة إلى النشرات لمواكبة العصر، فأحياناً يولد الترند من تقرير مصوّر أو خبر سياسي. ثم إن متابعة ما يتداوله روّاد وسائل التواصل الاجتماعي تلبّي اهتمام شريحة لا يُستهان بها من مشاهدي التلفزيون، وتضعهم على تماس مع ما يشغل المتابعين».

نعيم برجاوي (الشرق الأوسط)

واستطرد: «إننا نختار محتوى الفقرة بما يتناسب مع رغبات جمهورنا واهتماماته. والأمثلة كثيرة، كتقارير عن الطقس العاصف، أو انهيار مبنى، أو ارتكاب جريمة، أو خبر اغتيال. وسواء تألف المحتوى من تقارير مصوّرة أو لقطات من برامج تُعرض على شاشتنا، فهي تشكّل جزءاً من خياراتنا التحريرية».

استخدام «الترند» ما عاد مقتصراً على السياسة أو الفن، بل يمتدّ أيضاً إلى مجالات متعدّدة كالأزياء والاقتصاد والتكنولوجيا

سلطة ناعمة تفرض أجندة معيّنة

الدكتور محمود طربية، الأستاذ الجامعي المتخصص في الإعلام الرقمي، أدلى بدلوه في حوار مع «الشرق الأوسط»، فقال إن لـ«الترند» حسناته وسيئاته في آن معاً، «فهو من ناحية يضع جمهوراً واسعاً في حالة تفاعل مع أبرز الأحداث العالمية والمحلية...

د محمود طربيه (الشرق الأوسط)

لكنه، من ناحية أخرى، ينطوي على خطورة ما يُعرف بـ(نظرية القطيع)، حيث ينساق الناس خلف محتوى معيّن بدافع التقليد اللا واعي، فيتحوّل إلى عدوى رقمية تشبه الفيروسات، ولكن بطبيعة افتراضية». وأضاف: «(الترند) نمط أو موضة سريعة الانتشار وظرفية بطبيعتها». ومن منظور إعلامي، يمكن اعتباره مؤسِّساً لتفكير جماعي ونظريات معيّنة تُروَّج على نطاق واسع، فتتلقّفها الجماهير من دون نقاش. كما أن شريحة كبيرة من الناس تعاني مما يُعرف بـ«فوبيا» (FOMO)، أي رهاب تفويت أي معلومة رائجة «Fear of missing out».

وتابع أن «الترند» في الإعلام بات أشبه بـ«سلطة ناعمة» تفرض أجندات وسلوكيات معيّنة، وتؤثر في خيارات الناس عبر الخوارزميات والوسوم (الهاشتاغات) التي تحكم وسائل التواصل الاجتماعي، التي تقوم على تكرار عبارة أو شريط (ريل) معيّن... وفي بعض الأحيان نلاحظ انتشار «ترند» غير ذي قيمة، فيكون مفتعلاً عبر جيوش إلكترونية أو حملات موجّهة. أما الجانب الإيجابي لـ«الترند» فلخّصه طربيه، بالقول: «إنه يوفّر مساحة للتسلية والترفيه، ويُعدّ مؤشراً على حيويّة المجتمع وانخراطه في الشأن العام، كما يعكس نبض الشارع والاهتمامات التي تشغله».