العنصرية ضد الأفارقة في الهند مبنية على اتهامات باطلة وصور نمطية

تهدد استثماراتها مع القارة السوداء وتقضي على سنين من العمل الدؤوب

نشطاء هنود يتظاهرون ضد ما تعرض له الطلاب الأفارقة من عنصرية (أ.ف.ب)
نشطاء هنود يتظاهرون ضد ما تعرض له الطلاب الأفارقة من عنصرية (أ.ف.ب)
TT

العنصرية ضد الأفارقة في الهند مبنية على اتهامات باطلة وصور نمطية

نشطاء هنود يتظاهرون ضد ما تعرض له الطلاب الأفارقة من عنصرية (أ.ف.ب)
نشطاء هنود يتظاهرون ضد ما تعرض له الطلاب الأفارقة من عنصرية (أ.ف.ب)

أصبحت العلاقات بين الهند وبعض الدول الأفريقية على المحك، إثر سلسلة من الهجمات المزعومة بدوافع عنصرية ضد الطلاب الأفارقة الذين يعيشون ويدرسون في الهند. واندلعت أحداث العنف بسبب مزاعم أن الطلبة الأفارقة متورطون في عمليات لتهريب المخدرات، ووجت الاتهامات إلى أن بعضهم كان وراء وفاة شاب هندي نتيجة تناوله جرعات من المخدرات. واندلعت اشتباكات في ضواحي منطقة نويدا الكبرى في العاصمة الهندية دلهي التي يعيش فيها الطلاب الأفارقة من نيجيريا، بسبب اتهامهم بقتل أحد الفتيان الهنود المراهقين، واندفع الدهماء إلى تفتيش منازل الأفارقة بسبب مزاعم بأكل لحوم البشر! وخلصت تحقيقات الشرطة في وقت لاحق إلى وفاة الصبي بالتسمم وأن الوافدين النيجيريين لا علاقة لهم بالأمر. ومن بين نقاط الخلاف الرئيسية بين الدبلوماسيين الأفارقة المعتمدين لدى نيودلهي والسلطات الهندية هو تردد الأخيرة في الاعتراف بالعنصرية كدافع محتمل وراء كثير من أعمال العنف والهجمات. وفي موقف عدائي موحد ضد الهجمات العنصرية، اعترض ممثلو 44 دولة أفريقية على مزاعم الهند باتخاذ الإجراءات الرادعة حيالها. ولقد وصفوا الهجمات بأنها ناشئة عن «كراهية الأجانب وذات طبيعة عنصرية» الوصف الذي تحاول الهند التملص منه على الدوام.
يقول خبير الشؤون الاستراتيجية براهما شيلاني: «في الوقت الذي ترفع فيه الهند من مستوى علاقاتها الدبلوماسية مع البلدان الأفريقية لمواجهة الانتشار الصيني المتنامي في هذه القارة، فإن الاعتداءات التي لا معنى لها على المواطنين الأفارقة تلحق الأضرار البالغة بمصداقية الهند وصورتها في الخارج».
وهدد الدبلوماسيون بالسعي إلى إجراء تحقيق من قبل مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، والإبلاغ عن مخاوفهم بصورة شاملة إلى مفوضية الاتحاد الأفريقي. ودعوة المبعوثين لإجراء التحقيق بواسطة مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ناتج عن علمهم بموقف الهند المتصلب إزاء ذلك المجلس لاحتمال استضافته للمحادثات العسيرة التي تتعلق بقضية إقليم كشمير المتنازع عليه، ويشير إلى عمق حالة الغضب والسخط التي انتابتهم. ومثل هذه الخطوات، إذا ما اتخذت، قد تعني وضع الهند في موقف محرج على الصعيد الدولي.
بالنسبة للهند، فإن الحرج الناتج عن هجمات نويدا والعاصفة الدبلوماسية التي أعقبتها، هو حرج شديد وعميق، نظراً لأن تلك الأحداث جاءت في وقت تضطلع فيه حكومة مودي بأكبر مشاركة دبلوماسية مع أفريقيا منذ عقود. وخلال الشهرين الماضيين، عقدت الهند تبادلات دبلوماسية رفيعة المستوى مع البلدان الأفريقية، حيث يزور الهند كل من ملك سوازيلاند، ورئيس وزراء أوغندا، ونائب رئيس رواندا، بينما قام رئيس الوزراء الهندي، ورئيس ونائب رئيس الهند بزيارة 16 دولة أفريقية على مدى العامين الماضيين. وكل دولة أفريقية على حدود ليبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى، على الأقل، قد زارها أحد وزراء الحكومة الهندية كضيف شرف خلال الفترة الماضية. يقول مراقبون إن العلاقات الوثيقة بين الجانبين يمكن أن يعوقها الافتقار إلى الرد الفعال على الهجمات الأخيرة.
وإذا استمرت هذه الهجمات، فإن الاستثمارات الهندية في أفريقيا قد تنهار، كما حذر السيد شيلاني.
وكتب تونكو فاراداراجان أن النتيجة الفورية للهجمات العنصرية سوف تكون الانخفاض الحاد في دعم الدول الأفريقية لمحاولات الهند المستمرة للحصول على العضوية الدائمة في مجلس الأمن الدولي. وسوف تظهر آثار ذلك في أماكن أخرى أيضاً. حيث يمكننا توقع انخفاض في عدد الطلاب الأفارقة الذين يرغبون في الدراسة في الهند. وقد تتضرر السياحة الطبية أيضاً. حيث زار ما يقرب من 20 ألف مواطن نيجيري الهند في عام 2015 لأغراض طبية. وتعقد الهند قمة أفريقية مع كل الدول الأفريقية منذ عام 2008 بهدف تعزيز العلاقات الثنائية عبر كثير من المجالات. وكان آخر هذه الاجتماعات في عام 2015 الذي حضره أغلب رؤساء الدول الأفريقية تقريباً، وبذل رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي الجهود الخاصة للترحيب بهم واستقبال كل واحد منهم على حدة. وجاءت المقترحات بالتعاون في كثير من المجالات وجرى الاتفاق عليها. وكانت من أبرز المميزات تتعلق بصناديق الاستثمار ومجالات التصدير المختلفة.
ولقد اندلع الخلاف الدبلوماسي السابق في عام 2016، بسبب الغضب الحاد على مقتل أحد المواطنين من جمهورية الكونغو في مايو (أيار) في دلهي. ولقد اتُخذ قرار جماعي بإلغاء احتفالات يوم الهند في السفارات الأفريقية في الهند، كما هددوا أيضاً بالانسحاب من الفعالية التي نظمها المجلس الهندي للعلاقات الثقافية. وعلى الرغم من أن الاضطرابات قد هدأت وأجريت الاحتفالات في مواعيدها المحددة سلفاً، فإن النقطة الأهم قد تم التعبير عنها عبر وسائل الإعلام الوطنية والدولية.
قال السفير الإثيوبي وعميد المجموعة آليم تسيهاي ولد مريم: «بالنظر إلى مناخ الخوف وانعدام الأمن في دلهي، فإن رؤساء البعثات الأفريقية ليس أمامهم من خيار سوى التوصية إلى حكومات بلدانهم بعدم إرسال طلاب جدد إلى الهند، ما لم تضمن الحكومة الهندية أمنهم وسلامتهم».
ليست المصالح التجارية بعيدة عن هذه الأحداث. حيث عملت الهند على زيادة علاقاتها التجارية بشكل كبير مع أفريقيا في السنوات الأخيرة. وهي بالفعل أكبر شريك تجاري لأفريقيا في منطقة جنوب الصحراء الكبرى، ومن المتوقع أن تبلغ العلاقات التجارية الثنائية بين الهند وأفريقيا إجمالا إلى مبلغ 100 مليار دولار أميركي. وخلال القمة الهندية الأفريقية المنعقدة في عام 2015، والتي اعتبرت أكبر انتصار دبلوماسي تحرزه الحكومة الهندية، كان السخاء الهندي في أفضل صوره الممكنة. حيث عرضت الهند 10 مليارات دولار أميركي في صورة القروض الميسرة خلال السنوات الخمس المقبلة، إلى جانب منحة قدرها 600 مليون دولار، بما في ذلك إنشاء صندوق التنمية الهندي الأفريقي بقيمة 100 مليون دولار، والصندوق الصحي الهندي الأفريقي بقيمة 10 ملايين دولار.
كما تهدف الهند كذلك إلى الاستفادة من الموارد الطبيعية الكبيرة التي تحظى بها أفريقيا. بالإضافة إلى النفط والغاز الطبيعي، فإن ثاني أكبر قارة في العالم تملك احتياطيات ضخمة من الذهب، والفضة، والنحاس، والحديد، واليورانيوم، والألماس.
وهناك عدد من الشركات الهندية لديها مصالح واستثمارات كبيرة بالفعل في القارة الأفريقية، مع العمل في القطاعات الاستراتيجية التي تشمل الصناعات الزراعية، والمستحضرات الطبية، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والطاقة.
عند هذه المرحلة، سيكون من الخطأ الكبير بالنسبة للهند أن تحرق كل النيات الطيبة التي حازت عليها عبر عقود طويلة من خلال التهوين من شأن الأحداث السلبية التي يعاني منها المواطنون الأفارقة وتتجاهل المخاوف المشروعة التي أعربوا عنها مراراً وتكراراً. تقول ديفيتا شانديليا، الباحثة لدى مركز كوينت للعلاقات الدولية: «بدلاً من تولي الحكومة الهندية موقفاً ممتازاً عبر الامتيازات التي تعززها الدبلوماسية الاقتصادية التي تمارسها، ينبغي عليها أن تعتمد موقفاً من الاحترام والتعاطف المتبادل، بدءاً من الاعتراف بالمشكلة العنصرية القائمة، واتخاذ التدابير الموثوقة للتصدي لهذه المشكلة. إن التغطية الإعلامية السلبية لهذه الأحداث من شأنها إلحاق الضرر بالجهود الدبلوماسية الهندية لجذب الاستثمارات من القارة الغنية بالموارد. ولقد سعى رئيس الوزراء الهندي إلى تعزيز العلاقات التجارية والاستثمارية مع البلدان الأفريقية عبر العامين الماضيين، في محاولة من الحكومة الهندية لمواجهة النفوذ الصيني المتزايد هناك».



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...